١١ - عَبْدُ الخَالِقِ بنُ عِيْسَى (^١) بْنِ أَحْمَدَ بنِ مُحَمَّدِ بنِ عِيْسَى بنِ أَحْمَدَ بنِ مُوْسَى بنِ مُحَمَّدِ بنِ إِبْرَاهِيْمَ بنِ عَبْدِ اللهِ بنِ مَعْبَدِ بنِ العَبَّاسِ بنِ عَبْدِ المُطَّلِبِ بنِ هَاشِمٍ، الشَّرِيْفُ، أَبُو جَعْفَرِ بنِ أَبِي مُوْسَى الهَاشِمِيُّ العَبَّاسِيُّ. وَ"أَبُو مُوْسَى" هُو (^٢) كُنْيَةُ جَدِّهِ الأَعْلَى عِيْسَى بنِ أَحْمَدَ بنِ مُوْسَى، هَذَا هُوَ الصَّحِيْحُ فِي نَسَبِهِ، وَهُوَ الَّذِي ذَكَرَهُ صَاحِبَاهُ القَاضِيَانِ أَبُو بَكْرٍ الأَنْصَارِيُّ، وَأَبُو الحُسَيْن ابنُ القَاضِي، وَابْنُ الجَوْزِيِّ، وَابنُ السَّمْعَانِيِّ، وَغَيْرُهُمْ. فَإِنَ الشَّرِيْفَ أَبَا جَعْفَرٍ هُوَ ابنُ أَخِ الشَّرِيْفِ أَبي عَلِيٍّ مُحَمَّدِ بنِ أَحْمَدَ بنِ عِيْسَى بنِ أَحْمَدَ بنِ مُوْسَى صَاحِبِ "الإِرْشَاد". وَوَقَعَ في "تَارِيْخِ ابنِ شَافِعٍ" وَغَيْرِهِ: عَبْدُ الخَالِقِ بنُ أَحْمَدَ بنِ عِيْسَى بنِ أَبي مُوْسَى عِيْسَى بنِ أَحْمَدَ، وَهُوَ وَهْمٌ.
وُلِدَ سَنَةَ إِحْدَى عَشْرَةَ وَأَرْبَعِمَائَةَ. قَالَ ابنُ الجَوْزِيِّ: كَانَ عَالِمًا، فَقِيْهًا، وَرِعًا، عَابِدًا، زاهِدًا، قَوَّالًا بالحَقِّ، لَا يُحَابِي (^٣)، وَلَا تَأْخُذُهُ فِي اللهِ لَوْمَةَ لَائِمٍ.
_________________
(١) ١١ - الشَّرِيْفُ أَبُو جَعْفَرٍ (٤١١ - ٤٧٠ هـ): أَخْبَارُهُ في: طَبَقَاتِ الحَنَابَلَةِ (٣/ ٤٣٩)، وَمُختَصَرِهِ (٣٩٣)، ومَنَاقِبِ الإِمَامِ أَحْمَدَ (٦٢٩)، وَمُخْتَصَرِهِ (٧٢)، وَمُخْتَصَرِ الذَّيْلِ عَلَى طَبَقَاتِ الحَنَابِلَةِ لابنِ نَصْرِ اللهِ (ورقة: ٢)، وَالمَقْصَدِ الأَرْشَدِ (٢/ ١٤٤)، وَالمَنْهَجِ الأَحْمَدِ (٢/ ٣٨٨)، وَمُخْتَصَرِهِ "الدُّرِّ المُنَضَّدِ" (١/ ٢٠٦). وَيُرَاجَعُ: المُنْتَظَمُ (٨/ ٣١٥)، وَسِيَرُ أَعْلامِ النُّبَلاءِ (١٨/ ٥٤٦)، وَالعِبَرُ (٣/ ٢٧٣)، وَدُوَلُ الإِسْلامِ (٢/ ٥)، وَتَارِيْخُ الإِسْلامِ (٣٢٢)، وَالبِدَايَةُ وَالنِّهَايَةُ (١٢/ ١١٩)، وَالنُّجُوْمُ الزَّاهِرَةُ (٥/ ١٠٦)، وَالشَّذَرَاتُ (٣/ ٣٣٦) (٥/ ٣٠٢)، وَالمَدْخَلُ لابنِ بَدْرَان (٣٠٨).
(٢) كَذَا فِي الأُصُوْلِ.
(٣) ساقطٌ من (أ) وفي "المُنْتَظَمِ" لابنِ الجَوْزِيِّ: "لا يُحَابِي أَحَدًا".
[ ١ / ٢٩ ]
سَمِعَ أَبَا القَاسِمِ بنَ بُشْرَانَ، وَأَبَا مُحَمَّدٍ الخَلَّالَ، وَأَبَا إِسْحَاقَ البَرْمَكِيَّ، وَأَبَا طَالِبٍ العُشَارِيَّ، وَغَيْرَهُمْ. وَتَفَقَّهَ عَلَى القَاضِي أَبِي يَعْلَى، وَشَهِدَ عِنْدَ أَبِي عَبْدِ الله الدَّامَغَانِيِّ، ثُمَّ تَرَكَ الشَّهَادَةَ قَبْلَ وَفَاتِهِ. وَلَمْ يَزَلْ يُدَرِّسُ بِمَسْجِدِهِ بِسِكَّةِ الخِرَقِيِّ (^١) مِنْ "بَابِ البَصْرَةِ (^٢) " وَبِجَامِعِ المَنْصُوْرِ، ثُمَّ انْتَقَلَ إِلَى الجَانِبِ الشَّرْقِيِّ، فَدَرَّسَ فِي مَسْجِدٍ مُقَابِلٍ لـ "دَارِ الخِلَافَةِ" ثُمَّ انْتَقَلَ - لِأَجْلِ الغَرَقِ (^٣) -
_________________
(١) ذَكَرَ ابنُ النَّدِيْمِ أنَّها نُسِبَتْ إِلَى رَجُلٍ بِهَذَا اللَّقَبِ، كَانَ تِلْمِيْذًا لِجَابرِ بنِ حَيَّانَ … وَكَانَتْ تَقَعُ قُرُبَ مَقْبَرَةِ جَامِعِ المَنْصُوْرِ، واعتُبِرَتْ مِن نَوَاحِي بَابِ البَصْرَةِ". كَذَا جَاءَ فِي كِتَابِ بَغْدَاد مَدِيْنَةِ السَّلَامِ "الجَانِبِ الغَرْبِي" للدُّكتور صالح العلي (١/ ٢٧٩) قَالَ: "وَمِمَّنْ ذُكِرَ نُزُوْلُهُ فِيْهَا … وَعَبْدُ الخَالِقِ بنُ عِيْسَى الهَاشِمِيُّ (٤٢١ - ٤٧٠) الَّذِي بَنَى مَسْجِدًا فِيْهَا. . ." وَأَحَالَ عَلَى كِتَابِنَا هَذَا وَ"الطَّبَقَاتِ" لابنِ أَبِي يَعْلَى وَ"المُنْتَظَمِ" لابْنِ الجَوْزِيِّ، وَيُرَاجَعُ: الفِهْرِسْتُ لابنِ النَّدِيْمِ (٤٢١).
(٢) بَابُ البَصْرَةِ: حَيٌّ مَشْهُوْرٌ بـ "بَغْدَادَ"، يُنْسَبُ إِلَيْهِ كَثِيْرٌ مِنْ مَتَأَخِّرِي الحَنَابِلَةِ.
(٣) في (ط): "لأجْلِ مَا لَحِقَ نَهْرِ المُعَلَّى مِنَ الغَرَقِ" وَهَذِهِ الزِّيَادَةُ أَضَافَهَا الدُّكتور هَنري لاووُست، والدُّكتور سَامي الدَّهَّان في تَحْقِيْقِهِمَا الجُزْءَ الأَوَّل مِنَ "الذَّيل" أَضَافَاهَا مِنَ "المَنْهَجِ الأَحْمَدِ" وَأَشَارَا إِلَيْهِ فِي الهَامِشِ، ثُمَّ أَضَافَهَا الشَّيخُ حَامِدٌ الفَقي إِلَى الأَصْلِ دُوْنَ إِشَارَةٍ، وَمَا أَثْبَتُّهُ هُو اتِّفَاقُ النُّسَخِ، وَهُوَ أَيْضًا نصُّ ابنِ الجوزيِّ فِي "المُنْتَظَمِ" وَ(نَهْرُ المُعَلَّى) حَيٌّ كَبِيْرٌ مِن أَحْيَاءِ "بَغْدَادَ". قَالَ يَاقُوْتٌ الحَمَويُّ فِي مُعْجَمِ البُلْدَانِ (٥/ ٣٧٤): "وَهُوَ اليَوْمَ أَشْهَرُ وَأَعْظَمُ محلَّةٍ بـ "بَغْدَادَ"، وَبِهَا دَارُ الخِلَافَةِ المُعَظَّمَةِ … يُنْسَبُ إِلَى المُعَلَّى بنِ طَرِيْفٍ مَوْلَى المَهْدِيِّ، وكَانَ مِنْ كِبَارِ قُوَّادِ الرَّشِيْدِ، جُمِعَ لَهُ مِنَ الأعْمَالِ مَا لَمْ يُجْمَعْ لِكَبِيْرِ أَحَدٍ، وَلِيَ المُعَلَّى "البَصْرَةَ"، وَ"فَارِسَ"، وَ"الأهْوَازَ"، وَ"اليَمَامَةَ" وَ"البَحْرَيْن" وَلَهُ أَخْبَارٌ فِي تَارِيْخِ الطَّبَرِيِّ (٨/ ١٦٠، ١٦٣، ١٦، ٦٥٣ …) وَغَيْرِهَا.
[ ١ / ٣٠ ]
إِلَى "بَابِ الطَّاقِ (^١) " وَسَكَنَ "دَرْبَ الدِّيْوَانِ (^٢) " مِنَ "الرُّصَافَةِ"، وَدَرَّسَ بِمَسْجِدٍ
_________________
(١) مَحَلَّةٌ كَبِيْرَةٌ بِالجَانبِ الشَّرْقِيِّ مِنْ "بَغْدَادَ"، تُعْرَفُ بِـ "طَاقِ أَسْمَاءَ" نِسْبَةً إِلَى أَسْمَاءَ بنتِ المَنْصُوْرِ. يُرَاجَعُ: مُعْجَمُ البُلْدَانِ (١/ ٣٦٦، ٤/ ٦). قَالَ يَاقُوْتُ: اجْتَازَ عَبْدُ اللهِ بنُ طَاهِرٍ بِهَا فَرَأَى قُمْرِيَّةً تَنُوْحُ فَأَمَرَ بِشِرَائِهَا وَإِطْلَاقِهَا، فَامتَنَعَ صاحِبُهَا أَنْ يَبِيْعَهَا بِأَقَلَّ مِنْ خَمْسِمَائَةَ دِرْهَمٍ، فَاشْتَرَاهَا بِذلِكَ وَأَطْلَقَهَا وَأَنْشَدَ يَقُوْلُ: نَاحَتْ مُطَوَّقَةٌ بِبَابِ الطَّاقِ … فَجَرَتْ سَوَابِقُ دَمْعِيَ المِهْرَاقِ كَانَتْ تُغَرِّدُ بِالأرَاكِ وَرُبَّمَا … كَانَتْ تُغَرِّدُ فِي فُرُوْعِ السَّاقِ فَرَمَى الفِرَاقُ بِهَا العِرَاقَ فَأَصْبَحَتْ … بَعْدَ الأَرَاكِ تَنُوْحُ في الأَسْوَاقِ فُجِعَتْ بِأَفْرُخِهَا فَأَسْبَلَ دَمْعُهَا … إِنَّ الدَّمُوعَ تَبُوْحُ بِالمُشْتَاقِ تَعِسَ الفِرَاقُ وَبُتَّ حَبْلُ وَتِيْنِهِ … وَسَقَاهُ مِنْ سُمِّ الأسَاوِدِ سَاقِي مَاذَا أَرَادَ بِقَصْدِهِ قُمْرِيَّةً … لَمْ تَدْرَ مَا بَغْدَادَ فِي الآفَاقِ بِي مِثْلُ مَا بِكَ يَا حَمَامَةُ فَاسْأَلِي … مَنْ فَكَّ أَسْرَكِ أَنْ يَحِلَّ وَثَاقِي وَقْدْ رُوِيَ أَنَّ صاحِبَ القِصَّةِ فِي إِطْلَاقِ القُمْرِيَّةِ هُوَ اليَمَانُ بنُ أَبِي اليَمَانِ البَنْدَنِيْجِيُّ، الشَّاعِرُ، الضَّرِيْرُ، مُصَنِّفُ كِتَابِ "التَّقْفِيَةِ فِي اللُّغَةِ" وَقَدْ ذُكِرَتْ فِي كِتَابِ "مُعْجَمِ الأُدَبَاءِ". يُرَاجَعُ: مُعْجَمُ الأُدبَاءِ (٦/ ٢٨٤٤)، وَكِتَابُهُ "التَّفْقِيْهُ في اللُّغَةِ" مَطْبُوعٌ بِبَغْدَادَ سَنَةَ (١٩٧٦ م) بِتَحْقِيْقِ خَلِيْل إبراهيم العَطِيَّة، وَهُوَ كِتَابٌ مُفِيْدٌ إِلَى الغَايَةِ.
(٢) يُرَاجَعُ: كِتَابُ "بَغْدَادَ مَدِيْنَةِ السَّلَامِ"، تَأْلِيْفُ الدُّكتُور صَالِح أحْمَد العَلِي (٢/ ١٨٩) عن المَشْيَخَةِ البَغْدَادِيَّةِ (ورقة: ١٦٦) وَهُوَ فِي "شَارِعِ دَارِ الرَّقِيْقِ" بِالجَانِبِ الغَرْبِيِّ من "بَغْدَادَ". كَمَا يَقُوْلُ يَاقُوْتٌ فِي مُعْجَمِ البُلدَانِ (٣/ ٣٤٨)، وَقَوْلُ المُؤَلِّفِ هُنَا: "مِنَ الرُّصافَةِ" يَقُوْلُ يَاقُوتٌ الحَمَوِيُّ في المُعْجَمِ أيضًا (٤/ ٥٣): "رُصَافَةُ بَغْدَادَ: بِالجَانِبِ الشَّرْقِيِّ .. "؟! وَأَضَافَهَا إِلَى "بَغْدَادَ" لأنَّ فِي كَثيْرٍ مِنَ البُلْدَانِ رُصَافَةً، منْهَا "رُصَافَةُ البَصْرَةِ"، وَ"رُصَافَةُ الشَّامِ"، وَ"رُصَافَةُ الحِجَازِ"، وَ"رُصافَةُ قُرْطُبَةَ"، وَ"رُصافَةُ نَيْسَابُوْرَ"، وَ"رَصافَةُ =
[ ١ / ٣١ ]
مُقَابِلٍ لِـ "دَارِ الدَّرْبِ" وَبِجَامِعِ المَهْدِيِّ.
وَذَكَرَ القَاضِي أَبُو الحُسَيْنِ نَحْوَ ذلِكَ، وَقَالَ: بَدَأَ بِدَرْسِ الفِقْهِ عَلَى الوَالِدِ مِنْ سَنَةِ ثَمَانٍ وَعِشْرِيْنَ وَأَرْبَعِمَائَةَ إِلَى سنَةِ إِحْدَى وَخَمْسِيْنَ، يَقْصُدُ إِلَى مَجْلِسِهِ وَيُعَلِّقُ، وَيُعِيْدُ الدَّرْسَ (^١) فِي الفُرُوْعِ وَأَصُوْلِ الفِقْهِ. وَبَرَعَ فِي المَذْهَبِ، وَدَرَّسَ، وَأَفْتَى فِي حَيَاةِ الوَالِدِ.
وَكَانَ مُخْتَصَرَ الكَلَامِ، مَلِيْحَ التَّدْرِيْسِ، جَيِّدَ الكَلَامِ فِي المَنَاظَرَةِ، عَالِمًا بِالفَرَائِضِ، وَأَحْكَامِ القُرْآنِ وَالأُصُوْلِ، وَكَانَ لَهُ مَجْلِسٌ للنَّظَرِ فِي كُلِّ يَوْمِ اثْنَيْنِ، وَيَقْصِدُهُ جَمَاعَةٌ مِنْ فُقَهَاءِ المُخَالِفِيْنَ، وَكَانَ شَدِيْدَ القَوْلِ وَاللِّسَانِ عَلَى أَهْلِ البِدَعِ، وَلَمْ تَزَلْ كَلِمَتُهُ عَالِيَةً عَلَيْهِمْ، وَلَا يَرُدُّ يَدَهُ عَنْهُم أَحَدٌ (^٢)، وَانْتَهَى إِلَيْهِ فِي وَقْتِهِ الرِّحْلَةُ لِطَلَبِ مَذْهَبِ الإِمَامِ أَحْمَدَ.
وَذَكَرَهُ ابنُ السَّمْعَانِيِّ فَقَالَ: إِمَامُ الحَنَابِلَةِ فِي عَصْرِهِ بِلَا مُدَافَعَةٍ، مَلِيْحُ التَّدْرِيْسِ، حَسَنُ الكَلَامِ فِي المُنَاظَرَةِ، وَرِعٌ، زَاهِدٌ، مُتْقِنٌ، عَالِمٌ بِأَحْكَامِ القُرْآنِ وَالفَرَائِضِ، مَرْضِيُّ الطَّرِيْقَةِ، ثُمَّ ذَكَرَ بَعْضَ شُيُوْخِهِ، وَقَالَ: رَوَى لَنَا عَنْهُ أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بنُ عَبْدِ البَاقِي البَزَّارُ (^٣)، وَلَمْ يُحَدِّثْنَا عَنْهُ غَيْرُهُ.
_________________
(١) = وَاسِطَ" .. ". وفي كتابه "المُشْتَرَكِ وَضْعًا" (٢٠٥) قَالَ: " (بَابٌ) الرُّصَافَةِ أَحَدَ عَشَرَ مَوْضِعًا".
(٢) في (أ) فقط: "الدُّروس".
(٣) في (أ): "عن أحدٍ منهم".
(٤) يُرَاجَعُ: مَشْيَخَة أَبِي بَكْرٍ المَذْكُوْرِ "أَحَادِيْثُ الثِّقَاتِ" (وَرَقَة: ١٠١).
[ ١ / ٣٢ ]
وَقَالَ ابنُ خَيْرُوْن (^١): مُقَدَّمُ (^٢) أَهْلِ زَمَانِهِ شَرَفًا، وَعِلْمًا، وَزُهْدًا.
وَقَالَ ابنُ عَقِيْلٍ: كَانَ يَفُوْقُ الجَمَاعَةَ مِنْ [أَهْلِ] (^٣) مَذْهَبِهِ وَغَيْرِهِمْ فِي عِلْمِ الفَرَائِضِ، وَكَانَ عِنْدَ الإِمَامِ - يَعْنِي الخَلِيْفَةَ - مُعَظَّمًا حَتَّى إنَّه وَصَّى (^٤) عِنْدَ مَوْتِهِ بِأَنْ يُغَسِّلَهُ، تَبرُّكًا بِهِ، وَكَانَ حَوْلَ الخَلِيْفَةِ مَا لَوْ كَانَ غَيْرُهُ لأخَذَهُ، وَكَانَ ذلِكَ كفَايَةَ عُمُرِهِ فَوَاللهِ مَا الْتَفَتَ إِلَى شَيْءٍ مِنْهُ، بَلْ خَرَجَ وَنَسِيَ مَئْزَرَهُ حَتَّى حُمِلَ إِلَيْهِ. قَالَ: وَلَمْ يُشْهَدْ مِنْهُ أَنَّهُ شَرِبَ مَاءً فِي حَلْقَةٍ عَلَى شِدَّةِ الحَرِّ، وَلَا غَمَسَ يَدَهُ فِي طَعَامِ أَحَدٍ مِنْ أَبْنَاءِ الدُّنْيَا.
قُلْتُ: وَللشَّرِيْفِ أَبِي جَعْفَرٍ تَصَانِيْفُ عِدَّةٌ، مِنْهَا "رُؤُوْسُ المَسَائِلِ" (^٥) وَهِيَ مَشْهُوْرَةٌ، وَمِنْهَا "شَرْحُ المَذْهَبِ" وَصَلَ فِيْهِ إِلَى أَثْنَاءِ الصَّلَاةِ، وَسَلَكَ فِيْهِ مَسْلَكَ القَاضي فِي "الجَامِعِ الكَبِيْرِ" (^٦). وَلَهُ "جُزْءٌ" في أَدَبِ الفِقْهِ، وَ"بَعْضُ فَضَائِلِ أَحْمَدَ وَتَرْجِيْحِ مَذْهَبِهِ".
_________________
(١) في (أ) و(ب) و(جـ): "ابنُ أَبي خَيْرُوْنَ" وَهُوَ الإمَامُ، العَالِمُ، الحَافِظُ، الحُجَّةُ، أَبُو الفَضْلِ أَحْمَدُ بنِ الحَسَنِ بنِ أَحْمَدَ بنِ خَيْرُوْن البَغْدَادِيُّ (ت: ٤٨٨ هـ). يُرَاجَعُ: المُنْتَظَمُ (٩/ ٧٨)، وَسِيَرُ أَعْلَامِ النُّبَلَاءِ (١٩/ ١٠٥)، وَتَذْكِرَةُ الحُفَّاظِ (٤/ ١٢٠٧)، وَالوَافِي بِالوَفَيَاتِ (٩/ ٣١٠)، وَشَذَرَاتُ الذَّهَبِ (٣/ ٣٨٣).
(٢) في (أ) و(ب): "تقدم".
(٣) عَنْ (ط) وَوُجُوْدُهَا ضَرُورِيٌّ.
(٤) في (أ) فقط: "أوصى" وأوصى وَوَصَّى مَعْنَاهُمَا وَاحِدٍ.
(٥) كِتَابُهُ هَذَا مَشْهُوْرٌ وَهُوَ مَوْجُوْدٌ، لَمْ يُطْبَعْ بَعْدُ حَتَّى سَنَةَ (١٤٢٣ هـ) وَهُوَ كِتَابٌ مُهِمٌّ مِنْ كُتُبِ المَذْهَبِ، لَكِن للكُتُبِ حُظُوْظٌ كَحُظُوْظِ الرِّجَالِ.
(٦) يَقْصُدُ بِهِ كِتَابَهُ "التَّعْلِيْقَةَ. . ." وَهُوَ مَشْهُوْرٌ تُوْجَدُ قِطَعٌ منه.
[ ١ / ٣٣ ]
وَقَدْ تَفَقَّهَ عَلَيْهِ طَائِفَةٌ مِنْ أَكَابِرِ المَذْهَبِ كَالحَلْوَانِيِّ، وَابنِ المُخَرِّمِيِّ، وَالقَاضِي أَبِي الحُسَيْنِ. وَكَانَ مُعَظَّمًا عِنْدَ الخَاصَّةِ وَالعَامَّةِ، زَاهِدًا (^١) فِي الدُّنْيَا إِلَى الغَايَةِ، قَائِمًا فِي إِنْكَارِ المُنْكَرَاتِ بِيَدِهِ وَلِسَانِهِ، مُجْتَهِدًا فِي ذلِكَ.
قَالَ أَبُو الحُسَيْنِ، وَابنُ الجَوزِيِّ: لَمَّا احْتُضِرَ القَاضِي أَبُو يَعْلَى أَوْصَى أَنْ يُغَسِّلَهُ الشَّرِيْفُ أَبُو جَعْفَرٍ، فَلَمَّا احْتُضِرَ القَائِمُ بِأَمْرِ اللهِ (^٢) قَالَ: يُغَسِّلُنِي عَبْدُ الخَالِقِ، فَفَعَلَ، وَلَمْ يَأْخُذْ مِمَّا هُنَاكَ شَيْئًا، فَقِيْلَ لَهُ: قَدْ وَصَّى لَكَ أَمِيْرُ المُؤْمِنِيْنَ بِأَشْيَاءٍ كَثيْرَةٍ، فَأَبَى أَنْ يَأْخُذَ، فَقِيْلَ لَهُ: فَقَمِيْصُ أَمِيْرِ المُؤْمِنِيْنَ تتَبَرَّكُ بِهِ؟ فَأَخَذَ فُوْطَةَ نَفْسِهِ، فَنَشَّفَهُ بِهَا، وَقَالَ: قَدْ لَحِقَ هَذِهِ الفُوْطَةَ بَرَكَةُ أَمِيْرِ المُؤْمِنِيْنَ، ثُمَّ اسْتَدْعَاهُ فِي مَكَانِهِ المُقْتَدِي، فَبَايَعَهُ مُنْفَرِدًا، قَالَ: وَكَانَ أَوَّلَ مَنْ بَايَعَ، وَقَالَ الشَّرِيْفُ: لَمَّا بَايَعتُهُ أَنْشَدْتُهُ (^٣):
_________________
(١) في (أ) فقط: "زاهدٌ".
(٢) هُوَ أَمِيْرُ المُؤْمِنِيْنَ أبُو جَعْفَرٍ عَبْدُ اللهِ بنُ الإمَامِ القَادِرِ باللهِ أَحْمَدَ. بُوْيعَ بِالخِلَافَةِ سَنَةَ اثْنَتَيْنِ وَعِشْرِيْن وَأَرْبَعِمَائَةَ، وَتُوفَيَ سَنَةَ سَبْعٍ وَسِتِّيْنَ وَأَرَبْعِمَائَةَ، وَزَادَتْ مُدَّةُ خِلَافَتِهِ عَلَى أَرْبَعٍ وَأَرْبَعِيْنَ سَنَةً. يُرَاجَعُ: الإنْبَاءُ بتَارِيْخِ الخُلَفَاءِ (٢٠١)، وَالجَوْهَرُ الثَّمِيْنُ (١٩٢)، وَمَآثِر الإِنَافَة (١/ ١١)، وَتَارِيْخِ الخُلَفَاءِ للسُّيوْطِيِّ (٤٥٤) وَغَيْرُهَا.
(٣) ذَكَرَ ذلك الحَافِظُ الذَّهَبِيُّ فِي "تَارِيْخ الإسْلَام" فِي وَفَاةِ الخَلِيْفَةِ القَائِمِ بِأَمْرِ اللهِ وَولَايَةِ المُقْتَدِي. وَالبَيْتُ مِن قَصِيْدَةٍ تُنْسَبُ إِلَى السَّمْوأَلِ بنِ عَادِيَا اليَهُودِيِّ، وَرُبَّمَا نُسِبَتْ إلى عَبْدِ المَلِكِ بنِ عَبْدِ الرَّحِيْمِ الحَارثِيِّ في ديوانه (٨٩)، وَأَوَّلُهَا: إِذَا المَرْءُ لَمْ يَدْنَس مِنَ اللُّؤْمِ عِرْضُهُ … فَكُلُّ رِدَاءٍ يَرْتَدِيْهِ جَمِيْلُ وَإِنْ هُوَ لَمْ يَحْمِلْ عَلَى النَّفِيْسِ ضَنيْمَهَا … فَلَيْسَ عَلَى حُسْنِ الثَّنَاءِ سَبِيْلُ =
[ ١ / ٣٤ ]
* إِذَا سَيِّدٌ مِنَّا مَضَى قَامَ سَيِّدٌ *
ثُمَّ أُرْتِجَ عَلَيَّ تَمَامُهُ، فَقَالَ هُوَ:
* قَؤُوْلٌ لِمَا قَالَ الكِرَامُ فَعُوْلُ *
قَالَ: وَأَنْبأَنَا ابْنُ عُبَيْدِ اللهِ (^١) عَنْ أَبِي مُحَمَّدٍ التَّمِيْمِيِّ قَالَ: مَا حَسَدْتُ أَحَدًا إلَّا الشَّرِيْفَ أَبَا جَعَفْرٍ في ذلِكَ اليَوْمِ، وَقَدْ نِلْتُ مَرْتَبَةَ التَّدْرِيْسِ، وَالتَّذْكِيْرِ، وَالسِّفَارَةِ بَيْنَ المُلُوْكِ، وَرِوَايَةِ الأحَادِيْثِ، وَالمَنْزِلَةِ اللَّطِيْفَةِ عِنْدَ الخَاصِّ وَالعَامِّ، فَلَمَّا كَانَ ذلِكَ اليَوْمِ خَرَجَ الشَّرِيْفُ عَلَيْنَا وَقَدْ غَسَّلَ القَائِمَ عَنْ وَصِيَّتِهِ بِذلِكَ، ثُمَّ لَمْ يَقْبَلْ شَيْئًا مِنَ الدُّنْيَا، ثُمَّ انْسَلَّ طَالِبًا لِمَسْجِدِهِ، وَنَحْنُ كُلٌّ مِنَّا جَالِسٌ عَلَى الأَرْضِ مُخْتَفٍ، مُتَغَيِّرٌ لَوْنُهُ، مُخَرِّقٌ لِثَوْبِهِ، يَهُوْلُهُ مَا يَحْدُثُ بِهِ بَعْدَ مَوْتِ هَذَا الرَّجُلُ، عَلَى قَدْرِ مَا لَهُ تَعَلُّقٌ بِهِمْ، فَعَرَفْتُ أَنَّ الرَّجُلَ هُوَ ذلِكَ. قَالَ القَاضِي أَبُو الحُسَيْنِ: قُلْتُ لَهُ (^٢) بَعْدَ اجْتِمَاعِهِ مَعَهُ:
_________________
(١) = وَفِي القَصِيْدَة مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهَا لِلْحَارِثِيِّ، وَهُوَ قَوْلُهُ: فَإِنَّ بَنِي الدَّيَّان قُطْبٌ لِقَوْمِهِمْ … تَدُوْرُ رَحَاهُمْ حَوْلَهُمْ وَتَجُوْلُ فَـ "بَنُو الدَّيَّان" من بَني الحَارِثِ بنِ كَعْبٍ، فالدَّيَّانُ؛ يَزِيْدُ بنُ قَطَنِ بنِ زِيَادِ بنِ الحَارِثِ بنِ مَالِكِ بنِ كَعْبِ بنِ الحَارِثِ بنِ كَعْبٍ، كَذَا في "جَمْهرة أَنْسَابِ العَرَبِ" لابن حزمٍ (٤١٦)، قَالَ: "وَهُمْ بَيْتُ مَذْحِجٍ أَخْوَالُ أَبِي العَبَّاسِ السَّفَّاحِ". وَقَوْلُهُ: "أُرْتِجَ" اسْتُغْلِقَ، وَأَصْلُ الرِّتَاجِ: البَابُ.
(٢) في (ط): "عَبْدُ الله" وفي "المُنْتَظَم": أنبأنا عَلِيُّ بنُ عُبَيْدِ الله، وَهُوَ الصَّحِيْحُ، وَالمَقْصُوْدُ بِهِ عَلِيُّ بنُ عُبَيْدِ اللهِ بنِ نَصْرِ بنِ السَّرِيِّ الزَّاغُوْنِيُّ (ت: ٥٢٧ هـ) ذَكَرَهُ المُؤَلِّفُ في مَوْضِعِهِ، وَيُرَاجَعُ: مَشْيَخَةُ ابنِ الجَوْزِيِّ (٧٩) الشَّيخُ الثَّالِثَ عَشَرَ (ط) دارِ الغَرْبِ سَنَةَ (١٤٠٠ هـ).
(٣) في (ط) بطبعتيها: "قَالَ القَاضِي أَبُو الحُسَيْنِ: أَي: ابنُ أَبي يَعْلَى قُلْتُ لَهُ: أَيْ لِعَبْدِ الخَالِقِ" =
[ ١ / ٣٥ ]
أَيْنَ سَهْمُنَا مِمَّا كَانَ هُنَاكَ؟ فَقَالَ: أَحْيَيْتُ جَمَالَ شَيْخِنَا وَالِدِكَ الإِمَامِ أَبِي يَعْلَى، يُقَالُ: هَذَا غُلَامُهُ تَنَزَّهُ عَنْ هَذَا القَدْرِ الكَثِيْرِ، فَكَيْفَ لَوْ كَانَ هُوَ؟
وَفِي سَنَةِ أَرْبَعٍ وَسِتِّيْنَ وَأَرْبَعِمَائَة اجْتَمَعَ الشَّرِيْفُ أَبُو جَعَفَرٍ وَمَعَهُ الحَنَابِلَةُ فِي جَامِعِ القَصْرِ، وَأَدْخَلُوا مَعَهُم أَبَا (^١) إِسْحَق الشِّيْرَازِيَّ وَأَصْحَابُهُ، وَطَلَبُوا مِنَ الدَّوْلَةِ قَلْعَ المَوَاخِيْرِ (^٢)، وَتَتَبُّعُ المُفْسِدِيْنَ وَالمُفْسِدَاتِ، وَمَنْ يَبِيْعُ النَّبِيْذَ، وَضَرْبَ دَرَاهِمَ تَقَعُ بِهَا المُعَامَلَةُ عِوَضَ القُرَاضَةِ (^٣)، فَتَقَدَّمَ الخَلِيْفَةُ (^٤) بِذلِكَ، فَهَرَبَ المُفْسِدَاتُ، وَكُبِسَتِ الدُّوْرُ، وَأُرِيْقَتِ الأَنْبِذَةُ،
_________________
(١) = وَهَاتَان العِبَارَتَانِ الزَّائِدَتَانِ مُعَلَّقَتَانِ فِي نُسْخَةِ (هـ) يَظْهَرُ أنَّها تَوْضِيْحٌ من النَّاسِخِ، وَلَيْسَتَا من كَلَامِ المُؤَلِّفِ؛ لِخُلُوِّ مَا عَدَاهَا مِنَ النُّسَخِ مِنْهُمَا.
(٢) في (أ): "أبو"، وَأَبُو إِسْحَقَ الشِّيْرَازِيُّ إِبْرَاهِيْمُ بنُ عَلِيٍّ بنِ يُوْسُفَ الفَيْرُوْزَآبَادِيُّ، شَيْخُ الشَّافِعِيَّةِ (ت: ٤٧٦ هـ) مَشْهُوْرٌ جِدًّا.
(٣) المَوَاخِيْرُ جَمْعُ مَاخُوْرٍ: بَيْتُ الخَمْرِ، مُعَرَّبُ مَيْخُوْرُ، وَبَيْتُ الرِّيْبَةِ، وَمَنْ يَلِي ذلِكَ البَيْتَ وَيَقُوْدُ إِلَيه، مُعَرَّبُ مَيْ خُوْرا، وَقِيْلَ: عَرَبِيٌّ مِنْ مَخَرَتِ السَّفِيْنَةُ المَاءَ؛ لتَرَدُّدِ النَّاسِ إِلَيْه، وَالجَمْعُ: مَوَاخِيْرُ، وفي حَدِيْثِ زِيَادٍ - لمَّا قَدِمَ البَصْرَةَ وَالِيًا - قَالَ: مَا هَذِهِ المَوَاخِيْرُ، الشَّرَابُ عَلَيَّ حَرَامٌ حَتَّى تُسَوَّى بِالأَرْضِ هَدْمًا وَحَرْقًا"، قَالَ جَرِيْرٌ [ديوانُهُ: ٤٨٥]: فَمَا فِي كِتَابِ اللهِ هَدْمُ دِيَارِنَا … بِتَهْدِيْمِ مَاخُوْرٍ خَبِيْثٍ مَدَاخِلُه هكَذَا فِي قَصْدِ السَّبِيْلِ للمُحبِّيِّ (٢/ ٤٣٠)، وَيُرَاجَعُ: القَامُوْس (مَخَرَ) وَشَرْحُهُ "تاج العَرُوْسِ" وَفِيْهِ: "وَالمَاخُوْرُ بَيْتُ الرِّيْبَةِ، وَمَجْمَعُ أَهْلِ الفِسْقِ وَالفَسَادِ، وَمَجْلِسُ الخَمَّارِيْن" وَالقَوْلُ بِعَرَبِيَّتِهَا عَنْ ثَعْلَبٍ. وَحَدِيْثُ زِيَادٍ في الفَائِقِ (٣/ ٣٥١)، وَالنِّهَايَةِ (٤/ ٣٠٦).
(٤) القُرَاضَةُ: قِطَعُ الذَّهَبِ وَالفِضَّةِ.
(٥) في (ط) الفقي: "الخَلْفِيَّةُ" خَطَأُ طِبَاعَةٍ.
[ ١ / ٣٦ ]
وَوَعَدُوا بِقَلْعِ المَوَاخِيْرِ، وَمُكَاتَبَةِ عَضُدِ الدَّوْلَةِ (^١) بِرَفْعِهَا، وَالتَّقَدُّمِ بِضَرْبِ الدَّرَاهِمِ الَّتِي يُتَعَامَلُ بِهَا، فَلَمْ يَقْنَعِ الشَّرِيْفُ، وَلَا أَبُو إِسْحَقَ بِهَذَا الوَعْدِ، وَبَقِيَ الشَّرِيْفُ مُدَّةً طَوِيْلَةً مُتَعَتِّبًا، مُهَاجِرًا لَهُمْ، وَحَكَى أَبُو المَعَالِي صَالِحُ بنُ شَافِعٍ عَمَّنْ حَدَّثَهُ أَنَّ الشَّرِيْفَ رَأَى مُحَمَّدًا وَكِيْلَ الخَلِيْفَةِ حِيْنَ غَرِقَتْ "بَغْدَادُ" سَنَةَ سِتٍّ وَسِتِّيْن (^٢)، وَجَرَى عَلَى دَارِ الخِلَافَةِ العَجَائِبُ، وَهُمْ فِي غَايَةِ التَّخَبُّطِ، فَقَالَ الشَّرِيْفُ أَبُو جَعْفَرٍ: يَا مُحَمَّدُ، فَقَالَ لَهُ: لَبَّيْكَ يَا سَيِّدَنَا، فَقَالَ لَهُ: قُلْ لَهُ: كَتَبْنَا وَكَتَبْتُمْ، وَجَاءَ جَوَابُنَا قَبْلَ جَوَابِكُمْ، يُشِيْرُ إِلَى قَوْلِ الخَلِيْفَةِ: سَنُكَاتِبُ فِي رَفْعِ المَوَاخِيْرِ، وَيُرِيْدُ بِجَوَابِهِ الغَرَقَ وَمَا جَرَى فِيْهِ.
