لقد كان لعمر ﵁ دور هام، ومكانة متميزة في حياته مع النبي ﷺ وسأعرض لذكرها هنا إن شاء الله.
أولًا: كان ﵁ مستشارًا للنبي ﷺ.
قال ﵁: كان رسول الله ﷺ يسمر مع أبي بكر في الأمر من أمر المسلمين وأنا معهما (^١).
وقال ﷺ لأبي بكر وعمر: "لو اتفقتما لي ما شاورت غيركما" (^٢).
_________________
(١) رواه الترمذي / السنن ١/ ١١٠، وإسناده متصل ورجاله ثقات. قال: حدّثنا أحمد بن منيع حدّثنا أبو معاوية عن الأعمش عن إبراهيم عن علقمة عن عمر ابن الخطاب، قال: كان … الأثر. فالأثر صحيح وصححه الشيخ الألباني في صحيح سنن الترمذي ١/ ٥٥.
(٢) رواه إسحاق بن راهويه / المسند ٢/ ٨٨، ٨٩، أحمد / المسند ٤/ ٢٢٧، وإسناده عند إسحاق فيه محمد بن السائب الكلبي متهم بالكذب تق ٣٣٣، وفيه عند أحمد شهر بن حوشب صدوق كثير الأوهام تق ٢٦٩، وقال الترمذي: قال أحمد بن حنبل: لا بأس بحديث عبد الحميد بن بهرام عن شهر ابن حوشب، تهذيب الكمال ١٢/ ٥٨٤، وشهر هنا يروي عنه عبد الحميد وقد رمز الذهبي لشهر بن حوشب بـ (صح) وهي علامة تعني ترجيح التوثيق، وبقية رجاله عند أحمد ثقات، فالأثر حسن.
[ ١ / ٤٧٩ ]
وروي أن النبي ﷺ قال: "إن الله أمرني أن أتخذ عمر مشيرًا" (^١).
ثانيًا: كان عمر ﵁ من جباة الزكاة وعمال الصدقة للنبي ﷺ وممن يأتمنه النبيّ ﷺ على أمول المسلمين.
استعمل ﵁ عبد الله بن السعدي (^٢) على الصدقة، فلما فرغ من عمله أعطاه عطاءه، وعمالته، فقال: إنما عملت وأجري على الله، فقال عمر: خذ ما أعطيت، فإني عملت على عهد رسول الله ﷺ فَعَمَّلني (^٣)،
_________________
(١) رواه ابن عساكر / تاريخ دمشق ص ١٠٤، وفي إسناده محمد بن عبد الله بن أحمد بن عمر بن كعب بن مجبر لم أجد له ترجمة، ودريد بن مجاشع لم أجد له ترجمة كذلك وفيه أبو أيوب العتكي، ثقة من الثالثة تق ٦٢٠، يروي عن علي ﵁ ولم يظهر لي هل سمع منه أم لم يسمع منه.
(٢) عبد الله بن السعدي القرشي العامري اسم أبيه وقدان وقيل غير ذلك، صحابي يقال مات في خلافة عمر ﵁، وقيل عاش إلى خلافة معاوية ﵁. تق ٣٠٥.
(٣) عَمَّلني: أي أعطاني أجرة عملي. النووي / شرح مسلم ٧/ ١٣٧.
[ ١ / ٤٨٠ ]
فقلت مثل قولك، فقال لي رسول الله ﷺ: "إذا أعطيت شيئًا من غير أن تسأل فكل وتصدق" (^١).
ولم يبين عمر ﵁ العمل الذي استعمله عليه النبي ﷺ، وثبت أن النبي ﷺ بعثه لجباية الصدقات (^٢).
ثالثًا: كتابته للوحي.
فقد ذكر أهل السير أنه كان من كتاب الوحي للنبي ﷺ (^٣).
ومن المهام التي روي أن عمر ﵁ قام بها في حياة النبي ﷺ:
- بعث النبي ﷺ له مبلغًا عنه.
فقد روي أن النبي ﷺ لما قدم المدينة جمع نساء الأنصار في بيت فأرسل إليهن عمر بن الخطاب ﵁، فقام عمر على الباب فسلم
_________________
(١) رواه البخاري / الصحيح ١/ ٢٥٧، ٤/ ٢٣٨، مسلم / الصحيح / شرح النووي ٧/ ١٣٤ - ١٣٧، النسائي / السنن ٥/ ١٠٢ - ١٠٥ وغيرهم.
(٢) ثبت ذلك عند مسلم في الصحيح، فعن أبي هريرة قال: بعث رسول الله ﷺ عمر على الصدقة … الحديث / شرح النووي ٧/ ٥٦.
(٣) ذكر ذلك ابن كثير ﵀ في السيرة النبوية ٤/ ٦٩٢، والخزاعي في تخريج الدلات السمعية ص ٤٥٧، ولم أقف على نص مسند في ذلك، والله أعلم.
[ ١ / ٤٨١ ]
عليهن، فرددن ﵇، فقال: أنا رسول رسول الله ﷺ إليكن … الحديث (^١).
- قيامه بالفتوى والقضاء.
فقد روي أن عمر ﵁ كان من أهل الفتوى في حياة النبي ﷺ وأنه كان من قضاة النبي ﷺ (^٢).
_________________
(١) رواه أحمد / المسند ٥/ ٨٥، أبو داود / السنن ١/ ٢٩٦، أبو يعلى / المسند ١/ ١٩٦، ١٩٧، البيهقي / السنن الكبرى ٣/ ١٨٤، شعب الإيمان ٧/ ٢١ / زغلول، المقدسي / المختارة ١/ ٤٠٢، ٤٠٣، ومداره على إسماعيل بن عبد الرحمن بن عطية الأنصاري، ذكره ابن حبان في الثقات ٤/ ١٨، وقال ابن حجر: مقبول تق ١٠٨، وبقية رجاله عند أبي يعلى ثقات. وقد ضعفه الشيخ الألباني في ضعيف سنن أبي داود ص ١١٠.
