كان رجلا فاضلا مشهورا بالدين والفضل، قليل الهيبة للملوك في حق يقوله، لا تأخذه في الله لومة لائم. صحب جماعة من الصحابة وروى عنهم، منهم أبو الدرداء وغيره، وروى عنه جماعة منهم: عبد الرحمن بن زياد ابن أنعم.
أخبر (٢) سعد بن مسعود أن أصحاب رسول الله ﷺ قالوا له (٣): «يا رسول الله، إنه تمر بنا ساعات لو نموت فيها خشينا على أنفسنا»، فقال رسول الله ﷺ: «ليس من مؤمن إلا وله سورة وفترة، فإذا دخلتكم (٤) السورة (٥) فأسرعوا قبل أن تأتيكم الفترة (٦)، فاستمسكوا بالفرائض والسنن» (٧).
وأدخله عبد الله بن وهب في «جامعه» (٨).
عن سعد ابن مسعود عن أبي الدرداء، صاحب النبي ﷺ أنه قال (٩): «أحب الموت اشتياقا إلى ربي، وأحب المرض تكفيرا لخطيئتي. وأحب الفقر تواضعا لربي».
/وهو من العشرة الذين بعثهم عمر بن عبد العزيز رضي الله تعالى عنه [ليفقهوا أهل القيروان] (١٠).
عبد الأعلى بن عقبة الغفاري، قال: «لما ثارت «الخوارج» على حنظلة بن
_________________
(١) (*) مصادره: التاريخ الكبير ج ٢ ق ٦٤: ٢، الجرح والتعديل ج ٢ ق ٩٤: ١، طبقات أبي العرب ص ٢١، الاستيعاب ٦٠٢: ٢، أسد الغابة ٣٧٣: ٢، معالم الايمان ١: ١٨٤ - ١٨٧، تهذيب تاريخ دمشق ١١٣: ٦ - ١١٤، الاصابة ٣٦: ٢ - ٣٧.
(٢) نسبته في تهذيب تاريخ دمشق: الصدفي. والصدف وإن كانت من القبائل القحطانية فهي بعيدة عن «تجيب».أمّا ما جاء من نسبته إلى كندة في كتب تراجم الصحابة كالاستيعاب وأسد الغابة والاصابة: فقد حسم ابن الأثير القضية واعتبرها شيئا واحدا. أسد الغابة ٢٠٧: ٥.
(٣) في الأصل والمطبوعة: أخبرني. وأخذنا بما في (م).
(٤) لم نعثر على هذا الحديث في المصادر التي اطلعنا عليها.
(٥) في المطبوعة: دخلت. وأثبتنا رواية الأصل و(م).
(٦) السورة: الحدّة (القاموس: سور): ولعلّ المقصود: حماسة المؤمن وإقبالة على دينه.
(٧) الفترة: من فتر فتورا: سكن بعد حدّة والفترة: ما بين كل نبيّ. (القاموس: فتر).
(٨) زيادة من (م).
(٩) ينظر القطعة المنشورة من جامع ابن وهب ٧٠، ٦٠: ١، كتاب الزهد لابن المبارك ص ١٩٩، ٣٣٠، ٢٩٠.
(١٠) ورد هذا الأثر في صفة الصفوة ٦٣٦: ١.
(١١) زيادة من المعالم ١٨٤: ١.
[ ١ / ١٠٢ ]
صفوان بطنجة، جمع حنظلة علماء إفريقية، وهم الذين بعثهم عمر بن عبد العزيز إلى إفريقية ليفقهوا أهلها في الدين، منهم سعد بن مسعود وحبّان بن أبي جبلة (١١) وطلق بن جابان (١١) وغيرهم، فكتبوا له هذه الرسالة ليقتدي بها المسلمون ويعتقدوا ما فيها وهي:
بسم الله الرحمن الرحيم من حنظلة بن صفوان إلى جميع أهل طنجة.
