وبعد حياة جهاد متواصل، قضى جلها في الأسفار، وملأ ساعاتها بالطلب والسماع والإملاء والإستملاء، وعمر أيامها بالتأليف، والتصنيف، وتعرض فيها لمحن وأحداث، شاء الله له أن يرجع إلى مسقط رأسه بُست، ليمضي فيها بقية عمره، ويوافيه أجله، وهو بين أهله، وأصحابه، وطلابه، وذلك ليلة الجمعة الثماني ليال بقين من شوال سنة ٣٥٤ هـ، فيدفن بعد صلاة الجمعة في الصُّفَة التي ابتناها قرب داره.
قال ياقوت: "وقبره بيست معروف يزار إلى الآن".
* (إيقاظ):
كَثُر الكلام، وطال النقاش حول توثيق ابن حِبَّان.
فمن قائلٍ: إنَّ ابن حِبَّان قد اشتهر بتوثيق المجاهيل، وقالوا: نحن
[ ١ / ١٣٦ ]
لم ندَّع عليه ذلك، بل هو الذي أفصح عن شرطه في العدالة، فقال: "العدل من لم يُعرف منه الجرح، إذ الجرح ضد التعديل … إلخ".
ومن أجل ذلك: اندرج ابن حِبَّان ﵀ ضمن طبقة المتساهلين من المتكلمين في الجرح والتعديل.
ومعنى ذلك: أنه يُتأنى في قبول توثيقه إذا انفرد، ويَرِدُ على ذلك سؤال وهو: هل من كان هذا حاله - أي انفرد ابن حِبَّان بتوثيقه - هل يُرَّد توثيقه قولًا واحدًا؟ أم هناك تفصيل؟
ومن قائل: إنَّ ابن حِبَّان ﵀ من المتشددين والمتعنتين في الجرح، حتى قال فيه الإمام الذَّهبِيُّ ﵀ عبارات شديدة في أكثر من موضع، فمن كان هذا حاله، لا يمكن أن يُوصف بالتساهل.
ومن قائل: إنَّ ابن حِبَّان ﵀ متشدد في الجرح، وله منهجٌ خاصٌّ به في التعديل، ولا يصح أن نُطلق عليه وصف التساهل، ولكن غاية الأمر أن نقول: هذا منهجٌ له، ولا مشاحة في الاصطلاح.
ولذا استعنت الله ﷿ أن أحرز منهج ابن حِبَّان ﵀ في التوثيق، بما توصل إليه بحثي، وزودته بأراء بعض العلماء والباحثين، وعزوت كل قولٍ إلى قائله، وأسميته "بذل الإحسان في تحرير توثيق ابن حِبَّان":
لم يَدَع ابن حِبَّان ﵀ من جاء بعده تائهًا حيران في استنباط شرطه
[ ١ / ١٣٧ ]
في الرواة الذين يُحتج بحديثهم، بل أفصح عن شرطه في الرواة في أوسع كتبه، وهي: "الصحيح، والثقات، والمجروحين".
فسنعرض ما قاله ﵀، ثمَّ نبدأ بمناقشة وتحرير ما نصَّ عليه - بعون الله تعالى -:
قال ﵀ في مقدمة "صحيحه" (١/ ١٥١ - ١٥٢): "وأما شرطنا في نقله ما أودعنا كتابنا هذا من السن، فإنا لم نحتجَّ فيه إِلَّا بحديث اجتمع في كل شيخٍ من رواته خمسة أشياء:
الأول: العدالة في الدِّين بالستر الجميل.
الثاني: الصدق في الحديث بالشهرة فيه.
الثالث: العقلُ بما يُحَدِّث من الحديث.
الرابع: العلم بما يُحيل من معاني ما يروي.
الخامس: المُتَعرِّي خبره عن التدليس، فكل من اجتمع فيه هذه الخِصال الخمس؛ احتججنا بحديثه، وبنينا الكتاب على روايته، وكل من تعرى عن خَصْلةٍ من هذه الخِصال الخمس لم نحتج به.
قال: والعدالة في الإنسان: "هو أن يكون أكثر أحواله طاعة الله، لأنا متى ما لم نجعل العدل إِلَّا من لم يوجد منه معصية بحال؛ أدَّانا ذلك إلى أن ليس في الدنيا عدلٌ، إذ الناس لا تخلوا أحوالهم من ورود
[ ١ / ١٣٨ ]
خلل الشيطان فيها، بل العدل من كان ظاهر أحواله طاعة لله، والذي يُخالف العدل من كان أكثر أحواله معصية الله.
قال: وقد يكون العدل الذي يشهد له جيرانه وعدول بلده به وهو غير صادق فيما يروي من الحديث؛ لأنَّ هذا شيء ليس يعرفه إِلَّا مَنْ صناعته الحديث، وليس كل معدِّل يعرف صناعة الحديث حتى يُعدِّل العدل على الحقيقة في الرواية والدين معًا.
قال: والعقل بما يُحدِّث: هو أن يعقل من اللغة بمقدار ما لا يُزيل معاني الأخبار عن سَننها، ويعقل من صناعة الحديث، ما لا يُسند موقوفًا، أو يرفع مرسلًا، أو يُصَحِّف اسمًا.
قال: والعلم بما يحيل من معاني ما يروي: هو أن يعلم من الفقه بمقدار ما إذا أدَّي خبرًا أورده من حفظه، أو اختصره، لم يُحِلْه عن معناه الذي أطلقه رسول الله ﷺ إلى معنى آخر.
قال: والمتعري خبره عن التدليس: هو أنَّ كون الخبر عن مثل من وصفنا نَعْته بهذه الخصال الخمس، فيرويه عن مثله سماعًا، حتى ينتهي ذلك إلى رسول الله ﷺ".
وقال ﵀ في مقدمة كتابه "الثقات" (١/ ١١ - ١٣): "ولا أذكر في هذا الكتاب الأول - يعني "الثقات" - إِلَّا الثقات الذين يجوز الاحتجاج بخبرهم … فكل من أذكره في هذا الكتاب الأول - أي
[ ١ / ١٣٩ ]
"الثقات" - فهو صدوقٌ، يجوز الاحتجاج بخبره، إذا تعرى عن خصالٍ خمس، فإذا وجد خبر منكر عن واحد ممن أذكره في كتابي هذا؛ فإنَّ ذلك الخبر لا ينفك عن إحدى خمس خصال:
* إما أن يكون فوق الشيخ الذي ذكرت اسمه في كتابي هذا في الإسناد رجل ضعيف لا يُحتج بخبره.
* أو يكون دونه رجل واهٍ لا يجوز الاحتجاج بروايته.
* أو الخبر: يكون مرسلًا، لا يلزمنا به الحجة.
* أو يكون منقطعًا، لا يقوم بمثله الحجة.
* أو يكون في الإسناد رجل مدلس، لم يبين سماعه في الخبر من الذي سمعه منه، فإنَّ المدلس ما لم يبين سماع خبره عمن كتب عنه، لا يجوز الاحتجاج بذلك الخبر؛ لأنه لا يُدْري: لعلَّه سمعه من إنسان ضعيف، يبطل الخبر بذكره إذا وُقِفَ عليه، وعُرف الخبر به، فما لم يقُل المدلس في خبره - وإن كان ثقة -: "سمعت، أو حدثني"؛ فلا يجوز الاحتجاج بخبره …
وإنما أذكر في هذا الكتاب الشيخ بعد الشيخ، وقد ضعفه بعض أئمتنا، ووثقه بعضهم، فمن صحَّ عندي منهم أنه ثقة بالدلائل النيرة التي بينتُها في كتاب "الفصل بين النقلة"؛ أدخلته في هذا الكتاب؛ لأنه يجوز الاحتجاج بخبره، ومن صحَّ عندي منهم أنه ضعيف
[ ١ / ١٤٠ ]
بالبراهين الواضحة التي ذكرتها في كتاب "الفصل بين النقلة"، لم أذكره في هذا الكتاب، لكني أدخلته في كتاب "الضعفاء بالعلل"؛ لأنَّه لا يجوز الاحتجاج بخبره.
فكل ما ذكرته في كتابي هذا إذا تعرى خبره عن الخصال الخمس التي ذكرتها؛ فهو عدلٌ يجوز الاحتجاج بخبره؛ لأنَّ العدل من لم يُعرف منه الجرح، إذ الجرح ضد التعديل، فمن لم يُعلم بجرح، فهو عدل، إذ لم يبين ضده، إذ لم يُكلف الناس من الناس معرفة ما غاب عنهم، وإنما كلفوا الحكم بالظاهر من الأشياء غير المغيب عنهم. . .". اهـ.
وقال ﵀ في مقدمة كتابه "المجروحين" (١/ ٨): "وأقل ما يثبت به خبر الخاصة حتى تقوم به الحجة على أهل العلم، هو خبر الواحد الثقة في دينه، المعروف بالصدق في حديثه، العاقل بما يُحدِّث به، العالم بما يحيل معاني الحديث من اللفظ، المتعري عن التدليس في سماع ما يروى عن الواحد مثله في الأحوال بالسن وصفتها، حتى ينتهى ذلك إلى رسول الله ﷺ سماعًا متصلًا" اهـ.
[ ١ / ١٤١ ]
* نشرع - بعون الله تعالى - بمناقشة ما سبق من كلام ابن حِبَّان ﵀:
* أولًا: كتابه "الصحيح":
قال ﵀: "وأما شرطنا في نقله ما أودعنا كتابنا هذا من السنن، فإنا لم نحتج فيه إلا بحديث اجتمع في كل شيخ من رواته خمسة أشياء. . .".
قوله: "في كل شيخ من رواته" يدخل فيه شيخه وشيخ شيخه، ومن بعده إلى أن ينتهي الإسناد.
فهؤلاء لا يحتج بحديثهم (^٢٠) إلا إذا اجتمعت فيهم شروط خمسة هي:
* ١ - العدالة في الدين بالستر الجميل:
فسَّرها ﵀ بقوله: "أن يكون أكثر أحواله طاعة الله. . . وهو من
_________________
(١) قال الحافظ ابن حجر ﵀ في "النكت" ص (١١) ط. العلمية: "لم يلتزم ابن خزيمة وابن حِبَّان في كتابيهما أن يخرجا الصحيح الذي اجتمعت فيه الشروط التي ذكرها المؤلف - أي ابن الصلاح - لأنهما ممن لا يرى التفرقة بين الصحيح والحسن، بل عندهما أنَّ الحسن قسمٌ من الصحيح لا قسيمه" اهـ. وقال أيضًا في "كشف الستر على حكم الصلاة بعد الوتر" ص (١٥): "هما ممن لا يُفرد نوع الحسن من الصحيح، بل كل ما يدخل تحت دائرة القبول عندهما يسمى صحيحًا".
[ ١ / ١٤٢ ]
كان ظاهر أحواله طاعة الله، والذي يُخالف العدل من كان أكثر أحواله معصية الله".
قال الشيخ أبو الحسن السّليمانيُّ - حفظه الله - في كتابه "إتحاف النبيل" (٢/ ١١، ١٢) السؤال رقم (٢٠١):
تنبيه: "فسَّر ابن حِبَّان العدل بأنه من كان أكثر أحواله طاعة الله، وغير العدل بأنه من كان أكثر أحواله معصية الله كما سبق في "مقدمة الإحسان" (١/ ١٥٢)، وهذا تعريفٌ غير دقيق؛ لأننا لو اشترطنا الأكثرية في الأمرين:
لزمنا أنَّ من قام بأكثر من نصف الواجبات فهو عدل، وإن ضيع الباقي، وأن من ارتكب أكثر من نصف المحرمات، فهو غير عدل، والذي عليه الكثير من أهل العلم أن من جاهر بكبيرة واحدة، وتهاون بها، رُدَّت روايته، وإن تمسك بباقي الشرائع، فالعدل الذي يتمسك بالأوامر ويترك المحرمات، وإن غلبته نفسه تاب وأناب، وأصلح من أمره ما استطاع إلى ذلك سبيلًا، والله أعلم" اهـ.
(قلتُ): كلامٌ جيدٌ، ولكن. . .؟!
قد فسَّر ابن حِبَّان ﵀ ما يريده بالأكثرية بقوله: "من كان ظاهر أحواله طاعة الله".
والجمع بين قوله: "أكثر أحواله"، وقوله: "ظاهر أحواله": أنَّ
[ ١ / ١٤٣ ]
الإنسان قد يُظهِر طاعة الله - جل وعلا - من حضور الجماعات في المساجد، وشهود الجنائز، وإخراج الزكاة. . . إلخ.
ولا يُظهر خلاف ذلك من معصية الله تعالى، ومن مخالفة رسوله ﷺ.
فيستدل من لم يعرفه على عدالته بظاهر أحواله من فعله الطاعات، واجتنابه المحرمات فيما يظهر له، ولذا قيَّدَ بالأكثرية - أي الغالب - على أحواله فيما يظهر للمعدِّل؛ لأنه لا يمكن أن يقال: إنَّ العدل لا يعصي الله تعالى، إذ قد أثبتنا العصمة له، ولا قائل بهذا.
