أحمد بن محمد الحسين الجريرى - يضم الجيم - نسبة إلى جرير بن عباد، أخي الحارث بن عباد، من بنى بكر بن وائل؛ يكنى أبا محمد. من كبار أصحاب الجنيد، وخلفه في مكانه؛ وصحب سهل بن عبد الله التستري.
مات سنة أحدى عشرة وثلثمائة.
ومن كلامه:
" من استولت عليه النفس صار أسيرًا في حكم الشهوات، محصورًا
[ ٧١ ]
في سجن الهوى، وحرم الله على قلبه الفوائد، فلا يستلذ بكلام الحق ولا يستحليه، وان كثر ترداده على لسانه، لقوله تعالى:) سأصرف عن آياتي الذين يتكبرون في الأرض بغير الحق (. يعنى: لا يفهمونه، ولا يجدون له لذة. صرف الله عن قلوبهم فهم مخاطباته، وأغلق عليهم سبيل فهم كتابه، وسلبهم الانتفاع بالمواعظ، فلا يعرفون الحق، ولا يسلكون سبيله ".
وقال: " ما مددت رجلي في الخلوة منذ عشرين سنة، فان حسن الأدب مع الله أولى ".
واعتكف مرة بمكة فلم يأكل، ولم ينم، ولم يستند إلى حائط، ولم يمد رجليه، فقيل: " بماذا قدرت على اعتكافك؟ ". فقال: " علم صدق باطني فأعانني على ظاهري ".
وأنشد:
شكرتك، لا أبى مجازيك منعمًا بشكر، ولا كيما يقال له الشكر
[ ٧٢ ]
وأذكر أيامًا لديك، وحسنها وآخر ما يبقى على الذاكر الذكر
وقال مرة - وكان عنده جماعة -: " هل فيكم من إذا أراد الله أن يحدث في المملكة حدثًا أبى علمه إلى وليه قبل ابتدائه في كونه؟ " فقالوا: " لا! " فقال: " مروا! وابكوا على قلوبكم لم تجد من الله شيئًا من هذا ".
وكان كثيرًا ما ينشد:
تعلمت ألوان الرضا خوف هجره وعلمه حبي له كيف يغضب
ولى ألف وجه، مذ عرفت طريقه، ولكن بلا قلب إلى أين أذهب؟!
وعزى إلى ابن عطاء الأدمى السالف، وأوله:
ومستحسن للهجر والوصل أعذب أطالبه ودي فيأبى ويهرب
إذا حدثته بالهوى أظهر الجفا ويعلم منى أنني لست أذنب
وقال: " كان في جامع بغداد فقير لم يجتمع له ثوبان قط،
[ ٧٣ ]
في شتاء ولا صيف. فسئل عن ذلك، فقال: " أني كنت ولعًا بكثرة الثياب، فرأيت في منامي كأني في الجنة، وإذا بفقراء على مائدة، فأردت أن أجلس معهم، فإذا جماعة من الملائكة أخذوا بيدي، فأقاموني وقالوا: " هؤلاء أصحاب قميص واحد. وأنت لك قميص، فلا تجلس معهم ". فانتبهت ونذرت ألا ألبس غير ثوب واحد إلى أن القى الله ".
وأنشد:
قف بالديار فهذه آثارهم تبكى الأحبة حسرة وتشوقا
كم قد وقفت بها أسائل مخبرًا عن أهلها، أو صادقًا، أو مشفقا
فأجابني داعي الهوى في رسمها: فرقت من تهوى فعز الملتقى!
وقال: " الصبر ألا تفرق بين حالتي النعمة والمحنة، وع
[ ٧٤ ]
سكون الخاطر فيها. والتصبر هو السكون في البلاء مع وجدان أثقال المحنة ".
وأنشد لبعضهم في المعنى:
صبرت ولم أطلع هواك على صبري وأخفيت ما بي منك عن موضع الصدر
مخافة أن يشكو ضميري صبابتي إلى دمعتي سرًا، فتجري ولا أدري
ومن أصحابه أبو عبد الله، وأبو القاسم، ابنا أحمد بن محمد المقرئ. وصحبا غيره أيضًا.
مات الأول سنة ست وستين وثلثمائة. وكان ورعًا.
ومات الثاني سنة ثمان وسبعين وثلثمائة.
ومن كلام الأول: " الفقير الصادق الذي يملك كل شئ ولا يملكه شئ ".
[ ٧٥ ]
ومن كلام الثاني: " الفتوة رؤية فضل الناس ونقصانك ".
ومن أصحابه أيضًا أبو محمد عبد الله بن محمد الراسبي البغدادي. مات سنة سبع وستين وثلثمائة.
قال: " المحبة إذا ظهرت افتضح بها الحب، وإذا كتمت قتلت المحب كمدًا ". وأنشد:
ولقد أفارقه بإظهار الهوى عمدًا ليستر سره إعلانه
فلربما كتم الهوى إظهاره ولربما فضح الهوى كتمانه
وعى المحب لدى الحبيب بلاغه ولربما قتل البليغ لسانه
كم قد رأينا قاهرًا سلطانه للناس، ذل بحبه سلطانه
[ ٧٦ ]