(٢) رواه ابن سعد / الطبقات ٢/ ٣٣٤، ٣٣٥، من طريق الواقدي، فالأثر ضعيف، ولكن قيام عمر ﵁ بالفتيا والقضاء على عهد النبي ﷺ أمر ممكن لشهادة النبي ﷺ له بالعلم وموافقة الحق وكم من القضايا التي أفتى فيها عمر ﵁ ووافقه عليها القرآن والنبي ﷺ. قال أبو بكر بن العربي ﵀: وقع في بعض نسخ الترمذي: أن عثمان قال لابن عمر: أقض بين الناس، قال: لا أقض بين رجلين، قال: إن أباك كان يقضي، قال: إن أبي كان يقضي فإن أشكل عليه شيء سأل رسول الله ﷺ، فإن أشكل على رسول الله ﷺ سأل جبريل، وإني لا أجد من أسأل، وقد سمعت رسول الله ﷺ يقول: "من عاذ بالله فقد عاذ"، وإني أعوذ بالله منك أن تجعلني قاضيًا فأعفاه. وقال: لا تخبرن أحدًا. عارضة الأحوذي ٦/ ٦٤، وانظره في مشكاة المصابيح ٢/ ١١٠٥، ولم يتكلم عليه الشيخ الألباني.
[ ١ / ٤٨٢ ]
- مشاركته في بناء مسجد قباء ومسجده ﷺ.
روي أن عمر ﵁ كان يأتي مسجد قباء يوم الاثنين والخميس فجاء يومًا فلم يجد فيه أحدًا من الناس، فقال: مالي لا أرى في هذا المسجد أحدًا من الناس، والذي نفسي بيده لقد رأيت رسول الله ﷺ وأبا بكر وأناسًا من أصحابه ونحن ننقل حجارته على بطوننا وإن رسول الله ﷺ لهو أسسه بيده وجبريل يؤم له الكعبة (^١).
_________________
(١) رواه البخاري / التاريخ الكبير ١/ ٤٠١، ٤٠٢، البزار / المسند ١/ ٤٣٠، وفي إسناديهما عبد العزيز بن محمد الدراوردي، صدوق يحدث من كتب غيره فيخطئ. تق ٣٥٨، وفيه إسحاق بن المستورد ذكره البخاري في تاريخه الكبير ١/ ٤٠١، وابن أبي حاتم في الجرح والتعديل ٢/ ٢٣٥، ولم يذكر فيه جرحًا ولا تعديلًا، وذكره ابن حبان في الثقات ٦/ ٥٢، وفيه عبد الرحمن بن جارية قيل اسمه محمد بن عبد الرحمن بن جارية وقيل محمد بن عمرو بن جارية ولم يتبين لي من هو ولم أجد له ترجمة، فالحديث ضعيف، وذكر السهيلي أن ابن أبي خثيمة ذكر أن رسول الله ﷺ حين أسس مسجد قباء كان أول من وضع حجرًا في قبلته، ثم جاء أبو بكر بحجر فوضعه، ثم جاء عمر بحجر فوضعه إلى حجر أبي بكر، ثم أخذ الناس في البنيان. الروض الأنف ٢/ ٢٤٦، ولم أقف عليه في تاريخ ابن أبي خيثمة، وقد روى نحو هذا الحديث في بنائه مسجده ﷺ وهو حديث ضعيف سيأتي الكلام عليه عند ذكر تولي عمر الخلافة إن شاء الله. وقد ثبت في الصحيح أن النبي ﷺ شارك الأنصار في نقل حجارة مسجده ﷺ لما بناه. فتح الباري ١/ ٥٢٤، ولا شكّ أنّ بقية الصحابة من المهاجرين وخاصة أبو بكر وعمر شاركوا في نقل الحجارة والبناء معه ﷺ.
[ ١ / ٤٨٣ ]
- مشاركته ﵁ في الغزوات مع النبي ﷺ.
لقد شارك عمر ﵁ النبي ﷺ ولازمه في جميع غزواته وكان له في تلك الغزوات مواقف خلدها القرآن الكريم والسنة المطهرة.
فقد شارك ﵁ النبي ﷺ في غزوة بدر الكبرى (^١) وهي الغزوة التي فرق الله بها بين الحق والباطل، ومن مواقفه المشهورة فيها موقفه من أسارى بدر من المشركين، فقد استشار النبي ﷺ فيهم أبا بكر وعمر ﵄، فقال: "ما ترون في هؤلاء الأسارى؟ " فقال أبو بكر: يا نبي الله، هم بنو العم والعشيرة، أرى أن تأخذ منهم فدية، فتكون لنا قوة على الكفار، فعسى الله أن يهديهم للإسلام، فقال رسول الله
_________________
(١) كانت غزوة بدر الكبرى في يوم الجمعة صبيحة سبع عشرة من رمضان من السنة الثانية للهجرة. ابن هشام / السيرة النبوية ٢/ ٣٢٠.
[ ١ / ٤٨٤ ]
ﷺ: "ما ترى يابن الخطاب"؟ فقال عمر: لا والله يا رسول الله ما أرى الذي رأى أبو بكر، ولكني أرى أن تمكننا فنضرب أعناقهم، فتمكن عليًا من عقيل (^١) فيضرب عنقه، وتمكني من فلان (نسيبًا لعمر) فأضرب عنقه، فإن هؤلاء أئمة الكفر وصناديدها، فهوي رسول الله ﷺ ما قال أبو بكر ولم يهو ما قال عمر ﵄، فلما كان من الغد جاء عمر ﵁ فإذا رسول الله ﷺ وأبو بكر قاعدين يبكيان، فقال: يا رسول الله، أخبرني من أي شيء تبكي أنت وصاحبك، فإن وجدت بكاء بكيت وإن لم أجد تباكيت لبكائكما، فقال رسول الله ﷺ: أبكي للذي عرض علي أصحابك من أخذ الفداء، لقد عرض علي عذابهم أدنى من هذه الشجرة (شجرة قريبة من نبي الله ﷺ) وأنزل الله ﷿: ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الأَرْضِ﴾ إلى قوله: ﴿فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلالًا طَيِّبًا﴾ (^٢).
_________________
(١) عَقيل بن أبي طالب بن عبد مناف القرشي أخو علي وجعفر وكان الأسن، تأخر إسلامه إلى عام الفتح، وقيل أسلم بعد الحديبية، مات في خلافة معاوية ابن أبي سفيان. ابن حجر/ الإصابة ٢/ ٤٩٤.
(٢) سورة الأنفال الآيات (١٧ - ١٩). صحيح تقدم تخريجه في ص: (٣٧٢).