ولذا يقول ابن حِبَّان ﵀: "لأنَّا متى ما لم نجعل العدل إلا من لم يوجد منه معصية بحال؛ أَدَّانا ذلك إلى أن ليس في الدنيا عدل، إذ الناس لا تخلو أحوالهم من ورود خلل الشيطان فيها".
ولا يقصد ابن حِبَّان أنَّ من أتي بأكثر من نصف الواجبات، وترك الباقي؛ فهو عدل.
إذ جعل العدل من كان غالب أحواله طاعة الله تعالى، وهذا حقٌّ لا مرية فيه.
وأما قوله: "والذي يُخَالِف العدل من كان أكثر أحواله معصية الله" أي من غلب على فعله معصية الله تعالى، فيستدل المعدِّل على ذلك بسقوط عدالته بما ظهر له، حتى وإن كان ذلك الراوي يأتي
[ ١ / ١٤٤ ]
بالفرائض والطاعات؛ لأنَّ فعل الكبيرة يُسقط عدالة الراوي (^٢١).
ويؤيد ذلك ما قاله في "المجروحين" (٣/ ١٠٤) ترجمة (يزيد بن ربيعة الرّحبيّ الصنعانيّ): "الجرح والعدالة ضدان، فمتى كان الرجل مجروحًا لا يخرجه عن حدِّ الجرح إلى العدالة إلا ظهور أمارات العدالة عليه، فإذا كان أكثر أحواله أمارات العدالة صار من العدول كذلك، كذا إذا كان الرجل معروفًا بالعدالة يكون جائز الشهادة، فهو كذلك حتى يظهر منه أمارات الجرح، فإذا صار أكثر أحواله أسباب الجرح خرج عن حدِّ العدالة إلى الجرح، وصار في عداد من لا تجوز شهادته، وإن كان صدوقًا فيما يقول، وتبطل أخباره الصحاح التي لم يختلط فيها. . ." اهـ.
يقول الشيخ أبو الحسن - حفظه الله -: "والذي عليه الكثير من أهل العلم أنَّ من جاهر بكبيرة واحدة، وتهاون بها، رُدَّت روايته، وإن تمسك بباقي الشرائع".
_________________
(١) قال شيخنا المحدِّث أبو الحسن مصطفى بن إسماعيل السليماني - حفظه الله تعالى -: "اعتراضي على تعريف ابن حِبَّان بأنه غير دقيق وغير منضبط، ولعلَّ في عبارته في مقدمة "صحيحه": "لأنَّا متى ما لم نجعل العدل إلا من لم يُوجد منه معصية بحال. . ."، إشارة إلى ما ذكره، ما ذكره في معنى الأكثرية، نعم، ليس هذا مراد ابن حبان جزمًا؛ فإنه يقدح في الراوي لارتكابه بعض الكبائر - لا جُلَّها - كالكذب في الحديث النبوي، وشرب الخمر وغيره، لكن عبارته غير دقيقة ولا منضبطة، والله أعلم" أبو الحسن.
[ ١ / ١٤٥ ]
(قلتُ): هذا حقٌّ، ولكن لابد أن يقيدَ بقيدٍ وهو أنَّ الرَّاوي إذا كان متأولًا لا تسقط بذلك عدالته.
فمن شرب النبيذ مثلًا على مذهب أهل الكوفة كسفيان الثوريّ، ووكيع، وابن علية"، وغيرهم من أهل الكوفة لا تسقط بذلك عدالتهم، وإن كان شربُ هذا النبيذ المسكر حرامًا.
ولذا يقول وكيع ابن الجراح لعلي بن خشرم: "إذا رأيت البصريَّ يشرب فاتهمه، وإذا رأيت الكوفي يشرب فلا تتهمه. قلت: وكيف؟ قال: إنَّ الكوفي يشربه تدينًا، والبصري يتركه تدينًا" [تاريخ بغداد (٦/ ٢٣٥ - ٢٣٦) (ج ٣٢٧٧)] (^٢٢).
* الشرط الثاني من الشروط الخمسة:
٢ - الصدق في الحديث بالشهرة فيه:
والمتأمل لكلام ابن حِبَّان ﵀ يرى أنه لم يكتف بصدق الراوي في حديثه، بل لابد أن يكون من المشهورين فيه، وهل معنى ذلك أنَّ الراوي إذا تبيَّن صدقه فيما يرويه، ولم يكن مشهورًا بالطلب أن يُرَدَّ
_________________
(١) قال شيخنا المحدِّث أبو الحسن مصطفى بن إسماعيل السليماني - حفظه الله تعالى -: "لا غُبار على قول من أطلق الكبيرة هنا كما أطلقها العلماء، والمراد الكبيرة المتفق على كونها كبيرة، وأما المختلف فيها فلا يُقدح بها إلا على تفاصيل، وكذا فالمراد فسق الشهوة لا فسق الشبهة والتأويل، فلا حاجة إذًا لهذا القيد، كما أطلق غير واحد من العلماء، والله أعلم، أبو الحسن.
[ ١ / ١٤٦ ]
حديثه؟ (^٢٣)، لا. لم يقصد ذلك ابن حِبَّان ﵀.
وإنما أراد أن يقول: إنَّ الراوي الذي لم يشتهر بطلب الحديث قد لا يعرفه النقَّاد المعتبرون، وبالتالي قد يُعدِّله من ليست صناعته الحديث (^٢٤).
وقد بيَّن ذلك ﵀ بقوله: "وقد يكون العدل الذي يشهد له جيرانه وعدول بلده به، وهو غير صادق فيما يروي من الحديث؛ لأن هذا شيء ليس يعرفه إلا من صناعته الحديث، وليس كل معدلِّ يعرف صناعة الحديث حتى يُعدِّل العدل على الحقيقة في الرواية والدين معًا" (^٢٥) اهـ.
فاتضح مراده بالشرط الثاني، وهو أن رواة الصحيح لا يُقبل تعديلهم إلا ممن صناعته الحديث (^٢٦).
_________________
(١) قال شيخنا المحدِّث أبو الحسن مصطفى بن إسماعيل السليماني - حفظه الله تعالى -: "هذا ظاهر كلام ابن حِبَّان هنا، وإن كان صنيعه ليس كذلك" أبو الحسن.
(٢) قال شيخنا المحدِّث أبو الحسن مصطفى بن إسماعيل السليماني - حفظه الله تعالى -: "لم يظهر لي من هذا الجواب كبير تحصيل، ولا شك أن الراوي الذي يُحتج به لا بد أن يكون عنده نوع شهرة بالطلب في الجملة، وإلا كان مجهولًا، لكن عبارة ابن حِبَّان تشير إلى درجة أعلى من هذه الدرجة، واشتراط بلوغ الراوي هذه الدرجة ليس صحيحًا، حتى عند ابن حِبَّان نفسه، أبو الحسن.
(٣) هو هو نفس التعليق السابق.
(٤) قال شيخنا المحدِّث أبو الحسن مصطفى بن إسماعيل السليماني - حفظه الله تعالى -: "الاعتماد على غير من لم يكن الحديث صناعته سواء في رواة الصحيح أو الحسن، =
[ ١ / ١٤٧ ]
ولا بدَّ كذلك أن يجتمع فيهم العدالة - أي الصدق - في الرواية، والعدالة في الدين معًا.
وهذا نصٌّ منه ﵀ أن شيوخه في كتابه "الصحيح" قد عرف صدقهم في روايتهم، وعدالتهم في دينهم، ولذا صحح لهم، وبالتالي فهم ثقات عنده.
وقد فهم ذلك الحافظ ابن حجر ﵀ فقال في ترجمة "أحمد بن علي بن الحسن المدائني" من "اللسان" (١١/ ٣٢٦): "قال ابن حبان في "صحيحه": أخبرنا أحمد بن الحسين بن أبي الصغير. . . فكأنه نسبه إلى جده ومقتضاه أنه عنده ثقة" اهـ.
فبيَّن الحافظ ابن حجر ﵀ أن شيوخ ابن حِبَّان الذين روى عنهم في "صحيحه" ثقات عنده (^٢٧).
وأشار إلى ذلك أيضًا في كتابه "تعجيل المنفعة" (١/ ٢٠٤) حيث قال ردًّا على الحسيني قوله في عاصم "ليس بالمشهور": "بل هو معروف ذكره البخاري، وقال: سمع عتبة بن عبد، وروى عنه أبو
_________________
(١) = أو الضعيف فما دونه، فقول غير المعتمد لا يُعتمد أصلًا، وعلى ذلك فيعاد النظر في هذا التفسير" أبو الحسن.
(٢) قال شيخنا المحدِّث أبو الحسن مصطفى بن إسماعيل السليماني - حفظه الله تعالى -: "لشيوخه ﵀ بالذات مزية في مزيد علمه بهم، وانتقائهم من بين مئات الشيوخ، هذا بالإضافة إلى دخولهم في كلامه ﵀، والله أعلم" أبو الحسن.
[ ١ / ١٤٨ ]
سلَّام، حديثه في الشاميين، ولم يذكر فيه جرحًا، وتبعه ابن أبي حاتم، وأخرج ابن حبان في "صحيحه" من طريق أبي سلَّام عنه أحاديث صرَّح فيها بالتحديث، ومقتضاه أنه عنده ثقة. . ." اهـ.
وليتنبه إلى أن ابن حِبَّان قد بيَّن مَنْ العدل الذي يحتج به في "صحيحه"، بأنه قد عرف صدق روايته، وعدالته في دينه كذلك وليس على قاعدته المعروفة الآتي ذكرها - إن شاء الله - التي ذكرها في مقدمة كتابه "الثقات": "من أنَّ العدلّ من لم يُعرف منه الجرح".
وقد سُبِقْتُ إلى هذا الفهم من ذهبي عصره الشيخ عبد الرحمن المعلمي ﵀ على ما يأتي، وكذلك من محدِّث عصره الشيخ محمد بن ناصر الدين الألباني ﵀.
فقال في "السلسلة الصحيحة" (٦/ ٣٣٠) (ح ٢٨٠٤): عن شيخ ابن حِبَّان (محمد بن أحمد بن ثوبان الطَرَسُوسِيّ): "لم أقف له على ترجمة، وعلى كل حال، فهو من شيوخ ابن حبان، وهم في الغالب من الثقات الذين عرفهم شخصيًا، وليس على قاعدته المعروفة في توثيقه للمجهولين حتى عنده هو نفسه، فإن لم يكن من أولئك الثقات، فلا أقل من أن يصلح في الشواهد والمتابعات، والله أعلم" اهـ. فلينتبه إلى ذلك، والله الموفق (^٢٨).
_________________
(١) قال شيخنا المحدِّث أبو الحسن مصطفى بن إسماعيل السليماني - حفظه الله تعالى -: "وليتنبه إلى أن بين كلام الشيخ الألباني ﵀، وبين كلامكم مفارقة يسيرة؛ فإن =
[ ١ / ١٤٩ ]
وأما عن شرطه ﵀ في كتابه "الثقات": "فقد نصَّ ﵀ على أن كل من يذكره فيه، فهو صدوق، يجوز الاحتجاج بخبره، إذا تعرى خبره عن خصال خمس. . . فذكرها.
وهنا استنباط جيد لفضيلة الشيخ أبي الحسن السليماني - حفظه الله - قال: "من تأمَّل شروط ابن حبان فيمن يحتج بخبره - كما في كتابه "الثقات" (١/ ١١ - ١٣) - بدا له وكأن ابن حبان لا يرى أن الثقة قد يروي ما يُنكر عليه؛ لأنه ذكر: أننا إذا رأينا خبرًا منكرًا، فلا ينفك من إحدى خمس خصال. . . فذكرها، ولم يذكر احتمال خطأ الثقة الذي أدخله في كتابه، مع أن ابن حبان قد صرح في غير موضع أن الثقة قد يخطئ، وأنه لا يتوقف في كل حديث الثقة من أجل أخطائه التي لا ينفك عنها البشر.
كما في معقل بن عبيد الله الجزري، قال: وكان يخطئ، لم يفحش خطؤه، فيستحق الترك، وإنما كان ذلك منه على حسب ما لا ينفك منه البشر، ولو تُرك حديث من أخطأ، من غير أن يفحش ذلك منه؛ لوجب ترك حديث كل محدث في الدنيا؛ لأنهم كانوا يخطئون، ولم يكونوا بمعصومين، بل يُحتج بخبر من يخطئ عما لم يفحش ذلك منه، فإذا فحش، حتى غلب على صوابه؛ تُرِكَ حينئذٍ، ومتى ما عُلِمَ الخطأ
_________________
(١) = كلام الشيخ في شيوخ ابن حِبَّان، وكلامكم عام في جميع رجال ابن حِبَّان في الصحيح، فتأمل" أبو الحسن.
[ ١ / ١٥٠ ]
بعينه، وأنه خالف فيه الثقات؛ تُرك ذلك الحديث بعينه، واحتُجَّ بما سواه، هذا حكم المحدثين الذين كانوا يخطئون، ولم يفحش ذلك منهم" اهـ. (٧/ ٤٩٢).
