رابعا: البدع: يذكر الشيخ محمد بن عبد الوهاب في بعض رسائله أن كل محدثة في الدين بدعة، ويسمي الشيخ وأتباعه من علماء الدعوة هذه المحدثات بالدين باسم " البدع " (٢) مستدلين بحديث رسول الله ﷺ في ذلك.
وليس صحيحا ما ذكره بعض الباحثين من أن علماء الدعوة وأتباعها توسعوا في معنى البدعة فجعلوا من البدع عادات لا صلة لها بالعبادات كبعض أمور الملبس والمأكل (٣) وهذا هو الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن آل الشيخ يقول في هذا الصدد: " الكلام في العادات لا في العبادات، والمباحث الدينية نوع والعبادات نوع آخر، فما اقتضته العادة من أكل وشرب ومركب ولباس ونحو ذلك ليس الكلام فيه "، ثم يعرّف البدعة بقوله: " والبدعة ما ليس لها أصل في الكتاب والسنة، ولم يرد بها دليل شرعي من هديه وهدي أصحابه "، وهذا هو الشيخ سليمان بن سحمان - أحد علماء الدعوة - يقول: " إن لبس العمائم والأردية والأزر وغيرها من العادات التي هي من قسم المباحات التي لا يثاب فاعلها ولا يعاقب تاركها لا من قسم العبادات " (٤) .
ويحدد الشيخ عبد الله بن الشيخ محمد بن عبد الوهاب زمن ظهور البدعة بأنها ما حدثت بعد القرون الثلاثة الهجرية، ويحصرها بالبدع المتخذة دينا وقربة، أما ما لا يتخذ دينا وقربة فليس ببدعة، ومعنى ذلك أن البدع عنده محصورة في العبادات فقط.
ومنذ قيام الشيخ محمد بن عبد الوهاب بدعوته وهو يجاهد في محاربة البدع بكل
_________________
(١) منير العجلاني: مرجع سابق ص ٢٧١.
(٢) عبد الرحمن بن محمد بن قاسم: كتاب الدرر السنية في الأجوبة النجدية ج١ ص ١٦ و١٧ ط أولى.
(٣) انظر مثلا: محمد أبو زهرة: ابن تيمية عمره وحياته ص ٥٣٠ و٥٣١.
(٤) منير العجلاني: المرجع السابق ص ٢٨٨.
[ ٥١ ]
أشكالها؛ ولذلك نهى تلاميذه عن قراءة كتابي (دلائل الخيرات وروض الرياحين) لاشتمالهما على أمور بدعية في الدين (١) .
ولقد أخذ الحديث عن البدع المحدثة في الدين حيزا كبيرا من مؤلفات ورسائل الشيخ محمد بن عبد الوهاب وأتباعه من علماء الدعوة، بل لا تكاد تجد شيئا من هذه المؤلفات والرسائل إلا وقد أشارت -تفصيلا أو إجمالا - إلى تلك البدع التي دخلت في دين الإسلام، وأبعدت المسلمين عن إسلامهم الصحيح النقي، وعلى سبيل المثال اشتملت الرسالة الصغيرة الوافية التي كتبها الشيخ عبد الله بن الشيخ محمد بن عبد الوهاب - رحمهما الله - عند دخول جيوش الدعوة مكة في محرم سنة ١٢١٨ هـ اشتملت على حديث واف عن أنواع متعددة من هذه البدع، فذكر بدعة رفع الصوت بالصلاة على النبي ﷺ بعد الأذان، وبدعة الاحتفال بالمولد النبوي الشريف، وبدعة التوسل بجاه النبي أو الحلف به. . وغيرها (٢) .
أما حكم هذه البدع في نظر علماء الدعوة، فهي مذمومة على كل حال، ويختلف الحكم عليها باختلاف نوعها والقصد الذي أراده فاعلها، فإذا كان بعض هذه الأنواع محرما، فإن بعضها قد يصل إلى درجة الشرك مثل الحلف بغير الله إذا قصد المقسم بحلفه التعظيم (٣) .
ويمكن القول: إن هناك بدع يجد الباحث تركيز علماء الدعوة في الحديث عنها في كثير من المناسبات، وأهم هذه الأنواع: