١ - مِنْهُم الفضيل بن عِيَاض بن مَسْعُود بن بشر التَّمِيمِي ثمَّ الْيَرْبُوعي
خراساني من نَاحيَة مرو من قَرْيَة يُقَال لَهَا فندين كَذَلِك ذكره إِبْرَاهِيم ابْن الْأَشْعَث صَاحبه فِيمَا أخبرنَا بِهِ يحيى بن مُحَمَّد العكرمي بِالْكُوفَةِ قَالَ سَمِعت الْحُسَيْن بن مُحَمَّد بن الفرزدق بِمصْر قَالَ سَمِعت أَحْمد بن حموك قَالَ سَمِعت نصر بن الْحُسَيْن البُخَارِيّ قَالَ سَمِعت إِبْرَاهِيم بن الْأَشْعَث يذكر ذَلِك
وَذكر إِبْرَاهِيم بن شماس أَنه ولد بسمرقند وَنَشَأ بأبيورد
[ ٢٢ ]
كَذَلِك سَمِعت أَحْمد بن مُحَمَّد بن رُمَيْح يَقُول سَمِعت إِبْرَاهِيم بن نصر الضَّبِّيّ بسمرقند يَقُول يَقُول سَمِعت مُحَمَّدًا بن عَليّ بن الْحسن بن شَقِيق يَقُول سَمِعت إِبْرَاهِيم بن شماس قَالَ سَمِعت الفضيل بن عِيَاض يَقُول ولدت بسمرقند ونشأت بأبيورد وَرَأَيْت بسمرقند عشرَة آلَاف جوزة بدرهم
سَمِعت أَبَا مُحَمَّد السَّمرقَنْدِي يَقُول سَمِعت السراج يَقُول سَمِعت الْجَوْهَرِي يَقُول حَدثنِي أَبُو عُبَيْدَة بن الفضيل بن عِيَاض قَالَ أَبى فُضَيْل ابْن عِيَاض بن مَسْعُود بن بشر يكنى بِأبي عَليّ من بني تَمِيم من بني يَرْبُوع من أنفسهم ولد بسمرقند وَنَشَأ بأبيورد وَالْأَصْل من الْكُوفَة
وَقَالَ عبد الله بن مُحَمَّد بن الْحَارِث فُضَيْل بن عِيَاض بخاري الأَصْل وَالله أعلم
مَاتَ فِي الْمحرم سنة سبع وَثَمَانِينَ وَمِائَة وَأسْندَ الحَدِيث
أخبرنَا أَبُو جَعْفَر مُحَمَّد بن أَحْمد بن سعيد الرَّازِيّ قَالَ أخبرنَا الْحُسَيْن بن دَاوُد الْبَلْخِي قَالَ أخبرنَا فُضَيْل بن عِيَاض قَالَ أخبرنَا مَنْصُور عَن إِبْرَاهِيم عَن عَلْقَمَة عَن عبد الله بن مَسْعُود ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ (يَقُول الله تَعَالَى للدنيا يَا دنيا مري على أوليائي وَلَا تحلولي لَهُم فتفتنيهم)
[ ٢٣ ]
أخبرنَا أَبُو مُحَمَّد عبد الله بن مُحَمَّد بن عبد الله بن عبد الرَّحْمَن الرَّازِيّ قَالَ سَمِعت مُحَمَّدًا بن نصر بن مَنْصُور الصَّائِغ قَالَ سَمِعت مرْدَوَيْه الصَّائِغ قَالَ سَمِعت الفضيل بن عِيَاض يَقُول من يجلس مَعَ صَاحب بِدعَة لم يُعْط الْحِكْمَة
قَالَ وَسمعت الفضيل يَقُول فِي آخر الزَّمَان أَقوام يكونُونَ إخْوَان الْعَلَانِيَة أَعدَاء السريرة
وَبِه قَالَ سَمِعت الفضيل يَقُول أَحَق النَّاس بِالرِّضَا عَن الله أهل الْمعرفَة بِاللَّه ﷿
قَالَ وَسمعت الفضيل يَقُول لَا يَنْبَغِي لحامل الْقُرْآن أَن يكون لَهُ إِلَى خلق حَاجَة لَا إِلَى الْخُلَفَاء فَمن دونهم يَنْبَغِي أَن تكون حوائج الْخلق كلهم إِلَيْهِ
قَالَ وَسمعت الفضيل يَقُول لم يدْرك عندنَا من أدْرك بِكَثْرَة صِيَام وَلَا صَلَاة وَإِنَّمَا أدْرك بسخاء الْأَنْفس وسلامة الصَّدْر والنصح للْأمة
قَالَ وَسمعت الفضيل يَقُول لم يتزين النَّاس بِشَيْء أفضل من الصدْق وَطلب الْحَلَال
قَالَ وَسمعت الفضيل يَقُول أصل الزّهْد الرِّضَا عَن الله تَعَالَى
[ ٢٤ ]
قَالَ وسمعته يَقُول من عرف النَّاس استراح
قَالَ وسمعته يَقُول إِنِّي لَا أعتقد إخاء الرجل فِي الرِّضَا وَلَكِنِّي أعتقد إخاءه فِي الْغَضَب إِذا أغضبته
سَمِعت عبيد الله بن مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن حمدَان العكبري قَالَ حَدثنَا أَبُو مُحَمَّد بن الراجيان قَالَ حَدثنَا فتح بن شخرف قَالَ حَدثنَا عبد الله بن خبيق قَالَ قَالَ الفضيل تبَاعد من الْقُرَّاء فَإِنَّهُم إِن أحبوك مدحوك بِمَا لَيْسَ فِيك وَإِن أبغضوك شهدُوا عَلَيْك وَقبل مِنْهُم
سَمِعت مُحَمَّدًا بن الْحسن بن خَالِد الْبَغْدَادِيّ بنيسابور يَقُول سَمِعت أَحْمد بن مُحَمَّد ابْن صَالح يَقُول حَدثنَا مُحَمَّد بن جَعْفَر قَالَ حَدثنَا إِسْمَاعِيل بن يزِيد حَدثنَا إِبْرَاهِيم قَالَ سَأَلت الفضيل بن عِيَاض عَن التَّوَاضُع فَقَالَ أَن تخضع للحق وتنقاد لَهُ وَتقبل الْحق من كل من تسمعه مِنْهُ
سَمِعت عبيد الله بن عُثْمَان يَقُول سَمِعت مُحَمَّدًا بن الْحُسَيْن يَقُول سَمِعت الْمروزِي يَقُول سَمِعت بشرا بن الْحَارِث يَقُول قَالَ الفضيل بن عِيَاض أشتهي مَرضا بِلَا عواد
أخبرنَا أَبُو مُحَمَّد عبد الله بن أَحْمد بن جَعْفَر الشَّيْبَانِيّ قَالَ سَمِعت زَنْجوَيْه ابْن الْحسن اللباد قَالَ حَدثنَا عَليّ بن الْحسن الْهِلَالِي قَالَ حَدثنَا إِبْرَاهِيم بن
[ ٢٥ ]
الْأَشْعَث قَالَ سَمِعت الفضيل بن عِيَاض يَقُول إِن فِيكُم خَصْلَتَيْنِ هما من الْجَهْل الضحك من غير عجب والتصبح من غير سهر
قَالَ وسمعته يَقُول من أظهر لِأَخِيهِ الود والصفاء بِلِسَانِهِ وأضمر لَهُ الْعَدَاوَة والبغضاء لَعنه الله فأصمه وأعمى بَصِيرَة قلبه
قَالَ وَسمعت الفضيل بن عِيَاض يَقُول فِي قَول الله تَعَالَى ﴿إِن فِي هَذَا لبلاغا لقوم عابدين﴾ الْآيَة ﴿الْأَنْبِيَاء﴾ لذين يُحَافِظُونَ على الصَّلَوَات الْخمس
قَالَ وسمعته يَقُول كَانَ يُقَال جعل الشَّرّ كُله فِي بَيت وَجعل مفتاحه الرَّغْبَة فِي الدُّنْيَا وَجعل الْخَيْر كُله فِي بَيت وَجعل مفتاحه الزّهْد فِي الدُّنْيَا
قَالَ وسمعته يَقُول من كف شَره فَمَا ضيع مَا سره
وَبِه قَالَ الفضيل ثَلَاث خِصَال تقسي الْقلب كَثْرَة الْأكل وَكَثْرَة النّوم وَكَثْرَة الْكَلَام
قَالَ وَسمعت الفضيل يَقُول خير الْعَمَل أخفاه وأمنعه من الشَّيْطَان وأبعده من الرِّيَاء
قَالَ وسمعته يَقُول إِن من شكر النِّعْمَة أَن نُحدث بهَا
وَبِه قَالَ الفضيل أَبى الله إِلَّا أَن يَجْعَل أرزاق الْمُتَّقِينَ من حَيْثُ لَا يحتسبون
وَبِه قَالَ الفضيل لَا عمل لمن لَا نِيَّة لَهُ وَلَا أجر لمن لَا حسبَة لَهُ
[ ٢٦ ]
وَبِه قَالَ طُوبَى لمن استوحش من النَّاس وَأنس بربه وَبكى على خطيئته
وَمِنْهُم ذُو النُّون بن إِبْرَاهِيم الْمصْرِيّ أَبُو الْفَيْض وَيُقَال ثَوْبَان ابْن إِبْرَاهِيم وَذُو النُّون لقب وَيُقَال الْفَيْض بن إِبْرَاهِيم
سَمِعت عليا بن عمر بن أَحْمد بن مهْدي الْحَافِظ بِبَغْدَاد يَقُول أَخْبرنِي الْحُسَيْن بن أَحْمد بن الماذرائي قَالَ قَرَأَ عَليّ أَبُو عمر الْكِنْدِيّ فِي كِتَابه أَعْيَان الموَالِي فَذكر فِيهِ وَمِنْهُم ذُو النُّون بن إِبْرَاهِيم الأخميمي مولى لقريش وَكَانَ أَبوهُ إِبْرَاهِيم نوبيا
توفّي سنة خمس وَأَرْبَعين وَمِائَتَيْنِ كَذَلِك أَخْبرنِي عَليّ بن عمر أَخْبرنِي الْحسن بن رَشِيق الْمصْرِيّ إجَازَة حَدثنِي جبلة بن مُحَمَّد الصَّدَفِي حَدثنَا عبد الله بن سعيد بن كثير ابْن عفير بذلك
وَقيل مَاتَ سنة ثَمَان وَأَرْبَعين
[ ٢٧ ]
وَأسْندَ الحَدِيث أخبرنَا عبد الله بن الْحُسَيْن بن إِبْرَاهِيم الصُّوفِي أخبرنَا مُحَمَّد بن حمدون بن مَالك الْبَغْدَادِيّ أخبرنَا الْحسن بن أَحْمد بن الْمُبَارك وَأخْبرنَا أَحْمد بن صليح الفيومي أخبرنَا ذُو النُّون الْمصْرِيّ عَن اللَّيْث بن سعد عَن نَافِع عَن ابْن عمر قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ (الدُّنْيَا سجن الْمُؤمن وجنة الْكَافِر)
سَمِعت مَنْصُور بن عبد الله يَقُول سَمِعت الْعَبَّاس بن عبد الله الوَاسِطِيّ قَالَ سَمِعت إِبْرَاهِيم بن يُونُس يَقُول سَمِعت ذَا النُّون يَقُول إياك تكون بالمعرفة مُدعيًا أَو تكون بالزهد محترفا أَو تكون بِالْعبَادَة مُتَعَلقا
وَبِه قَالَ سَمِعت ذَا النُّون وَسُئِلَ مَا أخْفى الْحجاب وأشده قَالَ رُؤْيَة النَّفس وتدبيرها
[ ٢٨ ]
أخبرنَا الْحسن بن رَشِيق إجَازَة قَالَ حَدثنَا عَليّ بن يَعْقُوب بن سُوَيْد الْوراق حَدثنَا مُحَمَّد بن إِبْرَاهِيم الْبَغْدَادِيّ حَدثنَا مُحَمَّد بن سعيد الْخَوَارِزْمِيّ قَالَ سَمِعت ذَا النُّون وَسُئِلَ عَن الْمحبَّة قَالَ أَن تحب مَا أحب الله وَتبْغض مَا أبْغض الله وَتفعل الْخَيْر كُله وترفض كل مَا يشغل عَن الله وَألا تخَاف فِي الله لومة لائم مَعَ الْعَطف للْمُؤْمِنين والغلظة على الْكَافرين وَاتِّبَاع رَسُول الله ﷺ فِي الدّين
سَمِعت أَبَا بكر مُحَمَّد بن عبد الله بن شَاذان الرَّازِيّ يَقُول سَمِعت يُوسُف ابْن الْحُسَيْن يَقُول سَمِعت ذَا النُّون يَقُول قَالَ الله تَعَالَى (من كَانَ لي مُطيعًا كنت لَهُ وليا فليثق بِي وليحكم عَليّ فَوَعِزَّتِي لَو سَأَلَني زَوَال الدُّنْيَا لأزلتها لَهُ)
أَخْبرنِي مُحَمَّد بن أَحْمد بن يَعْقُوب إجَازَة أَن عبد الله بن مُحَمَّد بن مَيْمُون حَدثهمْ قَالَ سَأَلت ذَا النُّون عَن الصُّوفِي فَقَالَ من إِذا نطق أبان نطقه عَن الْحَقَائِق وَإِن سكت نطقت عَنهُ الْجَوَارِح بِقطع العلائق
وَبِه قَالَ سَمِعت ذَا النُّون يَقُول الْأنس بِاللَّه من صفاء الْقلب مَعَ الله والتفرد بِاللَّه الِانْقِطَاع من كل شَيْء سوى الله
سَمِعت أَبَا عُثْمَان سعيد بن أَحْمد بن جَعْفَر يَقُول سَمِعت مُحَمَّد بن أَحْمد ابْن مُحَمَّد بن سهل يَقُول سَمِعت سعيد بن عُثْمَان الْخياط يَقُول سَمِعت ذَا
[ ٢٩ ]
النُّون يَقُول من أَرَادَ التَّوَاضُع فليوجه نَفسه إِلَى عَظمَة الله فَإِنَّهَا تذوب وتصفو وَمن نظر إِلَى سُلْطَان الله ذهب سُلْطَان نَفسه لِأَن النُّفُوس كلهَا فقيرة عِنْد هيبته
قَالَ وَسمعت سعيد بن عُثْمَان يَقُول سَمِعت ذَا النُّون يَقُول لم أر أَجْهَل من طَبِيب يداوي سَكرَان فِي وَقت سكره لن يكون لسكره دَوَاء حَتَّى يفِيق فيداوى بِالتَّوْبَةِ
وَبِه قَالَ سَمِعت ذَا النُّون يَقُول لم أر شَيْئا أبْعث لطلب الْإِخْلَاص من الْوحدَة لِأَنَّهُ إِذا خلا لم ير غير الله تَعَالَى فَإِذا لم ير غَيره لم يحركه إِلَّا حكم الله وَمن أحب الْخلْوَة فقد تعلق بعمود الْإِخْلَاص واستمسك بِرُكْن كَبِير من أَرْكَان الصدْق
وَبِه قَالَ سَمِعت ذَا النُّون يَقُول من عَلَامَات الْمحبَّة لله مُتَابعَة حبيب الله فِي أخلاقه وأفعاله وَأمره وسننه
وسمعته يَقُول إِذا صَحَّ الْيَقِين فِي الْقلب صَحَّ الْخَوْف فِيهِ
سَمِعت مَنْصُور بن عبد الله يَقُول سَمِعت الْعَبَّاس بن يُوسُف يَقُول سَمِعت سعيد بن عُثْمَان يَقُول أَنْشدني ذُو النُّون
[ ٣٠ ]
(أَمُوت وَمَا مَاتَت إِلَيْك صبابتي وَلَا قضيت من صدق حبك أوطاري)
(مناي المنى كل المنى أَنْت لي مني وَأَنت الْغَنِيّ كل الْغنى عِنْد إقتاري)
(وَأَنت مدى سؤلي وَغَايَة رغبتي وَمَوْضِع آمالي ومكنون إضماري)
(تحمل قلبِي فِيك مَا لَا أبثه وَإِن طَال سقمي فِيك أَو طَال إضراري)
(وَبَين ضلوعي مِنْك مَا لَك قد بدا وَلم يبد باديه لأهل وَلَا جَار)
(وَبِي مِنْك فِي الأحشاء دَاء مخامر وَقد هدمني الرُّكْن وانبث إسراري)
(أَلَسْت دَلِيل الركب إِن هم تحيروا ومنقذ من أشفى على جرف هاري)
(أنرت الْهدى للمهتدين وَلم يكن من النُّور فِي أَيْديهم عشر معشار)
(فنلني بِعَفْو مِنْك أَحْيَا بِقُرْبِهِ اغثني بيسر مِنْك يطرد إعساري)
قَالَ وَسمعت ذَا النُّون يَقُول لَئِن مددت يَدي إِلَيْك دَاعيا لطالما كفيتني سَاهِيا أأقطع مِنْك رجاي بِمَا عملت يداي حسبي من سُؤَالِي علمك بحالي
وَبِه قَالَ ذُو النُّون كل مُدع مَحْجُوب بِدَعْوَاهُ عَن شُهُود الْحق لِأَن الْحق شَاهد لأهل الْحق لِأَن الله هُوَ الْحق وَقَوله الْحق وَلَا يحْتَاج أَن يَدعِي إِذا كَانَ الْحق شَاهدا لَهُ فَأَما إِذا كَانَ غَائِبا فَحِينَئِذٍ يدعى وَإِنَّمَا تقع الدَّعْوَى للمحجوبين
[ ٣١ ]
وَبِه قَالَ ذُو النُّون من أنس بالخلق فقد استمكن من بِسَاط الفراعنة وَمن غيب عَن مُلَاحظَة نَفسه فقد استمكن من الْإِخْلَاص وَمن كَانَ حَظه فِي الْأَشْيَاء هُوَ لَا يُبَالِي مَا فَاتَهُ مِمَّا هُوَ دونه