وقد ذكر نحو ذلك في مواضع كثيرة من كتابه [انظر (٦/ ٢٧٩، ٣٧٩)، (٧/ ٩٨، ٦٦٩، ٦٧٠)، (٨/ ٤٨٤)، وقد مَثَّل بحماد بن سلمة في ترك ما أخطأ فيه فقط، وقبول باقي ما رواه كما في "الإحسان" (١/ ١٥٣ - ١٥٤)] اهـ المراد منه.
(قلتُ): ثم ذكر ابن حبان أن الراوي الذي يذكره في هذا الكتاب، قد يطلع فيه على تضعيف لغيره، وكذلك يطلع على توثيق له من أئمة آخرين، ثم إذا تبيَّن له أن الراجح فيه توثيقه بالدلائل والبراهين النيرة التي أودعها في كتابه "الفصل بين النقلة" أدخله في كتابه "الثقات"، وإذا ترجح عنده الضعف بالدلائل النيرة كذلك ألحقه في كتاب "الضعفاء بالعلل" - أي المجروحين -؛ لأنه لا يجوز الاحتجاج بخبره.
وليتنبه إلى أن هذا في ما إذا وجد في الراوي الذي يذكره في "الثقات" كلامًا من قبل أهل العلم.
أما إذا تعرى عن أقوالهم، فلا يصار إلى مثل ذلك (^٢٩).
_________________
(١) قال شيخنا المحدِّث أبو الحسن مصطفى بن إسماعيل - حفظه الله تعالى -:=
[ ١ / ١٥١ ]
ثم بيَّن بعد ذلك شرطه في الرواة الذين يودعهم كتاب "الثقات" فقال: "فكل ما ذكرته في كتابي هذا إذا تعرى خبره عن الخصال الخمس التي ذكرتها؛ فهو عدل يجوز الاحتجاج بخبره".
ومن المعلوم أن الجمهور من المحدثين على أنه لا يجوز الاحتجاج بخبر راوٍ إلا إذا جمع بين العدالة والضبط - وإن خف قليلًا -، أو الصدق والضبط - وإن خف قليلًا (^٣٠) - كما هو الحال في المبتدع؛ لأنه مخروم العدالة (^٣١).
_________________
(١) = "لو عُلِّق على عبارة ابن حِبَّان السابقة بغير هذا لكان أولى، كأن يُقال: هذا الكلام يدل على عدم تقليد ابن حبان لغيره، وأنه مجتهد في هذا الفن، وأنه يرجُح بين الأقوال المختلفة حسب القواعد التي أودعها في بعض كتبه، وهذا يدل على أنه لا يدخل الراوي في "الثقات"، أو "الضعفاء"، إلا بعلم ودراسة، ولكن الشأن كل الشأن: هل وفَّى ابن حبان بذلك؟ الظاهر: أنه لم يوف بذلك، والله أعلم" أبو الحسن.
(٢) قال شيخنا المحدِّث أبو الحسن مصطفى بن إسماعيل السليماني - حفظه الله تعالى -: "ما هو المراد بهذه الجملة الإعتراضية؟ هل المراد: الصدق؟ إن كان كذلك فغير صحيح فكثير من أهل البدع أهل صدق وتدين بما تأوله، والصدق لو خف قليلًا لربما رُدَّ حديث صاحبه بالكلية، أم أن المراد الضبط - وهو أقرب مذكور -، وإذا كان كذلك: فما الفرق بينه وبين الجملة التي سبقته؟ " أبو الحسن.
(٣) قال شيخنا المحدِّث أبو الحسن مصطفى بن إسماعيل السليماني - حفظه الله تعالى -: "إطلاق أن المبتدع مخروم العدالة فيه نظر، لأن المراد في العدل السلامة من فسق الشهوة لا فسق التأويل، ولأن من المبتدعة من عُرف بالصدق، ولأن يخر من السماء أحب إليه من أن يجازف في القول على رسول الله ﷺ، وفي التفسيق والتكفير بالمخالفة في التأويل بحث وضوابط وقيود، فلا يليق الإطلاق" أبو الحسن.
[ ١ / ١٥٢ ]
والمتأمل لكلام ابن حِبَّان يرى أنه عبر عمن يجوز الاحتجاج بخبره مرة بـ (العدل)، وأخرى بـ (الصدوق)، فهما عنده بمعنى واحد، والصدوق عند متأخري المحدثين هو من جمع بين العدالة والضبط القاصر قليلًا (^٣٢).
ولكن الأمر يختلف عند ابن حِبَّان، فإنه قال: "العدل من لم يُعرف منه الجرح، إذ الجرح ضد التعديل، فمن لم يُعلم بجرح، فهو عدل، إذ لم يبين ضده، إذ لم يُكَلَّف الناس من الناس معرفة ما غاب عنهم، وإنما كلفوا الحكم بالظاهر من الأشياء غير المغيب عنهم. . .".
وقال أيضا في ترجمة "عائذ الله المجاشعي": "منكر الحديث على قلته، لا يجوز الاحتجاج به، ولا تعديله إلا بعد السبر، ولو كان ممن لا يروي المناكير ووافق الثقات في الأخبار، لكان عدلًا مقبول الرواية، إذ الناس أحوالهم على الصلاح والعدالة حتى يتبين منهم ما يوجب القدح، فحينئذ يخرج بما ظهر منه من العدالة إلى الجرح، هذا حكم المشاهير من الرواة، فأما المجاهيل الذين لم يرو عنهم إلا الضعفاء، فهم متروكون على الأحوال كلها" [المجروحين (٢/ ١٩٢ - ١٩٣) ط. الوعي، و(٢/ ١٨٥) ط. السلفي].
_________________
(١) قال شيخنا المحدِّث أبو الحسن مصطفى بن إسماعيل السليماني - حفظه الله تعالى -: "عن درجة رجال الصحيح" أبو الحسن.
[ ١ / ١٥٣ ]
ولذا نسبه غير واحد من أهل العلم إلى التساهل من أجل هذا، بل وتعجب الحافظ ابن حجر ﵀ من ذلك حيث قال: "الذي ذهب إليه ابن حبان من أن الرجل إذا انتفت جهالة عينه، كان على العدالة إلى أن يتبين جرحه مذهب عجيب، والجمهور على خلافه، وهذا هو مسلك ابن حبان في كتاب "الثقات" الذي ألَّفه، فإنه يذكر خلقًا ممن ينص عليهم أبو حاتم وغيره على أنهم مجهولون، وكأن عند ابن حبان أن جهالة العين ترتفع برواية واحد مشهور، وهو مذهب شيخه ابن خزيمة، ولكن جهالة حاله باقية عند غيره.
وقد أفصح ابن حبان بقاعدته فقال: العدل من لم يعرف فيه الجرح؛ إذ التجريح ضد التعديل، فمن لم يجرح فهو عدل حتى يتبيَّن جرحه، إذا لم يكلف الناس ما غاب عنهم.
وقال في ضابط الحديث الذي يحتج به: إذا تعري راويه من أن يكون مجروحًا، أو فوقه مجروح، أو دونه مجروح، أو كان سنده مرسلًا، أو منقطعًا، أو كان المتن منكرًا، هكذا نقله الحافظ شمس الدين بن عبد الهادي في "الصارم المنكي" من تصنيفه، وقد تصرف في عبارة ابن حبان، لكنه أتي بمقصده" اهـ. [خطبة لسان الميزان (١/ ٩٣، ٩٤) ط. دار المؤيد].
قال الشيخ الألباني ﵀ معلِّقًا على كلام الحافظ ابن حجر ﵀: "ومن عجيب أمر ابن حبان أنه يورد في الكتاب المذكور - أي
[ ١ / ١٥٤ ]
"الثقات" - بناء على هذه القاعدة المرجوحة جماعة يصرِّح في ترجمتهم بأنه: "لا يعرفهم ولا آباءهم"!!.
فقال في الطبقة الثالثة: "سهل، يروي عن شداد بن الهاد، روى عنه أبو يعفور، ولست أعرفه، ولا أدري من أبوه".
ومن شاء الزيادة في الأمثلة، فليراجع "الصارم المنكي" (ص ٩٢ - ٩٣). وقد قال - بعد أن ساقها -: "وقد ذكر ابن حبان في هذا الكتاب خلقًا كثيرًا من هذا النمط، وطريقته فيه أنه يَذْكُر من لم يعرفه بجرح وإن كان مجهولًا لم يُعرف حاله، وينبغي أن يتنبه لهذا ويعرف أن توثيق ابن حِبَّان للرجل بمجرد ذكره في هذا الكتاب من أدنى درجات التوثيق".
ولهذا نجد المحققين من المحدِّثين كالذهبي والعسقلاني وغيرهما لا يوثقون من تفرد بتوثيقه ابن حبان. . .
ومما ينبغي التنبه له: أن قول ابن عبد الهادي: "وإن كان مجهولًا لم يعرف حاله" ليس دقيقًا؛ لأنه يُعطى بمفهوم المخالفة أن طريقة ابن حبان في "ثقاته" أن لا يذكر فيه من كان مجهول العين! وليس كذلك، بدليل قوله المتقدم في (سهل): "لست أعرفه، ولا أدري من أبوه".
وكذلك قول الحافظ: "برواية واحد مشهور" يوهم أن ابن حبان لا يوثق إلا من روى عنه واحد مشهور؛ لأنه إن كان يعني مشهورًا
[ ١ / ١٥٥ ]
بالثقة كما هو الظاهر؛ فهو مخالف للواقع في كثير من ثقاته، وإن كان يعني غير ذلك، فهو مما لا قيمة له؛ لأنه إما ضعيف أو مجهول، ولكل منهما رواة في كتاب "الثقات"، وإليك بعض الأمثلة من طبقة التابعين عنده. . .".
١ - إبراهيم بن عبد الرحمن العذري:
قال في (٤/ ١٠): "يروي المراسيل، روى عنه معان بن رفاعة".
ثم ذكر له بإسناده عنه مرسلًا: "يرث هذا العلم من كل خلف عدوله. . ." الحديث.
قلت: ومعان هذا قال الحافظ نفسه فيه: "ليِّن الحديث".
وقال الذهبي: "ليس بعمدة ولا سيما أتي بواحد لا يدري من هو".
يعني: إبراهيم هذا، فهو مجهول العين، وأشار ابن حبان إلى هذا، فقال في ترجمة معان من "الضعفاء" (٣/ ٣٦): "منكر الحديث يروي مراسيل كثيرة، ويحدث عن أقوام مجاهيل لا يشبه حديثه حديث الأثبات".
٢ - إبراهيم بن إسماعيل:
قال في (٤/ ١٤ - ١٥): "يروي عن أبي هريرة، روى عنه الحجاج
[ ١ / ١٥٦ ]
ابن يسار".
قلت: الحجاج هذا - ويقال فيه: ابن عبيد - قال الحافظ فيه: "مجهول".
وكذا قال قبله أبو حاتم وغيره كما في "الميزان" للذهبي وبيَّن وجه ذلك فقال: "روى عنه ليث بن أبي سليم وحده"، وليث هذا ضعيف مختلط كما هو معروف حتى عند ابن حبان (٢/ ٢٣١).
٣ - إبراهيم الأنصاري:
قال ابن حبان (٤/ ١٥): "يروي عن مسلمة بن مخلد. . . روى عنه ابنه إسماعيل بن إبراهيم".
قلت: وإسماعيل هذا مجهول كما قال الحافظ ومن قبله أبو حاتم. اهـ.
فتبيَّن من هذا التحقيق أن ابن حبان ترتفع جهالة العين عنده برواية واحد، ولو كان ضعيفًا أو مجهولًا خلافًا لظاهر كلام الحافظ المتقدم، وإن كان لم يجزم به، فإنه قال: "وكأن عند ابن حبان. . ."، وقد أخذ هذا من قول ابن حبان الذي نقله عنه آنفًا: هذا حكم المشاهير من الرواة، فأما المجاهيل. . ." إلخ فهو منقوض بالمثال الثاني كما هو ظاهر.
[ ١ / ١٥٧ ]
وبالجملة؛ فالجهالة العينية وحدها ليست جرحًا عند ابن حبان، وقد ازددت يقينًا بذلك بعد أن درست تراجم كتابه "الضعفاء"، وقد بلغ عددهم قرابة ألف وأربعمائة راوٍ، فلم أرَ من طعن فيه بالجهالة، اللهم إلا أربعة منهم، لكنه طعن فيهم بروايتهم المناكير وليس بالجهالة. . .".
ثم ذكر الشيخ ﵀ عدة أمثلة، ثم قال: "والخلاصة أن توثيق ابن حبان يجب أن يُتلقى بكثير من التحفظ والحذر؛ لمخالفته العلماء في توثيقه للمجهولين.
لكن ليس ذلك على إطلاقه كما بيَّنه العلَّامة المعلِّمي في "التنكيل" (١/ ٤٧٣ - ٤٣٨) مع تعليقي.
وراجع لهذا البحث ردي على الشيخ الحبشي؛ فإنه كثير الاعتماد على من وثَّقه ابن حبان من المجهولين (ص ١٨ - ٢١). [تمام المنة (ص ٢ - ٢٥)].