وَفِي سَنَةِ سِتِّينَ وَأَرْبَعِمَائَةَ كَانَ أَبُو عَلِيِّ بنُ الوَلِيْدِ (^٣) - شَيْخُ المُعْتَزِلَةِ - قَدْ عَزَمَ عَلَى إِظْهَارِ مَذْهَبِهِ لأَجْلِ مَوْتِ الشَّيْخِ الأَجَلِّ أَبِي مَنْصُوْرِ بنِ يُوْسُفَ (^٤)،
_________________
(١) لَيْسَ هُوَ عَضُدُ الدَّولَةِ المَشْهُوْرُ فَنَّاخُسرو (ت: ٣٧٢ هـ)؟! وَالسُّلطَانُ هُوَ عَمِيْدُ الدَّوْلَةِ ابنُ فَخْرِ الدَّوْلِةِ.
(٢) خَبَرُ غَرَقِ "بَغْدَادَ" في المُنْتَظَمِ (٨/ ٢٨٤)، وَالكَامِلِ فِي التَّارِيْخِ (١٠/ ٩٠ - ٩١)، وَتَارِيْخِ دَوْلَةِ آلِ سَلْجُوْقٍ (٥١)، وَالإِنْبَاءِ بِتَارِيْخِ الخُلفَاءِ (٢٠٠)، وَالعِبَرِ (٣/ ٢٦١)، وَدُوَلِ الإِسْلامِ (١/ ٢٧٥)، وَتَاريخِ الإسلامِ (٢٤)، وَمِرْآةِ الجِنَانِ (٣/ ٩٣)، وَتَارِيْخِ ابنِ الوَرْدِيِّ (١/ ٣٧٧)، وَالبِدَايَةِ وَالنِّهَايَةِ (١٢/ ١٠٩)، وَتَارِيْخِ الخُلَفَاءِ (٤٢٢)، وَشَذَرَاتِ الذَّهَبِ (٣/ ٣٢٤).
(٣) مُحَمَّدُ بنُ أَحْمَدَ بنِ عَبْدِ اللهِ بنِ أَحْمَدَ بنِ الوَلِيْدِ، أَبُو عَلِي الكَرْخِيُّ (ت: ٤٧٨ هـ). أَخْبَارُهُ في: المُنْتَظَمِ (٩/ ٢٠)، وَسِيَرِ أَعْلَامِ النُّبَلَاءِ (١٨/ ٤٨٩)، وَالوَافِي بِالوَفَيَاتِ (٢/ ٨٤)، وَطَبَقَاتِ المُعْتَزِلَةِ (٦٠)، وَشَذَرَاتِ الذَّهَبِ (٣/ ٣٦٢).
(٤) هُوَ مُحَمَّدُ بنُ عَبْدِ المَلِكِ بنِ يُوْسُفَ (ت: ٤٦٠ هـ) ذَكَرْتُهُ في الاسْتِدْرَاكِ عَلَى المُؤَلِّفِ.
[ ١ / ٣٧ ]
فَقَامَ الشَّرِيْفُ أَبُو جَعَفَرِ وَعَبَرَ إِلَى جَامِعِ المَنْصُوْرِ هُوَ وَأَهْلُ مَذْهَبِهِ، وَسَائِرِ الفُقَهَاءِ، وَأَعْيَانُ أَهْلِ الحَدِيْثِ، وَبَلَغُوا (^١) ذلِكَ، فَفَرَحَ أَهْلُ السُّنَّةِ بِذلِكَ، وَقَرَأُوا كِتَابَ "التَّوْحِيْدِ" (^٢) لابنِ خُزَيْمَةَ، ثُمَّ حَضَرُوا الدِّيْوَانَ، وَسَأَلُوا إِخْرَاجَ الاعْتِقَادِ الَّذِي جَمَعَهُ الخَلِيْفَةُ القَادِرُ (^٣)، فَأُجِيْبُوا إِلَى ذلِكَ، وَقُرِئَ هُنَاكَ بِمَحْضَرٍ مِنَ الجَمِيْعِ، وَاتَّفَقُوا عَلَى لَعْنِ مَنْ خَالَفَهُ، وتَكْفِيْرِهِ، وَبَالَغَ ابنُ فُوْرَكَ (^٤) فِي ذلِكَ، ثُمَّ سَأَلَ الشَّرِيْفُ أَبُو جَعَفَرٍ، وَالزَّاهِدُ الصَّحْرَاوِيُّ (^٥) أَنْ يُسَلَّمَ إِلَيْهِمْ الاعْتِقَادُ، فَقَالَ لَهُمُ الوَزِيْرُ: لَيْسَ هَهُنَا نُسْخَةٌ غَيْرَ هَذِهِ، وَنَحْنُ نَكْتُبُ لَكُمْ بِهِ نُسْخَةٌ لِتُقْرَأَ فِي المَجَالِسِ، فَقَالُوا: هكَذَا فَعَلْنَا فِي أَيَّامِ القَادِرِ، قُرِئَ في المَسَاجِدِ وَالجَوَامِعِ، فَقَالَ: هكَذَا تَفْعَلُوْنَ، فَلَيْسَ اعْتِقَادٌ غَيْرَ هَذَا، وَانْصَرَفُوا، ثُمَّ قُرِئَ بَعْدَ ذلِكَ الاعْتِقَادُ بِـ "بَابِ البَصْرَةِ"، وَحَضَرَهُ الخَاصُّ وَالعَامُّ.
_________________
(١) في (أ): "مَنَعُوًا".
(٢) الإِمَامُ المَشْهُوْرُ صَاحِبُ "الصَّحِيْحِ" مُحَمَّدُ بنُ إِسْحَقَ (ت: ٣١١ هـ) قَالَ الحَافِظُ الذَّهَبِيُّ: "وَكِتَابُهُ فِي التَّوْحِيْدِ مُجَلَّدٌ كَبِيْرٌ".
(٣) أَبُو العَبَّاس أَحْمَدُ بنُ إِسْحَقَ الخَلِيْفَةُ (ت: ٤٢٢ هـ) وَكَانَتْ مُدَّةُ خَلَافَتِهِ تَزِيْدُ عَلَى ثَلَاثٍ وَأَرْبَعِيْنَ سَنَةً. أخبارُهُ في: الإِنْبَاءِ فِي تَارِيْخِ الخُلَفَاءِ (١٨٣)، وَدُوَلِ الإِسْلامِ (١/ ٢٥٢)، وَالعِبَرِ (٣/ ١٤٨)، وَالجَوْهَرِ الثَّمِيْنِ (١٨٩)، وَتَارِيْخِ الخُلَفَاءِ (٤٤٢)، وَمَآثِر الإِنَافَةِ (٣١٨)، وَالبِدَايَةِ وَالنِّهَايَةِ (١٢/ ٣١).
(٤) ابْنُ فُوْرَكَ أَحْمَدُ بنُ مُوْسَى (ت: ٤١٠ هـ) تَقَدَّمَ التَعْرِيْفُ بِهِ.
(٥) لَمْ أَعْرِفْهُ بَعْدُ، وَلَعَلَّه لَمْ يَكُنْ مِن أَهْلِ العِلْمِ، وَإِنَّمَا هُوَ مِنْ أَهْلِ الصَّلَاحِ وَالفَضْلِ.
[ ١ / ٣٨ ]
وَكَذلِكَ أَنْكَرَ الشَّرِيْفُ أَبُو جَعْفَرٍ عَلَى ابنِ عَقِيْلٍ تَرَدُّدَهُ إِلَى ابنِ الوَلِيْدِ وَغَيْرِهِ، فَاخْتَفَى مُدَّةً، ثُمَّ تَابَ وَأَظْهَرَ تَوْبَتَهُ، وَسَنَذْكُرُ مَضمُوْن ذلِكَ فِي تَرْجَمَةِ ابنِ عَقِيْلٍ إِنْ شَاءَ الله (^١).
وآخرُ ذلِكَ كُلِّهِ: فِتْنَةُ ابنِ القُشَيْرِيِّ (^٢)، قَامَ فِيْهَا الشَّرِيْفُ قِيَامًا كُلِّيًّا، وَمَاتَ فِي عَقِبِهَا، وَمَضْمُوْنُ ذلِكَ أَنَّ أَبَا نَصْرِ بنِ القُشَيْرِيِّ وَرَدَ "بَغْدَادَ" سَنَةَ تِسْعٍ وَسِتِّيْنَ وَأَرْبَعِمَائَةَ، وَجَلَسَ فِي "النِّظَامِيَّةِ" وَأَخَذَ يَذُمُّ الحَنَابِلَةِ، وَيَنْسِبُهُمْ إِلَى التَّجْسِيْمِ، وَكَانَ المُتَعَصِّبُ لَهُ أَبُو سَعْدٍ (^٣) الصُّوْفِيُّ - وَمَالَ إِلَى نَصْرِهِ أَبُو إِسْحَقَ الشِّيْرَازِيُّ - وَكَتَبَ إِلَى نِظَامِ المُلْكِ الوَزِيْرِ يَشْكُو الحَنَابِلَةَ، وَيَسْأَلُهُ المَعُوْنَةَ، فاتَّفَقَ جَمَاعَةٌ مِنْ أَتْبَاعِهِ عَلَى الهُجُوْمِ عَلَى الشَّرِيْفِ أَبِي جَعْفَرٍ فِي مَسْجِدِهِ، وَالإِيْقَاعِ بِهِ، فَرَتَّبَ الشَّرِيْفُ جَمَاعَةً أَعَدَّهُمْ لِرَدِّ خُصُوْمةٍ إِنْ وَقَعَتْ، فَلَمَّا وَصَلَ أُوْلَئِكَ إِلَى بَابِ المَسْجِدِ رَمَاهُمْ هَؤُلَاءِ بِالآجُرِّ، فَوَقَعَتِ الفِتْنَةُ، وَقُتِلَ مِنْ أُوْلَئِكَ رَجُلٌ مِنَ العَامَّةِ وَجُرِحَ آخَرُوْنَ، وَأُخِذَتْ ثِيَابٌ، وَأَغْلَقَ أَتْبَاعُ ابنِ القُشَيْرِيِّ أَبْوَابَ سُوْقِ مَدْرَسَةِ النِّظَامِ (^٤)، وَصَاحُوا:
_________________
(١) بعدها في (ط) فقط: "تَعَالَى". تُرَاجَعُ تَرْجَمَتُهُ رَقم (٦٧) ص (٣٢٢).
(٢) ابنُ القُشَيْرِيِّ صَاحِبُ الفِتْنَةِ هُو عَبْدُ الرَّحِيْمِ بنُ عَبْدِ الكَرِيْمِ بنِ هَوَازِن القُشَيْرِيُّ، النَّيْسَابُوْرِيُّ (ت: ٥١٤ هـ). تَقَدَّمَ ص (٢٤).
(٣) في هامش (أ): "سعيد" قِرَاءَةُ نُسْخَةٍ أُخْرَى، وَهُوَ المُعَمَّرُ بنُ عَلِيِّ بنِ أَبِي عِمَامَة أَبُو سَعْدٍ الصُّوْفِيُّ (ت: ٥٠٦ هـ) ذَكَرَهُ المُؤَلِّفُ فِي مَوْضِعِهِ فِي هَذَا الجُزْءِ ص (٢٤٨).
(٤) مِنْ أَشْهَرِ المَدَارِسِ ببَغْدَادَ تُعْرَفُ بِـ "المَدْرَسَةِ النِّظاميَّة".
