لم يشتهر أحد من الجاهلية وكثير من أهل الإسلام بين العامة والخاصة اشتهار عنترة، فلا تكاد ترى رجلا أو امرأة أو صبيا أو صبية، عالما أو جاهلا، فقيرا أو غنيا، إلا وهو يعرف اسمه أو يسمع شيئا عنه. وسبب اشتهاره قصته المشهورة التي لم يعب أحد سماعها. والقصة عبارة عن رواية تاريخية وضعت بعد صدر الإسلام، ولم يعرف واضعها، غير أنهم ينسبونه إلى (الأصمعي) - في أوائل القرن الثالث للهجرة - لنه قد ورد اسمه فيها رواية عنه. وأكثر ما ورد عنه إنما هو من قبيل الروايات الخيالية وكثيرا ما تنسب وقائع جرت لغيره له. لذلك قد التبس الصحيح منها بالموضوع. غير أن بعضها صحيح لأنه يقويه ما ورد في كتب التاريخ والأدب. والقصة لم تؤلف دفعة واحدة على ما يظهر، وإنما وضعت شيئا فشيئا حتى بلغت ما هي عليه الآن. وقد جمعت بمصر في أواخر القرن الرابع الهجري في زمن الخليفة الفاطمي (العزيز بالله) . وقد رووا في سبب جمعها وتدوينها أن رجلا يقال له (الشيخ يوسف بن إسماعيل) كان له اتصال بباب (العزيز بالله) . فاتفق أن حدثت ريبة في دار العزيز فلهج بها الناس، فساء العزيز ذلك، فأشار على (الشيخ يوسف) هذا أن يضع للناس ما يلهيهم عما حدث، وكان (الشيخ يوسف) كثير الرواية لأخبار العرب واسع التحديث بها كثير النوادر، وهو يروي روايات كثيرة عن (أبي عبيدة) و(نجد بن هشام) و(جهينة الأخبار) و(الأصمعي) وغيرهم من الرواة المشهورين. فجمع شتات هذه القصة وزاد فيها كثيرا من أخبار العرب ووقائعهم، وأسند روايتها إلى الأصمعي، ووزعها على الناس فأعجبوا بها حتى شغلتهم عن ذلك. وقد قسمها إلى اثنين وسبعين كتابا، وكان يقطع الكلام حيث يشوق القارئ إلى ما بعده، فيضطر إلى البحث عن الكتاب التالي. فإذا وقف عليه انتهى به إلى مثل ما انتهى في الأول، وهكذا حتى يحدوه الشوق إلى إتمام القصة.