(قلتُ): لكن هناك من الباحثين من برر صنيع ابن حبان ﵀، وأن ما ذهب إليه له وجهه وله ما يبرره (^٣٣).
_________________
(١) قال شيخنا المحدِّث أبو الحسن مصطفى بن إسماعيل السليماني - حفظه الله تعالى -: "ولم يبرر المؤلف موقفه من هذا الأمر، مع أنه من الأهمية بمكان، وعندي: أنَّ في هذا المذهب نظرًا" أبو الحسن.
[ ١ / ١٥٨ ]
قال الشيخ محمد عُمر بازمول في كتابه "الإضافة" (ص ١٨٨ - ١٩٠):
لكن هذا الذي ذهب إليه ابن حبان ﵀ له وجهه، وله ما يبرره: أما وجهه:
فهو ما أشار إليه ﵀ في كلامه وخلاصته:
* أن الأصل في الحكم على الناس هو الظاهر (^٣٤).
* أن الناس لم يكلفوا علم المغيب عنهم (^٣٥).
* أن الأصل في المسلمين العدالة (^٣٦).
_________________
(١) قال شيخنا المحدِّث أبو الحسن مصطفى بن إسماعيل السليماني - حفظه الله تعالى -: "نعم، هذا هو الأصل، ولم يخرج عنه مخالفوا ابن حِبَّان؛ إذ إن الراوي إذا لم يظهر فيه جرح ولا تعديل، فليس ظاهره أنه عدل فالوقوف أحوط من الحكم بالعدالة لمجرد عدم العلم بالجرح!! فأي الفريقين أسعد بالتمسك بأن الأصل الحكم بالظاهر؟! " أبو الحسن.
(٢) قال شيخنا المحدِّث أبو الحسن مصطفى بن إسماعيل السليماني - حفظه الله تعالى -: "نعم، لكن من حكم بالعدالة مع عدم العلم بها، تكلف علْم ما غاب عنه، ومن [وقف] لم يتكلف"، أبو الحسن.
(٣) قال شيخنا المحدِّث أبو الحسن مصطفى بن إسماعيل السليماني - حفظه الله تعالى -: "وهو كذلك، لكن أي عدالة، إن كان المراد: أن الرجل لا يُحكم عليه بفسق أو معصية لعدم العلم بذلك منه، ومن ثمَّ عدم المعاملة معه معاملة الفاسقين، فهو كذلك، ولم يقع في شيء من ذلك مخالفو ابن حبان، وإن كان المراد العدالة في =
[ ١ / ١٥٩ ]
* أن المطلوب العلم بعدم الجرح (^٣٧)، فمن لم يُعْلَم بجرح فهو عَدْل.
أما ما يبرره فهو ما يلي:
* أن رواة الحديث فيهم من تقادم العهد بهم وتعذرت الخبرة الباطنة بهم، فإهدار مروياتهم لمجرد عدم معرفة باطنهم ليس من الحيطة لسنة رسول الله ﷺ في شيء (^٣٨)!! خاصة إذا تذكرنا أن ابن
_________________
(١) = الرواية، التي تتضمن العدالة في الدين، والضبط للمروي، فمن أين وصل إليها ابن حبان بمجرد عدم العلم بالجارح؟! والأئمة يفصِّلون: فمن كان من الرواة كثير الرواية، مشهورًا بالطلب، ولم يُجرَّح عدَّلوه في الرواية، لأنه لو كان عنده ما يجرَّح به لصاح به النقَّاد، فلما لم يفعلوا مع شهرة الراوي دلَّ على سلامته من ذلك، لأن الدواعي متوافرة لبيان ذلك. وأما من كان قليل الرواية، أو غير معروف العين، فإنهم يحكمون عليه بالجهالة، ويقفون في الحكم عليه بالعدالة الحديثية، وهي عدالة خاصة، ولا يلزم من ثبوت العام ثبوت الخاص، كما لا يخفى" أبو الحسن.
(٢) قال شيخنا المحدِّث أبو الحسن مصطفى بن إسماعيل السليماني - حفظه الله تعالى -: "لا نسلِّم بإطلاق أن المطلوب العلم بعد الجرح فقط، بل من جملة المطلوب في هذا المقام العلم بضبطه للرواية، ولا يتأتى ذلك بالنظر في رواية مقل أو مجهول، فتوثيقه - والحالة هذه - لعدم العلم بالجرح لا يخلو من تساهل، والله أعلم" أبو الحسن.
(٣) قال شيخنا المحدِّث أبو الحسن مصطفى بن إسماعيل السليماني - حفظه الله تعالى -: "للأئمة طرق في معرفة حال الراوي منها سبر الروايات ومقارنتها بحديث الثقات، وهذا الباب لم يغلق أما الأئمة في هذا الشأن، فلا يضر الراوي تقادم العهد به لأن حديثه موجود، ويمكن سبره والحكم عليه مدحًا أو قدحًا على ضوء ذلك، فإن كان مكثرًا فليس من الحيطة رميه بالجهاله لمجرد تقادم العهد به، وإن كان مقلًّا فليس من =
[ ١ / ١٦٠ ]
حبان لم يستلزم من إدخاله الراوي في "الثقات" قبول خبره مطلقًا، بل قيد ذلك بشروط وأوصاف لابد من توافرها في الراوي والمروي (^٣٩).
_________________
(١) = الحيطة توثيقه لمجرد عدم العلم بالجرح!!. ثم إننا لو أخذنا بمذهب ابن حبان هذا لانتفت رتبته الجهالة من سُلَّم الجرح والتعديل، ولقد رأينا اعتماد هذه الدرجة والأكثار من الإعلال بها عند من هم أعلم وأقعد في هذا الفن من ابن حبان - رحم الله الجميع -. ثم لو سلمنا بتعذر الخبرة بحال الراوي لتقادم العهد به، هل تكون الحيطة في توثيقه، أم في الوقوف لتعذر الخبرة به؟!! " أبو الحسن.
(٢) قال شيخنا المحدِّث أبو الحسن مصطفى بن إسماعيل السليماني - حفظه الله تعالى -: "هذه القيود في تصحيح الرواية لا تفيدنا شيئًا في موضع البحث الذي نحن بصدده، ولا تقوِّي مذهب ابن حبان، لأن هذه القيود وزيادة عليها يشترطها الأئمة في تصحيح رواية الثقة الثبت المنصوص على تزكيته أيضًا. ومخالفو ابن حبان يرون هذه القيود لازمة في تصحيح الرواية - مع النظر في هذه القيود وغيرها في موضعه - ومع ذلك لم يحكموا على المجهول بالعدالة في الرواية لمجرد هذه القيود، أو لم يتساهلوا ويمشوا حديث الراوي المجهول بحجة أن هناك قيودًا أخرى في تصحيح الرواية!!. لأن تصحيح مذهب ابن حبان في تعديل من لم يُعلم جرحه لا يخلو من تساهل لما سبق، وبتمرير هذا التساهل نكون قد مشَّينَا من يجب الوقوف عنده - احتياطًا - فكيف إذا كان هذا التساهل سينتقل إلى بعض القيود الأخرى؟ فإن ابن حبان اشترط أن يكون فوقه ثقة ودونه ثقة، وهنا وقفة: نحن لم نسلِّم بتوثيق ابن حبان لبعض الثقات عنده، وهم الذين لم يعلم فيهم جرحًا، فمن يضمن لنا أن يكون هذا الثقة الذي فوق المترجم، وذاك الثقة الذي دونه ليسا ممن وثقهم ابن حبان لعدم العلم بالجرح؟ ومردود هذا محتمل، وبهذا ينتقل البحث والاعتراض إلى طبقتين أخرتين مما يزيد المشكلة تعقيدًا، فلم تكن القيود مقوية المذهب ابن حِبَّان بل صارت سببًا في ضعفه أيضًا!!. مع أنني لا أسلِّم بمذهبه ولو كان من فوق الراوي ودونه ثقة بالمعنى المقبول، والله =
[ ١ / ١٦١ ]
والحيطة لسنة الرسول ﷺ كما تستلزم أن لا ينسب إلى الرسول ﷺ غاية ما لم يقله كذا تستلزم أن لا يخرج من سنة الرسول ﷺ ما هو منها.
فالحيطة في جانب الجمع لأفراد أحاديث المصطفى ﷺ، فلا يخرج منها شيء ولا يفوت، وفي جانب المنع من أن يدخل فيها ما ليس منها، أما أن يقتصر على جانب دون جانب؛ فهذا ليس بشيء!! (^٤٠).
* أن من الأئمة من صنع شبيهًا بصنيعه حينما أورد في كتابه "الثقات" من لم يعرف فيه جرحًا، وروى عنه ثقة، وإن كان لا يعرفه ولا يعرف أباه (^٤١).
_________________
(١) = أعلم" أبو الحسن.
(٢) قال شيخنا المحدث أبو الحسن مصطفى بن إسماعيل السليماني - حفظه الله تعالى -: "وهذا حق، لكن لا يخفى أن الرَّد أو القبول راجعان إلى قوة الاحتمالات وضعفها، فمن كان مشهورًا بالطلب والرحلة ولم يُعْلم جرحه فالاحتياط في حقه قبول ما روى لا إهداره، لأنه لو كان عنده ما يقدح فيه من أجله لنزكوه بالسهام، والدواعي متوافرة لرميه بذلك، فلم سكت عنه الأئمة طبقة تلو أخرى، مع نقلهم رحلته، وكثرة شيوخه وتلامذته ورواياته، فليس من الإنصاف رد روايته لعدم العلم بتزكيته، بل تزكية هذا بالسكوت عنه مع مدحه بالرحلة والعناية بالطلب أولى من تزكية راوٍ يُحتمل أن من زكَّاه أخطأ فيه، أول لم يتبحر مروياته. وأما المقل الذي لا يعرف ولا يعرف أبوه، فهل من الاحتياط للسنة قبول روايته؟ أم أن الاحتياط التوقف، لا القبول ولا الرد؟ فلا بد من الرجوع إلى القرائن التي تقوي أحد الاحتمالين، وهذا صنيع مخالفي ابن حبان، والله تعالى أعلم" أبو الحسن.
(٣) قال شيخنا المحدِّث أبو الحسن مصطفى بن إسماعيل السليماني - حفظه الله =
[ ١ / ١٦٢ ]
قال العلَّامة المعلمي ﵀: "ينبغي أن يبحث عن معرفة الجارح أو المعدل بمن جرحه أو عَدَّله؛ فإن أئمة الحديث لا يقتصرون على الكلام فيمن طالت مجالستهم له وتمكنت معرفتهم به، بل قد يتكلم أحدهم فيمن لقيه مرة واحدة وسمع منه مجلسًا واحدًا، أو حديثًا واحدًا، وفيمن عاصره ولم يلقه، ولكنه بلغه شيء من حديثه، وفيمن كان قبله بمدة قد تبلغ مئات السنين إذا بلغه شيء من حديثه، ومنهم من يجاوز ذلك؛ فابن حبان قد يذكر في "الثقات" من يجد البخاري سماه في "التاريخ" من القدماء، وإن لم يعرف ما روي، وعمن روى، ومن روى عنه، ولكن ابن حبان يشدد وربما تعنت فيمن وجد في روايته ما استنكره، وإن كان الرجل معروفًا مُكثرًا.
والعجلي قريب منه في توثيق المجاهيل من القدماء، وكذلك ابن سعد، وابن معين، والنسائي … وآخرون غيرهما يوثقون من كان من التابعين أو أتباعهم إذا وجدوا رواية أحدهم مستقيمة؛ بأن يكون له فيما يروي متابع أو شاهد، وإن لم يرو عنه إلا واحد، ولم يبلغهم عنه إلا حديث واحد" (^٤٢).
_________________
(١) = تعالى -: "يجاب بهذا على من خص ابن حبان بالتساهل في هذا الموضع، أما من يعد هذا المذهب متساهلًا وإن قال به غير واحد، فلا يجاب عليه بذلك، وجهود الأئمة النقاد، فحول هذا الشأن على التفصيل السابق، والله أعلم" أبو الحسن.
(٢) قال شيخنا المحدث أبو الحسن مصطفى بن إسماعيل السليماني - حفظه الله تعالى -: "ومع ذلك فهم مقلون في ذلك بخلاف ابن حبان فقد توسع في هذا" أبو الحسن.
[ ١ / ١٦٣ ]
ثم قال ﵀: "ومن الأئمة من لا يوثق من تقدمه حتى يطلع على عدة أحاديث له تكون مستقيمة وتكثر حتى يغلب على ظنه أن الاستقامة كانت مَلَكَة لذاك الراوي، وهذا كله يدل على أن اعتمادهم في التوثيق والجرح إنما هو على سبر حديث الراوي (^٤٣).
وقد صرَّح ابن حبان بأن المسلمين على الصلاح والعدالة حتى يتبين منهم ما يوجب القدح، نصَّ على ذلك في "الثقات"، وذكره ابن حجر في "لسان الميزان" (ج ١ س ١٤) واستغربه.
