_________________
(١) = الأَوْزَاعِيِّ، هكَذَا نَصَّ الحَافِظُ المِزِّيُّ في تَهْذِيْبِ الكَمَالِ (١٦/ ٤٢١)، وَالحَافِظُ ابنُ حَجَرٍ فِي تَهْذِيْبِ التَّهْذِيْبِ (٦/ ١٠٢)، وَغَيْرِهِمَا مِمَّن ذَكَرَ سِيْرَتَهُ وَأَخْبَارَهُ. وَفِي "تَهْذِيْبِ الكَمَالِ": "عَنِ الأَوْزَاعِي" وَلَمْ يَذْكُرْ في شُيُوْخِهِ غَيْرَهُ، وَفِي "تَهْذِيْبِ التَّهْذِيْبِ": "كَاتِبُ الأَوْزَاعِيِّ، رَوَى عَنْهُ وَحْدَهُ" وَالحَدِيْثُ في صَحِيْحِ البُخَارِيِّ رقم (٢٩٧١)، وَصَحِيْحِ مُسْلِمٍ فِي (الهِبَاتِ) رقم (١٦٢١). وَيُسْتَدْرَكُ عَلَى المُؤَلِّفِ - ﵀ - فِي وَفَيَاتِ سَنَةِ (٤٧٠ هـ):
(٢) عَلِيُّ بنُ نَاعِمٍ بنِ عَلِيِّ بنِ سَهْلٍ المُقْرِئُ، أَبُو الحَسَنِ البَغْدَادِيُّ البَزَّازُ. ذَكَرَهُ أَبُو بَكْرٍ الأَنْصَارِيُّ في "مَشْيَخَتِهِ" (ورقة: ١٠٨)، وَالحَافِظُ ابنُ النَّجَّارِ فِي ذَيْلِ تَارِيْخِ بَغْدَادَ (٤/ ٢٢٥)، وَالذَّهَبِيُّ في تَارِيْخِ الإِسْلَامِ (٣٣٧).
(٣) وَمُحَمَّدُ بنُ عِيْسَى بنُ أَحْمَدُ، أَبُو الفَضْلِ الشَّرِيْفُ الهَاشِمِيُّ، أَخُو القَاضِي أَبُو جَعْفَرٍ السَّابِقِ الذِّكْرِ. قَالَ الذَّهَبِيُّ: "وَكَانَ مِنْ كِبَارِ الحَنَابِلَةِ" تَارِيْخ الإِسْلامِ (٣٣٩)، وَلا أَدْرِيْ فَلَعَلَّهُ يَقْصُدُ: كَانَ أَخُوْهُ مِنْ كِبَارِ الحَنَابِلَةِ، أمَّا هُوَ فَمَا أَظُنُّ ذلِكَ.
(٤) ١٤ - ابنُ البَنَّاء البَغْدَادِيُّ (٣٩٦ - ٤٧١ هـ): أخبارُهُ في: طَبَقَاتِ الحَنَابِلَةِ (٣/ ٤٤٩)، وَمُخْتَصَرِهِ (٣٩٧)، وَمَنَاقِبِ الإِمَامِ =
[ ١ / ٦٧ ]
المُحَدِّثُ الفَقِيْهُ الوَاعِظُ، صَاحِبُ التَّصَانِيْفِ.
وُلِدَ سَنَةَ سِتٍّ وَتَسْعِيْنَ وَثَلَاثِمَائَةَ، وَقَرَأَ القِرَاءَاتِ السَّبْعِ عَلَى أَبِي الحَسَنِ الحَمَّامِيِّ وَغَيْرِهِ، وَسَمِعَ الحَدِيْثَ مِنْ هِلَالٍ الحَفَّارِ، وَأَبِي مُحَمَّدٍ السُّكَّرِيِّ، وَأَبِي الحَسَنِ بنِ رِزْقَوَيْهِ، وَأَبِي الفَتْحِ بنِ أَبِي الفَوَارِسِ (^١)، وَأَبِي الحُسَيْنِ بنِ بِشْرَانَ، وَأَخِيْهِ أَبِي القَاسِمِ، وَأَبي عَلِيِّ بنِ شِهَابٍ، وَأَبِي الفَضْلِ التَّمِيْمِيِّ، وَخَلْقٍ كَثيْرٍ، وَتَفَقَّهَ أَوَّلًا علَى أَبِي طَاهِرٍ بنِ الغُبَارِيِّ، ثُمَّ عَلَى القَاضِي أَبِي يَعْلَى، وَهُوَ مِنْ قُدَمَاءِ أَصْحَابِهِ، وَحَضَرَ عِنْدَ أَبِي عَلِيِّ بنِ أَبِي مُوْسَى، وَنَاظَرَ فِي مَجْلِسِهِ، وَتَفَقَّهَ أَيْضًا عَلَى أَبِي الفَضْلِ التَّمِيْمِيِّ، وَأَخِيْهِ أَبِي الفَرَجِ. وَقَرَأَ عَلَيْهِ القُرْآنَ جَمَاعَةٌ مِثْلِ أَبِي عَبْدِ اللهِ البَارِعِ، وَأَبِي العَزِّ القَلَانِسِيِّ، وَأَبِي بَكْرٍ
_________________
(١) = أَحْمَدَ (٦٣٠)، وَمُخْتَصَرِ الذَّيْلِ عَلَى طَبَقَاتِ الحَنَابِلَةِ لابنِ نَصْرِ اللهِ (وَرَقَة: ٤)، وَالمَقْصَدِ الأَرْشَدِ (١/ ٣٠٩)، وَالمَنْهَجِ الأَحْمَدِ (٢/ ٤٠٥)، وَمُخْتَصَرِهِ "الدُّرِّ المُنَضَّدِ" (١/ ٢٠٩). وَيُرَاجَعُ: المُنْتَظَمُ (٨/ ٣١٩)، ومُعْجَمُ الأُدَبَاءِ (٧/ ٢٦٥)، وَالكَامِلُ في التَّارِيْخِ (١٠/ ١١٢)، وَإِنْبَاهُ الرُّوَاةِ (١/ ٢٧٦)، وَتَلْخِيْصُهُ لابنِ مَكْتُوْمٍ (وَرَقَة: ٥٠)، وَتَارِيْخُ إِرْبِل "نَبَاهَةُ البَلَدِ الخَامِلِ .. " (١/ ٢٧١)، وَسِيَرُ أَعْلَامِ النُّبَلَاءِ (١٨/ ٣٨٠)، وَتَذْكِرَةُ الحُفَّاظِ (٣/ ١١٧٦)، وَمَعْرِفَةُ القُرَّاءِ الكِبَارِ (١/ ٤٣٣)، وَالعِبَرُ (٣/ ٢٧٥)، وَالإِعلامُ بِوَفَيَاتِ الأَعْلَامِ (١٩٤)، وَالمُعِيْنُ فِي طَبَقاتِ المُحَدِّثِيْنَ (١٣٥)، وَدُوَلُ الإِسلَامِ (٢/ ٥)، وَتَارِيْخُ الإِسْلَامِ (٣٩)، وَمِرْآةُ الجِنَانِ (٣/ ١٠٠)، وَالوَافي بِالوَفَيَاتِ (١١/ ٣٨١)، وَغَايةُ النِّهَايَةِ (١/ ٢٠٦)، وَلِسَانُ المِيْزَانِ (٢/ ١٩٥)، وَالنُّجُوْمُ الزَّاهِرَةُ (٥/ ١٠٧)، وَبُغْيَةُ الوُعَاةِ (١/ ٤٩٥)، وَشَذَرَاتُ الذَّهَبِ (٣/ ٣٣٨) (٥/ ٣٠٦).
(٢) بعدها في (ط) بطبيعتيه: "وَابن رزقويه" كرَّره.
[ ١ / ٦٨ ]
المَزْرَفِيِّ. وسَمِعَ مِنْهُ الحَدِيْثَ خَلْقٌ كَثِيْرٌ، وَقَرَأَ عَلَيْهِ الحَافِظُ الحُمَيْدِيُّ (^١) كَثيْرًا. حَدَّثَ عَنْهُ وَلَدَاهُ أَبُو غَالِبٍ أَحْمَدُ وَيَحْيَى (^٢)، وَأَبُو الحُسَيْنِ بنُ الفَرَّاءِ،
_________________
(١) هُوَ الإمَامُ المَشْهُوْرُ أَبُو عَبْدِ اللهِ مُحَمَّدُ بنُ أَبي نَصْرٍ فَتُّوْحٍ الأَزْدِيُّ الأنْدَلُسِيُّ (ت: ٤٨٨ هـ) صَاحِبُ "الجَمْعِ بَيْنَ الصَّحِيْحَيْن" وَ"جَذْوَة المُقْتَبِسِ" وَغَيْرِهِمَا. يُرَاجَعُ: مُعْجَمُ الأُدَبَاءِ (١٨/ ٢٨٢)، وَسِيَرُ أَعْلامِ النُّبَلاءِ (١٩/ ١٢٠).
(٢) عَرَفْتُ لابنِ البَنَّاءِ أَرْبَعَةَ أَوْلَادٍ، هُم: - أَبُو غَالِبٍ أَحْمَدُ بنُ الحَسَنِ (ت: ٥٢٧ هـ) لَهُ ذِكْرٌ وَأَخْبَارٌ، وَلَهُ أَوْلَادٌ وَأَحْفَادٌ، وهو الَّذِي ذَكَرَهُ المُؤَلِّفُ هُنَا، وَلَمْ يُتَرْجِمْ لَهُ، نَسْتَدْرِكُهُ فِي مَوْضِعِهِ إِنْ شَاءَ اللهُ. - أَبُو عَبْدِ الله يَحْيَى بنُ الحَسَنِ (ت: ٥٣١ هـ) وَهُوَ أَيْضًا الَّذِي ذَكَرَهُ المُؤلِّفُ هُنَا، تَرْجَمَ لَهُ المُؤَلِّفُ في مَوْضِعِهِ كَمَا سَيأتِي. - وأَبُو نَصْرٍ مُحَمَّدُ بنُ الحَسَنِ (ت: ٥١٠ هـ) ذَكَرَهُ المُؤَلِّفُ في مَوْضِعِهِ كَمَا سَيَأْتِي، وَذَكَرَ هُنَاك أَنَّه مِمَّن سَمِعَ عَلَى وَالِدِهِ، فَكَانَ حَقُّه أَنْ يَذْكُرَهُ هُنَا أَيْضًا مَعَ أَخَوَيْهِ. قَالَ القِفْطِيُّ - فِي تَرْجَمَةِ ابنِ البَنَّاء -: "حَدَّثَ عَنْه أَوْلَادُهُ الثَّلَاثَةُ أَحْمَدُ، وَمُحَمَّدٌ، وَيَحْيَى. . .". - وَأَبُو الفَضْلِ إِبْرَاهِيْمُ بنُ الحَسَنِ (ت: ٥١٨ هـ) تَرْجَمَ لَهُ الحَافِظُ الذَّهَبِيُّ في سَيَرِ أَعْلَامِ النُّبَلاءِ (٢٠/ ٧) فِي تَرْجَمَةِ أَخِيْهِ يَحْيَى قَالَ الحَافِظُ: "وَقَدْ مَرَّ أَخُوْهُمَا أَبُو غَالِبٍ، وَمَاتَ قَبْلَهُمَا أَخُوْهُمَا أَبُو الفَضْلِ إِبْرَاهِيْمُ … يَرْوِي عن ابنِ المُهْتَدِي باللهِ، وَابنِ النَّقُّوْرِ، سَمِعَ مِنْهُ يَحْيَى بنُ بُوْشٍ" وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّه من أَهْلِ العِلْمِ، نَسْتَدْرِكُهُ فِي مَوْضِعِهِ إِنْ شَاءَ اللهُ تَعَالَى. وَمِنْ أَحْفَادِ ابنِ البَنَّاءِ: - أَبُو القَاسِمِ سَعِيْدُ بنُ أَبِي غَالِبٍ أَحْمَدَ بنِ الحَسَنِ (ت: ٥٥٠ هـ) صَاحِبُ "المَشْيَخَةِ" المَشْهُوْرَةِ، له ذِكْرٌ وَأَخْبَارٌ كَثِيْرَةٌ. =
[ ١ / ٦٩ ]
وَأَبُو بَكْرِ بنُ عَبْدِ البَاقِي (^١)، وَابنُ الحُصَيْنِ، وَأَبُو القَاسِمِ ابنُ السَّمَرْقَنْدِيِّ وَغَيْرُهُم، وَدَرَّدسَ الفِقْهَ كَثِيْرًا، وَأَفْتَى زَمَانًا طَوِيْلًا.
قَالَ القَاضِي أَبُو الحُسَيْنِ: تَفَقَّهَ عَلَى الوَالِدِ، وَعَلَّقَ عَنْهُ المَذْهَبَ وَالخِلَافَ، وَدَرَّسَ بِدَارِ الخِلَافَةِ فِي حَيَاةِ الوَالِدِ وَبَعْدَ وَفَاتِهِ، وَصَنَّفَ كُتُبًا فِي الفِقْهِ وَالحَدِيْثِ وَالفَرَائِضِ، وَأُصُوْلِ الدِّيْنِ، وَفِي عُلُوْمٍ مُخْتَلِفَاتٍ، وَكَانَ مُتَفَّنِنًا فِي العُلُوْمِ، وَكَانَ أَدِيْبًا، شَدِيْدًا عَلَى أَهْلِ الأَهْوَاءِ.
وَقَالَ ابنُ عَقِيْلٍ: هُوَ شَيْخٌ، إِمَامٌ فِي عُلُوْمٍ شَتَّى، فِي الحَدِيْثِ، وَالقِرَاءَاتِ، وَالعَرَبِيَّةِ، وَطَبَقَةٌ فِي الأَدَبِ وَالشَّعْرِ وَالرَّسَائِلِ (^٢)، حَسَنُ الهَيْئَةِ، حَسَنُ العِبَادَةِ، كَانَ (^٣) يُؤَدِّبُ بَنِي جَرْدَةَ (^٤).
_________________
(١) = - وَأَبُو مُحَمَّدٍ الحَسَنُ بنُ سَعِيْدٍ .. (ت: ٥٧٢ هـ) ابنُ سَابِقِهِ. - وَأَبُو بَكْرٍ غِيَاثُ بنُ الحَسَن .. (ت: ٥٩٤) ابنُ سَابِقِهِ. - وَسَعِيْدَةُ بِنْتُ أَبِي غَالِبٍ أُخْتُ سَعِيْدٍ .. (ت: ٥٦١ هـ). - وَنُوْرُ بِنْتُ غِيَاثٍ بنِ الحَسَنِ (ت؟). - وَالحَسَنُ بنُ مُحَمَّدِ بنِ سَعِيْدٍ (ت بَعْدَ ٦٧١ هـ). هَؤلَاءِ جَمِيْعًا لَمْ يَذْكُرْهُمُ المُؤَلِّفُ، نَذْكُر كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُم فِي مَوْضِعِهِ مِنَ الاسْتِدْرَاكِ عَلَى المُؤَلِّفِ، إِنْ شَاءَ اللهُ تَعَالَى.
(٢) لَمْ يَذْكُرْهُ القَاضِي أَبُو بَكْرٍ في مَشْيَخَتِهِ "أَحَادِيْثِ الشُّيُوْخِ الثِّقَاتِ"؟!.
(٣) في (ب): "وشعر .. " وَكَتَبَ النَّاسِخُ فَوْقَهَا في (جـ) كَذَا؛ فَكَأَنَّ العَبَارَةَ مُشْكِلَةٌ.
(٤) في (ب): "وكان".
(٥) ابنُ جَرْدَةَ مُحَمَّدُ بنُ أَحْمَدَ (ت: ٤٧٦ هـ)، وَسَيَأْتِي فِي مَوْضِعِهِ مِن الاسْتِدْرَاكِ، إِنْ شَاءَ اللهُ تَعَالَى، وَتَقَدَّم التَّعْرِيْفُ بِهِ فِي تَرْجَمَةِ الشَّرِيْفِ أَبِي جَعْفَرٍ عَبْدِ الخَالِقِ (ت: ٤٧٠ هـ).
[ ١ / ٧٠ ]
وَقَالَ ابنُ شَافِعٍ: كَانَ لَهُ حَلْقَتَانِ، إِحْدَاهُمَا: بِجَامِعِ المَنْصُوْرِ، وَسَطَ الرُّوَاقِ، وَالأُخْرَى: بِجَامِعَ القَصْرِ، حِيَالَ المَقْصُوْرَةِ، لِلْفَتْوَى وَالوَعْظِ وَقِرَاءَةِ الحَدِيْثِ، وَكَانَ يُفْتِي الفَتْوَى الوَاسِعَةَ، وَيُفِيْدُ المُسْلِمِيْنَ بِالأَحَادِيْثِ، وَالمَجْمُوْعَاتِ وَمَا يُقْرِئُهُ مِنَ السُّنَنِ، وَكَانَ فَقِيْهَ البَدَنِ (^١)، جَيِّدَ القَرِيْحَةِ، تَدُلُّ مَجْمُوْعَاتُهُ عَلَى تَحْصِيْلِهِ لِفُنُوْنٍ مِنَ العُلُوْمِ، وَقَدْ صَنَّفَ قَدِيْمًا فِي زَمَنِ شَيْخِهِ الإِمَامِ (^٢) أَبِي يَعْلَى فِي المُعْتَقَدَاتِ وَغَيْرِهَا، وَكَتَبَ لَهُ خَطَّهُ عَلَيْهَا بِالإِصَابَةِ وَالاسْتِحْسَانِ، وَلَقَدْ رَأَيْتُ لَهُ فِي مَجْمُوْعَاتِهِ مِنَ المُعْتَقَدَاتِ مَا يُوَافِقُ بَيْنَ المَذْهَبَيْنِ الشَّافِعِيِّ، وَأَحْمَدَ [رَحِمَهُمَا اللهُ تَعَالَى] (^٣)، وَيَقْصُدُ بِهِ تَأْلِيْفَ القُلُوْبِ، وَاجْتِمَاعَ الكَلِمَةِ، مِمَّا قَدِ اسْتَقَرَّ لَهُ وُجُوْدٌ فِي اسْتِنْبَاطِهِ، مِمَّا أَرْجُو لَهُ بِهِ عِنْدَ اللهِ الزُّلْفَى فِي العُقْبَى، فَلَقَدْ كَانَ مِنْ شُيُوْخِ الإِسْلَامِ النُّصَحَاءِ (^٤)، الفُقَهَاءِ الأَلِبَّاءِ، وَيَبْعُدُ غَالِبًا أَنْ يَجْتَمِعَ فِي شَخْصٍ مِنَ التَّفَنُّنِ فِي العُلُوْمِ مَا اجْتَمَعَ فِيْهِ، وَقَدْ جَمَعَ مِنَ المُصَنَّفَاتِ فِي فُنُوْنِ العِلْمِ، فِقْهًا، وَحدِيْثًا، وَفِي عِلْمِ القِرَاءَاتِ، وَالسِّيَرِ، وَالتَّوَارِيْخِ، وَالسُّنَنِ، وَالشُّرُوْحِ لِلْفِقْهِ، وَالكُتُبِ النَّحْوِيَّةِ إِلَى غَيْرِ ذلِكَ جُمُوْعًا حَسَنَةً، تَزِيْدُ عَلَى ثَلَاثِمَائَةِ مَجْمُوْعٍ، كَذَا قَرَأْتُهُ مُحَقَّقًا بِخَطِّ بَعْضِ العُلَمَاءِ. وَقَالَ ابنُ الجَوْزِيِّ: ذُكِرَ عَنْهُ أَنَّهُ
_________________
(١) في (ط) بطبعتيه: "نَقِيَّ الذِّهن" ولفظة: "فقيه" ساقطة من (ب).
(٢) ساقطٌ من (أ) ومُخْتَصَرِ ابنِ نَصْرِ اللهِ.
(٣) ساقطٌ من (ط) الفقي، و"تعالى" ساقطٌ من (أ) و(ب).
(٤) في (أ) و(ب) و(جـ): "الفُصَحَاء".
[ ١ / ٧١ ]
قَال: صَنَّفْتُ خَمْسَمَائَةَ مُصَنَّفٍ. وَقَالَ أَبُو نَصْرِ بنِ المُجْلِّي (^١) - مِمَّا ذَكَرَهُ ابنُ شَافِعٍ عَنْهُ -: لَهُ مَجْمُوْعَاتٌ وَمُؤَلَّفَاتٌ فِي المَذْهَبِ، وَفِيْمَا سِوَاهُ مِنَ المَذَاهِبِ، وَفِي الحَدِيْثِ وَغَيْرِهِ، وَتَرَاجِمُ كُتُبِهِ مَسْجُوْعَةٌ عَلَى طَرِيْقَةِ أَبِي الحُسَيْنِ بنِ المُنَادِي (^٢). قَال: وَكَتَبْتُ الحَدِيْثَ عَنْ نَحْوٍ مِنْ ثَلَاثِمَائَةَ شَيْخٍ لَمْ أَرَ فِيْهِمْ مَنْ كَتَبَ أَكْثَرَ مِنِّي. قَال: وَكَانَ طَاهِرَ الأَخْلَاقِ، حَسَنَ الوَجْهِ وَالشَّيْبَةِ، مُحِبًّا لأَهْلِ العِلْمِ مُكْرِمًا لَهُمْ.
تُوُفِّيَ - ﵀ -: لَيْلَةَ السَّبْتِ خَامِسَ رَجَبٍ سَنَةَ إِحْدَى وَسَبْعِيْنَ وَأَرْبَعِمَائَةَ. وَصُلِّيَ عَلَيْهِ في الجَامِعَيْنِ، جَامِعِ القَصْرِ، وَجَامِعِ المَنْصُوْرِ، وَكَانَ الجَمْعُ فِيْهِمَا مُتَوَافِرًا جِدًّا، أَمَّ النَّاسَ فِي الصَّلَاةِ عَلَيْهِ أَبُو مُحَمَّدٍ التَّمِيْمِيُّ، وَتَبِعَهُ خَلْقٌ كَثِيْرٌ، وَعَالِمٌ عَظِيْمٌ، وَدُفِنَ بِـ "بَابِ حَرْبٍ" [﵁] (^٣).
وَقَدْ غَمَزَهُ ابنُ السَّمْعَانِيِّ، فَقَالَ: سَمِعْتُ أَبَا القَاسمِ بنَ السَّمَرْقَنْدِيِّ يَقُوْلُ: كَانَ وَاحِدٌ مِنْ أَصْحَابِ الحَدِيْثِ اسْمُهُ الحَسَنُ بنُ أَحْمَدَ بن عَبْدِ اللهِ
_________________
(١) هِبَةُ اللهِ بنُ عَلِيِّ بنِ مُحَمَّدِ بنِ أَحْمَدَ بنِ عَلِيِّ بنِ عُمَرَ، أَبُو نَصْرٍ، قُطْبُ الدِّيْنِ البَغْدَادِيُّ، الحَافِظُ. سَمِعَ، وَأَلَّفَ، وَجَمَعَ وَصَنَّفَ، وَمَاتَ كَهْلًا سَنَةَ (٤٨٨ هـ) عَنْ سِتٍّ وَأَرْبَعِيْنَ سَنَةً. أَخْبَارُهُ فِي: مَجْمَعِ الآدَابِ (٣/ ٤٥٠)، وَالوَافِي بِالوَفَيَاتِ (٢٧/ ٢٩٩)، وَالشَّذَرَاتِ (٥/ ٣٩١). قَالَ الصَّفَدِيُّ: "لَهُ مِنَ الكُتُبِ كِتَابُ "الخُطَبِ" مِنْ إِنْشَائِهِ، كِتَابُ "مُسْنَدِ الشُّعَرَاءِ" كِتَابُ "أَخْبَارُ الخَلِيْلِ بنِ أَحْمَدَ" كِتَابُ "كِتْمَانُ السِّرِّ".
(٢) أَحْمَدُ بنُ جَعْفَرٍ (ت: ٣٣٦ هـ) تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ في "الطَّبَقَاتِ" (٣/ ٥).
(٣) ساقطٌ من (ط) الفقي فقط. وفي (ط) تَحْقِيْقِ الدُّكتور هنري لاوُوست، وَالدُّكتور سَامِي الدَّهَّان: "رضي الله تعالى عنه".
[ ١ / ٧٢ ]
النَّيْسَابُوْرِيُّ، وَكَانَ قَدْ سَمِعَ الكَثِيْرَ. وَكَانَ ابنُ البَنَّاءِ يَكْشُطُ (^١) "بُوْرِىٍ"، وَيَمُدُّ السِّيْنَ، وَقَدْ صَارَ الحَسَنَ بنَ أَحْمَدَ بن عَبْدِ اللهِ البَنَّاءَ، كَذَا قِيْلَ إِنَّهُ يَفْعَلُ هَذَا؟!
قَالَ أبُو الفَرَجِ بنُ الجَوْزِيِّ: وَهَذَا القَوْلُ بَعِيْدٌ [مِنَ] الصِّحَّةِ؛ لِثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ، أَحَدُهَا: أَنَّهُ قَالَ: "كَذَا قِيْلَ" وَلَمْ يَحْكِ عَنْ عِلْمِهِ بِذلِكَ (^٢)، فَلَا يَثْبُتُ هَذَا. وَالثَّانِي: أَنَّ الرَّجُلَ مُكْثِرٌ، لَا يَحْتَاجُ إِلَى اسْتِزَادَةٍ لِمَا يَسْمَعُ. وَالثَّالِثُ: أَنَّهُ قَدِ اشْتُهِرَتْ كَثْرَةُ رِوَايَةِ أَبِي عَلِيِّ بنِ البَنَّاءِ، فَأَيْنَ ذِكْرُ هَذَا الرَّجُلِ الَّذِي يُقَالُ لَهُ: الحَسَنُ بنُ أَحْمَدَ بنِ عَبْدِ الله النِّيْسَابُوْرِيُّ؟ وَمَنْ ذَكَرَهُ؟ وَمَنْ يَعْرِفُهُ؟ وَمَعْلُوْمٌ أَنَّ مَنِ اشْتُهِرَ سَمَاعُهُ لَا يَخْفَى، فَمَنْ هَذَا الرَّجُلُ؟ فَنَعُوْذُ باللهِ مِنَ
_________________
(١) في (ط) تحقيق الدُّكتور هَنري لاوُوست، والدُّكتور سَامي الدَّهَّان: "من التَّسميع" عن "لِسَانِ المِيْزَانِ، وَهِيَ فِي (ط) الفقي دُوْنَ إشارة؟! وَوُجُوْدُهَا غَيْرُ ضَرُوْرِيٍّ.
(٢) أَقُوْلُ - وَعَلَى اللهِ أَعْتَمِدُ -: لَكِنَّهُ نَقَلَ عَنْ ثِقَةٍ هُوَ أَبُو القَاسِم السَّمَرْقَنْدِيِّ، وَهُوَ أَحَدُ تَلَامِيْذِ ابنِ البَنَّاء، وَاسْمُهُ إسْمَاعِيْلُ بنُ أَحْمَدَ بنِ عُمَرَ (ت: ٥٣٦ هـ). قَالَ الحَافِظُ ابنُ عَسَاكِرٍ: "كَانَ ثِقَةً، مُكْثِرًا، صَاحِبَ أُصُوْلٍ، دَلَّالًا في الكُتُبِ". وَقَالَ الحَافِظ السِّلَفِيُّ: "هُوَ ثِقَةٌ، لَهُ أُنْسٌ بِمَعْرِفَةِ الرِّجَالِ، وَكَانَ ثِقَةً، يَعْرِفُ الحَدِيْثَ، وَسَمِعَ الكُتُبَ، وَقَالَ الحَافِظُ السَّمْعَانِي: "قَرَأْتُ عَلَيْهِ الكُتُبَ الكِبَارَ وَالأَجْزَاءَ، وسَمِعْتُ أَبَا العَلَاءِ العَطَّارَ بِـ "هَمَذَانَ" يَقُوْلُ: مَا أَعْدِلُ بأَبي القَاسِمِ السَّمَرْقَنْدِيِّ أَحَدًا مِنْ شُيُوْخِ العِرَاقِ وَخُرَاسَان" فَإِذَا كَانَ عُدُوْلُ الحُفَّاظِ الكِبَارِ يُوَثِّقُوْنَهُ فيَجِبُ قَبُوْلُ قَوْلِهِ؛ لأَنَّ الأَخْبَارَ تُنْقَلُ رِوَايَةً، وَمَعَ هَذَا فَإِنَّ الحَافِظَ أَبَا القَاسِمِ السَّمَرْقَنْدِيَّ المَذْكُوْرَ كُتْبِيٌّ يَقَعُ عَلَى مَا لا يَقَعُ عليه غَيْرُهُ من نَوَادِرِهَا، "وكانَ يُخَالِطُ الكُبَرَاءَ بِسَبَبِ الكُتُبِ" "بَاعَ مَرَّةً صَحِيْحِي البُخارِي ومُسْلِمٍ في مُجَلَّدَةٍ لَطِيْفَةٍ بِخَطِّ الصُّوْرِيِّ. . ." فَهُوَ - مَعَ ثِقَتِهِ - عَلَى دِرَايَةٍ بِالكُتُبِ وَمَا كُتِبَ عَلَيْهَا.