أما بعد، فإن أهل العلم بالله وبكتابه وسنّة نبيّه محمد ﷺ [يعلمون] (١٢) أنه يرجع جميع ما أنزل الله ﷿ إلى عشر آيات: آمرة، وزاجرة، ومبشرة، ومنذرة، ومخبرة، ومحكمة، ومتشابهة، وحلال، وحرام، وأمثال. فآمرة بالمعروف، وزاجرة عن المنكر، ومبشرة بالجنة، ومنذرة بالنار، ومخبرة بخبر الأولين والآخرين (١٣)، ومحكمة يعمل بها، ومتشابهة يؤمن بها، وحلال أمر أن يؤتى، وحرام أمر أن يجتنب، وأمثال واعظة، فمن يطع الآمرة وتزجره الزاجرة (١٤) فقد استبشر بالمبشرة وأنذرته المنذرة، ومن يحلّل الحلال ويحرم الحرام ويردّ العلم فيما اختلف فيه الناس إلى الله، مع طاعة واضحة ونية صالحة، فقد فاز وأفلح وأنجح وحيا حياة الدنيا والآخرة. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته».
أبو عثمان سعيد بن محمد بن صبيح، صاحب سحنون-رضي الله تعالى عنه (١٥) -
_________________
(١) ترجم له المالكي وسنتولّى ضبطه هناك.
(٢) زيادة من (م).
(٣) في (م): الأوائل والأواخر.
(٤) عبارة (م): فمن قطعته الآمرة وزجرته الزاجرة.
(٥) ورد في الأصل و(م) عبارة: «ومنهم أبو عثمان سعيد بن محمد بن صبيح صاحب سحنون رضي الله تعالى عنه» بصيغة عنوان لترجمة جديدة (حرف كبير ومداد ثخين) وليس في النصّ ما يفيد ذلك. ويبدو أنه خطأ متداول في نسج الكتاب مصدره كلمة «ومنهم» وبحذفها يستقيم السياق. وأبو عثمان سعيد بن محمد بن صبيح الغساني المعروف بابن الحداد أحد كبار علماء القيروان ومتكلميهم. له معرفة بأخبار شيوخ إفريقية، أنيس المجلس، كثير الحكايات. كما سيأتي في ترجمته في الجزء الثاني من الرياض (وفيات ٣٠٢).
[ ١ / ١٠٣ ]
قال: حدّثني شيخ يكنّى بأبي مسعود قال: بعث زبّان (١٦) بن عبد العزيز بن مروان رسولا إلى سعد بن مسعود فوجده في مجلسه في «جامع الفسطاط» مع أصحابه، فقال له: «الأمير يقرأ عليك السلام، ويقول لك: إن رأيت أن تؤنسنا بنفسك العشية، فافعل» فقال للرسول: «اقرأ على الأمير السلام، وقل له ليس لي إليك حاجة فآتي لها، فإن تك لك حاجة فات لها» فأتاه الرسول فأخبره فقصد إليه زبّان (١٦) حتى لقيه وسلم عليه، وقال: «يغفر الله لك يا أبا مسعود! أتاك رسولنا، فكان من إغلاظك له ما كان».فقال له: «أصلح الله الأمير؛ دعوتني إلى ما يشينني ودعوتك إلى ما يزينك»، فقال له: «فكيف ذلك؟» فقال له-أصلح الله الأمير-: «إنه من رآك ماشيا إلي مدحك، وقال: ذاك طالب علم وخير. ومن رآني ماشيا إليك رآني طالب حطام وعرض (١٧) من أعراض الدنيا، فشانني».فقال له زبّان (١٦):
«سليت (١٨) والله ما كان بقلبي ونورته، نور الله قلبك وعلمك».
وعن (١٩) فرات بن محمد العبدي أن سعدا بن مسعود صاح يوم الجمعة (٢٠) على [أمير] (٢١) إفريقية في مظلمة، وقد خرج الأمير من الجامع: «إنّي بالله لا بك؛ أنا بالله لا بك!» فقضى الأمير حاجته.
عن سعد أنه كان يقول (٢٢): «إذا أتاك الشيطان من قبل الصمت فقال لك:
إن الناس يعدون ذلك عيا منك. فاته أنت من قبل السلامة، فقل له: صامت سالم خير من ناطق آثم».