ولو تدبر لوجد كثيرًا من الأئمة يبنون عليه، فإذا تتبع أحدهم أحاديث الراوي فوجدها مستقيمة تدل على صدق وضبط ولم يبلغه ما يوجب طعنًا في دينه؛ وثَّقه، وربما تجاوز بعضهم هذا كما سلف، وربما يبني بعضهم على هذا حتى في أهل عصره" (^٤٤) اهـ.
_________________
(١) قال شيخنا المحدِّث أبو الحسن مصطفى بن إسماعيل السليماني - حفظه الله تعالى -: "وهذا هو الأحوط والأسلم، والله أعلم" أبو الحسن.
(٢) قال شيخنا المحدِّث أبو الحسن مصطفى بن إسماعيل السليماني - حفظه الله تعالى -: "ولا يلزم من كلام صنيع المعلمي هذا أن صنيع هؤلاء الأئمة هو صنيع ابن حبان حذو القذة بالقذة، فإن كلامه صريح في تتبع أحاديث الراوي بما يدل على صدقه وضبطه، ولم يبلغه عنه جرح في دينه وثّقه، وهذا يؤيد ما ذهب إليه مخالفوا ابن حبان، أما ابن حبان فلو لم يكن للراوي إلا رواية واحدة ولم يعلم فيه جرحًا وثقه، وبين هذا الصنيع والصنيع السابق فرق، فتأمل، مع ما في بداية تعليق المعلمي على استغراب الحافظ من إيهام، والله أعلم" أبو الحسن.
[ ١ / ١٦٤ ]
قلت: وهذا الذي ذكره العلَّامة المعلمي ﵀ من مسلك أئمة الحديث، ذكره وأشار إليه ابن الصلاح ﵀؛ فإنه لما ذكر المجهول الذي جهلت عدالته الباطنة وهو عدل في الظاهر وهو المستور، ونقل احتجاج بعض الشافعية بروايته، وأن الإمام سُليمًا الرازي قطع بذلك قال ابن الصلاح: "ويشبه أن يكون العمل على هذا الرأي في كثير من كتب الحديث المشهورة في غير واحد من الرواة الذين تقادم العهد بهم، وتعذرت الخبرة الباطنة بهم، والله أعلم" (^٤٥) اهـ.
ونقل الذهبي ﵀ هذا عن الجمهور فقال: "الجمهور على أن من كان من المشايخ قد روى عنه جماعة. ولم يأت بما يُنكر عليه أن حديثه صحيح" (^٤٦) اهـ.
* ومما يبرر ما جرى عليه ابن حبان له ﵀: استقلاله في أحكامه على الرواية؛ وذلك أنه [عندما] يريد الحكم على راوٍ من الرواة فإما أن يجد لغيره كلامًا فيه وإما أن لا يجد.
وهو في الحالين: إما أن يقف على روايات للراوي تساعده في
_________________
(١) قال شيخنا المحدِّث أبو الحسن مصطفى بن إسماعيل السليماني - حفظه الله تعالى -: "ويُحمل هذا على التفصيل بين المكثر والمقل، كما سبق، وإلا فابن الصلاح نفسه ممن لا يحتج بالمجهول الذي لم يُعلم فيه جرح، والله أعلم" أبو الحسن.
(٢) قال شيخنا المحدِّث أبو الحسن مصطفى بن إسماعيل السليماني - حفظه الله تعالى -: "وهذا أيضًا يحمل على التفصيل السابق، والذهبي نفسه ممن يرد رواية المجهول، ومعلوم أنَّ المجهول لم يُجَرَّح" أبو الحسن.
[ ١ / ١٦٥ ]
معرفة ضبطه وإتقانه. وإما أن لا يقف على ما يساعده في ذلك.
ولا شك أنه [عندما] يحكم على الراوي باعتبار ما وقف عليه من حديثه، سيستفيد من كلام مَنْ سبقه في الراوي ويسترشد به، كما تراه في كتابه "الثقات"، و"المجروحين" فإنه ينقل كثيرًا عمن سبقه من أئمة الجرح والتعديل كلامهم في الرواة.
فإذا لم يجد كلامًا للأئمة في الراوي فإنه يُسهِّل عليه الحكم على الراوي وقوفه على جملة من حديثه تمكنه من الحكم عليه.
أما إذا لم يجد كلامًا للأئمة في الراوي، ولم يقف على مرويات للراوي تمكنه من الحكم عليه بوضوح، إنما غاية ما وقف عليه رواية أو اثنتين أو ثلاثا، روى عن الراوي فيها ثقة؛ فإنه في هذه الحالة يورده في "الثقات"، ولا يقبل حديثه إلا بالشروط التي قررها في الراوي والمروي (^٤٧).
_________________
(١) قال شيخنا المحدِّث أبو الحسن مصطفى بن إسماعيل السليماني - حفظه الله تعالى -: "وليس فيما ذُكر تلازم بينه وبين صحة مذهب ابن حبان كما لا يخفي!!. فأي تلازم بين كون ابن حبان يستقل بنفسه في الحكم على الراوي، سواء وقف على كلام لغيره أم لا، وبين تصحيح مذهبه في توثيق من لم يُعلم جرحه ولم يكن عنده إلا رواية واحدة، أو كان مقلًّا في الرواية؟!. لا تلازم أصلًا، ولو كان هذا الدليل مقبولًا لما حكمنا على إمام بتساهل أو تعنت لمجرد استقلاله بالحكم على الراوي، ونقده لكلام غيره - إن وجد - ونقده لمرويات الراوي!! ولا قائلٌ بهذا" أبو الحسن.
[ ١ / ١٦٦ ]
وهذا التصرف منه لا يصح أن ينسب فيه إلى التساهل؛ لأنه جرى فيه على قاعدته التي أبانها (^٤٨) وخلاصتها:
* أن مفهوم الثقة عنده في كتابه "الثقات" يشمل من هو: ثقة بنفسه، أو ثقة بغيره (^٤٩).
* أنه يدخل في كتابه من لم يُعرف بجرح، وإن لم يعرف عينه، ما دام الراوي عنه ثقة (^٥٠).
_________________
(١) قال شيخنا المحدِّث أبو الحسن مصطفى بن إسماعيل السليماني - حفظه الله تعالى -: "لا تلازم بين هذا وذاك!! والقاعدة إذا كانت قائمة على شروط فيها تساهل، فهي قاعدة متساهلة، والآخذ بها متساهل في هذا الموضع. وهل كل من جرى على قاعدته فهو في حرز من الحكم عليه بالتساهل أو التعنت؟!! " أبو الحسن.
(٢) قال شيخنا المحدِّث أبو الحسن مصطفى بن إسماعيل السليماني - حفظه الله تعالى -: "ما المراد بكلمة: أو ثقة بغيره؟ إن كان المراد ما سبق من كلام على قيود ابن حبان في تصحيح الرواية فقد سبق ما فيه، وإن كان غير ذلك فلم يظهر لي في هذا المقام!! " أبو الحسن.
(٣) قال شيخنا المحدِّث أبو الحسن مصطفى بن إسماعيل السليماني - حفظه الله تعالى -: "الثقة هنا بمراد ابن حبان، ونحن منازعون في بعض من يوثقهم، فمن يضمن لنا أن هذا الثقة الآخر ليس من هذا الصنف؟!. وهل من الصواب: أننا إذا نازعنا في العمل بقاعدة في موضع أن يقال: لا محظور في هذا لأن لنا شروطًا أخرى تجعل المرء في طمأنينة من الخطر، ومنها استعمال موضع النزاع مرة، أو مرات أخرى؟! " أبو الحسن.
[ ١ / ١٦٧ ]
* أن ذلك لا يعني الاحتجاج المطلق بخبره، إلا إذا توفرت الشروط التي ذكرها في الراوي والمروي (^٥١).
فكل ما في الأمر أن على الباحث أن يراعي هذه القاعدة، وحينما يريد أن يعتمد على توثيق ابن حبان ﵀ عليه أن ينظر: كيف أورده ابن حبان؟ هل أورده في كتابه "الثقات" دون جرح أو تعديل؟ أو أورده مع التنصيص على أنه لا يعرفه، أو لا يعرف أباه؟ أو أورده مع عبارة تشعر بمعرفته لضبطه لوقوفه على مروياته وحديثه؟ ونحو ذلك (^٥٢).
وبناءً على ما سبق؛ لا يقال: إنَّ توثيق ابن حبان للرجل من أدنى درجات التوثيق، أو إنه من المتساهلين، بل الأمر على خلاف ذلك (^٥٣)، اهـ المراد منه.
* وهناك تقسيم لبعض أهل العلم لتوثيق ابن حبَّان:
* قال الشيخ عبد الرحمن المعلمي ﵀:
_________________
(١) قال شيخنا المحدِّث أبو الحسن مصطفى بن إسماعيل السليماني - حفظه الله تعالى -: "سبق ما فيه بما يغني عن إعادته!! " أبو الحسن.
(٢) قال شيخنا المحدِّث أبو الحسن مصطفى بن إسماعيل السليماني - حفظه الله تعالى -: "نعم لا بد من معرفة كيفية توثيق ابن حبان، لأن توثيقه على مراتب، لكن لا يلزم من ذلك "تبرير" أو توجيه صنيعه في موضع النزاع. فتأمل" أبو الحسن.
(٣) قال شيخنا أبو الحسن مصطفى بن إسماعيل السليماني - حفظه الله تعالى -: =
[ ١ / ١٦٨ ]
"والتحقيق أن توثيق ابن حبان على درجات:
الأولى: أن يصرح به، كأن يقول: "كان متقنًا"، أو "مستقيم الحديث"، أو نحو ذلك.
الثانية: أن يكون الرجل من شيوخه الذين جالسهم وخَبَرهم.
الثالثة: أن يكون من المعروفين بكثرة الحديث، بحيث يُعلم أن ابن حبان وقف له على أحاديث كثيرة.
الرابعة: أن يظهر من سياق كلامه أنه قد عرف ذلك الرجل معرفة جيدة.
الخامسة: ما دون ذلك.
قال: فالأولى: لا تقل عن توثيق غيره من الأئمة، بل لعلها أثبت من توثيق كثير منهم، والثانية قريب منها، والثالثة مقبول، والرابعة صالحة، والخامسة: لا يؤمن فيها الخلل، والله أعلم.
قال الشيخ الألباني ﵀ مُعلِّقًا على ذلك الكلام في "حاشية التنكيل": "قلت: هذا تفصيل دقيق، يدل على معرفة المؤلف ﵀، وتمكنه من علم الجرح والتعديل، وهو مما لم أره لغيره، فجزاه الله
_________________
(١) = "نعم لا يُطْلق ذلك، لكن توثيقه لمن لا يعرفه مع قلة روايته لا يخلو من تساهل، وهو مردود، لا مجرد أنه من أدنى درجات التوثيق، والله تعالى أعلم" أبو الحسن.
[ ١ / ١٦٩ ]
خيرًا، غير أنه قد ثبت لدى بالممارسة:
أن من كان منهم من الدرجة الخامسة، فهو على الغالب مجهول لا يُعرف، ويشهد بذلك صنيع الحفاظ، كالذهبي، والعسقلاني، وغيرهما من المحققين، فإنهم نادرًا ما يعتمدون على توثيق ابن حبان وحده ممن كان في هذه الدرجة، بل والتي قبلها - أحيانًا - … اهـ.
ففي كلام المعلمي ﵀ قبول توثيقه لشيوخه، وهذا محمول على ما إذا لم يعارضه غيره اهـ.
وقال ﵀ في كتابه "تمام المنة" (ص ٢٥): "وإن مما يجب التنبيه عليه أيضًا؛ أنه ينبغي أن يضم إلى ما ذكره المعلمي أمر آخر هام، عرفته بالممارسة هذا العلم، قلَّ من نبَّه عليه، وغفل عنه جماهير الطلاب، وهو أن من وثقه ابن حبان، وقد روى عنه جمع من الثقات، ولم يأت بما ينكر عليه؛ فهو صدوق يحتج به.
وبناء على ذلك قويت بعض الأحاديث التي من هذا القبيل، كحديث العجن في الصلاة، فتوهم بعض الناشئين في هذا العلم أنني ناقضت نفسي، وجاريت ابن حبان في شذوذه، وضعَّف هو حديث العجن، وسيأتي الرد عليه مفصلًا إن شاء الله، مع ذكر عشرة أمثلة من الرواة الذين وثقهم ابن حبان فقط، وتبعه الحافظان الذهبي والعسقلاني، فاطلب ذلك في بحث" كيفية الرفع من السجود"
[ ١ / ١٧٠ ]
(ص ١٩٧ - ٢٠٧) اهـ.
وقال أيضًا ﵀ في "السلسلة الصحيحة" (٦/ ٦٧١): "إن رد تفرد ابن حبان بتوثيق راوٍ ما، لا يعني أنه رد مقبول، خلافًا لما يظنه أخونا هذا وغيره من الناشئين، وإنما ذلك إذا وثق مجهولًا عند غيره، أو أنه لم يرو عنه إلا واحد أو اثنان، ففي هذه الحالة يتوقف عن قبول توثيقه، وإلا فهو كثير من الأحيان يوثق شيوخًا له يعرفهم مباشرة، أو شيخًا من شيوخهم، فهو في هذا الحالة أو التي قبلها إنما يوثق على معرفة منه به، أو بواسطة شيوخه كما هو الظاهر".