[ ١ / ٤٨٥ ]
وكان ﵁ مع النبي ﷺ في غزوة أحد (^١) ومن مواقفه الفاضلة فيها بعد أن أصاب المسلمين ما أصابهم من القرح واثخنت فيهم الجراح وكثر شهداؤهم وهدأ القتال قام أبو سفيان فقال: أفي القوم محمد؟ ثلاث مرات، فنهاهم النبي ﷺ أن يجيبوه، ثم قال: أفي القوم ابن أبي قحافة؟ ثلاث مرات، ثم قال: أفي القوم ابن الخطاب؟ ثلاث مرات ثم رجع إلى أصحابه، فقال: أما هؤلاء فقد قتلوا، فما ملك عمر ﵁ نفسه، فقال: كذبت يا عدو الله إن الذين عددت لأحياء كلهم، وقد بقي لك ما يسؤك (^٢).
وقاتل ﵁ المشركين يوم الخندق (^٣) مع رسول الله ﷺ حتى شغلوا عن صلاة العصر، فجعل ﵁ يسب كفار قريش، وقال: يا رسول الله، والله ما كدت أن أصلي العصر حتى كادت أن تغرب الشمس، فقال رسول الله ﷺ: "فوالله إن صليتها"، فنزلنا بطحان (^٤)، فتوضأ
_________________
(١) كانت غزوة أحد في شوال سنة ثلاث من الهجرة. ابن هشام / السيرة النبوية ٣/ ٨٦.
(٢) رواه البخاري / الصحيح ٢/ ١٧٥، عبد الرزاق / المصنف ٥/ ٣٦٣، أحمد / المسند ١/ ٢٨٨، ٤/ ٢٩٣ وغيرهم.
(٣) كانت غزوة الخندق في شوال سنة خمس من الهجرة. ابن هشام / السيرة ٣/ ٢٩٨.
(٤) بُطَحان: يصدر بطحان من ذي حدر، فجفاف وهي قرية قربان، ثم يسيل في فضاء متسع ويستبطن بعده وادي بطحان، ويذهب حتى غربي مسجد الفتح، حيث منتهى وادي بطحان، ثم يسير إلى زغابه. عبد القدوس الأنصاري / آثار المدينة ص ٢٢٩.
[ ١ / ٤٨٦ ]
رسول الله ﷺ، وتوضأنا، فصلى رسول الله ﷺ بعدما غربت الشمس، ثم صلى بعدها المغرب (^١).
وفي غزوة بني المصطلق (^٢) كان لعمر ﵁ موقف حازم من زعيم المنافقين عبد الله بن أبي بن سلول، فقد حدث في هذه الغزوة أن رجلًا من المهاجرين كسع (^٣) رجلًا من الأنصار، فقال الأنصاري: يا للأنصار، وقال المهاجري: يا للمهاجرين، فسمع بذلك رسول الله ﷺ فقال: "ما بال دعوا الجاهلية"؟ قالوا: يا رسول الله كسع رجل من المهاجرين رجلًا من الأنصار، فقال: "دعوها فإنها منتنة"، فسمع بذلك
_________________
(١) رواه البخاري / الصحيح ١/ ١١٢/١١٨، ١١٩، مسلم / الصحيح / شرح النووي ٥/ ١٣١، ١٣٢.
(٢) كانت غزوة بني المصطلق في شعبان سنة ست من الهجرة. ابن هشام / السيرة ٣/ ٤٠١. وبنو المصطلق هم: بنو جذيمة بن سعد بن عمرو بن ربيعة بطن من خزاعة من القحطانية، واسم المصطلق جذيمة. عمر رضا كحالة / معجم قبائل العرب ٣/ ١١٠٤، ١١٠٥.
(٣) الكَسْعُ: أن تضرب بيدك أو برجلك بصدر قدمك على دبر إنسان أو شيء. ابن منظور / لسان العرب ١٢/ ٩٢، ٩٣.
[ ١ / ٤٨٧ ]
عبد الله بن أبي، فقال: فعلوها، أما والله لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل، فبلغ النبي ﷺ، فقام عمر ﵁ فقال: يا رسول الله، دعني أضرب عنق هذا المنافق، فقال النبي ﷺ: "دعه لا يتحدث الناس أن محمّدًا يقتل أصحابه" (^١).
وكان ﵁ مع النبي ﷺ يوم الحديبية (^٢) وهو اليوم الذي عقد فيه النبي ﷺ الصلح بين المسلمين وبين كفار قريش.
قال جابر بن عبد الله ﵄: كنا يوم الحديبية أربع عشرة مائة، فبايعناه (أي النبي ﷺ) وعمر آخذ بيده تحت الشجرة وهي سمرة، فبايعناه غير جد بن قيس الأنصاري (^٣) أختبأ تحت بطن بعيره (^٤).
_________________
(١) رواه البخاري / الصحيح ٢/ ٢٦٨، ٣/ ٢٠٣، ٢٠٤، ابن إسحاق / السيرة النبوية لابن هشام ٣/ ٤٠٢، ٤٠٣، عبد الرزاق / المصنف ٨/ ٤٦٨، أحمد / المسند ٣/ ٣٩٢ وغيرهم.
(٢) تقدم التعريف بها في ص: ٢٢٤.
(٣) الجد بن قيس بن صخر بن خنساء الأنصاري السلمي ابن عم البراء بن معرور، وكان ممن يظن فيه النفاق، وفيه نزل قوله تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ ائْذَنْ لِي وَلا تَفْتِنِّي﴾ الآية، وقيل إنه تاب وحسنت توبته وتوفي في خلافة عثمان ﵁. ابن الأثير / أسد الغابة ١/ ٢٧٤، ٢٧٥.
(٤) رواه مسلم / الصحيح / شرح النووي ١٣/ ٢، ٣، أحمد / المسند ٣/ ٣٩٦ وغيرها.
