إن من الأصول العلمية للتأكد من اسم كتاب من كتب أهل العلم: نصّ المؤلِّف على اسمه فيه، أو في غيره من مؤلَّفاته، فيكون على حَدِّ المثل السائر: (قطعت جهيزةُ قولَ كلِّ خطيب).
والناظرُ في هذا الكتاب يجد أنّ مؤلِّفَه الحافظَ ابنَ حجر لم ينص في خطبته ولا خلاله - حسب اطلاعنا - على تسميته بـ: "تهذيب التهذيب"، إلا أن المتتبع لكتب الحافظ الأخرى يجده في بعضها قد نَصَّ على ذلك؛ ومن ذلك:
قوله في كتابه "تعجيل المنفعة" (^١): (وكنتُ قد لخصتُ "تهذيب الكمال"، وزدتُ عليه فوائدَ كثيرةً، وسَمَّيْتُه: "تهذيب التهذيب"، وجاء نحو ثلث الأصل).
وقال في "فتح الباري" (^٢): (وقد بيّنتُ ذلك في "تهذيب التهذيب").
وقال في "القول المسدد في الذب عن مُسْنَد الإمام أحمد" (^٣): (فقد استوعبت كلام المتقدمين فيه [يعني إسماعيل بن عياش] في كتابي "تهذيب التهذيب").
_________________
(١) (١/ ٢٣٦).
(٢) (١٣/ ٣٢٤).
(٣) (ص ١٣).
[ المقدمة / ٥٧ ]
وقد يُطلق عليه اختصارًا: "التهذيب"؛ كما في قول الحافظُ نفسه: (لستُ راضيًا عن شيءٍ من تصانيفي؛ لأني عملتُها في ابتداء الأمر، ثم لم يتهيّأ لي من يُحرِّرها معي سوى "شرح البخاريّ"، و"مُقدِّمته"، و"المشتبه"، و"التهذيب" و"لسان الميزان" (^١).
كما قد يَصِفُه الحافظُ بالمختصَر؛ باعتبار أنه مُختصَرٌ من كتاب "تهذيب الكمال"؛ كما في قوله نهاية المجلد الأوَّل من نُسخته الخطية: (آخرُ المجلدة الأولى من مُخْتَصَر التَّهذيب؛ على يد مُخْتَصِره أحمد بن علي بن مُحمَّد بن حَجَر عفا الله تعالى عنه، وذلك في ثالث عشر جُمَادى الأولى سنة سَبْع وثمانمائة بالقاهرة) (^٢).
وقال أيضًا في نهاية الكتاب: (وقد كُتِبَتْ من هذا الكتاب غيرُ نُسخةٍ، ثم إنني في زمن الاشتغال ألحقتُ فيه أشياء كثيرةً، وظهر من هوامش هذه النُّسخة أنْ هي نسخة الأصل، فمن ظَفِرَ بها ممّن له نُسخة من هذا المختصر فَلْيُلْحِقْها، فإنِّي ألحقتُ فيها تراجم كثيرةً جدًّا في سنة ستٍّ وسبعٍ وأربعين …) (^٣).
وقال في موضعٍ آخر: ( والذين ألحقتهم من رواية ابن الأحمر أضعاف ذلك، وأرجو إذا تم ذلك أن أُجَرِّدَ جميع ما زاد على "التهذيب" في هذا المختصَر في كتاب مُفْرَد يكون ذيلًا عليه ينتفع (^٤) به من له نسخة قبل التهذيب، وبالله التوفيق) (^٥).
وقد جاء وصفُه لهذا الكتاب "تهذيب التهذيب" بالمختصَر في كُتبه
_________________
(١) انظر: "الجواهر والدرر" (٢/ ٦٥٩).
(٢) انظر: النسخة الخطية الأصل (١/ ق ٢٩٩/أ).
(٣) انظر الأصل (٣/ ق ٣١٤/أ).
(٤) طُمِسَت الحروف الثلاثة الأولى من هذه الكلمة في الأصل.
(٥) انظر: الأصل (٣/ ٣١٤/ أ).