قال الشيخ محمد بن عُمر بازمول - معلقًا على كلام الشيخ عبد الرحمن المعلمي ﵀: "هذا من نفائسه - جزاه الله خيرًا - وأزيد بسطًا، فأقول: الراوي إذا وثَّقه ابن حبان:
* إما أن يكون لغير ابن حبان كلام فيه.
* وإما أن لا يكون لغير ابن حبان كلام فيه (ينفرد ابن حبان بتوثيقه).
فإذا كان لغير ابن حبان كلام في الراوي، فإما أن يوافق كلامه كلام ابن حبان، وإما أن يخالفه.
فإن خالف كلام ابن حبان في الراوي كلام غيره من الأئمة، فإن كلام ابن حبان يعامل مع كلام غيره على حسب القواعد المقررة في
[ ١ / ١٧١ ]
المصطلح والجرح والتعديل؛ من تقديم الجرح المفسر على التعديل، وعدم اعتماد الجرح المجمل في حق من ثبتت عدالته، أو ذكر المعدِّل سبب الجرح ورده بحجة، أو حكم بجرحه في حال، وعدالته في حال، ونحو هذه القواعد المعروفة.
[*] أما إذا انفرد ابن حبان بتوثيق الراوي، فهذا لا يخرج عن الأحوال التالية:
* أن يكون الراوي من شيوخ ابن حبان، أو من معاصريه.
* أن لا يكون الراوي معاصرًا لابن حبان.
[*] ففي الحال الأولى يعتد بتوثيق ابن حبان، خاصة إذا كان للراوي حديث كثير، ودلَّ كلام ابن حبان على معرفة به.
[*] وفي الحال الثانية: إذا كان الراوي غير معاصر لابن حبان ﵀ فهو لا يخرج عن الأحوال التالية:
١ - أن يذكره في كتاب "الثقات" مع النص على عدالته وتوثيقه.
٢ - أن يذكره فيه مع النص على أنه لا يقبل إلا فيما وافق عليه الثقات (^٥٤).
_________________
(١) قال شيخنا المحدِّث أبو الحسن مصطفى بن إسماعيل السليماني - حفظه الله تعالى -: "هذا يدل على أنه يخالف الثقات أيضًا، أنه لا يُقبل إلا إذا توبع، وهذه درجة من يحتج به في الشواهد، لا درجة الحديث الحسن" أبو الحسن.
[ ١ / ١٧٢ ]
٣ - أن يذكره فيه مع جرحه (^٥٥).
٤ - أن يذكره فيه دون نص على حاله (^٥٦).
٥ - أن يذكره في كتاب "الثقات" مع جرحه ويعيد ذكره في "المجروحين" (^٥٧).
٦ - أنه يذكره في "الثقات" مع تصريحه بأنه يستخير الله في إيراده فيه.
٧ - أن يذكره مع تصريحه بأنه لا يعرفه ولا يعرف أباه (^٥٨).
[*] ففي الحال الأولى توثيقه لا ينزل عن الدرجة الثالثة من
_________________
(١) قال شيخنا المحدِّث أبو الحسن مصطفى بن إسماعيل السليماني - حفظه الله تعالى -: "يُنظر إلى نوع الجرح، ويحكم عليه بما يليق به، مع مراعاة كلام الآخرين، فإن لم يكن إلا قوله: يُغْرب، أو يُخطيء، أو يخالف مثلًا مع إدخاله الرجل في "الثقات" فحديثه يستشهد به، وهو دون الحسن" أبو الحسن.
(٢) قال شيخنا المحدِّث أبو الحسن مصطفى بن إسماعيل السليماني - حفظه الله تعالى -: "يُنظر كلام غيره ويُحكم عليه بما يستحق، فإن ظهر أنه مقل ففيه ما سبق بيانه، ولا يحتج به" أبو الحسن.
(٣) قال شيخنا المحدِّث أبو الحسن مصطفى بن إسماعيل السليماني - حفظه الله تعالى -: "يُنظر نوع جرحه ويحكم عليه بما يستحق تركًا أو استشهادًا" أبو الحسن.
(٤) قال شيخنا المحدِّث أبو الحسن مصطفى بن إسماعيل السليماني - حفظه الله تعالى -: "يُنظر كلام غيره ويُحكم عليه بما يستحق، فإن ظهر أنه مقل ففيه ما سبق بيانه، ولا يحتج به" أبو الحسن.
[ ١ / ١٧٣ ]
مراتب التعديل، يعني في درجة الصحيح.
وفي الحال الثانية والثالثة والخامسة، لا ينزل عن المرتبة الرابعة في غير موضع الجرح، وهي مرتبة الحسن لذاته، وفي موضع الجرح لا يقبل ما يتفرد به، حتى يزول سبب الجرح، فهو في المرتبة الخامسة.
وفي الحال الرابع والسادس والسابع، لا ينزل عن مرتبة الاعتبار، وهي الخامسة والسادس من مراتب التعديل، أو الأولى والثانية من مراتب الجرح. [الإضافة - دراسات حديثية (ص ١٩١، ١٩٢)].
وقال الشيخ الدكتور ماهر الفحل - حفظه الله -: "القاعدة الصحيحة من توثيق ابن حبان، فهي كما يلي:
١ - ما ذكره في كتابه "الثقات"، وتفرد بالرواية عنه واحد - سواء أكان ثقة أم غير ثقة - ولم يذكر لفظًا يفهم منه توثيقه، ولم يوثقه غيره، فهو يُعد مجهول العين، وهي القاعدة التي سار عليها ابن القطان الفاسي، وشمس الدين الذهبي، ولهما فيها سلف عند الجهابذة.
فقد قال علي بن المديني في جري بن كليب السدوسي البصري: "مجهول، لا أعلم روى عنه غير قتادة".
وقال في جعفر بن يحيى بن ثوبان: "شيخ مجهول، لم يرو عنه غير
[ ١ / ١٧٤ ]
أبي عاصم الضحاك بن مخلد الشيباني".
وقال أبو حاتم الرازي في حاضر بن المهاجر الباهلي: "مجهول"، مع أن شعبة بن الحجاج روى عنه.
٢ - إذا ذكره ابن حبان وحده في "الثقات"، وروى عنه اثنان؛ فهو مجهول الحال.
٣ - إذا ذكره ابن حبان وحده في "الثقات"، وروى عنه ثلاثة؛ فهو مقبول في المتابعات والشواهد (^٥٩).
٤ - إذا ذكره ابن حبان وحده في "الثقات"، وروى عنه أربعة فأكثر؛ فهو صدوق حسن الحديث (^٦٠).
٥ - إذا صرَّح ابن حبان بأنه مستقيم الحديث، أو لفظة أخرى تدل على التوثيق، فمعنى هذا أنه فتش حديثه فوجده صحيحًا مستقيمًا، موافقًا لأحاديث الثقات، فمثل هذا يوثق مثله، مثل أي توثيق لواحد من الأئمة الكبار، لما لابن حبان من المنزلة الرفيعة في الجرح والتعديل.
_________________
(١) قال شيخنا المحدِّث أبو الحسن مصطفى بن إسماعيل السليماني - حفظه الله تعالى -: "وكذا فهو مجهول الحال" أبو الحسن.
(٢) قال شيخنا المحدِّث أبو الحسن مصطفى بن إسماعيل السليماني - حفظه الله تعالى -: "فيه تأمل، إلا إذا كان الأربعة من الكبار المشاهير فتطمئن النفس إلى قبوله، والله أعلم" أبو الحسن.
[ ١ / ١٧٥ ]
وربما يعترض معترض علينا في عدم اعتبار ذكر ابن حبان لراوٍ تفرَّد عنه الواحد والاثنان في "الثقات"، فنقول: إن ابن حبان ذكر في "الثقات"، كل من لم يعرف بجرح، وإن كان لا يعرفه، وهذا لا يدل على توثيق أصلًا.
فقد قال في "الثقات" مثلًا: "سلمة، يروي عن ابن عمر، روى عنه سعيد بن سلمة، لا أدري من هو، ولا ابن من هو"!!
وقال في موضع آخر: "جميل، شيخ يروي عن أبي المليح بن أسامة، روى عنه عبد الله بن عون، لا أدري من هو، ولا ابن من هو".
وقال في ترجمة الحسن بن مسلم الهذلي: "يروي عن مكحول، روى عن شعبة، إن لم يكن ابن عمران فلا أدري من هو". [البحوث في المصطلح (٢٨٨، ٢٨٩) شبكة].
وقد قام الشيخ أبو الحسن السليماني - حفظه الله تعالى - بدراسة موسعة حول كتاب "الثقات" في كتابه "إتحاف النبيل" (٢/ ١٧ - ٢٨) أوردها بتمامها لما فيها من فوائد جمة:
قال - حفظه الله -: "الذي ينظر في كتاب "الثقات" يجد أن من ذكرهم ابن حبان ليسوا على درجة واحدة، بل هم أصناف كثيرة، وهاك تفصيل ذلك:
[ ١ / ١٧٦ ]
١ - هناك تراجم ذكرها ابن حبان في "الثقات"، وقال فيها ضابط، أو متقن، أو كان من علماء الناس في زمانه، أو كان متيقظًا يحفظ، أو كان ممن يتعاطى الحفظ، أو كان صاحب حديث، أو حسن المذاكرة، ممن جمع وصنَّف، أو كان من علماء الحديث، أو كان صاحب حديث يحفظ، أو كان يحفظ حديثه - أو أكثر حديثه -، أو كان من متقني أهل الكوفة - مثلًا - أو ثبْت، أو من الحفاظ المتقنين، أو أعلم الناس بحديث فلان.
وعدد التراجم التي وصفها بهذا الوصف - تقريبًا -[١٥٢] ترجمة، منها في طبقة التابعين أربع تراجم، وفي أتباعهم ثمان وأربعون ترجمة، وفي أتباع أتباعهم مائة ترجمة.
فهذه الدراسة تُثبت لنا أنه لا يطلق المدح في الراوي؛ إلا بعد الوقوف على حديثه؛ لأن الطبقات القريبة منه قد تمكَّن فيها من الوقوف على حديث الراوي أكثر منه في الطبقات البعيدة عنه، إلا أنه يطلق التوثيق وإن لم يقف للراوي إلا على حديث واحد، أو بعض الحكايات غير المسندة.
ثم لو نظرنا في هذه التراجم السابقة، وقارنا كلامه مع كلام غيره، ولو بالنظر إلى "تقريب التهذيب" للحافظ ابن حجر - الذي هو تلخيص لأقوال الأئمة التي في "تهذيب التهذيب" - غالبًا - لرأيناه قد تُوبع في التوثيق على [١٢٣] ترجمة، وخولف في ترجمتين، مع أن
[ ١ / ١٧٧ ]
المخالفة محتملة، انظر ترجمة عبد الرحيم بن ميمون أبي مرحوم (٧/ ١٣٤)، وترجمة عصام بن يوسف البلخي (٨/ ٥٢١) من "الثقات"، ونراه انفرد بمدح سبع وعشرين ترجمة.
وحسب هذه الدراسة، فالنفس تطمئن إلى اعتماد هذا النوع من توثيق ابن حبان؛ لأنه قد تُوبع على نسبة عالية من التراجم، والمخالفة لا تكاد تُذكر، فإذا كثرت الموافقة، وقلَّت المخالفة، قُبل ما انفرد به، وهذا هو النهج السديد في معرفة تشدد الإمام أو تساهله أو اعتداله.
ثم لو نظرنا نظرة أخرى في نوعية الموافقة التي وافق فيها غيره من الأئمة نجد أن:
من جملة التراجم التي مدحها وهي [١٢٣] ترجمة، قد حكم الحافظ على [١٠٧] ترجمة منها بقوله: ثقة، أو ثقة حافظ، أو ثقة ثبت، أو إمام.
وفي [١٤] ترجمة قال الحافظ: صدوق، أو ما في معناه، وسقط ترجمتان، لعل ذلك عن سهو في حصر التراجم، والله أعلم.
فهذا كله يفيدنا أن توثيق ابن حبان على هذا النحو توثيق معتمد، والله أعلم.
وهناك تراجم قد يقول فيها ابن حبان: "مُتقن ربما وهم"، وهي نحو ست تراجم، حكم الحافظ على خمسة منها بالوهم أيضًا، وخالفه
[ ١ / ١٧٨ ]
في واحدة، فلم يعتبر حكم ابن حبان عليها بالوهم، فهذا كله يدل على تحري ابن حبان ﵀.
* لكن ينبغي التنبيه على أمور:
الأول: أن أكثر الذين تفرَّد ابن حبان بمدحهم قوم عوجلوا بالموت، ولم يشتهر أمرهم، فلعل تفرده بذلك لأن غيره لم يعرفهم، عرف حجة على من لم يعرف.