[ ١ / ٤٨٨ ]
وموقفه ﵁ من صلح الحديبية مشهور، فقد أعطت بنود هذا الصلح قريشًا حقوقًا وصلاحيات حرم منها المسلمون، فكان من تلك البنود: أن من أتى النبي ﷺ مسلمًا من قريش رده إليهم، فقال المسلمون: سبحان الله، كيف يرد إلى المشركين وقد جاء مسلمًا؟! فبينما هم كذلك إذ دخل أبو جندل بن سهيل بن عمرو يرسف (^١) في قيوده وقد خرج من أسفل مكة حتى رمى بنفسه بين أظهر المسلمين، فقال سهيل (^٢): هذا يا محمد أول ما أقاضيك عليه أن ترده إلي، فقال النبي ﷺ: "فأجزه لي"، قال: ما أنا بمجيزه لك، قال: "بلى فافعل"، قال: ما أنا بفاعل، قال مكرز (^٣): بل قد أجزناه، قال أبو جندل: أي معشر المسلمين أرد إلى المشركين وقد جئت مسلمًا ألا ترون ما لقيت؟ وكان قد عذب عذابًا
_________________
(١) يَرسف: مشي المقيد إذا جاء يتحامل برجله مع القيد. ابن الأثير / النهاية في غريب الحديث ٢/ ٢٢٢.
(٢) سهيل بن عمرو بن عبد شمس القرشي العامري، كان أحد أشراف قريش، وكان من مسلمة الفتح. ابن حجر / الإصابة ٢/ ٩٣، ٩٤.
(٣) مُكَرِّز هو ابن حفص ذكر في أول الحديث، أتى النبي ﷺ من قبل قريش، ليتفاوض معه وقال النبي ﷺ: "هذا مكرز وهو رجل فاجر".
[ ١ / ٤٨٩ ]
شديدًا في الله (^١)، فقال عمر بن الخطاب: فأتيت النبي ﷺ فقلت: ألست نبي الله حقًا؟ قال: "بلى"، قلت: ألسنا على الحق، وعدونا على الباطل؟ قال: "بلى"، قلت: فلم نعط الدنية في ديننا إذا؟!
قال: "إني رسول الله، ولست أعصيه، وهو ناصري"، قلت: أوليس كنت تحدثنا أنا سنأتي البيت فنطوف به؟ قال: "بلى، فأخبرتك أنا نأتيه العام"؟ قلت: لا، قال: "فإنك آتيه ومطوف به"، قال عمر: فأتيت أبا بكر فقلت: يا أبا بكر أليس هذا نبي الله حقًا؟ قال: بلى، قلت: ألسنا على الحق، وعدونا على الباطل؟ قال: بلى، قلت: فلم نعط الدنية في ديننا إذًا؟!
_________________
(١) وفي رواية: أن عمر ﵁ قام يمشي إلى جنب أبي جندل، وأبوه يتلوه وعمر يقول: أبا جندل، اصبر فإنما هم المشركون، إنما دم أحدهم دم كلب وجعل عمر يدني منه قائم السيف، قال عمر: رجوت أن يأخذه، فيضرب به أباه فضن بأبيه. رواه ابن إسحاق / السيرة النبوية لابن هشام ٣/ ٤٤١، ٤٤٢. البيهقي / السنن الكبرى ٩/ ٢٢٧، وإسنادها عند ابن إسحاق موقوف على الزهري وفي إسنادها عند الطبري أحمد بن عبد الجبار ضعيف وسماعه للسيرة صحيح، وفيه يونس بن بكير صدوق يخطئ. تق ٦١٣، ووثقه ابن معين وابن أبي حاتم، وقال الذهبي: أحد أئمة الأثر والسير. ميزان الاعتدال ٤/ ٤٧٧، وبقية رجاله ثقات سوى محمد بن إسحاق فهو صدوق، فالرواية حسنة.
[ ١ / ٤٩٠ ]
قال: أيها الرجل، إنه لرسول الله ﷺ، وليس يعصي ربه، وهو ناصره، فاستمسك بغرزه (^١)، فوالله إنه على الحق، قلت: أليس كان يحدثنا أنا سنأتي البيت ونطوف به؟ قال: بلى، فأخبرك أنك تأتيه العام؟ قلت: لا، قال: فإنك آتيه ومطوف به (^٢).
وروي أن النبي ﷺ دعا عمر ﵁ ليبعثه إلى مكة عام الحديبية، فيبلغ عنه أشراف قريش ما جاء له، وأنه إنما جاء لزيارة البيت، وليس للحرب، فقال: يا رسول الله، إني أخاف قريشًا على نفسي، وليس بمكة من بني عدي بن كعب أحدًا يمنعني، وقد عرفت قريش عداوتي إياها، وغلظتي عليها، ولكني أدلك على رجل أعز بها مني عثمان بن عفان (^٣).
_________________
(١) استمسك بغرزه: أي اعتلق به وامسكه، واتبع قوله وفعله ولا تخالفه، فاستعار له الغرز كالذي يمسك بركاب الراكب ويسير بسيره. ابن الأثير / النهاية في غريب الحديث ٣/ ٣٥٩.
(٢) رواه البخاري / الصحيح ٢/ ١١٩، ١٢٠، ٢٠٥، ٣/ ١٩٠، مسلم / الصحيح / شرح النووي ١٢/ ١٣٩ - ١٤٢، ابن إسحاق / السيرة النبوية لابن هشام ٣/ ٤٣٩ - ٤٤١ وغيرهم.
(٣) رواه محمد بن إسحاق / السيرة النبوية لابن هشام ٣/ ٤٣٦، ٤٣٧، الطبري / التاريخ ٢/ ١٢١، وفي إسناديهما إبهام بشيخ ابن إسحاق حيث قال: حدثني من لا أتهم، وهي عبارة لا تكفي في التوثيق، انظر: السخاوي / فتح المغيث ١/ ٣١٢، ٣١٣، فالأثر ضعيف.
[ ١ / ٤٩١ ]
وشارك عمر ﵁ النبي ﷺ في غزوة خيبر (^١)، قال ﷺ يوم خيبر: "لأعطين هذه الراية رجلًا يحب الله ورسوله يفتح الله على يديه"، فقال عمر: ما أحببت الإمارة إلا يومئذ، فتساورت لها رجاء أن أدعى لها (^٢)، فدعا رسول الله ﷺ علي بن أبي طالب، فأعطاه إياها … الحديث (^٣).
وروي أن النبي ﷺ بعث أبا بكر الصديق برايته البيضاء إلى بعض حصون خيبر، فقاتل، فرجع ولم يك فتح، وقد جهد، ثم بعث الغد عمر
_________________
(١) كانت غزوة خيبر في محرم من السنة السابعة، ابن إسحاق / السيرة النبوية لابن هشام ٣/ ٤٥٥.