[ ١ / ٣٩ ]
المُسْتَنْصِرَ باللهِ (^١)، يَا مَنْصُوْرُ - يَعْنُوْنَ العُبَيْدِيَّ صَاحِبَ "مِصْرَ" - وَقَصَدُوا بِذلِكَ التَّشْنِيْعَ عَلَى الخَلِيْفَةِ العَبَّاسِيِّ، وَأَنَّهُ مُمَالِئٌ للْحَنَابِلَةِ، لَاسِيَّمَا وَالشَّرِيْفُ أَبُو جَعْفَرٍ ابنُ عَمِّهِ، وَغَضِبَ أَبُو إِسْحَقَ، وَأَظْهَرَ التَّأَهُّبَ لِلسَّفَرِ، وَكَاتَبَ فُقَهَاءُ الشَّافِعِيَّةِ نِظَامَ المُلْكِ (^٢) بِمَا جَرَى، فَوَرَدَ كِتَابُهُ بالامْتِعَاضِ مِنْ ذلِكَ، وَالغَضَبِ؛ لِتَسَلُّطِ الحَنَابِلَةِ عَلَى الطَّائِفَةِ الأُخْرَى، وَكَانَ الخَلِيْفَةُ يَخَافُ مِنَ السُّلْطَانِ وَوَزِيْرِهِ نِظَامِ المُلْكِ وَيُدَارِيْهِمَا، وَحَكَى (^٣) أَبُو المَعَالِي صَالِحُ بنُ شَافِعٍ، عَنْ شَيْخِهِ أَبِي الفَتْحِ الحَلْوَانِيِّ (^٤) وَغَيْرِهِ مِمَّنْ شَاهَدَ الحَالَ أَنَّ الخَلِيْفَةَ لَمَّا خَافَ مِنْ تَشْنِيْعِ الشَّافِعِيَّةِ عَلَيْهِ عِنْدَ النِّظَامِ أَمَرَ الوَزِيْرَ
_________________
(١) اسمُهُ مَعَدُّ بنُ عَلِيٍّ، وَوَالِدُهُ يُلَقَّبُ الظَّاهِرُ، تَوَلَّى بَعْدَ أَبِيْهِ سَنَةَ سَبْعٍ وَعِشْرِيْنَ وَأَرْبَعِمَائَةَ، وَدَامَتْ مُدَّةُ خِلَافَتِهِ سِتِّيْنَ سَنَةً، تُوفِّيَ سَنَةَ سَبْعٍ وَثَمَانِيْنَ وَأَرْبَعِمَائَةَ. أَخْبَارُهُ فِي: اتِّعَاظِ الحُنَفَاءِ (٢/ ١٨٤)، وَالبِدَايةِ وَالنِّهَايَةِ (١٠/ ١٤٨)، وَتَاريخِ ابنِ خَلْدُوْنَ (٤/ ٦٤)، وَحُسْنِ المُحَاضَرَةِ (١/ ٦٠٣)، وَخُطَطِ المَقْرِيْزِيِّ (١/ ٣٥٥) …
(٢) هُوَ الوَزِيْرُ الحَسَنُ بنُ عَلِيِّ بنِ إِسْحَقَ الطُوْسِيُّ (ت: ٤٨٥ هـ) اتَّصَلَ بِالسُّلطان أَلب أَرْسَلَان فَاسْتَوْزَرَهُ، فَلَمَّا خَلَفَهُ ابنُهُ مَلِكْشَاه صَارَ الأمْرُ كُلُّه لِنَظَامِ المُلْكِ هَذَا، وَقَوِيَتْ شَوْكَةُ أَهْلِ العِلْمِ فِي عَصْرِهِ، وَكَانَ هُوَ عَالِمًا، لَهُ أَمَالٍ في الحَدِيْثِ مَطْبُوْعَةٌ "أَمَالِي نِظَامِ المُلْكِ" وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ المَدَارِسَ النَّظَامِيَّةَ المَشْهُوْرَةَ فِي كُلٍّ مِن "بَغْدَادَ"، وَ"نَيْسَابُورَ"، وَ"طُوْسَ". أَخْبَارُهُ فِي: الأنْسَابِ (٦/ ٣٧)، وَالمُنْتَظَمِ (٩/ ٦٤)، وَتَارِيْخِ دَوْلَةِ آلِ سَلْجُوْق (١/ ١١٥)، وَالكَامِلِ فِي التَّارِيْخِ (١٠/ ٢٠٤)، وَسِيَرِ أَعْلَامِ النُّبَلاءِ (١٩/ ٩٤)، وَالشَّذَرَاتِ (٣/ ٣٧٣).
(٣) في (أ): "فَحَكَى".
(٤) أَبُو الفَتْحِ اسمُهُ مُحَمَّدُ بنُ عَلِيٍّ (ت: ٥٠٥ هـ) ذَكَرَهُ المُؤَلِّفُ في مَوْضِعِهِ.
[ ١ / ٤٠ ]
أَنْ يُجِيْلَ الفِكْرَ فِيْمَا تَنْحَسِمُ بِهِ الفِتْنَةُ، فَاسْتَدْعَى الشَّرِيْفَ أَبَا جَعْفَرٍ بِجَمَاعَةٍ مِنْ الرُّؤسَاءِ مِنْهُمُ ابنُ جَرْدَة (^١)، فَتَلَطَّفُوا بِهِ حَتَّى حَضَرَ فِي اللَّيْلِ، وَحَضَرَ أَبُو إِسْحَقَ، وَأَبُو سَعْدٍ الصُّوْفِي (^٢)، وَأَبُو نَصْرِ بنِ القُشَيْرِيِّ، فَلَمَّا حَضَرَ الشَّرِيْفُ عَظَّمَهُ الوَزِيْرُ وَرَفَعَهُ وَقَالَ: إِنَّ أَمِيْرَ المُؤْمِنِيْنَ سَاءَهُ مَا جَرَى مِن اخْتِلَافِ المُسْلِمِيْنَ فِي عَقَائِدِهِمْ، وَهَؤُلَاءِ يُصَالِحُوْنَكَ عَلَى مَا تُرِيْدُ، وَأَمَرَهُمْ بِالدُّنُوِّ مِنَ الشَّرِيْفِ. فَقَامَ إِلَيْهِ أَبُو إِسْحَقَ - وَكَانَ يَتَرَدَّدُ فِي أَيَّامِ المُنَاظَرَةِ إِلَى مَسْجِدِهِ بِـ "دَرْبِ المَطْبَخِ (^٣) " - فَقَالَ: أَنَا ذَاكَ الَّذِي تَعْرِفُ، وَهَذِهِ كُتُبِي فِي أُصُوْلِ الفِقْهِ أَقُوْلُ فِيْهَا خِلَافًا لِلأَشْعَرِيَّةِ، ثُمَّ قَبَّلَ رَأْسَهُ، فَقَالَ لَهُ الشَّرِيْفُ: قَدْ كَانَ مَا تَقُوْلُ، إلَّا أَنَّكَ لَمَّا كُنْتَ فَقِيْرًا لَمْ تُظْهِرْ لَنَا مَا فِي نَفْسِكَ، فَلَمَّا جَاءَ الأَعْوَانُ، وَالسُّلْطَانُ، وَخَوَاجَا بُزُرْكُ (^٤) - يَعْنِي النِّظَامَ -
_________________
(١) ابنُ جَرْدَةَ هَذَا مِنْ كِبَارِ أَثْرِيَاءِ الحَنَابِلَةِ بِبَغْدَادَ، صَاحِبُ أَفْضَالٍ وَبِرٍّ وَخَيْرٍ، وَهُوَ مِن أَهْلِ العِلْمِ وَالفَضْلِ، اسْمُهُ مُحَمَّدُ بنُ أَحْمَدَ بنِ الحَسَنِ، أَبُو عَبْد اللهِ العُكْبَرِيُّ (ت: ٤٧٦ هـ) سَنَذْكُرُهُ فِي اسْتِدْرَاكنا فِي مَوْضِعِهِ إِنْ شَاءَ اللهُ.
(٢) في (هـ): "أَبُو سَعِيْدٍ" كَمَا سَبَقَ.
(٣) لَمْ يُذْكَرْ فِي مَحَالِّ "بَغْدَادَ" فِي كِتَابِ الدُّكتُور صَالِح أَحْمَدَ العَلِي؟!. وَسَبَقَ أَنْ ذَكَرَ المُؤلِّفُ أَنَّ مَسْجِدَ الشَّيْخِ أَبِي جَعْفَرٍ بـ "سكَّة الخِرَقِيِّ" مِنْ "بابِ البَصْرَةِ"، ثُمَّ دَرَّسَ بَعْدَ ذلِك بمَسْجِدٍ عَلَى "بابِ الدَّرْبِ" (دَرْبِ الدِّيْوَانِ).
(٤) قَالَ الحَافِظُ ابنُ نَاصِر الدِّيْن في "التَّوْضِيْحِ" (١/ ٤٩٢): "قَالَ [أَي الذَّهَبِيّ] بُزُرْكُ قُلْتُ: كَذَا ضَبَطَهُ الذَّهَبِيَّ - فِيْمَا وَجَدْتُهُ بِخَطِّهِ - بِضَمِّ أَوَّلِهِ وَالزَّايِ مَعًا، وَسُكُوْنِ الرَّاءِ، تَلِيْهَا الكَافُ، وَقَيَّدَهُ الأَمِيْرُ بِفَتْحِ أَوَّلِهِ، وَالبَاقِي سَوَاءٌ وَهُوَ المَعْرُوْفُ. قَالَ: وَمَعْنَاهُ: العَظِيْمُ، يُعرَفُ بِهِ الوَزِيْرُ نِظَامُ المُلْكِ قُلْتُ: هُوَ أَبُو عَلِيٍّ الحَسَنُ بنُ عَلِيِّ بنِ إِسْحَقَ، =
[ ١ / ٤١ ]
أَبْدَيْتَ مَا كَانَ مَخْفِيًّا. ثُمَّ قَامَ أَبُو سَعْدٍ الصُّوْفِيُّ، فَقَبَّلَ يَدَ الشَّرِيْفِ، وَتَلَطَّفَ بِهِ، فالْتَفَتَ مُغْضَبًا وَقَالَ: أَيُّهَا الشَّيْخُ، إِنَّ الفُقَهَاءَ إِذَا تَكَلَّمُوا في مَسَائِلِ الأُصُوْلِ فَلَهُمْ فِيْهَا مَدْخَلٌ، وَأَمَّا أَنْتَ: فَصَاحِبُ لَهْوٍ وَسَمَاعٍ وَتَعْبِيْرٍ، فَمَنْ زَاحَمَكَ عَلَى ذلِكَ حَتَّى دَاخَلْتَ المُتَكَلِّمِيْنَ وَالفُقَهَاءَ، فَأَقَمْتَ سَوْقَ التَّعَصُّبِ؟ ثُمَّ قَامَ ابنُ القُشَيْرِيِّ - وَكَانَ أَقَلَّهُمْ احْتِرَامًا للشَّرِيْفِ - فَقَالَ الشَّرِيْفُ: [مِنْ هَذَا؟ فَقِيْلَ: أَبُو نَصْرِ بنُ القُشَيْرِيِّ، فَقَالَ] (^١): لَوْ جَازَ أَنْ يُشْكَرَ أَحَدٌ عَلَى بِدْعَتِهِ لَكَانَ هَذَا الشَّابُّ؛ لأنَّه بَادٍ هُنَا بِمَا فِي نَفْسِهِ، وَلَمْ يُنَافِقْنَا كَمَا فَعَلَ هَذَانِ. ثُمَّ التَفَتَ إِلَى الوَزِيْرِ فَقَالَ: أَيُّ صُلْحٍ يَكُوْنُ (^٢) بَيْنَنَا؟ إِنَّمَا يَكُوْنُ الصُّلْحُ بَيْنَ مُخْتَصِمِيْنَ عَلَى وِلَايَةٍ، أَوْ دُنْيَا، أَوْ تَنَازِعٌ في مُلْكٍ، فَأَمَّا هَؤُلَاءِ القَوْمِ فَإِنَّهُمْ يَزْعُمُوْنَ أَنَّا كُفَّارٌ، وَنَحْنُ نَزْعُمُ أَنَّ مَنْ لَا يَعْتَقِدُ مَا نَعْتَقدُهُ كَانَ كَافِرًا، فَأَيُّ صُلْحٍ بَيْنَنَا؟ وَهَذَا الإمَامُ يَصْدَعُ المُسْلِمِيْنَ، وَقَدْ كَانَ جَدَّاهُ - القَائِمُ وَالقَادِرُ - أَخْرَجَا اعتِقَادَهُمَا للنَّاسِ، وَقُرِئَ عَلَيْهِمْ فِي دَوَاوِينِهِمْ، وَحَمَلَهُ عَنْهُمُ الخُرَاسَانِيُّوْنَ وَالحَجِيْجُ إِلَى أَطْرَافِ الأَرْضِ، وَنَحْنُ عَلَى اعْتِقَادِهِمَا.
وَأَنْهَى الوَزِيْرُ إِلَى الخَلِيْفَةِ مَا جَرَى، فَخَرَجَ فِي الجَوَابِ: عُرِفَ مَا
_________________
(١) = سَمِعَ الكَثيرَ، وَحَدَّثَ، وَأَمْلَى بِـ "خُرَاسَانَ" وَغَيْرِهَا، سَمِعَ مِنهُ ابنُ مَاكُولا بِنَواحِي "خَبْرَ"، وَقَيَّدَ لَقَبَهُ بِفَتْحِ المُوَحَّدَةِ كَمَا تَقَدَّمَ، وَهُوَ أَعْرَفُ بِلَقَبِ شَيْخِهِ. وَيُرَاجَعُ: الإِعْلامُ لابنِ نَاصرِ الدِّين أَيْضًا (١٥١)، وَالمُشتبهُ للذَّهبيِّ (١/ ٧٢)، وَالإِكْمَالُ لابنِ مَاكُوْلا (١/ ٢٦٨).