الثاني: أنه قد يذكر الراوي، ويصفه بالإتقان، ويصرح بأنه ليس له حديث مُسند، كما قال في مسمع بن عاصم أبي سنان (٩/ ١٩٨) من "الثقات": كان من عُبَّاد البصرة ومُتقنيهم، ما له حديث مسند يرجع إليه، لكن الحكايات في فضائله وتعبده كثيرة. اهـ.
ويظهر لي أن كلمة "ومتقنيهم" تصحفت عن "ومتقيهم" (^٦١)، والله أعلم.
الثالث: أن هذه الدراسة التي قمت بها، تُعتبر تقريبية، وليست بتلك الدرجة في الدقة، لكن اطمأنت نفسي إليها في الجملة، والله أعلم.
_________________
(١) قال شيخنا العلَّامة محمد عمرو بن عبد اللطيف ﵀: "أو "متقشفيهم"، ولعلها أشبه" اهـ. (قلتُ): ولعلها أشبه، فقد قال ابن حبان في ترجمة (كلاب بن جزي) من "الثقات" (٩/ ٢٧): "من عبَّاد الكوفيين ومتقشفيهم"، والله أعلم.
[ ١ / ١٧٩ ]
والخلاصة: أننا نعض بالنواجذ على هذا النوع من توثيق ابن حبان، وهو في الدرجة العالية من التوثيق، ويجمع بين كلامه وكلام غيره إذا خُولف، ويُرجَّح الراجح بالقرينة، والله أعلم.
٢ - وقد يذكر ابن حبان الراوي، ويقول: مستقيم الحديث، أو استقامته في الحديث استقامة الأثبات، أو مستقيم الحديث إذا روى عنه ثقة، أو روى عن الثقات، أو حسن الحديث مستقيم، أو مستقيم الأمر فيما يروي، أو مستقيم الحديث من المتقنين، أو استقام في أمر الحديث إلى أن مات، أو مستقيم الحديث ربما أخطأ، أو يغرب، أو حسن الاستقامة في الروايات، أو مستقيم الحديث جدًّا، أو كان تقيًّا نقيًّا (^٦٢)، أو صدوق في الرواية، أو صدوق، أو ثقة في فلان دون فلان، أو ثقة، أو ثقة فقيه، أو ثقة ثقة، أو لم أرَ في حديثه إلا الاستقامة، أو حديثه يشبه حديث الأثبات، أو لم أرَ في حديثه شيئًا لا يشبه حديث الأثبات، أو لم أرَ في حديثه ما في القلب منه، وعدد هذه التراجم نحو [٢٢٦] ترجمة.
توبع على التوثيق والمدح في [١٠٤] ترجمة.
وانفرد بـ[١١٢] ترجمة، وخولف في عشر تراجم.
_________________
(١) قال شيخنا العلَّامة محمد عمرو بن عبد اللطيف ﵀: "وهذه لا علاقة لها بالضبط والإتقان بل بالعدالة فَحَسْب".
[ ١ / ١٨٠ ]
فنسبة المخالفة إلى الموافقة قليلة جدًّا، ولذا نقبل تفرده.
ونلاحظ أن التراجم التي يرفع في مدحها يتابع - في الغالب - عليها، وكذلك التي ينص على وجود الخطأ فيها، والتي يقول فيها: "مستقيم الحديث" يظهر أن التوثيق فيها أكثر وأرجح، إما بمنزلة: "ثقة"، أو بمنزلة: "صدوق"، ولعلَّ منزلة: "ثقة" أظهر، ونلاحظ - أيضًا - أن هذه الأقوال لم تأت عنه في طبقة التابعين، إنما وردت في الأتباع، وأكثر منها جدًّا في تبع أتباع التابعين، وهذا يدل على أن إطلاقه ذلك يكون بعد الوقوف على حديثهم - غالبًا - إلا أنه يطلق ذلك، ولو لم يقف إلا على حديث أو حكاية، وفي هذا توسع غير مرضي، والذي تطمئن إليه النفس أن حكمه في هذه الطائفة يكون كحكم غيره، في الاعتماد عليه، ويُجمع بين كلامه وكلام غيره إذا خولف، ويرجح الراجح حسب القرائن، والله أعلم.
وكثيرًا ما يذكر الراوي، ويقول: يغرب، أو يخطئ، أو ربما أخطأ، أو وهم، أو تفرد، أو يخالف، أو رديء الحفظ، أو ليس من الذين يحفظون، أو يخطئ وينفرد على عدالته، أو يغرب ويتفرد ويخطئ ويخالف، أو ربما يكون في روايته بعض المناكير، أو يغرب على قلة حديثه، أو ليس له رواية يعتمد عليها، أو يخطئ كثيرًا، أو لا يعجبني الاحتجاج به، أو لست أعتمد عليه، أو لا يعتبر بحديثه، أو يدخله في "الثقات" لأنه لا شك فيه، لأن له مدخلًا للضعفاء،
[ ١ / ١٨١ ]
ومدخلا للثقات، وجملة التراجم هذه - على وجه التقريب -[٥٤٩] ترجمة.
وقد أدخل بعضهم في كتابه ""المجروحين"، وجرحهم بشدة، وعددهم عشر تراجم تقريبًا. وهم:
١ - حبة بن جوين العرني، في "الثقات" (٤/ ١٨٢)، وفي ""المجروحين" (١/ ٢٦٤).
٢ - زياد بن عبد الله النميري، في "الثقات" (٤/ ٢٥٦)، وفي "المجروحين" (١/ ٣٠٤).
٣ - عمران العمي عن أنس، في الثقات" (٥/ ٢٢٤)، وفي "المجروحين" (٢/ ١٢٣).
٤ - بكر بن سوادة مصري، في "الثقات" (٦/ ١٠٤)، وفي "المجروحين" (١/ ١٨٧).
٥ - الحسن بن عطية العوفي، في "الثقات" (٦/ ١٧٠)، وفي ""المجروحين" (١/ ٢٢٨).
٦ - الحكم بن مصعب القرشي، في "الثقات" (٦/ ١٨٧)، وفي "المجروحين" (١/ ٢٤٤).
٧ - محمد بن ذكوان السَّمان، في "الثقات" (٧/ ٤١٧)، وفي
[ ١ / ١٨٢ ]
"المجروحين" (٢/ ٢٦٢).
٨ - حماد بن قيراط، في ""الثقات" (٨/ ٢٠٦)، وفي "المجروحين" (١/ ٢٤٩)
٩ - محمد بن الحسن الأسدي، في "الثقات" (٩/ ٧٨)، وفي "المجروحين" (٢/ ٢٧٧).
١٠ - واهب بن راشد، في ""الثقات" (٩/ ٢٢٨)، وفي "المجروحين" (٣/ ٧٥).
وبعض هذه التراجم يحتاج إلى نظر.
وقد أدخل - أيضًا - بعضهم في "المجروحين"، وجرحهم جرحًا خفيفًا، وعددهم تقريبًا [١٢] ترجمة.
وقد أدخل محمد بن المنذر بن الزبير في "الثقات" (٧/ ٤٣٧)، وفي إدخاله إياه في "المجروحين" اشتباه، كل هذا فيمن ذكرهم في ""الثقات"، وجرحهم جرحًا خفيفًا، وقد ذكر في "الثقات" عدة تراجم، وذكرهم بكثرة الخطأ، ولم يذكر منهم في "المجروحين" إلا ترجمة واحدة، وهي ترجمة عبد الله بن غضم الحنفي في "الثقات" (٥/ ٥٧)، وذكرها في "المجروحين" (٢/ ٥).
فالشاهد: أنه ليس كل من أدخله ابن حبان في "الثقات" كان
[ ١ / ١٨٣ ]
ممن يحتج به عنده، خلافًا لما صرَّح به في مقدمة "الثقات" (١/ ١١ - ١٣)، ونلاحظ أن قوله: "يخطئ" وما في معناه في الطبقات المتأخرة أكثر منه في الطبقات العالية.
وهناك تراجم ذكر فيها أن الراوي لم يرو مسندًا، أو ما له حديث يُرجع إليه، أو يروي المقاطيع، وعدتهم [١٧] ترجمة، وهم:
١ - عامر بن عبد الله بن عبد قيس التميمي العنبري (٥/ ١٨٧).
٢ - محمد بن بشير الأنصاري (٥/ ٣٦٦).
٣ - محمد بن ثوبان (٥/ ٣٧٠).
٤ - حسان بن أبي سنان العابد (٦/ ٢٢٥).
٥ - خليفة العبدي (٦/ ٢٦٨).
٦ - سالم بن مخراق العبدي (٦/ ٤١١).
٧ - عتبة الغلام هو ابن أبان بن صمعة (٧/ ٢٧٠).
٨ - يزيد الضبي (٧/ ٦٢٠).
٩ - توبة بن الصمة الزاهد (٨/ ١٥٦).
١٠ - سليمان الخواص العابد (٨/ ٢٧٧).
[ ١ / ١٨٤ ]
١١ - عبد العزيز بن سليمان العابد (٨/ ٣٩٤).
١٢ - عمر العنْزي (٨/ ٤٤٢).
١٣ - عيسى بن جابان (٨/ ٤٩١).
١٤ - وأعاد ذكر عتبة بن أبان (٨/ ٥٠٧).
١٥ - قعنب اليمامي (٩/ ٢٣).
١٦ - محمد بن النضر الحارثي (٩/ ٧٢).
١٧ - مسمع بن عاصم أبو سنان (٩/ ١٩٨).
وكونه يذكر الرجل وليس له حديث مُسند؛ دلَّ ذلك على عدم اعتناء المترجم بالرواية.
فكيف يقال: إن ابن حبان لا يوثَّق إلا المشهور بالطلب؟! والراوي إذا لم يرو المسندات، لا يتمكن الناقد من معرفة حاله، كما هو معلوم، وانظر "الثقات" (٧/ ١٢٣) ترجمة عبد الواحد بن قيس الشامي.
٥ - وقد يذكر ابن حبان الراوي، ولم يذكر عنه إلا راويًا واحدًا، ثم يضعف هذا التلميذ، أو يضعف السند إليه، أو يتشكك في اتصاله، أو يضعف حديثه.
[ ١ / ١٨٥ ]
وهؤلاء هم:
١ - زياد - مولى عثمان بن عفان - (٤/ ٢٦٠).
٢ - أيوب بن قطن (٤/ ٢٩).
٣ - شرحبيل بن القعقاع (٤/ ٣٦٥).
٤ - عبد العزيز بن سعيد بن سعد بن عبادة (٥/ ١٢٥).
٥ - عبد الحكم البصري يروي عن عائشة (٥/ ١٣١).
٦ - عبد السلام أبو كيسان البصري (٥/ ١٣١).
٧ - عبيد بن أبي عبيد - مولى أبي رهم - (٥/ ١٣٥).
٨ - عامر بن خارجة بن سعد (٥/ ١٩٤).
٩ - عمير بن المأمون التيمي (٥/ ٢٥٦).
١٠ - عطية بن بسر (٥/ ٢٦١).
١١ - محمد بن ركانة بن عبد يزيد (٥/ ٣٦٠).
١٢ - وثيمة النصري (٥/ ٤٩٩).
١٣ - هرمز والد عبد الرحمن بن هرمز الأعرج (٥/ ٩٤).
[ ١ / ١٨٦ ]
١٤ - يحيى بن عباد بن عبد الله بن الزبير (^٦٣) (٥/ ٥١٩).
١٥ - ابنة سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل (٥/ ٥٩٤).
١٦ - بشر بن عبد الله بن أبي أيوب الأنصاري (٦/ ٩٦).
١٧ - عمر بن يزيد النصري (٧/ ١٧٩).
١٨ - عثمان بن دينار (٧/ ١٩٤).
١٩ - محمد بن علوان (٦٠٦/ ٧).
٢٠ - يحيى بن عبد الرحمن (٧/ ٦٠٦).
٢١ - إبراهيم بن جريج الرهاوي (٨/ ٦١).
٢٢ - الفرات بن نصر (٩/ ١٤).
ونلاحظ أن هذا في التابعين أكثر، وكلما نزلت طبقة الراوي قلَّ إطلاق ابن حبان هذا القول في ترجمة الراوي، وإذا كان الراوي قد عرفه ابن حبان من رواية أحد التلاميذ، ثم ليَّن تلميذه، فكيف يحكم بتوثيقه؟ نعم، إن كان له أكثر من راو؛ فالأمر أهون، كما في عنترة
_________________
(١) قال شيخنا العلَّامة محمد عمرو بن عبد اللطيف ﵀: "حيث قال: "يروي عنه ابن إسحاق - إن كان حفظه -"، مع أن ابن إسحاق - عنده - ثقة، وقد روي عن يحيى بن عبَّاد جمع فيهم موسى بن عقبة، وهشام بن عروة، وهما أوثق بكثير من ابن إسحاق. فالاسم محفوظ بلا ريب" انتهى.
[ ١ / ١٨٧ ]
والد هارون بن عنترة، قال: روى عنه أبو سنان وابنه هارون، وهارون - الله المستعان على إثباته (٥/ ٢٨٢) -، فهذا يدل على أن إدخاله هؤلاء في "الثقات" ليس بصواب.