[ ١ / ٧٣ ]
القَدْحِ بِغَيْرِ حُجَّةٍ. انْتَهَى (^١).
وَذَكَرَ السِّلَفِيُّ، عَنْ شُجَاعٍ الذُّهْلِيِّ، وَالمُؤْتَمِنِ السَّاجِيِّ أَنَّهُمَا غَمَزاهُ
_________________
(١) هَذِهِ تَسَاؤُلَاتٌ في غَيْرِ مَحَلِّهَا، فَإِذَا كَانَ ابنُ الجَوْزِيِّ لا يَعْرِفُهُ فَغَيْرُهُ يَعْرِفُهُ. قَالَ الصَّفَدِيُّ في الوَافِي بِالوَفَيَاتِ (١١/ ٣٨٢): بَعْدَ أنْ نَقَلَ كَلَامَ ابنِ الجَوْزِيِّ: "قُلْتُ: وَرَأَيْتُ مُحِبَّ الدِّين ابنَ النَّجَّارِ ذَكَرَ في "ذَيْلِ تَارِيْخِ بَغْدَادَ" الحَسَنَ بنَ أَحْمَدَ بنِ عَبْدِ اللهِ النَّيْسَابُوْرِيَّ الصُّوْفِيَّ، وَقَالَ: سَمِعَ الكَثِيْرَ مِنْ أَبِي الحَسَنِ عَلَيِّ بنِ أَحْمَدَ بنِ عُمَرَ الحَمَّامِيِّ المُقْرِئِ وأَمْثَالِهِ، وَرَوَى الخَطِيْبُ عَنْهُ كَثِيْرًا في "التَّارِيْخِ" وَفَيَاتٍ وَغَيْرَهَا .. " وَمِثْلُهُ في لِسَان المِيزَانِ للحَافِظِ ابنِ حَجَرٍ (٢/ ١٩٥) فَبِهذَا تَسْقُطُ حُجَّةُ ابنِ الجَوْزِيِّ وَمَنْ تَابَعَهُ عَلَى ذلِك، فَالرَّجُلُ مَعْرُوفٌ، وَهُوَ مُحَدِّثٌ، وَيَعْتَمِدُ عَلَى أَقْوَالِهِ الحَافِظُ الخَطِيْبُ وَحَسْبُكَ بِهِ، وَإِذَا كَانَتْ تَرْجَمَتُهُ في الكُتُبِ غَيْرُ مُتَوَافِرَةٌ فَتِلْكَ حُظُوْظٌ؟! وهُنَاكَ الحَسَنُ بنُ أَحْمَدَ بنِ عَبدِ اللهِ النَّيْسَابُوْرِيُّ، عَمِيْدُ الدِّيْنِ الكَاتِبُ. ذَكَرَهُ ابنُ الفُوَطِيِّ في مَجْمَعِ الآدَابِ (٢/ ٢١٢) (ط). إيران. وَقَالَ: ذَكَرَهُ العِمَادُ الكَاتِبُ في "خَرِيْدَةِ القَصْرِ .. " وَقَالَ: كَانَ عَمِيْدَ بَغْدَادَ في عَهْدُ السُّلْطَانِ مَلِكْشَاه بنِ أَلْب أَرْسَلَان .. " وَلَمْ يَذْكُرْ وَفَاتَهُ، وَنَقَلَ مُحَقِّقُهُ الدُّكتور مُصْطَفَى جَوَاد في الهَامِشِ عَنِ ابنِ السَّمْعَانِيِّ فِي "ذَيْلِ تَارِيْخِ بَغْدَادَ" من خِلَال مُخْتَصَرِهِ لابنِ مُكْرمٍ الأَنْصَارِيِّ صَاحِبِ "لِسَانِ العَرَبِ" وَأَظُنُّ أَنَّ هَذَا غَيْرُ سَابِقِه، فَمِنُ المُمْكِنْ أَنْ يَكُوْنَ أحدَهُمَا، إِذَا قُدِّرَ أنَّهما اثنان. يَقُوْلُ الفَقِيْرُ الَى اللهِ تَعَالَى عَبْدُ الرَّحْمَن بنُ سُلَيْمَان العُثَيْمِيْن - عَفَا الله عَنْهُ -: لَئِنْ كُنَّا نُحِبُّ أَصْحَابَنَا الحَنَابِلَة، فَحُبَّنَا لِدِيْنِنَا، وعَقِيْدَتِنَا، وَمَصَادِرِ تَشْرِيْعِنَا لا يَعْدِلُهُ شَيْءٌ، وَمِنَ المُحَافَظَةِ عَلَى السُّنَّة أَنْ نَتَنَبَّهَ لمَا قِيْلَ عَنْ رُوَاتِهَا جَرْحًا وتَعْدِيْلًا، وَنَضَعَ الحَقَّ في نِصَابِهِ. وَأَنَا لا أُرِيدُ أَنْ أُثْبِتَ التُّهْمَةَ عَلَى ابنِ البَنَّاءِ، وَلكِنَّ دِفَاعَ ابنِ الجَوْزِيِّ عَنْهُ ضَعِيْفٌ، وَكَانَ الحُفَّاظُ مِنَ المُتَأَخِّرِيْنَ عَنْ عَصْرِهِ أَمْثَالِ الحَافظِ الذَّهَبِيِّ، وَالحَافِظِ ابنِ حَجَرٍ وَغِيْرِهِمَا أَوْلَى بالدِّفَاعِ عَنْهُ لَوْ وَجَدُوا لِذلِكَ مَجَالًا.
[ ١ / ٧٤ ]
أَيْضًا، وَلَمْ يُفَسِّرَا (^١)، وَفَسَّرَهُ السِّلَفِيُّ بِأَنَّهُ كَانَ يَتَصَرَّفُ فِي أُصُوْلِهِ بالتَّغْيِيْرِ وَالحَكِّ.
وذَكَرَ ابنُ النَّجَّارِ (^٢): أَنَّ تَصَانِيْفَهُ تَدُلُّ عَلَى قِلَّةِ عِلْمِهِ، وَسُوْءِ تَصَرُّفِهِ،
_________________
(١) هَذَا اتِّهَامٌ مُجْمَلٌ مِنْ شُجَاعٍ الذُّهْلِيِّ، وَالمُؤْتَمَنِ، وَتَفْسِيْرُ الحَافِظِ السِّلَفِيِّ بِأنَّه كَانَ يَتَصَرَّفُ في أُصُوْلِهِ بِالتَّغْيِيْرِ وَالحَكِّ، لا تَعْنِي حَادِثَةً بِعَيْنِهَا كَمَا في الخَبَرِ السَّابِق عَنِ السَّمَرْقَنْدِيِّ، فَأَيْنَ دِفَاعُ ابنِ الجَوْزِيِّ عن هَذِهِ؟!.
