بشر الحارث الحافى؛ لقب بذلك لأنه جاء إلى إسكاف يطلب منه شسعًا لأحد نعليه، وكان قد انقطع، فقال له الإسكاف: " وما أكثر كلفتكم على الناس! " فألقى النعل من يده والأخرى من رجله، وحلف لا يلبس نعلا بعدها.
كنيته أبو نصر، أحد رجال الطريقة، ومعدن الحقيقة، مثل الصلحاء وأعيان الورعاء.
أصله من مرو، سكن بغداد. صحب الفضيل بن عياض ورأى سريا السقطي، وغيره.
[ ١٠٩ ]
وسبب توبته أنه أصاب فى الطريق رقعة فيها اسم الله، وقد وطئتها الأقدام، فأخذها واشترى بدرهم كان معه غالية، فطيبها وجعلها في شق حائط، فرأى في المنام كأن قائلا يقول: " يا بشر! طيبت أسمى، لأطيبن اسمك في الدنيا والآخرة! " وروى أنه إلى النهر فغسله، وكان لا يملك إلا درهما، فاشترى به مسكا وماء ورد، وجعل يتتبع اسم الله ويطيبه، ورجع إلى منزله فنام؛ فأتاه آت وقال: " يا بشر! كما طيبت أسمى لأطيبن ذكرك! وكما طهرته لأطهرن قلبك! ".
ومناقبه جمة أفردها ابن الجوزى بالتأليف.
مات عشية الأربعاء لعشر بقين من ربيع الأول - وقيل: لعشر خلون من المحرم - سنة سبع وعشرين ومائتين، وقد بلغ من العمر خمسًا وسبعين سنة، وقيل: سبعًا وستين. وأخرجت جنازته بعد صلاة الصبح، ولم يحصل في القبر إلى الليل، وكان نهارًا صافيًا.
ومن كلامه: " لا تكون كاملا حتى يأمنك عدوك، وكيف يكون
[ ١١٠ ]
فيك خير وأنت لا يأمنك صديقك؟! ".
وقال: أول عقوبة يعاقب بها ابن آدم في الدنيا مفرقة الأحباب ".
وقال: " من أراد أن يكون عزيزًا فى الدنيا سليما في الآخرة فلا يحدث، ولا يشهد، ولا يؤم قومًا، ولا يأكل لأحد طعامًا ".
وأنشد:
وليس من يزوق لي دينه يغرني، يا قوم!، تزويقه
من حقق الإيمان في قلبه يوشك أن يظهر تحقيقه
وقال الساجى: سمعت بشرًا ينشد:
أقسم بالله! لرضخ النوى وشرب ماء القلب المالحة
[ ١١١ ]
أعز للإنسان من حرصه ومن سؤال الأوجه الكالحه
فاستغن باليأس تكن ذا غنى مغتبطًا بالصفقة الرابحه
فاليأس عز والتقى سؤدد ورغبة النفس لها فاضحه
من كانت الدنيا به برة فإنها يومًا له ذابحه
وقال: " غنيمة المؤممن غفلة الناس عنه، وإخفاء مكانه عنهم ".
وقال: " التكبر على المتكبر من التواضع ".
وقال: " من أراد عز الدنيا وشرف الآخرة فعليه بثلاث: لا يأكل طعام أحد، ولا يسأل أحدًا حاجة، ولا يذكر إلا بخير ".
وقال: " يكون الرجل مرائيًا في حياته، وبعد موته يحب أن يكثر الناس على جنازته! ".
وقال: " لو علمت أن أحدًا يعطى لله لأخذت منه، ولكن يعطى بالليل ويحدث بالنهار ".
[ ١١٢ ]
وقال: " يقول أحدهم: توكلت على الله! ويكذب، لأنه لو توكل على الله صادقًا لرضى بما يفعله به ".
وقال: " إذا أراد الله أن يتحف العبد سلط عليه من يؤذيه ".
وقال: " الصبر الجميل الذي لا شكوى فيه للناس ".
وقيل له: باى شئ آكل الخبز؟ " فقال: " اذكر العافية، واجعلها إدامًا! ".
وقال، يوم ماتت أخته: " إن العبد إذا قصر في الطاعة سلب من يؤنسه ".
ولقيه سكران، فجعل يقبله ويقول: " يا سيدي! " ولا يدفعه بشر عن نفسه، فلما ولى تغرغرت عينا بشر، وجعل يقول: " رجل أحب رجلا على خير توهمه! لعل المحب قد نجا، والمحبوب لا يدرى ما حاله! ".