(٢) - (١) ساقطٌ من (أ).
(٣) مَضرُوْبٌ عَلَيْهِ بِالقَلَمِ فِي (أ).
[ ١ / ٤٢ ]
أَنْهَيْتُهُ مِنْ حُضُوْرِ ابنِ العَمِّ - كَثَّرَ اللهُ فِي الأَوْلِيَاءِ مِثْلَهُ - وَحُضُوْرِ مَنْ حَضَرَ مِنْ أَهْلِ العِلْمِ، وَالحَمْدُ للهِ الَّذِي جَمَعَ الكَلِمَةَ، وَضَمَّ الأُلْفَةَ، فَلْيُؤْذَنْ لِلْجَمَاعَةِ فِي الانْصِرَافِ، وَلْيُقَلْ لابنِ أَبي مُوْسَى: إِنَّهُ قَدْ أُفْرِدَ لَهُ مَوْضِعٌ قَرِيْبٌ مِنَ الخِدْمَةِ لِيُرَاجَعَ فِي كَثِيْرٍ مِنَ الأُمُوْرِ المُهِمَّةِ، وَلِيُتَبَرَّكَ بِمَكَانِهِ، فَلَمَّا سَمِعَ الشَّرِيْفُ هَذَا قَالَ: فَعَلْتُمُوْهَا، فَحُمِلَ إِلَى مَوْضِعٍ أُفْرِدَ لَهُ بِدَارِ الخِلَافَةِ، وَكانَ النَّاسُ يَدْخُلُوْنَ عَلَيْهِ مُدَّةً مَدِيْدَةً، ثُمَّ قِيْلَ لَهُ: قَدْ كَثُرَ اسْتِطْرَاقُ النَّاسِ دَارَ الخِلَافَةِ، فَاقْتَصِرْ عَلَى مَنْ تُعَيِّنُ دُخُوْلَهُ، فَقَالَ: مَالِي غَرَضٌ فِي دُخُوْلِ أَحَدٍ عَلَيَّ، فَامْتَنَعَ النَّاسُ.
ثُمَّ إِنَّ الشَّرِيْفَ مَرِضَ مَرَضًا أَثَّرَ فِي رِجْلَيْهِ فَانْتَفَخَتَا. فَيُقَالُ: إِنَّ بَعْضَ المُتَفَقِّهَةِ (^١) مِنَ الأَعْدَاءِ تَرَكَهُ فِي مَدَاسِهِ سُمًّا، وَاللهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
ثُمَّ إِنَّ أَبَا نَصْرِ بنَ القُشَيْرِيِّ أُخْرِجَ مِنْ "بَغْدَادَ" وَأُمِرَ بِمُلَازَمَةِ بَلَدِهِ لِقَطْعِ الفِتْنَةِ. وَذلِكَ نَفْيٌ فِي الحَقِيْقَةِ.
قَالَ ابنُ النَّجَّارِ كُوْتِبَ نِظَامُ المُلْكِ الوَزِيْرُ بِأَنْ يَأْمُرَهُ بِالرُّجُوعِ إِلَى وَطَنِهِ، وَقَطْعِ هَذِهِ الثَّائِرَةِ، فَبَعَثَ وَاسْتَحْضَرَهُ، وَأَمَرَهُ بِلُزُوْمِ وَطَنِهِ، فَأقَامَ بِهِ إِلَى حِيْنِ وَفَاتِهِ. قَالَ القَاضِي أَبُو الحُسَيْنِ: أُخِذَ الشَّرِيْفُ أَبُو جَعْفَرٍ فِي فِتْنَةِ أَبي نَصْرِ بنِ القُشَيْرِيِّ، وَحُبِسَ أَيَّامًا، فَسَرَدَ الصَّوْمَ وَمَا أَكَلَ لِأَحَدٍ شَيْئًا، قَالَ: وَدَخَلْتُ عَلَيْهِ فِي تِلْكَ الأَيَّامِ وَرَأَيْتُهُ يَقْرَأُ فِي المُصْحَفِ، فَقَالَ
_________________
(١) كَذَا فِي الأصُوْلِ، وَلَعلَّهَا: "المُبْتَدِعَة" كَمَا جَاءَ صَرَاحَةً فِيْمَا بَعْدُ. وَهكَذَا جَاءَتْ بِهَذَا اللَّفْظِ فِي كَلَامِ المُؤَلِّفِ الآتِي.
[ ١ / ٤٣ ]
لِي: قَالَ اللهُ تَعَالَى (^١): ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ﴾ تَدْرِي مَا الصَّبْرُ؟ قُلْتُ: لَا، قَالَ: هُوَ الصَّوْمُ، وَلَمْ يُفْطِرْ إِلَى أنْ بَلَغَ مِنْهُ المَرَضُ، وَضَجَّ النَّاسُ مِنْ حَبْسِهِ. وَأُخْرِجَ إِلَى الحَرِيْمِ الطَّاهِرِيِّ (^٢) بالجَانِبِ الغَرْبِيِّ فَمَاتَ هُنَاكَ. وَذَكَرَ ابنُ الجَوْزِيِّ: أَنَّهُ لَمَّا اشْتَدَّ مَرَضُهُ، تَحَامَلَ بَيْنَ اثْنَيْنِ وَمَضَى إِلَى بَابِ الحُجْرَةِ فَقَالَ: جَاءَ المَوْتُ، وَدَنَا الوَقْتُ، وَمَا أُحِبُّ أَنْ أَمُوْتَ إلَّا فِي بَيْتِي بَيْنَ أَهْلِي، فَأُذِنَ لَهُ، فَمَضَى إِلَى بَيْتِ أُخْتِهِ بـ "الحَرِيْمِ" قَالَ: وَقَرَأْتُ بِخَطِّ أَبِي عَلِيِّ بنِ البَنَّاءِ، قَالَ: جَاءَتْ رُقْعَةٌ بِخَطِّ الشَّرِيْفُ أَبِي جَعْفَرٍ، وَوَصِيَّتُهُ إلَى أَبِي عَبْدِ اللهِ بنِ جَرْدَةَ فَكَتَبَها، وَهَذِهِ نُسْخَتُهَا: "مَالِي - يَشْهَدُ اللهُ - سِوَى الحَبْلِ وَالدَّلْوِ، وَشَيْءٍ يَخْفَى عَلَيَّ لَا قَدْرَ لَهُ، وَالشَّيْخُ أَبُو عَبْدِ اللهِ، إِنْ رَاعَاكُمْ بَعْدِي، وَإِلَّا فاللهُ لَكُمْ، قَالَ اللهُ ﷿ (^٣): ﴿وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا خَافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ﴾ وَمَذْهَبِي الكِتَابُ، وَالسُّنَّةِ، وَإِجْمَاعِ الأُمَّةِ، وَمَا عَلَيْهِ أَحْمَدُ، وَمَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ، وَغَيْرُهُم مِمَّن يَكْثُرُ ذِكْرُهُمْ، وَالصَّلَاةُ: بِجَامِعِ المَنْصُوْرِ إِنْ سَهَّلَ اللهُ تَعَالَى ذلِكَ عَلَيْهِمْ،
_________________
(١) سُوْرَةُ البَقَرَةِ، الآيَة: ٤٥.
(٢) قَالَ يَاقُوْتٌ فِي "مُعْجَمِ البُلْدَانِ" (٢/ ٢٨٩): "الحَرِيْمُ الطَّاهِرِيُّ بِأَعْلَى مَدِيْنَة السَّلام "بَغْدادَ" فِي الجَانِبِ الغَرْبيِّ مَنْسُوبٌ إِلَى طَاهِرِ بنِ الحُسَيْنِ بنِ مُصْعَبِ بنِ زُرَيْقٍ، وَبِهِ كَانَت مَنَازِلُهُم، وَكَانَ مَن لَجَأَ إِلَيْهِ أَمِنَ؛ فَلِذلِكَ سُمِّيَ الحَرِيْم، وَكَانَ أَوَّلُ مَنْ جَعَلَهَا حَرِيْمًا عَبْدُ اللهِ بنُ طَاهِرِ بنِ حُسَيْنٍ، وَكَانَ عَظِيْمًا فِي دَوْلَةِ بَنِي العَبَّاسِ، وَلَا أَعْلَمَ أَحَدًا بَلَغَ مَبْلَغَهُ فِيْهَا حَدِيْثًا وَلَا قَدِيْمًا. . .".
(٣) سُوْرَةُ النِّسَاءِ، الآية: ٩.
[ ١ / ٤٤ ]
وَلَا يُعْقَدَ لِي عَزَاءٌ، وَلَا يُشَقُّ عَلَيَّ جَيْبٌ، وَلَا يُظْلَمُ خَدٌّ، فَمَنْ فَعَلَ ذلِكَ فَاللهُ حَسِيْبُهُ". وَتُوُفِّيَ - رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى - لَيْلَةَ الخَمِيْسِ سَحَرًا، خَامِسَ عَشَرَ صَفَرٍ سَنَةَ سَبْعِيْنَ وَأَرْبَعِمَائَةَ، وَغَسَّلَهُ أَبُو سَعِيْدٍ البَرَدَانِي، وَابنِ القِيْمَةِ (^١) بِوَصِيَّةٍ مِنْهُ، وَكَانَا قَدْ خَدَمَاهُ طُوْلَ مَرَضِهِ. وَصُلِّيَ عَلَيْهِ يَوْمَ الجُمُعَةِ ضُحًى بِجَامِعِ المَنْصُوْرِ، وَأَمَّ النَّاسَ أَخُوْهُ الشَّرِيْفُ أَبُو الفَضْلِ مُحَمَّدٌ (^٢)، وَلَمْ يَسَع
_________________
(١) في (ط) بطبعتيه وَ"المَنْهَجِ الأَحْمَدِ" وَ"المُنْتَظَمِ": "ابنُ الفَتَى" وفي النُّسَخِ الخَطِّيَّةِ المُعْتَمَدَةِ: "ابن القيمة" وأَحالَ مُحقِّقا الجُزء الأوَّل من "الذَّيْل. . ." عَلَى تَرْجَمَةِ ابنِ الفَتَى فِي "مُشْتَبَهِ النِّسْبَةِ" وَعَرَّفَ بِهِ مُحَقِّقُ "المَنْهَجِ الأَحْمَد" فِي الهَامِشِ، وَمَا أظُنُّهُ ذلكَ؛ لأنَّ ابنَ الفَتَى هَذَا شَافِعِيٌّ، أَشْعَرِيٌّ، مُتَعَصِّبٌ لِأَشْعَرِيَّتِهِ، قَالَ الحَافِظُ الذَّهَبِيُّ في "السِّيَرِ" (١٩/ ٦١٢): "قَالَ ابنُ الجَوْزِيِّ: وَعَظَ بِجَامِعِ القَصْرِ، وَكَانَ يَقُوْلُ: أَنا فِي الوَعْظِ مُبْتَدِيءٌ، وَأَنْشَأَ خُطَبًا، كَانَ يُوْرِدُهَا وَيَنْظِمُ فِيْهَا مَذْهَبَ الأشْعَرِيِّ، فَنَفَقَتْ، وَمَالَ عَلَى المُحَدِّثِيْنَ وَالحَنَابِلَةِ فَاستُلِبَ عَاجِلًا". أقُوْلُ - وَعَلَى اللهِ أَعْتَمِدُ -: الخِلَافُ قَائِمٌ بَيْنَ الشَّيْخِ المُتَرْجَمِ وَالأَشْعَرِيَّةِ فَكَيْفَ يُوصِي أَن يُغسِّلَهُ أَشْعَريٌّ دَاعِيَةٌ إِلَى بِدْعَتِهِ؟! وَالصَّوَابُ أَنَّهُ ابنُ القِيْمَةِ كَمَا في الأُصُولِ، فَأَمَّا أَنْ يَكُوْنَ عَالِمًا لَمْ نَقِفْ الآنَ عَلَى أَخْبَارِهِ، وَإِمَّا أَنْ يَكُوْنَ مِنَ الصُّلَحَاءِ العَابِدِيْنَ الأتْقِيَاءِ مِنْ غَيْرِ العُلَمَاءِ، وَاللهُ تَعَالَى أَعْلَمَ. وَفِي الحَنَابِلَةِ فِي زَمَنِهِ: أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بنُ عَلِيِّ بنِ الحُسَيْنِ بنِ القَيِّمِ الحَرِيْمِيُّ الخَزَّازُ (ت: ٤٨٠ هـ) ذَكَرَهُ المُؤَلِّفُ في مَوْضِعِهِ فَهَل هُو المَقْصُوْدُ فتَكُوْن "القِيْمَةُ" مُحَرَّفَةً عن القَيِّمِ؟! يَبْدُو ذلِكَ، وَاللهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
(٢) أَخُوْهُ أَبُو الفَضْلِ هَذَا ذَكَرَهُ الحَافِظُ الذَّهَبِيُّ في "تَارِيْخِ الإِسْلامِ" وَقَالَ: سَمِعَ أَبَا القَاسِمِ بنَ بِشْرَانَ وَغَيْرَهُ، وَكَانَ مِنْ كِبَارِ الحَنَابِلَةِ، كَتَبَ عَنْهُ شُجَاعٌ الذُهَلِيُّ وَغَيْرُهُ. ويُراجع: ذِيْل تَارِيْخِ بَغْدَادَ لابنِ الدُّبَيْثِيِّ (٢/ ١٥٦)، وَلَمْ أَجِدْ فِي أَخْبَارِهِ مَا يَسْتَحِقُّ الذِّكْرَ مَعَ أَنَّهُ =
[ ١ / ٤٥ ]
الجَامِعُ الخَلْقَ وَانْضَغَطُوا، وَلَمْ يَتَهَيَّأْ لِكَثيْرٍ مِنْهُمْ الصَّلَاةَ، وَلَمْ يَبْقَ رَئِيْسٌ وَلَا مَرْؤُوْسٌ مِنْ أَرْبَابِ الدَّوْلَةِ وَغيْرِهِمْ إلَّا حَضَرَهُ، إلَّا مَنْ شَاءَ اللهُ، وَازْدَحَمَ النَّاسُ عَلَى حَمْلِهِ، وَكَانَ يَوْمًا مَشْهُوْدًا بِكَثْرَةِ الخَلْقِ، وَعَظُمَ البُكَاءُ وَالحُزْنُ، وَكَانَتْ العَامَّةُ تَقُوْلُ: تَرَحَّمُوا عَلَى الشَّرِيْفِ، الشَّهِيْدِ، القَتِيْلِ المَسْمُوْمِ؛ لِمَا ذُكِرَ مِنْ أَنَّ بَعْضَ المُبْتَدِعَةِ أَلْقَى في مَدَاسِهِ سُمًّا، وَدُفِنَ إِلَى جَانِبِ الإِمَامِ أَحْمَدَ.