[ المقدمة / ٥٨ ]
الأخرى أيضًا؛ فقد قال في ترجمة إبراهيم بن أعين من كتابه من كتابِه "لسان الميزان" (^١): (أشبعتُ القولَ فيه في مُختصر "التهذيب") (^٢).
وفي معنى ذلك: وصفُه له بتلخيص "التهذيب"؛ كما في كتابِه "التمييز في تخريج أحاديث شرح الوجيز" (^٣).
وأما عن صحة نسبته مؤلِّفًا إلى الحافظَ ابنَ حجر فهو أمرٌ لا ريبَ فيه، ويدل على ذلك عدة أمور:
أولُها: نَصُّ المؤلِّف نفسه على أنّ هذا الكتاب من تصانيفه، كما تقدَّم نَقْلُه عنه آنفًا في كتابيه "تعجيل المنفعة" و"القول المسدَّد".
وكذا فيما نقله تلميذه السخاوي في "الضوء اللامع" (^٤) عنه أنه قال في ترجمة حماد بن عبد الرحيم بن علي بن عثمان المعروف بابن التركماني: (وكان شديدَ المحبّة للحديثِ وأهلِه، ولمحبتِه فيه كَتَبَ كثيرًا من تصانيفي ك: "تغليق التَّعْلِيق"، و"تهذيب التَّهْذِيب"، و"لسان الميزان، وغير ذلك).
ثانيها: اشتهار نسبة الكتاب إليه، بل تواتر ذلك واستفاضته، بحيث يقطع المطلِع المتخصِّص في هذا العلم بكونه له، ولا يتخلّله من ذلك أدنى شكّ.
ثالثها: أن العلماء الذين عُنوا بذكر تصانيف الحافظَ ابنَ حجر ممّن ترجموا له نسبوه مُصنِّفًا إليه، كتقيِّ الدين بن فهد في "لحظ الألحاظ" (^٥)، والسخاويِّ في "الجواهر والدرر" (^٦).
_________________
(١) (١/ ٢٤٦).
(٢) وانظر أيضًا: "إتحاف المهرة" (٩/ ٥٤٩) (١٣/ ٤٨٥)، و"تغليق التعليق" (٢/ ٤٧٠).
(٣) (٢/ ١٣٢٢).
(٤) (٣/ ١٦٢؛ برقم ٦٢٢).
(٥) (ص ٣٣٣).
(٦) (٢/ ٦٨٢).
[ المقدمة / ٥٩ ]
رابعها: أن عددًا من أصحاب الفهارس نسبوا هذا الكتاب إليه، كالكتاني في "الرسالة المستطرفة" (^١)، وحاجي خليفة في "كشف الظنون" (^٢).
خامسها: أن النسخ الخطية للكتاب متفقةٌ على نسبته مؤلَّفًا إليه؛ ففي صفحة عنوان النسخة المحمودية - مثلًا - كتب ابن حسّان - ناسخُها - بخطِّ يده: (الأول من "تهذيب التهذيب"؛ لشيخنا حافظ العصر ابن حجر) (^٣).
سادسها: كثرة إحالات الحافظَ ابنَ حجر نفسه على هذا الكتاب في كتبه الأخرى؛ كـ "الفتح"، و"اللِّسان"، و"تعجيل المنفعة"، وغيرها؛ قائلًا: (وقد بيّنتُ ذلك في "تهذيب التهذيب") (^٤)، أو (حرّرتُ ذلك في "تهذيب التهذيب" (^٥)، ونحو ذلك.
سابعها: وهو عكس الذي قبله؛ حيث يُحيل الحافظ في هذا الكتاب على كتبه الأخرى، كقوله في ترجمة عُمر بن راشد الجاريّ من "تهذيب التهذيب": (وقد ذكرتُ له ترجمةً طويلةً في " (لسان الميزان) (^٦).
وقولِه في ترجمة حَنَش بن المعتمر الكوفيّ: (وقد بينتُ ذلك في كتابي "الإصابة") (^٧).