[ ١١٣ ]
قال أبو عبد الله المحاملي، حدثني أبى قال: كان عندنا رجل من التجار صديقًا لي، وكان يقع في الصوفية كثيرًا، ثم رأيته بعد ذلك يصحبهم، وينفق عليهم ماله. فقلت له: " أليس كنت تبغضهم؟! " فقال: " ليس الأمر على ما كنت أتوهم ". فقلت له: " كيف؟ ". قال: " صليت يومًا الجمعة، فرأيت بشرًا مسرعًا خارجًا من المسجد، فقلت في نفسي: لأنظرن إلى هذا الزاهد!. فاشترى خبز الماء بدرهم، ثم شواء بمثله؛ فزادني غيظًا. ثم ثم قالوا ذجًا بدرهم؛ فتبعته فخرج إلى الصحراء، وأنا أقول: " يريد الخضرة والماء! ". فما زال يمشى إلى العصر وأنا خافه، فدخل مسجدًا في قرية، فيه مريض، فجعل يلقمه. فقمت أنظر إلى القرية وعدت، فقلت للمريض: " أين بشر؟ ". قال: " ذهب إلى بغداد ". قلت: " كم بيني وبينها؟ ". قال: " أربعون فرسخًا ". فقلت: " أنا لله! " فقال: " اجلس حتى يرجع ". فجاء الجمعة القابلة، ومعه شئ يطعمه للمريض، فلما فرغ قال له: " يا أبا نصر! هذا الرجل صحبك من بغداد، وهو عندي منذ جمعة ". قال فنظر إلى كالمغضب، وقال: " لم صحبتنى؟! " قلت: " أخطأت! " قال: " قم فامش! ". فمشيت إلى المغرب، فلما قربنا من بغداد قال: " اذهب
[ ١١٤ ]
إلى محلتك ولا تعد! " فتبت إلى الله مما كنت أعتقده فيهم، ثم آثرت صحبتهم، وأنا على ذلك ".
وقال بعضهم: " دخلت على بشر في يوم شديد البرد، وقد تعرى من ثيابه وهو ينتفض، فقلت له: " الناس يزيدون من الثياب فى مثل هذا اليوم، وأنت قد نقصت؟! " فقال: " ذكرت الفقراء، وما هم فيه، ولم يكن لي ما أواسيهم به، فأردت أن أواسيهم بنفسي في مقاساة البرد ".
وقال منصور الصياد: " مر بي بشر - وهو منصرف من صلاة العيد - فقال لى: " فى هذا الوقت؟! " فقلت: " ليس في البيت دقيق ولا خبز! " فقال: " الله المستعان! احمل شبكتك وتعال إلى الخندق ". وأمرني بالوضوء وصلاة ركعتين، ثم قال لي: " ألقها، وقل: بسم الله! " فألقيتها، فوقعت فيها سمكة كبيرة، فقال: " بعها! " فبعتها بعشرة دراهم، واشتريت منها جميع ما يحتاجونه اليه. ثم أخذت رقاقتين وعليهما حلوى، وجئت بهما إلى بشر، فدققت الباب، فقال: " من؟ " قلت: " منصور الصياد! " فقال: " ادفع الباب، وضع ما معك فى الدهليز، وادخل أنت " فدخلت، فقال " لو الهمنا أنفسنا هذا ما خرجت السمكة! ".
[ ١١٥ ]
وروى أنه أتى باب المعافى بن عمران فدقه، فقيل: " من؟ " قال: " بشر الحافى " فقال: بنية من داخل الدار: " لو اشتريت نعلا بدانقين ذهب عنك اسم الحافى ".
وروى أن امرأة جاءت إلى أحمد بن حنبل، فقالت: " إنى امرأة أغزل بالليل والنهار، وأبيع الغزل، ولا أبين غزل النهار من الليل، فهل على فى ذلك شىء؟. فقال: " يجب أن تبيني! " ثم انصرفت، فقال أحمد لأبنه: " اذهب فانظر أين تدخل! ". فرجع فقال: " دخلت دار بشر ".
وقال محمد بن نعيم: " دخلت عليه في علته، فقلت: " عظني! ". فقال: " إن في هذه الدار نملة، تجمع الحب فى الصيف لتأكله في الشتاء؛ فلما كان يومًا أخذت حبة في فمها، فجاء عصفور فأخذها، فلا ما جمعت أكلت، ولا ما أملت نالت ".
[ ١١٦ ]
وروى أن رجلا سأله أن يوصيه، فقال له بشر: " عليك بلزوم بيتك، وترك ملاقاة الناس ".
فقال له الرجل: " بلغني عن الحسن أنه قال: " لولا الليل وملاقاة الإخوان ما كنت أبالي متى مت! ". فقال بشر: " رحم الله الحسن! لقد كان الظن به خلاف هذا! ".
وأنشد:
يا من يسر برؤية الإخوان هلا أمنت مكايد الشيطان؟!
خلت القلوب من المعاد وذكره وتشاغلت بالحرص والخسران
صارت مجالس من ترى وحديثهم في هتك مستور وفتق قران
قال حسن المسوحي: " رآني بشر يومًا باردًا، وأنا أرتعد من البرد، فنظر إلى ثم أنشد:
قطع الليالي مع الأيام في خلق والنوم تحت رواق الهم والقلق
[ ١١٧ ]
أحرى وأجدر بى من أن يقال غدًا إني التمست الغنى من كف ممتلق
قالوا: رضيت بذا؟! قلت: القنوع غنى ليس الغنى كثرة الأموال والورق
رضيت بالله في عسري وفى يسرى فلست أسلك إلا واضح الطرق
وقال الحسن بن عمران المروزى، سمعت بشرًا ينشد:
ذهب الرجال المقتدى بفعالهم والمنكرون لكل أمر منكر
وبقيت في خلف بزين بعضهم بعضًا ليدفع معور عن معور
[ ١١٨ ]