قَالَ ابنُ السَّمْعَانِيِّ: سَمِعْتُ أَبَا يَعْلَى بنَ أَبِي خَازِمِ بنِ أَبِي يَعْلَى بنِ الفَرَّاءِ الفَقِيْهِ الحَنْبَلِيَّ - يَوْمَ خَرَجْنَا إِلَى الصَّلَاةِ عَلَى شَيْخِنَا أَبِي بَكْرِ بنِ عَبْدِ البَاقِي، وَرَأَى ازْدِحَامَ العَوَامِّ، وَتزَاحُمَهُم لِحَمْلِ الجَنَازَةِ - فَقَالَ أَبُو يَعْلَى: العَوَامُّ فِيْهِمْ جَهْلٌ عَظِيْمٌ، سَمِعْتُ أَنَّهُ فِي اليَوْمِ الَّذِي مَاتَ فِيْهِ الشَّرِيْفُ أَبُو جَعْفَرٍ حَمَلُوْهُ وَدَفَنُوْهُ فِي قَبْرِ الإِمَامِ أَحْمَدَ، وَمَا قَدَرَ أَحَدٌ أَنْ يَقُوْلَ لَهُمْ: لَا تَنْبُشُوا قَبْرَ الإِمَامِ أَحْمَدَ، وَادْفُنُوْهُ بِجَنْبِهِ، فَقَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ التَّمِيْمِيُّ - مِنْ بَيْنِ الجَمَاعَةِ - كَيْفَ تَدْفُنُوْنَهُ فِي قَبْرِ الإِمَامِ أَحْمَدَ بنِ حَنْبَلٍ وَبِنْتُ أَحْمَدَ مَدْفُوْنَةٌ مَعَهُ فِي القَبْرِ؟ فَإِنْ جَازَ دَفْنُهُ مَعَ الإِمَامِ لَا يَجُوْزُ دَفْنُهُ مَعَ ابْنَتِهِ! فَقَالَ بَعْضُ العَوَامِّ: اسْكُتْ، فَقَدْ زَوَّجْنَا بنْتَ أَحْمَدَ مِنَ الشَّرِيْفِ، فَسَكَتَ التَّمِيْمِيُّ، وَقَالَ: لَيْسَ هَذَا يَوْمَ كَلَامٍ، وَلَزِمَ النَّاسُ قَبْرَهُ، فَكَانُوا يَبِيْتُوْنَ عِنْدَهُ كُلَّ لَيْلَةِ
_________________
(١) = نَصَّ عَلَى أنَّه مِنْ كِبَارِ الحَنَابِلَةِ؟! هَذَا إِنْ لَمْ يَكُنْ هَذَا الوَصْف لأخِيْهِ المُتَرْجَمُ. تُوُفِّي بَعْدَ أَخِيْهِ بِقَلِيْلٍ. وَسَبَقَ أَنْ ذَكَرَ المُؤَلِّفُ أُخْتَهُ الَّتي طَلَبَ أَن يُنْقَلَ إِلَى بَيْتِهَا عِنْدَ مَرَضِهِ الَّذِي مَاتَ فِيْهِ. وَعَرَفْنَا أنَّهُ مُتَزَوِّجٌ، وَلَهُ أَوْلَادٌ مِنْ خِلَالِ وَصِيَّتِهِ، وَيَظْهَرُ أَنَّهُ لَمْ يَتَمَيَّزْ مِنْ أَوْلَادِهِ أَحَدٌ.
[ ١ / ٤٦ ]
أَرْبِعَاءَ، وَيَخْتِمُوْنَ الخَتَمَاتِ (^١)، وَيَخْرُجُ المُتَعَيِّشُوْنَ، فَيَبِيْعُوْنَ الفَوَاكِهَ وَالمَأْكُوْلَاتِ، فَصَارَ ذلِكَ فُرْجَةً للنَّاسِ، وَلَمْ يَزَالُوا عَلَى ذلِكَ مُدَّةَ شُهُوْرٍ، حَتَّى دَخَلَ الشِّتَاءُ وَمَنَعَهُمُ البَرْدُ، فَيُقَالُ إِنَّهُ قُرِئَ عَلَى قَبْرِهِ فِي تِلْكَ المُدَّةِ عَشَرَةُ آلَافِ خَتْمَةٍ. وَرَآهُ بَعْضُهُمْ فِي المَنَامِ، فَقَالَ لَهُ: مَا فَعَلَ اللهُ بِكَ؟ قَالَ: لَمَّا وُضِعْتُ فِي قَبْرِيْ رَأَيْتُ قُبَّةً مِنْ دُرَّةٍ بَيْضَاءَ لَهَا ثَلَاثَةُ أَبْوَابٍ، وَقَائِلٌ يَقُوْلُ: هَذِهِ لَكَ، أُدْخُلْ مِنْ أَيِّ أَبْوَابِهَا شِئْتَ. وَرَآهُ آخَرُ فِي المَنَامِ، فَقَالَ: مَا فَعَلَ اللهُ بِكَ؟ قَالَ: التَقَيْتُ بِأَحْمَدَ بنِ حَنْبَلٍ فَقَالَ لِي: يَا أَبَا جَعْفَرٍ، لَقَدْ جَاهَدْتَ فِي اللهِ حَقَّ جِهَادِهِ، وَقَدْ أَعْطَاكَ اللهُ الرِّضَى. ﵁.
وَقَعَ لِي جُمْلَةٌ مِنْ حَدِيْثِ الشَّرِيْفِ أَبي جَعْفَرٍ بالسَّمَاعِ، فَمِنْهَا: مَا أَخْبَرَنَا بِهِ أَبُو عَبْدِ اللهِ مُحَمَّدُ بنُ إِسْمَاعِيْلَ بنِ عَبْدِ العَزِيْزِ الصُّوْفِيُّ - بـ "القَاهِرَةِ"- (أَثَنَا) أَبُو العِزِّ عَبْدُ العَزِيْزِ بنُ عَبْدِ المُنْعِمِ الحَرَّانِيُّ، (أثَنَا) أَبُو عَلِيِّ (^٢) بنُ أَبِي القَاسِمِ بنِ الخُرَيْفِ، (أَثَنَا) القَاضِيْ أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بنُ عَبْدِ البَاقِي البَزَّارُ (أَثَنَا) أُسْتَاذِي أَبُو جَعْفَرٍ عَبْدُ الخَالِقِ بنُ عِيْسَى الهَاشِمِيُّ - بِقِرَاءَتِي عَلَيْهِ - قُلْتُ لَهُ: حَدَّثَكُمْ أَبُو القَاسم عَبْدُ المَلِكِ بنُ مُحَمَّدِ بنِ بِشْرَان، (أَثَنَا) أَبُو عَلِيٍّ مُحَمَّدُ بنُ أَحْمَدَ بنِ الصَوَّافِ (أَثَنَا) عَبْدُ اللهِ بنُ أَحْمَدَ بنِ حَنْبَلٍ (أَثَنَا) أَبي (أَثَنَا) يَزِيْدُ بنُ هَارُوْنَ، وَأَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ قَالَا: (أَثَنَا) المَسْعُوْدُ، عَنْ مُحَمَّدِ بنِ عَبْدِ الرَّحْمَن مَوْلَى أَبي طَلْحَةَ، عَن عِيْسَى بنِ طَلْحَةَ، عَنْ أَبي هُرَيْرَةَ، عَن
_________________
(١) هَذَا كُلُّه مِنَ البِدَعِ الَّتِي لَمْ يَأْمُرْ بِهَا الشَّرْعُ!
(٢) ساقطٌ من (أ).
[ ١ / ٤٧ ]
النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ (^١): "لَا يَلِجُ النَّارَ أَحَدٌ بَكَى مِنْ خَشْيَةِ اللهِ، حَتَّى يَعُوْدَ اللَّبَنُ فِي الضَّرْعِ، وَلَا يَجْتَمِعُ غُبَارٌ فِي سَبِيْلِ اللهِ وَدُخَانُ جَهَنَّمَ فِي مَنْخِرَيْ امْرِئٍ أَبَدًا".
وَقَرَأْتُ بِخَطِّ ابنِ عَقِيْلٍ فِي "الفُنُوْنِ" (^٢) قَالَ: مِمَّا اسْتَحْسَنْتُهُ مِنْ فِقْهِ الشَّرِيْفِ، الإِمَامِ، الزَّاهِدِ، أَبِي جَعْفَرٍ عَبْدِ الخَالِقِ بنِ عِيْسَى بنِ أَبِي مُوْسَى الهَاشِمِيِّ كَرَّمَ اللهُ وَجْهَهُ (^٣) وَتَدْقِيْقِهِ - وَإِنْ كَانَ أَكْثَرَ مِنْ أَنْ يُحْصَى -: مَا قَالَهُ فِي أَوَائِلِ قُدُوْمِ الغِرِّ إِلَى (^٤) "بَغْدَادَ" وَجَعَلُوا يَأْخُذُوْنَ مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ في الطُّرُقَاتِ، وَتَقْصُرُ أَيْدِي العَوَامِّ عَنْهُمْ، فَقَالَ: الَّذِي يُشْبِهُ (^٥) مِنْ مَذْهَبِ أَبِي حَنِيْفَةَ: أَنْ تَجْرِيَ عَلَيْهِم أَحْكَامُ قُطَّاع الطَّرِيْقِ، وَإِنْ كَانَ ذلِكَ فِي الحَضرِ؛ لأنَّهُم عَلَّلُوا بِأَنَّ في الحَضَرِ يَلْحَقُ الغَوْثُ، فَلَا يَكُوْنُ لَهُمْ حُكْمُ قُطَّاعِ الطَّرِيْقِ فِي الصَّحَارَى وَالبَرَارِيْ، وَهَذَا التَّعْلِيْلُ مَوْجُوْدٌ فِي الحَضَرِ؛ لأنَّهُ لَا مُغِيْثَ يُغِيْثُ مِنْهُم؛ لِقُوَّتِهِمْ وَاسْتِطَالَتِهِمْ عَلَى العَوَامِّ.
قُلْتُ: هَذَا قَرِيْبٌ مِنْ قَوْلِ القَاضِي أَبِي يَعْلَى: إِنَّ أَصْحَابَنَا اخْتَلَفُوا فِي المُحَارِبِيْنَ فِي الحَضرِ هَلْ تُجْرَى عَلَيْهِمْ أَحْكَامُ المُحَارِبِيْنَ؟ فَظَاهِرُ كَلَامِ
_________________
(١) الحَدِيْثُ فِي مَشْيَخَةِ أَبِي بَكْرٍ مُحَمَّدِ بنِ عَبْدِ البَاقِي (أَحَادِيْثِ الشُّيُوخِ الثِّقَاتِ) (ورقة: ١٠١).