(٢) وَنَقَلَ الحَافِظُ الذَّهَبِيُّ عَنِ ابنِ النَّجَّارِ أَيْضًا قَوْلَهُ فِيْهِ: "وَتَصَانِيْفُهُ تَدُلُّ عَلَى قِلَّةِ فَهْمِهِ، كَانَ يُصَحِّفُ، وَكَانَ قَلِيْلَ التَّحْصِيْلِ … وَشَرَحَ "الإيْضَاح" لِأَبي عَلِيٍّ الفَارِسِيِّ، وَإِذَا نَظَرْتَ فِي كَلَامِهِ بَانَ لَكَ سُوْءُ تَصَرُّفِهِ، وَرَأَيْتُ لَهُ تَرْتِيْبًا لِـ "الغَرِيْبِ" لأبي عُبَيْدٍ قَد خَبَّطَ وَصَحَّفَ". أَقُوْلُ - وَعَلَى اللهِ أعْتَمِدُ -: قَوْلُ الحَافِظُ ابنُ رَجَبٍ هَذَا غَيْرُ سَدِيْدٍ، فَابنُ النَّجَّارِ بَحْرٌ في العُلُوْمِ، قَالَ يَاقُوْتٌ في مُعْجَمِ الأُدَبَاءِ (٦/ ٢٦٤٤): "الحَافِظُ المُؤَرِّخُ، الأَدِيْبُ، العلَّامةُ، أَحدُ أَفْرَادِ العَصْرِ الأَعْلَامِ، رَحَلَ إِلَى "الشَّامِ" و"مِصْرَ" و"الحِجَازِ" و"خُرَاسَانَ". واسْتَمَرَّت رِحْلَتُهُ سَبْعًا وَعِشْرِيْنَ سَنَةً، واشْتَمَلَتْ "مَشْيَخَتُهُ" عَلَى ثَلَاثَةِ آلافِ شَيْخٍ، وَكَانَ إِمَامًا، حُجَّةً، ثِقَةً، حَافِظًا، مُقْرِئًا، أَدِيْبًا، عَارِفًا بِالتَّارِيْخِ وَعُلُوْمِ الأَدَبِ، وَحُسْنِ الإِلْقَاءِ وَالمُحَاضَرَةِ، وَكَانَ لَهُ شِعْرٌ حَسَنٌ". وَقَالَ الحَافظُ الذَّهبيُّ في "التَّارِيْخِ": "وَكَانَ إِمَامًا، ثِقَةً، حُجَّةً، مُقرِئًا، مُجَوِّدًا، حُلْوَ المُحَاجَّةِ، كَيِّسًا، مُتَوَاضِعًا، ظَرِيْفًا، صَالِحًا، خَيِّرًا، مُتَنَسِّكًا" ثُمَّ قَالَ: "وَكَانَ مِنْ مَحَاسِنِ الدُّنيا". أقُوْلُ - وَعَلَى اللهِ أَعْتَمِدُ -: وَمِن بَيْنِ مُؤَلَّفَاتِ ابنِ النَّجَّارِ "شَرْحُ المُفَصَّل" للزَّمَخْشَرِيِّ في النَّحْو كَمَا في كَشْفِ الظُّنُوْنِ (٢/ ١٧٧٥)، فَكَيْفَ يَكُوْنُ ابنُ النَّجَّارِ أَجْنَبِيُّ من هَذِهِ العُلُوْمِ؟! فَإِنْ كَانَ ابنُ النَّجَّارِ أَجْنَبِيًّا عَنْهَا، فابنُ البَنَّاءِ أَكْثَرُ بُعْدًا لَا مَحَالَةَ. وَكِتَابُ ابنِ البَنَّاءِ "شَرْحُ الإِيْضَاحِ" في النَّحْوِ لأبي عَلِيٍّ الفَارِسِيِّ كَانَ لِي شَرَفُ الوُقُوْفِ عَلَيْهِ لأِوَّل مَرَّةٍ فِي عَصْرِنَا هَذَا، صَوَّرْتُ نُسْخَةً مِنْهُ مِنْ دَارِ الكُتُبِ المِصْرِيَّةِ، وَأُخْرَى مِنَ "الهِنْدِ"، وَهُمَا الآنَ مَحْفُوْظَتَانِ فِي مَرْكَزِ البَحْثِ العِلْمِيِّ بِجَامِعَةِ أُمِّ القُرَى، =
[ ١ / ٧٥ ]
وَقِلَّةِ مَعْرِفَتِهِ بالنَّحْوِ وَاللُّغَةِ، كَذَا قَالَ، وَابْنُ النَّجَّارِ أَجْنَبِيٌّ مِنْ هَذِهِ العُلُوْمِ فَمَا بَالُهُ يَتَكَلَّمُ فِيْهَا؟
وَقَدْ وَقَعَ لَنَا الكَثِيْرُ مِنْ حَدِيْثِهِ عَالِيًا. فَمِنْ ذلِكَ: مَا أَخْبَرَنَا بِهِ أَبُو الفَتْحِ مُحَمَّدُ بنُ مُحَمَّدِ بنِ إِبْرَاهِيْمَ بـ "فُسْطَاطِ مِصْرَ" (أَثَنَا) أَبُو الفَرَجِ عَبْدُ اللَّطِيْفِ بنُ عَبْدِ المُنْعِمِ الحَرَّانِيُّ (أَنَا) أَبُو الفَرَجِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بنُ عَلِيِّ بنِ مُحَمَّدِ بنِ
_________________
(١) = وَقَدْ طَالَعْتُهُ مِرَارًا، وَلَمْ أَسْتَفِدْ منه؛ لِضَعْفِ تَأْلِيْفِهِ، وَقِلَّةِ فَائِدَتِهِ، فَكَلَامُ ابنِ النَّجَّارِ لَيْسَ بَعِيْدًا عَنِ الصِّحَّةِ إذًا، ومُقَارَنَتُهُ بـ "شَرْحِ اللُّمَعِ" لابنِ برهَان عَبْدِ الوَاحِدِ بنِ عَليِّ الأسَدِيَّ العُكْبَرِيِّ (ت: ٤٥٦ هـ) وَهُوَ مُعَاصِرُهُ، وبَغْدَادِيٌّ مِثْلُهُ، وَيَغْلبُ عَلَى الظَنِّ أنَّ مَصادِرَهُمَا تَكَادُ تَكُوْنُ وَاحِدَةً؛ لاتِّفَاقِ عَصْرَيْهِمَا ومِصْرَيْهِمَا، ولَدَى المُقَارَنَةِ بِهِ يَتَبَيَّنُ لكَ صِحَّةُ ذلِك. وَكَلامِيْ هَذَا لَيْس قَادِحًا في عِلْمِ ابنِ البَنَّاءِ، فَلَا شَكَّ في عِلْمِهِ وَفَضْلِهِ، لكِنْ لا يَجُوْزُ رَدَّ الانْتِقَادِ إِلَّا بِحُجَّةٍ وَاضِحَةٍ، وَدَلِيْلٍ ظَاهرٍ، وَالعُلَمَاءُ عَلَى أَرْبَعَةِ أَقْسَامٍ؛ فَمِنْهُمْ مَنْ يُجِيْدُ التَّعْلِيْمَ وَالتَّصْنِيْفَ، وَمِنْهُمْ مَنْ يُجِيْدُ التَّعْلِيْمَ، وَلا يُجِيْدُ التَّصْنِيْفَ، وَمِنْهُمْ مَنْ يُجِيْدُ التَّصْنِيْفَ وَلا يُجِيْدُ التَّعْلِيْمَ، وَمِنْهُمْ مَنْ لا يُجِيْدُ تَعْلِيْمًا وَلَا تَصْنِيْفًا، وَلَو كَانَ بَحْرًا فِي العِلْمِ. وَلا شَكَّ أن قَوْلَ الحَافِظِ ابنِ النَّجَّارِ: " .. تَدُلُّ عَلَى قِلَّة فَهْمِهِ .. " وَقَوْلُهُ: "وَكَانَ قَلِيْلَ التَّحْصيْلِ .. " كَلَامٌ غَيْرُ مَقْبُوْلٍ بِحَالٍ، وَالإِنْصَافُ مَطْلُوْبٌ. وَكِتَابه "المُقْنِعُ شَرْحُ مُخْتَصَر الخِرَقِيِّ" لا يُمْكِنُ بِحَالٍ أَيْضًا مُقَارَنَتُهُ بِـ "المُغْنِي" شَرْحِ مُخْتَصَرِ الخِرَقِيِّ للإمَامِ مُوَفَّقِ الدِّيْنِ ابنِ قُدَامَةَ؟! أَيْنَ الثَرَى مِنَ الثُّرَيَّا، بَلْ لا يُمْكِنُ مُقَارَنَتُهُ بِمُؤَلَّفاتِ مُعَاصِرَيْهِ القَاضِي أَبِي يَعْلَى الفَرَّاءِ، وأَبي الخَطَّابِ مَحْفُوْظِ بنِ أَحْمَدَ، وَالأَوَّلُ قَبْلَهُ، وَالثَّانِي بَعْدَهُ زَمَنًا. فَالانْتِقَادُ لَهُ وَارِدٌ، وَالدِّفَاعُ عَنْهُ ضَعِيْفٌ، لكِنِّي أَعُوْدُ فَأَقُوْلُ: هَذَا اجْتِهَادُهُ، وَجَزَاهُ اللهُ عَن العِلْمِ وأَهْلِهِ خَيْرَ الجَزَاءِ، وَرَحِمَهُ الله رَحْمَةً وَاسِعَةً.