قال سعد بن مسعود (٢٣): «إذا رأيتم العبد دنياه تزداد وآخرته تنقص (٢٤)، مقيما على
_________________
(١) في الأصل و(م) والمعالم: الريان. والتصويب من جمهرة الأنساب ص ١٠٥ وولاة مصر ٩٧، ٩٠، ٨٧.ذكر الكندي: أنه قتل مع مروان بن محمد سنة ١٣٢.
(٢) في الأصل: طالب حطاما وعرضا. وأصلحها ناشر الطبعة السابقة طالبا حطاما وعرضا. والمثبت من (م) والمعالم.
(٣) في (م): سكنت.
(٤) الخبر بهذا الإسناد في طبقات أبي العرب ص ٢١، والمعالم ١٨٥: ١.
(٥) في (م) والطبقات: يوم جمعة.
(٦) زيادة من (م) والمعالم.
(٧) ورد هذا الأثر في جامع ابن وهب ٦٤: ١ والمعالم ١٨٦: ١.
(٨) ورد هذا الأثر في تهذيب تاريخ دمشق ١١٣: ٦، والمعالم ١٨٧: ١.
(٩) في المعالم: ينقص.
[ ١ / ١٠٤ ]
ذلك راضيا به فذلك المغبون الذي ينتقص دينه [وهو] (٢٥) لا يشعر».
وسئل (٢٦) رحمه الله تعالى عن [علامة] (٢٧) وليّ الله ﷿، فقال: «من استفرغت آخرته دنياه، ومن كان الحق هواه، ولم يكن [له] (٢٨) في شيء (٢٩) مما يسخط الله تعالى رضاه، ومن كان الذكر قوله والعلم بغيته (٣٠) وفي بيوت الله ﷿ مجلسه».
وكان يقول (٣١): «حبّ الدنيا رأس كل خطيئة».
وسئل أيضا عن علامة المتوكل (٣٢) فقال: «من رضي بحكم الله واطمأن إلى موعد الله، وكان عنده ما تكفل الله ﷿ له به من رزقه بمنزلة ما قد بلغه وملكته يده».
وسئل أيضا عن علامة الحكيم فقال: «من كان مصيبا في قوله، حليما في غضبه، ذا عفو في قدرته، راضيا (٣٣) بمنزلته، غير مفتون بما ليس له، قد استغنى بأمر آخرته عن دنياه».
وسئل (٣٤) أيضا عن الطاعة، هل تكون لها منزلة أشد من منزلة؟ فقال: «نعم، إذا كانت الطاعة في منازل ثقلها (٣٥) ودافعتها المعصية في منازل دفعها (٣٦) فهنالك اشتدت الطاعة على أهلها فكان أعظم ما يكون من أجرها».
_________________
(١) زيادة من (م) والمصادر.
(٢) الأثر في المعالم ١٨٥: ١ - ١٨٦.
(٣) زيادة من (م) والمعالم.
(٤) زيادة من المعالم.
(٥) في الأصل: شيئا. والإصلاح من (م) والمعالم.
(٦) في (م) والمعالم: يقينه.
(٧) عدّه الحافظ العجلوني من الأحاديث المرسلة وخرج طرقه واستقصى أسانيده وتكلم عن رواته ينظر: كشف الخفاء ٤١٢: ١ - ٤١٣.وهو في المعالم ١٨٧: ١.
(٨) الأثر في المعالم ١٨٦: ١.وفي الأصل والمعالم: التوكل. والصواب ما أثبتناه.
(٩) في الأصل و(م) والمعالم: راض.
(١٠) الأثر في المعالم ١٨٦: ١.
(١١) في المعالم: نفعها.
(١٢) في الأصل: نفعها. والمثبت من المعالم.
[ ١ / ١٠٥ ]
وسئل [أيضا] (٣٧): أي الجلساء أشر مجالسة؟ فقال: «من يغفلكم قوله، ومن تفتنكم رؤيته، ومن يدعوكم إلى دنياكم فعله».
وسئل أيضا (٣٨) عن الذي يزين العالم عند من جالسه (٣٩) فقال: «كثرة صمته وقلة غضبه وحسن خلقه ولينه وخشوعه وتواضعه (٤٠)».