وقد يذكر الراوي برواية تلميذ عنه، ويبهم التلميذ، أو يحكم عليه بعدم المعرفة له: كما في حملة بن عبد الرحمن العكي (٤/ ١٩٣)، وربيعة بن دراج (٤/ ٢٢٩)، وربيعة بن قيس (٤/ ٢٣١)، وشداد بن قادم الجريري (٤/ ٣٥٨)، وشرحبيل بن القعقاع (٤/ ٣٦٥)، وعبد الرحمن بن امرئ القيس (٥/ ٩٤)، ومحمد بن عثمان الأخنسي (٥/ ٣٧٥)، ويعقوب بن غضبان (٥/ ٥٥٤)، وهذا كله يدل على تساهله ﵀.
٦ - وبعضهم يذكره ابن حبان من رواية مدلس عنه، أو يتشكك في سماع تلميذه منه، وقد مر بعض هؤلاء في المسألة [٥].
وهؤلاء هم:
١ - زكريا بن أبي مريم الخزاعي (٤/ ٢٦٣).
٢ - سنان بن جرير العَنْسي (٤/ ٣٣٧).
٣ - صالح بن أبي زيد النخعي (٤/ ٣٧٣).
٤ - عبد الله بن جرهد الأسلمي (٥/ ٢٢).
[ ١ / ١٨٨ ]
٥ - عبد الله بن أبي عثمان القرشي (٥/ ٣٣).
٦ - عبد الله بن أبي مرة الزوفي (٥/ ٤٥).
٧ - عطاء الحمصي عن عائشة (٥/ ٢٠٤).
٨ - الفضل بن عيسى بن أنس (٥/ ٢٩٦).
ونلاحظ أن هذا في التابعين فقط.
والراوي لا يكون ثقة، وهو لم يُعرف إلا برواية لا تصح إليه، كما هو معلوم.
٧ - وبعضهم يذكره ابن حبان، ثم يقول: لا أدري من هو، وقد يزيد على ذلك فيقول: لا أدري مَنْ هو، ولا ابن من هو، وقد يقول: لست أعرفه ولا أباه، أو لست أعرفه، ولا مَنْ روى عنه، أو يقول: لست أدري: هو الأول - أي الترجمة السابقة - أم لا، وقد يذكره على التردد فيه، أو في الراوي عنه، وعدة هؤلاء تقريبًا [٦٤] ترجمة.
انظرها في هذه المواضع: [٤/ ٣٧، ٣٩، ٩٦، ١٢٦، ١٤٦، [١٨٠، ٢٣٨،٢٦٥، ٣١٨، ٣٤٢،٣٦٣،٣٨٤،٣٦٩]، [٥/ ١٢٩، ١٤٢،١٤٣، ٢٠٧، ٢٢٩، ٢٩٥، ٣٠٦،٣٦٧،٣٨٢، ٣٩٠، ٤٢٥، ٤٢٨، ٤٥٠، ٤٥٩،٤٨١، ٤٩٤، ٤٩٧]، [٦/
[ ١ / ١٨٩ ]
٦٠، ١٠٦،١٤٦، ١٦٨، ١٧٠، ١٧٨،٢٢٦،٢٤٠، ٢٤٩، ٢٥٣، ٣٣٠،٣٧٢، ٤٠٦،٤١٥، ٤١٨، ٤٤٥، ٤٤٧،٤٥٨]، [٧/ ٥٥، ١٢٨، ١٨٨، ٢٣٣، ٣٠٠، ٣١٦، ٤٠٦، ٥٣٥، ٥٩٨]، [٨/ ٤١، ٦٣، ٢٤١، ٢٤٢ مرتين،٢٩٩]، [٩/ ١٨٠].
ونلاحظ أن هذه العبارات كان أكثر ذكرها في التابعين، وكلما نزلت الطبقة قلَّ ذكر هذه العبارات.
فإذا كان ابن حبان يذكر الراوي في "الثقات"، وهو لا يعرفه، فكيف يوثقه؟
فإن قيل: ينظر في حديثه ويقارنه بحديث الثقات، ويحكم عليه بالتعديل، إذا وجده يكثر من موافقة الثقات.
فالجواب: أن هذا الأمر لم يلتزم به ابن حبان في كل من أدخله في كتابه، ومما يدل على ذلك أنه ذكر ترجمة سيف أبي محمد - شيخ يروي عن منصور - قال: روى عنه عمر بن محمد العنقزي، لست أعرف أباه، فإن كان سيف بن محمد؛ فهو واه، وإن كان غيره؛ فهو مقبول الرواية حتى تصح خالفته الأثبات في الروايات، أو يسلك غير مسلك العدول في الأخبار، فحينئذ يلزق به الوهن. اهـ (٨/ ٢٩٩)، فهذا يدل على أن ابن حبان إذا وقف - ولو على رواية واحدةً - ولم ير فيها منكرًا؛ فإنه يوثق الراوي، وقد سبق أن هذا مذهب من هو واسع الخطو في التوثيق، فين هذا وغيره دخل التساهل على ابن
[ ١ / ١٩٠ ]
حبان؛ لتوسعة في شروطه، والله أعلم.
٨ - وقد يذكر ابن حبان الراوي، ويقول: هو ممن استخير الله تعالى فيه، كما في زهرة بن معبد أبي عقيل القرشي (٦/ ٣٤٤)، أو يقول: هو مِمَّن استخرت الله فيه، كما في مصعب بن ثابت بن عبد الله بن الزبير (٧/ ٤٧٨)، وقد يصفه باستقامة حديثه، مع قربه من الضعفاء، كما في إبراهيم بن سليمان الزيات (٨/ ٦٨)، ومالك بن سليمان بن مرة النهشلي (٩/ ١٦٥)، ونلاحظ أنه ليس في التابعين من هؤلاء أحد.
٩ - وقد يذكر الراوي، ويقول: لست أعرفه بعدالة ولا جرح، ولم يذكر إلا تلميذًا واحدًا، ويضعفه، كما في سليم بن عثمان - أبي عثمان الطائي - (٦/ ٤١٥) قال: روى عنه سليمان بن سلمة الخبائري الأعاجيب الكثيرة، ولست أعرفه بعدالة ولا جرح، ولا له راوٍ غير سليمان، وسليمان ليس بشيء، فإن وجد له راو غير سليمان بن سلمة الخبائري، اعتُبر حديثه، ويلزق به ما يتأهله من جرح أو عدالة اهـ. فأنت ترى ابن حبان يدخل الرجل في كتابه، مع أنه يحتاج إلى نظر في حاله عنده.
وقال في محمد بن إبراهيم بن خبيب بن سليمان بن سمرة بن جندب: روى عنه مروان بن جعفر، لا يعتبر بما انفرد به من الإسناد اهـ (٩/ ٥٨).
[ ١ / ١٩١ ]
هذا ما تيسر ذكره في طريقة ابن حبان لله ﵀ في كتاب "الثقات"، وبقيت أمور سأذكرها - إن شاء الله تعالى - في شفاء العليل بألفاظ وقواعد الجرح والتعديل" قسم التراجم والقواعد.
* قال: وخلاصة ما تقدّم:
١ - أن من ذكرهم في كتابه "الثقات" ووصفهم بالحفظ أو الضبط والإتقان ونحو ذلك كما مر في المسألة، فكلامه معتمد لا غبار عليه، ويعتبر الراوي من رجال الحديث الصحيح، فإن وافق ابن حبان غيره؛ فلا إشكال، وإن خالفه غيره؛ جمعنا بين كلامه وكلام غيره، أو رجَّحنا القول الراجح حسب ما يظهر من دلائل؛ وإن انفرد بالتوثيق، فكلامه معتمد.
٢ - إن من ذكره في كتابه "الثقات" ووصفه بأنه مستقيم الحديث، ونحو ذلك مما مرَّ في المسألة، فكلامه أيضًا معتمد على النحو السابق، إلا أن من وصفه بالاستقامة يتردد حديثه بين الصحة والحسن، ولعله إلى الصحيح أقرب.
٣ - من ذكرهم بالخطأ، فينظر: هل تكلم غيره فيهم أم لا؟ فإن كان لغيره من المعتدلين كلام؛ فقد نرجح كلام غيره؛ لأن ابن حبان يتكلم في الراوي، ويذكره بالخطأ، لوجود أدنى خطأ في روايته، وصنيع الأئمة أن من كان كثير الحديث، وله أخطاء تنغمر في سعة ما
[ ١ / ١٩٢ ]
روي؛ فإنهم يطلقون فيه التوثيق، دون التفات إلى ذكر الخطأ في روايته، مع علمهم بأنه قد يخطئ، وإن لم يكن لغيره كلام، فيعتمد كلام ابن حبان، ولا يحتج بحديث الراوي إذا انفرد به؛ لأن الراوي في هذه الحالة يكون مقلًّا، إذ لو كان مكثرا لعلمه غير ابن حبان، وكشف لنا عن أمره، ولو لم يكن إلا بذكر أنه طلابة، أو رحَّالة، أو محدث، أو نحو ذلك، فإذا لم يكن شيء من ذلك؛ فالراوي مُقِل، وإذا كان ممن يخطئ أو يغرب - مع قلة حديثه -؛ فلا يُحتج به، ولله أعلم.
لكن إذا وصفه بالخطأ في كتابه "الثقات"، ثم ذكره بالجرح الشديد في "المجروحين"، ولم نجد لغيره فيه كلامًا؛ فإنَّ حديث الرجل يُترك، والله أعلم.
٤ - وكذلك فلا يحتج برواية من روى عنهُ راوٍ فقط، وضعفه ابن حبان، أو ضعف السند إلى المترجم له، وكذلك الذين لا يعرفهم ابن حبان، فلا يحتج بهم لمجرد ذكرهم إياهم في "الثقات".
٥ - ومن ذكرهم ولم يصفهم بشيء - وهم كثير جدًّا - فإن كان لغيره كلام اعتمدناه، وإلا نظرنا في عدد تلاميذ الراوي، وشهرتهم في هذا الفن، ونظرنا: هل الراوي مكثر أو مُقل؟ فإن كان مُكثرًا - وهذا نادر - احتججنا به، وإن كان مقلًّا فلا نحتج به، والله أعلم".
انتهى كلام أبي الحسن حفظه الله.
[ ١ / ١٩٣ ]
* تنبيه:
وقفتُ على تقسيم الأحد الباحثين المعاصرين لتوثيق ابن حبان ﵀ وهو جيدٌ في الجملة - ولكنه لم يرض تقسيم المعلمي ﵀، وقد تفرد بهذا؟؟!!.
ووصفه بأنه كلامٌ عامٌّ وعائمٌ، بل قال: "إنه لا يفيد في التحقيق العلمي شيئًا".
ومن غريب ما قال: "وقد وجدت فيمن وصفه ابن أحبان بأنه "مستقيم الحديث" الحافظ، والثقة، والصدوق، ووجدت فيهم المجروح، والمضعَّف، والمجهول حسب اصطلاح المتأخرين … " اهـ.
(قلتُ): والمجهول عند المتأخرين قسمان:
أ - مجهول العين: من لم يرو عنه غير واحد، ولم يوثق.
ب - مجهول الحال "مستور": من روى عنه اثنان فأكثر، ولم يوثق" [نزهة النظر ص (٥٠)].
فهل يا تُرى قول ابن حبان ﵀ "مستقيم الحديث" إذا قيل في راو لم يرو عنه إلا راوٍ واحد، أو راويان لا يعَدُّ توثيقًّا له؟!!
الجواب: نعم هو توثيقٌ له، ولا يصح أن نقول هو: "مجهول حسب اصطلاح المتأخرين".
[ ١ / ١٩٤ ]
لأن معنى مجهول هو: "من لم أعرفه، ولا أعرف حاله"، فكيف يقول ابن حبان ﵀ أني قد عرفته، ونظرت في حديثه، وقارنت حديثه بحديث غيره من الثقات، ونظر في قدر الموافقة والمخالفة، ثم تبيَّن لي أنه مستقيم الحديث، ثم يأتي آخر ويقول: لا، أنت لا تعرفه!!!
فإذا وصف ابن حبان ﵀ أحد الرواة بأنه مستقيم الحديث أو لفظة أخرى تدل على التوثيق فهذا يدل على أن ابن حبان ﵀ فتَّش عن حديثه، وقارنه بغيره، وظهر له قدر الموافقة والمخالفة، ثم تبين له استقامته في حديثه.
فمن كان هذا حاله يُقبل فيه توثيق ابن حبان مطلقًا، حتى وإن لم يوجد لغيره كلام في ذلك الراوي، لما لا بن حِبَّان ﵀ من منزلة رفيعة في الجرح والتعديل، أما إذا وجِدَ لغيره كلامٌ فيه فإنه يُعامل طبق القواعد المقررة في علم الجرح والتعديل، ثم يُرَجَّح بين أقوالهم، والله أعلم.
وبعد هذه الدراسة لمنهج ابن حِبَّان ﵀ في التوثيق.
نشرع - بعون الله تعالى - بدراسة شيوخ ابن حبان ﵀ من حيث القبول والاستشهاد والرد، وأسميتها:
[ ١ / ١٩٥ ]