[ ١ / ٧٦ ]
الجَوْزِيِّ (أَثَنَا) أَبُو المَعَالِي أَحْمَدُ بنُ مُحَمَّدِ بنِ الحُسَيْنِ المَذَارِيُّ (^١) (أَثَنَا) أَبُو عَلِيٍّ الحَسَنُ بنُ أَحْمَدَ بنِ البَنَّاءِ، (أَنَا) أَبُو الحُسَيْنِ بنُ بِشْرَانَ، (أَنَا) أَبُو عَلِيِّ بنُ صَفْوَانَ (ثَنَا) عَبْدُ اللهِ بنُ مُحَمَّدٍ القُرَشِيُّ، حَدَّثَنِي الوَلِيْدُ بنُ سُفْيَانَ، (ثَنَا) ابنُ أَبِي عَدِيٍّ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنِ العَلَاءِ بنِ عَبْدِ الرَّحْمَن، عَنْ أَبِيْهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُوْلُ اللهِ - ﷺ -: "الدُّنْيَا سِجْنُ المُؤْمِنِ وَجَنَّةُ الكَافِرِ" (^٢).
(ذِكرُ مَا وَقَفْتُ عَلَيْهِ مِنْ أَسْمَاءِ مُصَنَّفَاتِ ابنِ البَنَّاءِ [﵀] (^٣»
"شَرْحُ الخِرَقِيِّ" فِي الفِقْهِ (^٤)، "الكَامِلُ" فِي الفِقْهِ، "الكَافِي المُحَدَّدُ فِي شَرْحِ المُجَرَّدِ" "الخِصَالُ وَالأَقْسَامُ" "نُزْهَةُ الطَّالِبِ فِي تَجْرِيْدِ المَذَاهِبِ" "آدَابُ العَالِمِ وَالمُتَعَلِّمِ" "شَرْحُ كِتَابِ الكَرْمَانِيِّ" في التَّعْبِيْرِ "شَرْحُ قَصِيْدَةِ ابنِ أَبِي دَاوُدَ في السُّنَّةِ" "المَنَامَاتُ المَرْئِيَّةُ لِلإِمَامِ أَحْمَدَ" جُزْءٌ "أَخْبَارُ الأوْلِيَاءِ وَالعُبَّادِ
_________________
(١) في (ط) بطبعتيه: "المَدَارِيُّ" بالدَّال المُهْملة، وَصَوَابُهَا بالذَّال المُعْجَمَةِ. قَالَ الحَافِظُ السَّمْعَانِيُّ في الأَنْسَابِ (١١/ ٢١١): "بِفَتْحِ المِيْمِ، وَالذَّالِ المُعْجَمَةِ، وفي آخِرِهَا الرَّاءُ، هذِهِ النِّسْبةُ إِلَى "مَذَارَ" وَهِيَ قَرْيَةٌ بِأَسْفَلِ أَرْضِ "البَصْرَةِ". . ." وَمِثْلُهُ قَالَ يَاقُوْتٌ فِي مُعْجَمِ البُلدان (١/ ١٠٤) وَذَكَرَا مَعًا المَذْكُوْرَ هُنَا، وَقَالا: سَمِعَ أَبَا عَلِيٍّ بنَ البَنَّاء. وَيُرَاجَعُ أيضًا: تَكْمِلَةُ الإِكْمَالِ لابنِ نُقْطَةَ (٥/ ٥٣٦)، وَالتَّوْضِيْحُ لابنِ نَاصِرِ الدِّيْنِ (٨/ ٩٥) قَالَ ابنُ نُقْطَةَ: "مَرَرْتُ بِهَا لَمَّا رَجَعْنَا مِنْ "وَاسِطَ" إِلَى "البَصْرَةِ". . .". وَقَالَ يَاقُوْتٌ في "مَيْسَانَ" بَيْنَ "وَاسِطَ" وَ"البَصْرَةِ" وهي قَصَبَةُ "مَيْسَان" بينها وَبَيْنَ "البَصْرَةِ" مِقْدَارُ أَرْبَعَةِ أيَّامٍ. وَيُراجَعُ: مُعْجَمُ مَا اسْتَعْجَمَ (١٢٠٣).
(٢) الحَدِيْثُ في صَحِيْحِ مُسْلِمٍ، رقم (٢٩٥٦)، وَمُسْنَدِ أَحْمَدَ، رقم (٨١١٢).
(٣) ساقطٌ من (ط) الفقي.
(٤) مَطْبُوعٌ بِتَحْقِيْقِ صَاحِبِنَا الفَاضِلِ عَبْدِ العَزِيْزِ البُعَيْمِيِّ حَفِظَهُ اللهُ تَعَالَى.