(٢) لَمْ يَرِدْ في القِطْعَةِ المَنْشُوْرَةِ مِن كِتَاب "الفُنُوْنِ" وَكَذلِكَ النُّصُوْصُ الآتِيَةُ بَعْدَهُ.
(٣) في (ط) نشر الشَّيْخِ حَامِدٍ الفقي: "﵁" مُخَالفٌ للأُصُوْلِ كلِّها؟!.
(٤) في (ط) بطبعتيه: "الغَزَالِي" تَحْرِيْفٌ ظاهرٌ، وَالصَّحِيْحُ مَا أَثْبَتنَاهُ بدليلٍ: "وَجَعَلُوا .. " وَالغِزُّ: قَوْمٌ مِنَ التُّرك هَاجَمُوا العِرَاقَ وَقتَلُوا وَنَهَبُوا …
(٥) كَذَا في أَغْلَبِ الأُصُوْلِ، وَفِي الطَّبْعَتَيْنِ: "نسبه" وَالعِبَارَةُ مُشْكِلَةٌ؛ فَإِذَا ثَبَتَتْ "يُشبه" وَهُوَ الأقْرَبُ فَلَا دَاعِيَ لِـ "مِنْ".
[ ١ / ٤٨ ]
الخِرَقِيِّ (^١): أَنَّهَا لَا تُجْرَى عَلَيْهِمْ، وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: بَلْ أَحْكَامُ المُحَارِبِيْنَ جَارِيَةٌ عَلَيْهِمْ، وَفَصَّلَ القَاضِي بَيْنَ أَنْ يَفْعَلُوا ذلِكَ فِي حَضَرٍ يَلْحَقُ فِيْهِ الغَوْثُ عَادَةً أَوْ لَا، فَإِنْ كَانَ يَلْحَقُ فِيْهِ الغَوْثُ عَادَةً فَلَيْسُوا بِمُحَارِبِيْنَ، وَإِلَّا فَهُمْ مُحَارِبُوْنَ، وَمَعْلُوْمٌ أَنَّ السُّلْطَانَ إِذَا امْتَنَعَ مِنْ دَفْعِهِمْ - إِمَّا لِضَعْفِهِ وَعَجْزِهِ، وَإِمَّا لِكَوْنِهِ ظَالِمًا يُسَلِّطُ أَعْوَانَهُ عَلَى الظُّلْم - تَعَذَّرَ لُحُوْقُ الغَوْثِ مَعَ ذلِكَ عَادَةً، فَيَثْبُتُ لَهُمْ - عَلَى قَوْلِهِ - أَحْكَامُ المُحَارِبِيْنَ، وَاللهُ أَعْلَمُ.
وَنَقَلْتُ مِنْ "بَعْضِ تَعَالِيْقِ" الإِمَامِ أَبِي العَبَّاسِ أَحْمَدَ بنِ تَيْمِيَّةَ - ﵀ - مِمَّا نَقَلَهُ مِنَ "الفُنُوْنِ" لابنِ عَقِيْلٍ حَادِثَةَ رَجُلٍ حَلَفَ عَلَى زَوْجَتِهِ بِالطَّلَاقِ الثَّلَاثِ لَا فَعَلْتِ كَذَا، فَمَضَى عَلَى ذلِكَ مُدَّةً، ثُمَّ قَالَتْ: قَدْ كُنْتُ فَعَلْتُهُ. هَلْ تُصَدَّقُ مَعَ تَكْذِيْبِ الزَّوْجِ لَهَا؟ أَجَابَ الشَّرِيْفُ الإِمَامُ أَبُو جَعَفْرٍ بنِ أَبِي مُوْسَى تُصَدَّقُ وَلَا يَنْفَعُهُ تَكْذِيْبُهُ، وَأَجَابَ الشَّيْخُ الإِمَامُ أَبُو مُحَمَّدٍ لا تُصَدَّقُ عَلَيْهِ، وَالنِّكَاحُ بِحَالِهِ.
قُلْتُ: أَبُو مُحَمَّدٍ: أَظُنُّهُ التَّمِيْمِيَّ.
وَمِنَ "الفُنُوْنِ" أَيْضًا (مَسْأَلَةُ) إِذَا وَجَدَ عَلَى ثَوْبِهِ مَاءً وَاشْتَبَهَ عَلَيْهِ أَمَذْيٌ أَمْ مَنِيٌّ؟ إنْ قُلْتُمْ: يَجِبُ حَمْلُهُ عَلَى أَقَلِّ الأحْوَالِ مِنْ كَوْنِهِ مَذْيًا؛ لأنَّ الأَصْلَ سُقُوْطُ غَسْلِ البَدَنِ، أَوْجَبْتُمْ غَسْلَ الثَّوْبِ؛ لأنَّ المَذْيَ نَجِسٌ، وَالأَصْلُ سُقُوْطُ
_________________
(١) الخِرَقِيُّ هُو أَبُو القَاسِمِ صَاحِبُ "المُخْتَصَر" وَأَبُو بَكْرٍ هُوَ عَبْدُ العَزِيْزِ بنِ جَعْفَرٍ، غُلَامُ الخَلَّالِ. مَشْهُوْرَانِ مَعْرُوْفَانِ، مِن أَشْهَرِ عُلَمَاءِ الحَنَابِلَةِ.
[ ١ / ٤٩ ]
غَسْلِ الثَّوْبِ فَتَقَابَلَا (^١)، فَقَالَ الشَّرِيْفُ أَبُو جَعْفَرٍ بنِ أَبِي مُوْسَى - ﵁ -: لَا يَجِبُ غَسْلُ الثَّوْبِ وَلَا البَدَنِ جَمِيْعًا؛ لِتَرَدُّدِ الأَمْرِ فِيْهِمَا، وَأَوْجَبَ غَسْلَ الأَرْبَعَةِ (^٢) الأَعْضَاءِ؛ لِأَنَّ الخَارِجَ - أَيَّ خَارِجٍ كَانَ - يُوْجِبُ غَسْلَ الأعْضَاءِ. وَقَدْ ذَكَرَ هَذِهِ المَسْأَلَةَ ابنُ تَمِيْمٍ (^٣) فِي كِتَابِهِ مِنَ "الفُنُوْنِ" وَعَزَاهَا إِلَى ابنِ أَبِي مُوْسَى، فَرُبَّمَا تَوَهَّمَ السَّامِعُ أَنَّهُ ابنُ أبِي مُوْسَى صَاحِبُ "الإِرْشَادِ" وَلَيْسَ كَذلِكَ.
وَهَذِهِ المَسْأَلَةُ تُشْبِهُ مَسْأَلَةَ الرَّجُلَيْنِ إِذَا وَجَدَا عَلَى فِرَاشِهِمَا مَنِيًّا، وَلَمْ يَعْلَمَا مَنْ خَرَجَ مِنْهُ، أَوْ سَمِعَا صَوْتًا وَلَمْ يَعْلَمَا صَاحِبَهُ، وَفِي وُجُوْبِ الغُسْلِ وَالوَضُوْءِ عَلَيْهِمَا رِوَايَتَانِ، لكِنْ أَرْجَحَهُمَا لَا يَجِبُ، وَعَلَى القَوْلِ بِانْتِفَاءِ الوُجُوْبِ، فَقَالُوا: لَا يَأْتَمُّ أَحَدُهُمَا بِصَاحِبِهِ، وَلَا يُصَافُّهُ وَحْدَهُ؛ لأَنَّهُ يَظْهَرُ حُكْمُ الحَدَثِ المُتَيَقَّنِ بِاجْتِمَاعِهِمَا، وَيُعْلَمُ أَنَّ صَلَاةَ أَحَدِهِمَا بَاطِلَةٌ، فَتَبْطُلُ الجَمَاعَةُ وَالمُصَافَّةُ.
وَنَظِيْرُ هَذَا: مَا قُلْنَا فِي المُخْتَلِفَيْنِ فِي جِهَةِ القِبْلَةِ إِنَّهُ لَا يَأْتَمُّ أَحَدُهُمَا بِصَاحِبِهِ؛ فَإِنَّهُ يُتَيَقَّنُ بِاجْتِمَاعِهِمَا فِي الصَّلَاةِ خَطَأُ أَحَدِهِمَا فِي القِبْلَةِ،
_________________
(١) كَذَا فِي الأصُولِ، وَفِي (ط) بِطَبْعَتَيْهِ: "متقابلًا".
(٢) فِي الأُصُوْلِ المُعْتَمَدَةِ: "الأَرْبَعَةِ أَعْضَاءٍ" وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ؛ "أَرْبَعَةُ الأَعْضَاءِ"، وَالقَاعِدَةُ النَّحْوِيَّةُ: وَوَصْلُ أَلْ بِذِيْ المُضَافِ مُغْتَفَرْ … إِنْ وَصَلْتْ بِالثَّانِي كَالجَعْدِ الشَّعَرْ
(٣) ابنُ تَمِيْمٍ هَذَا هُوَ مُحَمَّدُ بنُ تَمِيْمٍ الحَرَّانِيُّ (ت:؟) صَاحِبُ كِتَابِ "المُخْتَصرِ" المَنْسُوْبِ إِلَيْهِ. ذَكَرَهُ المُؤَلِّفُ فِي مَوْضِعِهِ رقم (٤٣٨)، وَكِتَابُهُ "المُخْتَصَرُ" حَقَّقَهُ أَخُوْنَا وَصَدِيْقُنَا فَضِيْلَةُ الدُّكْتُوْر عَلِيُّ بنُ إِبْرَاهِيْم القُصَيِّر - أَدَامَ اللهُ تَوْفِيْقَهُ - الأُسْتاذ بكُلِيَّةِ التَّرْبِيَةِ بِجَامِعَةِ المَلِكِ سُعُوْدٍ، ولمْ يُطْبَعْ بَعْدُ إلى سنة (١٤٢٤ هـ).
[ ١ / ٥٠ ]
فَتَبْطُلُ جَمَاعَتُهُمَا. وَكذلِكَ مَا ذَكَرَهُ أَكْثَرُ الأَصْحَابِ فِي رَجُلَيْنِ عَلَّقَ كُلٌّ مُنْهُمَا عِتْقَ عَبْدِهِ عَلَى شَرْطٍ، وَوُجِدَ أَحَدُ الشَّرْطَيْنِ يَقِيْنًا، وَلَا يَعْلَمُ عَيْنُهُ أَنَّهُ لَا يُحْكُم بِعِتْقِ عَبْدٍ وَاحِدٍ مِنْهُمَا، وَيُسْتَصْحَبُ أَصْلُ مِلْكِهِ، فَإِنِ اشْتَرَى أَحَدُهُمْ عَبْدَ الآخَرِ: أُخْرِجَ المُعْتَقُ مِنْهُمَا بِالقُرْعَةِ عَلَى الصَّحِيْحِ أَيْضًا. فَكَذلِكَ يُقَالُ هَهُنَا: يُسْتَصْحَبُ أَصْلُ طَهَارَةِ الثَّوْبِ وَالبَدَنِ مِنَ النَّجَاسَةِ وَالجَنَابَةِ، وَلكِنْ لَيْسَ لَهُ أنْ يُصَلِّيَ بِحَالِهِ فِي الثَّوْبِ؛ كَأَنَّا نَتَيَقَّنُ بِذلِكَ حُصُوْلَ المُفْسِدِ لِصَلَاتِهِ، وَهُوَ إِمَّا الجَنَابَةُ وَإِمَّا النَّجَاسَةُ.
وَمِنْ غَرَائِبِ الشَّرِيْفِ مَا نَقَلَهُ عَنْهُ ابنُ تَمِيْمٍ فِي كِتَابِهِ: أَنَّ المُتَوَضِّيءَ إِذَا نَوَى غَسْلَ النَّجَاسَةِ مَعَ الحَدَثِ لَمْ يُجْزِءْهُ. وَأَنَّ طَهَارَةَ المُسْتَحَاضَةِ لَا تَرْفَعُ الحَدَثَ. وَذَكَرَ الشَّرِيْفُ فِي "رُؤُوْسِ مَسَائِلِهِ" أَنَّ القَدْرَ المُجْزِئَ مَسْحُهُ مِنَ الخُفَّيْنِ ثَلَاثَةُ أَصَابِعٍ، وَأَنَّ أَحْمَدَ رَجَعَ إِلَى ذلِكَ فِي مَسْحِ الخُفِّ وَمَسْحِ الرَّأْسِ، قَالَ: وَكَانَ شَيْخُنَا يَنْصُرُ أَوَّلًا مَسْحَ الأَكْثَرِ، ثُمَّ رَأَيْتُهُ مَائِلًا إِلَى هَذَا. وَهَذَا غَرِيْبٌ جِدًّا.