وقوله في ترجمة مطعم بن المقدام الصَّنعاني: (وقد بيّنت ذلك في "تخريج أحاديث الأذكار") (^٨).
_________________
(١) (ص ٢٠٩).
(٢) (٢/ ١٥١٠).
(٣) (١/ ق ١/ أ).
(٤) "فتح الباري" (١٣/ ٣٢٤).
(٥) "تعجيل المنفعة" (١/ ٣٩٠).
(٦) (٧/ ٤٤٦ - ٤٤٧؛ ط. الهندية).
(٧) "تهذيب التهذيب" (٣/ ٥٨ - ٥٩).
(٨) المصدر السابق (١٠/ ١٧٧).
[ المقدمة / ٦٠ ]
وقوله في ترجمة المطَوِّس عن أبي هريرة: (وبينتُ ذلك في "تغليق التعليق") (^١).
ثامنها: نقل بعض أهل العلم في كتبهم نصوصًا عن الحافظ ابن حجر، وهي بحروفِها في هذا الكتاب مثل: قول الحافظُ السخاويِّ في ترجمة إسحاق بن سعد بن عُبادة الخزرجي من كتابه "التحفة اللطيفة" (^٢): (قال شيخُنا: وينبغي إن صح سماعُه من أبيه أن يُذكر في الصحابة؛ لأن أباه مات بعد النَّبيِّ ﷺ بيسيرٍ) اهـ.
وهذه العبارة بحروفها قالها الحافظُ ابن حجر في الترجمة المذكورة من "تهذيب التهذيب" (^٣).
وقال السخاويُّ أيضًا في ترجمة شعبة بن دينار الهاشمي من "التحفة" (^٤): (قال) [يعني أبا الحسن بن القطان]: ومالكٌ لم يُضعِّفه، وإِنَّما شحَّ عليه بلفظ: "ثقة". قال شيخُنا: وهذا التأويل غيرُ سائغٍ؛ بل لفظة: "ليسَ بثقةٍ" في الاصطلاح توجب الضَّعف الشَّديد، وقد قال ابن حِبَّان: روى عن ابن عبَّاس ما لا أصل له حتَّى كأنَّه ابن عبّاس آخر. انتهى).
وهذا الكلام بحروفه قاله الحافظَ ابنَ حجر في الترجمة المذكورة من "تهذيب التهذيب" (^٥).
آخرُها: السماع المثبَت بخط الحافظ السخاويِّ في آخر المجلد الأول نسخة ولي الدين -؛ النسخة الأصل لهذا الكتاب؛ وفيه: (الحمدُ الله،
_________________
(١) المصدر السابق (١٠/ ١٨٠).
(٢) (١/ ٢٩١).
(٣) (١/ ٢٣٣).
(٤) (٢/ ٢٢٠).
(٥) (٤/ ٣٤٧).
[ المقدمة / ٦١ ]
وسلامٌ على عباده الذين اصطفى وبعد: فقد سَمِعَ جميع هذا المجلد على مؤلِّفه؛ سيدنا ومولانا وشيخنا، شيخ الإسلام والحفاظ، ملك العلماء الأعلام، أمير المؤمنين في الحديث أبي الفضل، شهاب الملة والدين، أحمد العسقلاني، الشهير بابن حجر، أدام اللهُ النفعَ به للمسلمين، بقراءة الشيخ الإمام العلّامة مفتي المسلمين شمس الدين محمّد بن حسّان الموصليّ نفع الله به: كاتبُه (^١) العُبيد أبو الخير محمد بن عبد الرحمن بن محمد بن أبي بكر بن عثمان السخاوي الشافعيّ - غفر اللهُ ذُنوبه، خلا فواتات فقرأتُها فكمل، والشيخُ المحدِّثُ المفيد شمس الدين محمّد بن علي بن قمر الحُسينيّ سكنًا بفواتاتٍ مضبوطةٍ عنده، وجماعةٌ آخرون مفوتون ..، كتبه محمّد السخاوي - غفر الله ذنوبَه -) (^٢).