[ ١ / ٧٧ ]
بِمَكَّةِ" جُزْءٌ "صِفَةُ العِبَادِ فِي التَّهَجُّدِ وَالأَوْرَادِ" جُزْءٌ "المُعَامَلَاتُ وَالصَّبْرُ عَلَى المُنَازَلَاتِ" أَجْزَاءٌ كَثِيْرَةٌ "الرِّسَالَةُ فِي السُّكُوْتِ وَلُزُوْمِ البُيُوْتِ" جُزْءٌ "سَلْوَةُ الحَزِيْنِ عِنْدَ شِدَّةِ الأَنِيْنِ" جُزْءٌ "طَبَقَاتُ الفُقَهَاءِ أَصْحَابِ الأَئِمَّةِ الخَمْسَةِ" "التَّارِيْخُ" "مَشْيَخَةُ شُيُوْخِهِ" "فَضَائِلُ شَعْبَانَ" "كِتَابُ اللِّبَاسِ"، "مَنَاقِبُ الإِمَامُ أَحْمَدَ" "أَخْبَارُ القَاضِي أَبِي يَعْلَى" جُزْءٌ "شَرَفُ أَصْحَابِ الحَدِيْثِ" "ثَنَاءُ أَحْمَدَ عَلَى الشَّافِعِيِّ وَثَنَاءُ الشَّافِعِيِّ عَلَى أَحْمَدَ" وَ"فَضَائِلُ الشَّافِعِيِّ" "كِتَابُ الزَّكَاةِ وَعِقَابُ مَنْ فَرَّطَ فِيْهَا" جُزْءٌ "المَفْصُوْلُ وَالمَوْصُوْلُ (^١) فِي كِتَابِ اللهِ" جُزْءٌ "شَرْحُ الإِيْضَاحِ" في النَّحْوِ لِلفَارِسِيِّ (^٢) "مُخْتَصَرُ غَرِيْبِ الحَدِيْثِ" لأبِي عُبَيْدٍ، مُرَتَّبٌ عَلَى حُرُوْفِ المُعْجَمِ.
(وَمِنْ فَوَائِدِ ابنِ البَنَّاءِ الغَرِيْبَةِ):
أَنَّهُ حَكَى فِي "شَرْحِ الخِرَقِيِّ" عَنْ بَعْضِ الأَصْحَابِ أَنَّهُ يُعْفَى عَنْ يَسِيْرٍ يُغَيِّرُ رَائِحَةَ المَاءِ بالنَّجَاسَةِ، كَقَوْلِ الخِرَقِيِّ في التَّغَيُّرِ بالطَّاهِرَاتِ.
- وَذَكَرَ فِي "شَرْحِ المُجَرَّدِ": أَنَّ مَنْ أَخَّرَ الصَّلَاةَ عَمْدًا فِي السَّفَرِ وَقَضَاهَا في السَّفَرِ (^٣)، لَهُ القَصْرُ كَالنَّاسِي، قَالَ: وَلَمْ يُفَرِّقِ الأصْحَابُ بَيْنَهُمَا،
_________________
(١) في (ط) بطبعتيه: "المفصول في كتاب. . .".
(٢) في (ط) بطبعتيه: "الفارسي".
(٣) كَذَا فِي الأُصُوْلِ، وَصُحِّحَتْ عَلَى هَامِشِ نُسْخَةٍ مِنَ "المَنْهَجِ الأَحْمَدِ": "في الحَضَرِ" وَهُوَ الصَّحِيْحُ، لكِنَّ النُّسَخَ المُعْتَمَدَة وَغَيْرَهَا مُتَّفِقَةٌ عَلَى هَذَا الخَطَإِ مِمَّا يَدُلُّ عَلَى أنَّهُ مِنْ سَهْوِ المُؤَلِّفِ - ﵀ -. وَصَحَّحَهَا مُحَقِّقا الجُزءِ الأوَّلِ عَنْ هَامِشِ "المَنْهَج" وَصَحَّحَهَا الشَّيْخُ حَامدٌ الفَقي دُوْنَ إِشَارَةٍ عَلَى عَادَتِهِ، عَفَا اللهُ عَنْهُ؟!
[ ١ / ٧٨ ]
وَإِنَّمَا يَخْتَلِفَانِ في المَأْثَمِ وَعَدَمِهِ، وَهَذَا النَّقْلُ غَرِيْبٌ جِدًّا، وَقَدْ ذَكَرَ نَحْوَهُ القَاضِي أَبُو يَعْلَى الصَّغِيْرُ (^١) فِي "شَرْحِ المَذْهَبِ" وَلَا يُعْرَفُ فِي هَذِهِ المَسْأَلَةِ كَلَامٌ صَرِيْحٌ لِلأَصْحَابِ، إِلَّا أَنَّ بَعْضَ الأَئِمَّةِ المُتَأَخِّرِيْنَ ذَكَرَ أَنَّهُ لَا يَجُوْزُ القَصْرُ للْعَامِدِ، وَاسْتَشْهَدَ عَلَى ذلِكَ بِكَلَامِ جَمَاعَةٍ مِنَ الأَصْحَابِ فِي مَسَائِلَ، وَلَيْسَ لَهُ فِيْمَا ذَكَرَهُ حُجَّةٌ، وَاللهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
وَذَكَرَ فِي هَذَا الكِتَابِ: أَنَّ حُكْمَ اقْتِدَاءِ بَعْضِ المَسْبُوْقِيْنَ بِبَعْضٍ فِيْمَا يَقْضُوْنَهُ مِنْ صَلَاتِهِمْ لَا فَرْقَ فِيْهِ بَيْنَ الجُمُعَةِ وَغَيْرِها، وَأَنَّ الخِلَافَ جَارٍ فِي الجَمِيْعِ، وَهَذَا خِلَافُ مَا ذَكَرَهُ القَاضِي وَأَصْحَابُهُ مُوَافَقَةً للشَّافِعِيَّةِ (^٢) أَنَّ الجُمُعَةَ لَا يَجُوْزُ ذلِكَ فِيْهَا وَجْهًا وَاحِدًا؛ لأنَّهَا لَا تُقَامُ فِي مَوْضِعٍ وَاحِدٍ فِي جَمَاعَتَيْنِ. قَالَ ابنُ البَنَّاءِ: وَفِي هَذَا عِنْدَنَا نَظَرٌ؛ لأنَّهُ يَجُوْزُ إِقَامَتُهَا مَرَّتَيْنِ، يَعْنِي للْحَاجَةِ. وَمِمَّا أَنْشَدَهُ السِّلَفِيُّ، عَن ابنِ أَبي الحُسَيْنِ الطُّيُوْرِيِّ أَنَّ ابنَ البَنَّاءِ أَنْشَدَهُ لِنَفْسِهِ عَلَى البَدِيْهَةِ:
إِذَا غُيِّبَتْ أَشْبَاحُنَا كَانَ بَيْنَنَا … رَسَائِلُ صِدْقٍ فِي الضَّمِيْرِ تُرَاسِلُ
وَأَرْوَاحَنَا فِي كُلِّ شَرْقٍ وَمَغْرِبٍ … تَلَاقَى بِإِخْلَاصِ الوَدَادِ تُوَاصِلُ
وَثَمَّ أُمُوْرٌ لَوْ تَحَقَّقْتَ بَعْضَهَا … لَكُنْتَ لَنَا بِالعُذْرِ فِيْهَا تُقَابِلُ
وَكَمْ غَائِبٍ وَالقَلْبُ مِنْهُ مُسَالِمٌ … وَكَمْ زَائِرٍ فِي القَلْبِ مِنْهُ بَلَابِلُ
فَلَا تَجْزَعَنْ يَوْمًا إِذَا غَابَ صَاحِبٌ … أَمِيْنٌ فَمَا غَابَ الصَّدِيْقُ المُجَامِلُ
_________________
(١) مُحَمَّدُ بنُ مُحَمَّدِ بنِ مُحَمَّدِ (ت: ٥٦٠ هـ) ذَكَرَهُ المُؤَلِّفُ فِي مَوْضِعِهِ كَمَا سَيَأْتِي.
(٢) في (أ) و(ب): "للشَّافِعِيِّ".
[ ١ / ٧٩ ]