سَمِعت أَبَا الْحسن عَليّ بن مُحَمَّد الْقزْوِينِي يَقُول سَمِعت عَليّ بن أَحْمد ابْن مُحَمَّد البزناني يَقُول سَمِعت مُحَمَّد بن الْحُسَيْن يَقُول سَمِعت فَارِسًا يَقُول سَمِعت يُوسُف بن الْحُسَيْن يَقُول سَمِعت ذَا النُّون يَقُول الصدْق سيف الله فِي أرضه مَا وضع على شَيْء إِلَّا قطعه
وبإسناده قَالَ ذُو النُّون من تزين بِعَمَلِهِ كَانَت حَسَنَاته سيئات
سَمِعت أَحْمد بن عَليّ بن جَعْفَر يَقُول سَمِعت فَارِسًا يَقُول سَمِعت يُوسُف بن الْحُسَيْن يَقُول سَمِعت ذَا النُّون يَقُول بِأول قدم تطلبه تُدْرِكهُ وتجده
[ ٣٢ ]
وبإسناده قَالَ سَمِعت ذَا النُّون يَقُول أدنى منَازِل الْأنس أَن يلقى فِي النَّار فَلَا يغيب همه عَن مأموله
سَمِعت أَبَا سعيد أَحْمد بن مُحَمَّد بن رُمَيْح الْحَافِظ يَقُول سَمِعت أَبَا يعلى ابْن خلف يَقُول سَمِعت ابْن البرقي يَقُول سَمِعت ذَا النُّون يَقُول الْأنس بِاللَّه نور سَاطِع والأنس بالخلق غم وَاقع
سَمِعت نصر بن مُحَمَّد بن أَحْمد بن يَعْقُوب الْعَطَّار يَقُول سَمِعت أَبَا مُحَمَّد البلاذري يَقُول سَمِعت يُوسُف بن الْحُسَيْن يَقُول سَمِعت ذَا النُّون يَقُول لله عباد تركُوا الذَّنب استحياء من كرمه بعد أَن تَرَكُوهُ خوفًا من عُقُوبَته وَلَو قَالَ لَك اعْمَلْ مَا شِئْت فلست آخذك بذنب كَانَ يَنْبَغِي أَن يزيدك كرمه استحياء مِنْهُ وتركا لمعصيته إِن كنت حرا كَرِيمًا عبدا شكُورًا فَكيف وَقد حذرك
وبإسناده قَالَ ذُو النُّون الْخَوْف رَقِيب الْعَمَل والرجاء شَفِيع المحن
وبإسناده قَالَ ذُو النُّون اطلب الْحَاجة بِلِسَان الْفقر لَا بِلِسَان الحكم
سَمِعت أَحْمد بن عَليّ بن جَعْفَر يَقُول سَمِعت الْحسن بن سهل بن عَاصِم يَقُول سَمِعت عَليّ بن عبد الله الكرجي يَقُول سَمِعت ذَا النُّون يَقُول مِفْتَاح الْعِبَادَة الفكرة وعلامة الْهوى مُتَابعَة الشَّهَوَات وعلامة التَّوَكُّل انْقِطَاع المطامع
سَمِعت أَحْمد بن عَليّ بن جَعْفَر يَقُول سَمِعت فَارِسًا يَقُول سَمِعت
[ ٣٣ ]
يُوسُف بن الْحُسَيْن يَقُول سَمِعت ذَا النُّون يَقُول كَانَ لي صديق فَقير فَمَاتَ فرأيته فِي النّوم فَقلت لَهُ مَا فعل الله بك قَالَ قَالَ لي قد غفرت لَك بترددك إِلَى هَؤُلَاءِ السّفل أَبنَاء الدُّنْيَا فِي رغيف قبل أَن يعطوك
سَمِعت أَبَا جَعْفَر مُحَمَّد بن أَحْمد بن سعيد الرَّازِيّ يَقُول سَمِعت أَبَا الْفضل الْعَبَّاس بن حَمْزَة قَالَ سَمِعت ذَا النُّون يَقُول كَانَ الرجل من أهل الْعلم يزْدَاد بِعِلْمِهِ بغضا للدنيا وتركا لَهَا وَالْيَوْم يزْدَاد الرجل بِعِلْمِهِ للدنيا حبا وَلها طلبا وَكَانَ الرجل مَاله على علمه وَالْيَوْم تكسب الرجل بِعِلْمِهِ مَالا وَكَانَ يرى على صَاحب الْعلم زِيَادَة فِي بَاطِنه وَظَاهره وَالْيَوْم يرى على كثير من أهل الْعلم فَسَاد الْبَاطِن وَالظَّاهِر