(٢) قال النووي ﵀: إنما كانت محبته لها لِمَا دلت عليه الإمارة من محبته لله ورسوله ﷺ، ومحبتهما له، والفتح على يديه، شرح صحيح مسلم ١٥/ ١٧٦، ١٧٧.
(٣) رواه مسلم / الصحيح / شرح النووي ١٥/ ١٧٦، ١٧٧، سعيد بن منصور / السنن / الأعظمي ٢/ ١٧٩.
[ ١ / ٤٩٢ ]
ابن الخطاب، فقاتل ثم رجع، ولم يك فتح، وقد جهد، فقال النبي ﷺ: "لأعطين الراية غدًا رجلًا يحب الله ورسوله يفتح الله على يديه، ليس بفرار" (^١).
_________________
(١) رواه ابن إسحاق / السيرة النبوية لابن هشام ٣/ ٤٦٥، الطبري / التاريخ ٢/ ١٣٦، ١٣٧، الحاكم / المستدرك ٣/ ٣٧، ٣٨، وفي إسناده عند ابن إسحاق بريدة بن سفيان بن فروة الأسلمي، قال الدراقطني: متروك، وقال البخاري: فيه نظر، وقال أبو داود: لم يكن بذاك. ميزان الاعتدال ١/ ٣٠٦، وقال ابن حجر: ليس بالقوي، تق ١٢١، وفيه والده سفيان بن فروة ذكره ابن أبي حاتم ولم يذكر فيه جرحًا ولا تعديلًا، الجرح والتعديل ٤/ ٢١٩، وفيه عند الطبري ميمون أبو عبد الله البصري الكندي، قال ابن المديني: سألت يحيى بن سعيد عنه، فحمض وجهه وقال: زعم شعبة أنه كان فسلًا، وقال في موضع آخر: كان يحيى لا يحدث عنه، وقال أبو بكر الأثرم عن أحمد بن حنبل: أحاديثه مناكير، وذكره ابن حبان في الثقات، وقال: كان يحيى القطان: سيئ الرأي فيه. المزي / تهذيب الكمال ٢٩/ ٢٣١، ٢٣٢، وقال ابن حجر: ضعيف. تق ٥٥٦. ورواه الحاكم من طريقين بلفظ: أن النبي ﷺ لما أتى خيبر بعث عمر ﵁ وبعث معه الناس إلى مدينتهم أو قصرهم، فقاتلوهم، فلم يلبثوا أن هزموا عمر وأصحابه، فجاءوا يجبنونه ويجبنهم. وطريق الحاكم الأول فيه سعيد بن مسعود المروزي لم يوثقه سوى ابن حبان، الثقات ٨/ ٢٧١، وفيه نعيم بن حكيم المدائني صدوق له أوهام. تق ٥٦٤، وأبو مريم الحنفي القاضي، وثقه النسائي وذكره ابن حبان في الثقات، وقال ابن حجر: مقبول. تق ٦٧٢، وبقية رجاله ثقات. والطريق الثاني فيه القاسم بن محمد بن أبي شيبة قال الذهبي: حدث عنه أبو زرعة وأبو حاتم ثم تركا حديثه، وقال محمد بن أبي شيبة: سألت عمي يحيى ابن القاسم فقال لي: عمك ضعيف يا بن أخي. ميزان الاعتدال ٣/ ٣٧٩. وقال الذهبي في تعليقه على الحاكم: قلت القاسم واهٍ، وفيه يحيى بن يعلى القطواني، قال ابن حجر: شيعي ضعيف. تق ٥٩٨، فالأثر ضعيف. وهذا اللفظ يخالف ما ثبت في الصحيح من أن النبي ﷺ إنما بعث في بداية الأمر عليًا ﵁ وكان عمر ﵁ يأمل ويتمنى أن تكون له الإمرة. وما في الصّحيح هو الثّابت والمتقدم.
[ ١ / ٤٩٣ ]
وروي أن النبي ﷺ بعث عمر ﵁ بعد غزوة خيبر في سرية من ثلاثين رجلًا إلى عجز هوازن بتربة (^١)، وخرج معه دليل من بني
_________________
(١) كانت سرية تربة في شعبان سنة سبع من الهجرة، ابن سعد / الطبقات ٢/ ١١٧. وتُرَبَةُ: وادٍ من أودية الحجاز الشرقية طويل ذو مياه وزروع وهو يسيل من سراة غامد قرب الباحة ويتعرج بين الشرق والشمال حتى يجتمع من بيشة ورنية في مكان يسمى الفَرشة. البلادي / معجم المعالم الجغرافية في السيرة ص: ٦٢.
[ ١ / ٤٩٤ ]
هلال، فكان عمر يسير بالليل ويكمن بالنهار، فأتى الخبر هوازن فهربوا، وجاء عمر محالهم، فلم يلق منهم أحدًا، فانصرف راجعًا إلى المدينة (^١).
وفي السنة الثامنة من الهجرة بعث النبي ﷺ عمرو بن العاص ﵁ إلى ذات السلاسل (^٢)، وبعث تحت إمرته عددًا من أجلة الصحابة رضوان الله عليهم فيهم أبو بكر وعمر ﵄ (^٣).
_________________
(١) رواه ابن إسحاق / السيرة النبوية لابن هشام ٤/ ٣٤١، ابن سعد / الطبقات ٢/ ١١٧، ٣/ ٢٧٢، خليفة بن خياط / التاريخ ص ٧٨، ابن شبه / تاريخ المدينة ٢/ ٢٣٠، الفسوي / المعرفة والتاريخ ٣/ ٣٠٣، البيهقي / دلائل النبوة ٤/ ٢٩٢، وأورده ابن إسحاق وخليفة وابن سعد من وجه من غير إسناد، ورواه ابن سعد من طريق آخر فيه الواقدي، وبهذا الطريق رواه ابن شبه والبيهقي، فالأثر ضعيف.
(٢) تقدم التعريف بها في ص: ٣٣٣. وكانت غزوة ذات السلاسل في جمادى الآخرة سنة ثمان، ونقل ابن عساكر الإتفاق على أنها كانت بعد غزوة مؤتة إلا ابن إسحاق، فقال: قبلها. ابن حجر / فتح الباري ٨/ ٧٤، ٧٥.