سَمِعت أَبَا الْحُسَيْن مُحَمَّد بن أَحْمد الْفَارِسِي يَقُول سَمِعت فَارِسًا يَقُول سَمِعت يُوسُف بن الْحُسَيْن يَقُول سَمِعت ذَا النُّون يَقُول الْعَارِف كل يَوْم أخشع لِأَنَّهُ كل سَاعَة أقرب
قَالَ وَسمعت ذَا النُّون يَقُول يَا معشر المريدين من أَرَادَ مِنْكُم الطَّرِيق فليلق الْعلمَاء بِالْجَهْلِ والزهاد بالرغبة وَأهل الْمعرفَة بِالصَّمْتِ
سَمِعت أَبَا جَعْفَر الرَّازِيّ يَقُول سَمِعت الْعَبَّاس بن حَمْزَة يَقُول سَمِعت ذَا النُّون يَقُول إِن الْعَارِف لَا يلْزم حَالَة وَاحِدَة إِنَّمَا يلْزم ربه فِي الْحَالَات كلهَا
[ ٣٤ ]
٣ - وَمِنْهُم إِبْرَاهِيم بن أدهم أَبُو إِسْحَاق
من أهل بَلخ كَانَ من أَبنَاء الْمُلُوك والمياسير خرج متصيدا فَهَتَفَ بِهِ هَاتِف أيقظه من غفلته فَترك طَرِيقَته فِي التزين بالدنيا وَرجع إِلَى طَريقَة أهل الزّهْد والورع خرج إِلَى مَكَّة وَصَحب بهَا سُفْيَان الثَّوْريّ والفضيل ابْن عِيَاض
وَدخل الشَّام فَكَانَ يعْمل فِيهِ وَيَأْكُل من عمل يَده وَبهَا مَاتَ وَأسْندَ الحَدِيث
أخبرنَا عبد الله بن مُوسَى بن الْحسن السلَامِي بمرو قَالَ حَدثنَا لَاحق
[ ٣٥ ]
ابْن الْهَيْثَم اللاحقي قَالَ حَدثنَا الْحسن بن عِيسَى الدِّمَشْقِي قَالَ حَدثنَا مُحَمَّد بن فَيْرُوز الْمصْرِيّ قَالَ حَدثنَا بَقِيَّة قَالَ حَدثنَا إِبْرَاهِيم بن آدم عَن أَبِيه أدهم بن مَنْصُور عَن سعيد بن جُبَير عَن ابْن عَبَّاس أَن النَّبِي ﷺ كَانَ يسْجد على كور الْعِمَامَة
سَمِعت أَبَا الْعَبَّاس مُحَمَّد بن الْحسن بن الخشاب قَالَ حَدثنَا أَبُو الْحسن عَليّ بن مُحَمَّد بن أَحْمد الْمصْرِيّ قَالَ حَدثنِي أَبُو سعيد أَحْمد بن عِيسَى الخراز قَالَ حَدثنَا إِبْرَاهِيم بن بشار قَالَ صَحِبت إِبْرَاهِيم بن أدهم
[ ٣٦ ]
بِالشَّام أَنا وَأَبُو يُوسُف الغسولي وَأَبُو عبد الله السنجاري فَقلت يَا ابا إِسْحَاق خبرني عَن بَدْء أَمرك كَيفَ كَانَ قَالَ كَانَ أبي من مُلُوك خُرَاسَان وَكنت شَابًّا فركبت إِلَى الصَّيْد فَخرجت يَوْمًا على دَابَّة لي وَمَعِي كلب فأثرت أرنبا أَو ثعلبا فَبينا أَنا أطلبه إِذا هتف بِي هَاتِف لَا أرَاهُ فَقَالَ يَا إِبْرَاهِيم أَلِهَذَا خلقت أم بِهَذَا أمرت فَفَزِعت ووقفت ثمَّ عدت فركضت الثَّانِيَة فَفعل بِي مثل ذَلِك ثَلَاث مَرَّات ثمَّ هتف بِي هَاتِف من قربوس السرج وَالله مَا لهَذَا خلقت وَلَا بِهَذَا أمرت قَالَ فَنزلت فصادفت رَاعيا لأبي يرْعَى الْغنم فاخذت جبته الصُّوف فلبستها وَدفعت إِلَيْهِ الْفرس وَمَا كَانَ معي وتوجهت إِلَى مَكَّة