(٣) رواه ابن إسحاق / السيرة النبوية لابن هشام ٤/ ٣٥٩، ٣٦٠، ابن سعد / الطبقات ٢/ ١٣١، إسحاق بن راهويه / المسند / إتحاف الخيرة المهرة للبوصيري ٤/ ٤٩، الطحاوي / مشكل الآثار ٣/ ١٧١، الحاكم / المستدرك ٣/ ٤٢، ٤٣، البيهقي / السنن الكبرى ٩/ ٤١، دلائل النبوة ٤/ ٣٩٧، ٣٩٨، وأورده ابن إسحاق وابن سعد في الطبقات من غير إسناد، وإسناده عند إسحاق بن راهويه رجاله ثقات وفيه انقطاع فهو من رواية عبد الله بن بريدة، عن عمر ﵁، وهو ثقة من الثالثة. وإسناده عند الطبري متصل ورجاله ثقات سوى عبد الله بن لهيعة، صدوق خلط بعد احتراق كتبه. تق ٣١٩، وإسناده عند الحاكم متصل وفيه أحمد بن عبد الجبار العطاردي، ضعيف وسماعه للسيرة صحيح، ويونس بن بكير وثقه ابن معين وابن أبي حاتم، وقال الذهبي: أحد أئمة الأثر والسير. ميزان الاعتدال ٤/ ٤٧٧، وقال ابن حجر: صدوق يخطئ، وفيه محمد بن إسحاق، صدوق مدلس من الثالثة ولم يصرح بالسماع وبقية رجاله ثقات، وفي إسناده عند البيهقي في الدلائل أحمد بن عبد الجبار، ويونس بن بكير المتقدم الكلام عليهما، وفيه محمد بن عبد الرحمن ابن عبد الله بن الحصين التميمي، ذكره ابن حبان في الثقات، وقال: كان صوامًا قوامًا من المتقنين الثقات ٧/ ٤١٣، وذكره البخاري في التاريخ الكبير ولم يذكر فيه جرحًا ولا تعديلًا ١/ ١٥٦، ورواه البيهقي من وجه آخر وسنده متصل ورجاله ثقات سوى علي بن عاصم بن صهيب فهو صدوق يخطئ. تق ٤٠٣، فالأثر حسن لغيره بطرقه.
[ ١ / ٤٩٥ ]
وروي أن عمر ﵁ شارك في سرية الخبط، والتي كانت بإمرة أبي عبيدة بن الجراح في السنة الثامنة من الهجرة (^١).
_________________
(١) كانت سرية الخبط في رجب سنة ثمان من الهجرة، وسميت بهذا الاسم لأنهم أكلوا فيها الخبط وهو ورق الشجر الذي يخبط ليسقط، فكانوا يبلونه بالماء فيأكلونه، وأصل قصة سرية الخبط ثابت في صحيح البخاري / فتح الباري ٨/ ٧٧، ٧٨، وصحيح مسلم شرح النووي ١٣/ ٨٤، وأوردها ابن إسحاق في السيرة النبوية ٤/ ٣٧١، وليس فيها إشارة لمشاركة عمر ﵁ في هذه السرية والذي أورد مشاركة عمر ﵁ فيها ابن سعد في طبقاته ٢/ ١٣٢، من غير إسناد.
[ ١ / ٤٩٦ ]
ومن مواقفه ﵁ قبل غزوة الفتح، موقفه من حاطب بن أبي بلتعة لما أعلم قريشًا بمسير النبي ﷺ إليهم، فحين أراد النبي ﷺ التجهز للمسير إلى مكة عمَّى الأخبار عن قريش حتى لا تعلم بمسيره إليهم، فيتجهزون لقتاله بل أراد ﷺ مباغتتهم وأخذهم على غرة، وحدث أن أخبر حاطب (^١) بن أبي بلتعة قريشًا بمسير النبي ﷺ ونزل الوحي على النبي ﷺ مخبرًا له بفعل حاطب، فدعا النبي ﷺ حاطبًا فسأله عن ذلك، فاعتذر وقبل عذره، فقال عمر ﵁: دعني أضرب عنق هذا المنافق، فقال ﷺ: "إنه قد شهد بدرًا، وما يدريك لعل الله اطلع على أهل بدر، فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم" (^٢).
_________________
(١) حاطب بن أبي بَلْتعة بن عمرو بن عمير بن سلمة بن صعب اللخمي حليف بني أسد بن عبد العزى … كان من أصحاب رسول الله ﷺ وقد شهد بدرًا والحديبية مات سنة ثلاثين بالمدينة وهو ابن خمس وستين سنة وصلى عليه عثمان. ابن عبد البر / الاستيعاب ١/ ٣٧٤، ابن حجر / الإصابة ١/ ٣٠٠.
(٢) رواه البخاري / الصحيح ٢/ ١٧٠، ٣/ ٧، ٥٩، ٢٠٠، ٤/ ٩١، مسلم / الصحيح / شرح النووي ١٦/ ٥٤، ٥٦، ابن إسحاق / السيرة النبوية لابن هشام ٤/ ٥٨، ٥٩، بتفاصيل لم أذكرها خشية الإطالة.
[ ١ / ٤٩٧ ]
وشارك ﵁ النبي ﷺ في مسيره لفتح مكة (^١)، ومن مواقفه في هذه الغزوة الدالة على شدته على الكفار وأعداء الدين موقفه من أبي سفيان ﵁، فقد خرج النبي بعشرة آلاف من المسلمين حتى نزل بمر الظهران (^٢)، وأوقد الجيش النيران، وقد عمت الأخبار على قريش ولا يدرون ما هو فاعله، فخرج أبو سفيان بن حرب، وحكيم بن حزام (^٣)، وبديل بن ورقاء الخزاعي (^٤)، يتحسسون الأخبار، فرأى العباس ابن عبد المطلب أبا سفيان، فأركبه على دابته، وكان يركب بغلة النبي ﷺ
_________________
(١) كانت غزوة الفتح في رمضان من السنة الثامنة للهجرة. ابن هشام / السيرة النبوية ٤/ ٤٥.
(٢) مَرّ الظّهران: وادٍ فحل من أودية الحجاز، يأخذ مياه النخلتين، فيمر بشمال مكة على ٢٢ كم، ويصب في البحر جنوب جدة بقرابة ٢٠ كم، وفيه عشرات العيون بل مئاتها، وكذلك القرى ومنها حداء وبحرة والجموم وغيرها، البلادي / معجم المعالم الجغرافية ص ٢٨٨.
(٣) حكيم بن حزام بن خويلد بن أسد ابن أخي خديجة أم المؤمنين ﵂ أسلم عام الفتح، وصحب وله أربع وسبعون سنة. تق ١٧٦.
(٤) بديل بن ورقاء بن عبد العزى الخزاعي أسلم هو وابنه عبد الله يوم الفتح بمر الظهران، وقيل إنه أسلم قبل الفتح. ابن عبد البر / الاستيعاب ١/ ٢٣٥.
[ ١ / ٤٩٨ ]
البيضاء، فقدم به إلى النبي ﷺ، وكان في طريقه يمر بجيش المسلمين وهم قد أوقدوا النيران، وأبو سفيان ينظر إليهم، فلما مر بنار عمر ﵁، قال عمر: من هذا؟ وقام إلى العباس فلما رأى أبا سفيان على عجز البغلة عرفه، فقال: والله عدو الله، الحمد لله الذي أمكن منك، فخرج يشتد نحو رسول الله ﷺ حتى دخل عليه في مكانه الذي نزل فيه، واشتد العباس ومعه أبو سفيان حتى دخل على رسول الله ﷺ فقال عمر ﵁: هذا عدو الله أبو سفيان قد أمكن الله منه في غير عهد ولا عقد، فدعني أضرب عنقه، فقال العباس: قد أجرته يا رسول الله … فلما أكثر عمر، قال العباس: مهلًا يا عمر، فوالله لو كان رجلًا من بني عدي ما قلت هذا، ولكنه من بني عبد مناف، فقال عمر: مهلًا يا عباس، لا تقل هذا، فوالله لإسلامك حين أسلمت كان أحب إلي من إسلام الخطاب أبي لو أسلم، وذلك أني عرفت أن إسلامك أحب إلى رسول الله من إسلام الخطاب (^١).
_________________
(١) حسن، تقدم الكلام عليه في ص: ٤٧١.
[ ١ / ٤٩٩ ]
وكان عمر ﵁ أميرًا على حرس النبي ﷺ يوم الفتح (^١). وبعد فتح مكة أمر النبي ﷺ وهو بالبطحاء عمر ﵁ أن يأتي الكعبة فيمحوا كل صورة فيها، ولم يدخلها النبي ﷺ حتى محيت كل صورة فيها (^٢).
_________________
(١) رواه ابن أبي شيبة / المصنف ٧/ ٣٩٨، وفي إسناده محمد بن عمرو بن علقمة. قال الذهبي: شيخ مشهور حسن الحديث. ميزان الاعتدال ٣/ ٦٧٣. وقال ابن حجر: صدوق تق: ٤٩٩. فهو صدوق له أوهام، وبقية رجاله ثقات وفيه انقطاع فهو من رواية أبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف، وهو ثقة من الثالثة، عن عمر ﵁ ولكن تابعه يحيى بن عبد الرحمن بن حاطب، وهو أيضًا ثقة من الثالثة روايته عن عمر منقطعة. قال: حدّثنا يزيد بن هارون، قال: أخبرنا محمّد بن عمرو عن أبي سلمة ويحيى ابن عبد الرّحمن بن حاطب، قالا: كانت بين رسول الله ﷺ … الحديث. فالأثر حسن لغيره إن شاء الله.
(٢) رواه ابن سعد / الطبقات ٢/ ١٤٢، أحمد / المسند ٣/ ٣٣٦، أبو داود / السنن ٤/ ٧٤، أبو نعيم / حلية الأولياء ٤/ ٧٩، البيهقي / السنن الكبرى ٥/ ١٥٨، والأثر صحيح من طريق البيهقي. قال: أخبرنا أبو عبد الله الحافظ وأبو بكر القاضي وأبو سعيد بن أبي عمرو قالوا: ثنا أبو العباس ثنا العباس بن محمّد ثنا حجاج الأعور، قال: قال ابن جريج: أخبرني أبو الزبير أنه سمع جابر ابن عبد الله يزعم أن النبيّ ﷺ.
[ ١ / ٥٠٠ ]
وشارك ﵁ النبي ﷺ والمسلمين في غزوة حنين (^١)، وكان له موقف كريم في هذه الغزوة التي أعجبت المسلمين فيها كثرتهم فكادت أن تحل بهم الهزيمة، لولا لطف الله ﷿ بهم ورحمته كما قال سبحانه: ﴿لَقَدْ نَصَرَكُمْ اللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمْ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ﴾ (^٢).
فكان ﵁ ممن ثبت مع النبي ﷺ ونافح عنه في هذا الموقف العصيب (^٣)، وذلك دليل على قوة إيمانه وصدق يقينه وشجاعته.
_________________
(١) تقدم التعريف بمكانها في ص: ٤١٠. وكانت غزوة حنين سنة ثمان من الهجرة بعد فتح مكة. ابن هشام / السيرة ٤/ ١١٤.
(٢) سورة التوبة الآية (٢٥).
(٣) رواه ابن إسحاق / السيرة النبوية لابن هشام ٤/ ١٢١، ١٢٢، أحمد / المسند ٣/ ٣٧٦، ٣٧٧، الفاكهي / أخبار مكة ٥/ ٩٣، ٩٤، ابن أبي الدنيا / مكارم الأخلاق ص ١٢٦، ١٢٧، والأثر صحيح من طريق ابن إسحاق. قال: حدّثني عاصم بن عمر بن قتادة عن عبد الرحمن بن جابر عن أبيه جابر بن عبد الله، قال: لما استقبلنا وادي حنين … الأثر.
[ ١ / ٥٠١ ]
ومن مواقفه ﵁ في هذه الغزوة موقفه من ذي الخويصرة (^١) التميمي فبعد أن فرغ النبي ﷺ من القتال في حنين والطائف نزل بالجعرانة (^٢)، وفيها قسم غنائم حنين، فأتاه ذو الخويصرة فقال: يا رسول الله إعدل، فقال: "ويلك، ومن يعدل إذا لم أعدل، قد خبت وخسرت إن لم أكن أعدل"، فقال عمر ﵁: ائذن لي فيه فأضرب عنقه، فقال: "دعه، فإن له أصحابًا يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم، وصيامه مع صيامهم … " (^٣) الحديث.