فَبينا أَنا فِي الْبَادِيَة إِذا أَنا بِرَجُل يسير لَيْسَ مَعَه إِنَاء وَلَا زَاد فَلَمَّا أَمْسَى وَصلى الْمغرب حرك شَفَتَيْه بِكَلَام لم أفهمهُ فَإِذا أَنا بِإِنَاء فِيهِ طَعَام وإناء فِيهِ شراب فَأكلت وشربت وَكنت مَعَه على هَذَا أَيَّامًا وَعَلمنِي اسْم الله الْأَعْظَم ثمَّ غَابَ عني وَبقيت وحدي فَبينا أَنا ذَات يَوْم مستوحش من الْوحدَة دَعَوْت الله بِهِ فَإِذا أَنا بشخص آخذ بحجزتي وَقَالَ سل تعطه فراعني قَوْله
فَقَالَ لَا روع عَلَيْك وَلَا بَأْس عَلَيْك أَنا أَخُوك الْخضر إِن أخي دَاوُد علمك اسْم الله الْأَعْظَم فَلَا تدع بِهِ على أحد بَيْنك وَبَينه شَحْنَاء فتهلكه هَلَاك الدُّنْيَا وَالْآخِرَة وَلَكِن ادْع الله أَن يشجع بِهِ جَنْبك ويقوى بِهِ ضعفك وَيُؤْنس بِهِ وحشتك ويجدد بِهِ فِي كل سَاعَة رغبتك ثمَّ انْصَرف وَتَرَكَنِي
[ ٣٧ ]
وَسمعت مُحَمَّد بن الْحسن الْبَغْدَادِيّ يَقُول سَمِعت عَليّ بن مُحَمَّد بن أَحْمد الْمصْرِيّ يَقُول سَمِعت أَحْمد بن عِيسَى الخراز قَالَ حَدثنِي غير وَاحِد من أَصْحَابنَا مِنْهُم سعيد بن جَعْفَر الْوراق وَهَارُون الأدمِيّ وَعُثْمَان التمار قَالُوا حَدثنَا عُثْمَان بن عمَارَة قَالَ حَدثنِي إِبْرَاهِيم بن أدهم عَن رجل من أهل إسكندرية يُقَال لَهُ أسلم بن يزِيد الْجُهَنِيّ قَالَ لَقيته بالإسكندرية فَقَالَ لي من أَنْت يَا غُلَام قلت شَاب من أهل خُرَاسَان قَالَ مَا حملك على الْخُرُوج من الدُّنْيَا قلت زهدا فِيهَا ورجاء لثواب الله تَعَالَى فَقَالَ إِن العَبْد لَا يتم رجاؤه لثواب الله تَعَالَى حَتَّى يحمل نَفسه على الصَّبْر فَقَالَ رجل مِمَّن كَانَ مَعَه وَأي شَيْء الصَّبْر فَقَالَ إِن أدنى منَازِل الصَّبْر أَن يروض العَبْد نَفسه على احْتِمَال مكاره الْأَنْفس
قَالَ قلت ثمَّ مَه قَالَ إِذا كَانَ مُحْتملا للمكاره أورث الله قلبه نورا قلت وَمَا ذَلِك النُّور قَالَ سراج يكون فِي قلبه يفرق بِهِ بَين الْحق وَالْبَاطِل والناسخ والمتشابه قلت هَذِه صفة أَوْلِيَاء رب الْعَالمين قَالَ أسْتَغْفر الله صدق عِيسَى ابْن مَرْيَم ﵇ حِين قَالَ لَا تضعوا الْحِكْمَة عِنْد غير أَهلهَا فتضيعوها وَلَا تمنعوها أَهلهَا فتظلموها
فبصبصت إِلَيْهِ وَطلبت إِلَيْهِ وَطلب معي أَصْحَابه إِلَيْهِ فَقَالَ عِنْد ذَلِك يَا غُلَام إياك إِذا صَحِبت الأخيار أَو حادثت الْأَبْرَار أَن تغضبهم عَلَيْك فَإِن الله يغْضب لغضبهم ويرضى لرضاهم وَذَلِكَ أَن الْحُكَمَاء هم الْعلمَاء وهم الراضون عَن الله ﷿ إِذا سخط النَّاس وهم جلساء الله غَدا بعد النَّبِيين وَالصديقين
يَا غُلَام احفظ عني واعقل وَاحْتمل وَلَا تعجل فَإِن التأني مَعَه الْحلم وَالْحيَاء وَإِن السَّفه مَعَه الْخرق والشؤم قَالَ فَسَأَلت عَيْني وَقلت وَالله
[ ٣٨ ]
مَا حَملَنِي على مُفَارقَة أَبَوي وَالْخُرُوج من مَالِي إِلَّا حب الأثرة لله وَمَعَ ذَلِك الزّهْد فِي الدُّنْيَا وَالرَّغْبَة فِي جوَار الله تَعَالَى