_________________
(١) انظر ترجمته في: الإصابة ١/ ٣٢٠، ٤٨٥. ولم يذكر فيها ابن حجر ﵀ زيادة على اسمه ونسبه ذو الخويصرة التميمي. وأورد حديث تقسيم الغنائم الذي أنا بصدده، وذكر أن ابن الأثير ذكر في موضع أن اسمه: حرقوص بن بن زهير، وأنه وقع عند البخاري أيضًا عبد الله بن ذي الخويصرة.
(٢) الجِعْرَانة: لازالت تعرف في رأس وادي سَرِف، في الشمال الشرقي من مكة يعتمر منها المكيون وبها مسجد. البلادي / معجم المعالم الجغرافية ص ٨٣.
(٣) رواه البخاري / الصحيح ٢/ ٢٨١، ٤/ ٧٥، مسلم / الصحيح / شرح النووي ٧/ ١٥٩ - ١٦٧، أحمد / المسند ٢/ ٢١٩، وغيرهم.
[ ١ / ٥٠٢ ]
وكان عمر ﵁ مع المسلمين في غزوة تبوك (^١)، سئل ﵁ فقيل له: حدثنا من شأن العسرة، فقال: خرجنا إلى تبوك في قيظ شديد، فنزلنا منزلًا أصابنا فيه عطش حتى ظننا أن رقابنا ستنقطع، حتى إن كان الرجل ليذهب يلتمس الماء فلا يرجع حتى نظن أن رقبته ستنقطع حتى إن الرجل لينحر بعيره، فيعصر فرثه فيشربه، ويجعل ما بقي على كبده، فقال أبو بكر الصديق (﵁): يا رسول الله قد عودك الله في الدعاء خيرًا، فادع لنا، فقال: "أتحب ذلك"؟ قال: نعم، فرفع يديه ﷺ فلم يرجعهما حتى أطلت سحابة، فسكبت، فملؤا ما معهم ثم ذهبنا ننظر فلم نجدها جاوزت العسكر (^٢).
_________________
(١) كانت غزوة تبوك في السنة التاسعة من الهجرة في شهر رجب. ابن هشام / السيرة النبوية ٤/ ٢١٥. وقد تقدم التعريف بمكانها في ص: ٤٠٩.
(٢) رواه البزار / المسند ١/ ٣٣١، ابن حبان / الصحيح ٢/ ٣٣١، الطبراني / مجمع البحرين للهيثمي ٥/ ١٣٢، البيهقي / السنن الكبرى ٩/ ٣٥٧، دلائل النبوة ٥/ ٢٣١، المقدسي / المختارة ١/ ٢٧٨ - ٢٨٠، ٣٢٥، وسنده عند البيهقي في الدلائل متصل ورجاله ثقات. قال: أخبرنا أبو الحسين بن بشران ببغداد، قال: أخبرنا أبو محمّد دعلج بن أحمد بن دعلج، حدّثنا يونس بن عبد الأعلى، قال: أخبرنا وهب، قال: أخبرنا عمرو بن الحارث عن سعيد بن أبي هلال عن عتبة عن نافع بن جبير عن عبد الله بن عباس أنه قيل لعمر بن الخطاب: حدّثنا … الأثر.
[ ١ / ٥٠٣ ]
وروي أن عمر ﵁ كان ممن انتدبه النبي ﷺ للخروج في جيش أسامة بن زيد (^١) ﵁ لقتال الروم في أطراف الشام حينما جهز ذلك الجيش قبل وفاته ﷺ (^٢).
_________________
(١) أسامة بن زيد بن حارثة بن شراحيل الكلبي، الأمير أبو محمد وأبو زيد صحابي مشهور، مات سنة أربع وخمسين، وهو ابن خمس وسبعين سنة. تق ٩٨.
(٢) رواه ابن سعد / الطبقات ٢/ ١٨٩، ١٩٠، ابن أبي شيبة / المصنف ٧/ ٤١٥، وهو عند ابن سعد من غير إسناد، وسنده عند ابن أبي شيبة رجاله ثقات، ولكنه منقطع لأنه من رواية عروة بن الزبير، عن أبي بكر الصديق ﵁ وهو ثقة من الثّالثة.، فالأثر ضعيف. وله ما يشهد له بسند حسن. انظر: ص: ٥٢٧، ٥٢٨. وقال ابن تيمة رحمه الله تعالى في رده على الرافضة في زعمهم أن النبي ﷺ أراد إخراج أبي بكر وعمر من المدينة قبل وفاته مع أسامة لئلا ينازعا عليًا الخلافة: وأبو بكر ﵁ لم يكن في جيش أسامة باتفاق أهل العلم، لكن رُوي أن عمر كان فيهم، وكان خارجًا مع أسامة لكن طلب منه أبو بكر أن يأذن له في المقام عنده لحاجته إليه فأذن له. مختصر منهاج السنة ٢/ ٥٤١، ٥٤٢، وأصل قصة بعث النبي ﷺ لأسامة بن زيد ثابت في صحيح البخاري وليس فيه ذكر لبعث أبي بكر وعمر ﵄ معه. فتح الباري ٨/ ١٥١، ١٥٢.
[ ١ / ٥٠٤ ]
هذا ما أردت الإشارة إليه من حياة عمر ﵁ مع النبي ﷺ وقد ظهر مما تقدم ما كان عليه عمر ﵁ من توقير وإجلال للنبي ﷺ ومن تفانيه في خدمته والدفاع عنه ﷺ وملازمته له في حربه وسلمه، وما كان لعمر ﵁ من منزلة ومكانة عالية ورفيعة عند النبي ﷺ.
[ ١ / ٥٠٥ ]
المبحث الثاني: حياة عمر ﵁ مع أبي بكر الصديق ﵁
وفيه مطلبان
المطلب الأول: توقير عمر ﵁ لأبي بكر - ﵁ - ومعرفته لفضله.
المطلب الثاني: مواقفه ومشاركاته في خلافة أبي بكر - ﵁ -
[ ١ / ٥٠٧ ]