فَقَالَ إياك وَالْبخل قلت مَا الْبُخْل فَقَالَ أما الْبُخْل عِنْد أهل الدُّنْيَا فَهُوَ أَن يكون الرجل بَخِيلًا بِمَالِه وَأما الَّذِي عِنْد أهل الْآخِرَة فَهُوَ الَّذِي يبخل بِنَفسِهِ عَن الله تَعَالَى أَلا وَإِن العَبْد إِذا جاد بِنَفسِهِ لله أورث قلبه الْهدى والتقى وَأعْطى السكينَة وَالْوَقار وَالْعلم الْكَامِل وَمَعَ ذَلِك تفتح لَهُ أَبْوَاب السَّمَاء فَهُوَ ينظر إِلَى أَبْوَابهَا بِقَلْبِه كَيفَ تفتح وَإِن كَانَ فِي طَرِيق الدُّنْيَا مطروحا
فَقَالَ لَهُ رجل من أَصْحَابه اضربه فأوجعه فَإنَّا نرَاهُ غُلَاما قد وفْق لولاية الله تَعَالَى قَالَ فتعجب الشَّيْخ من قَول أَصْحَابه قد وفْق لولاية الله تَعَالَى فَقَالَ لي يَا غُلَام أما إِنَّك ستصحب الأخيار فَكُن لَهُم أَرضًا يطأون عَلَيْك وَإِن ضربوك وشتموك وطردوك وأسمعوك الْقَبِيح فَإِذا فعلوا بك ذَلِك ففكر فِي نَفسك من أَيْن أتيت فَإنَّك إِذا فعلت ذَلِك يؤيدك الله بنصره وَيقبل بقلوبهم عَلَيْك اعْلَم أَن العَبْد إِذا قلاه الأخيار واجتنب صحبته الورعون وأبغضه الزاهدون فَإِن ذَلِك استعتاب من الله تَعَالَى لكَي يعتبه فَإِن أَعتب الله ﷿ أقبل بقلوبهم عَلَيْهِ وَإِن تمرد على الله أورث قلبه الضَّلَالَة مَعَ حرمَان الرزق وجفاء من الْأَهْل ومقت من الْمَلَائِكَة وإعراض من الرُّسُل بِوُجُوهِهِمْ ثمَّ لم يبال فِي أَي وَاد يهلكه
قَالَ قلت إِنِّي صَحِبت وَأَنا ماش بَين الْكُوفَة الْكُوفَة وَمَكَّة رجلا فرأيته إِذا أَمْسَى يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ فيهمَا تجَاوز ثمَّ يتَكَلَّم بِكَلَام خَفِي بَينه وَبَين نَفسه فَإِذا جَفْنَة من ثريد عَن يَمِينه وكوز من مَاء فَكَانَ يَأْكُل ويطعمني قَالَ فَبكى الشَّيْخ عِنْد ذَلِك وَبكى من حوله ثمَّ قَالَ يَا بني أَو يَا أخي ذَاك أخي دَاوُد ومسكنه من وَرَاء بَلخ بقرية يُقَال لَهَا الْبَارِدَة الطّيبَة وَذَلِكَ أَن الْبِقَاع تفاخرت بكينونة دَاوُد فِيهَا يَا غُلَام مَا قَالَ لَك وَمَا علمك
[ ٣٩ ]
قَالَ قلت عَلمنِي اسْم الله الْأَعْظَم فَسَأَلَ الشَّيْخ مَا هُوَ فَقلت إِنَّه يتعاظم عَليّ أَن أنطق بِهِ فَإِنِّي سَأَلت بِهِ مرّة فَإِذا بِرَجُل آخذ بحجزتي وَقَالَ سل تعطه فراعني فَقَالَ لَا روع عَلَيْك أَنا أَخُوك الْخضر إِن أخي دَاوُد علمك إِيَّاه فإياك أَن تَدْعُو بِهِ إِلَّا فِي بر ثمَّ قَالَ يَا غُلَام إِن الزاهدين فِي الدُّنْيَا قد اتَّخذُوا الرِّضَا عَن الله لباسا وحبه دثارا والأثرة لَهُ شعارا فتفضل الله تَعَالَى عَلَيْهِم لَيْسَ كتفضله على غَيرهم ثمَّ ذهب عني فتعجب الشَّيْخ من قولي
ثمَّ قَالَ إِن الله سيبلغ بِمن كَانَ فِي مثالك وَمن تبعك من المهتدين ثمَّ قَالَ يَا غُلَام إِنَّا قد أفدناك ومهدناك وعلمناك علما ثمَّ قَالَ بَعضهم لَا تطمع فِي السهر مَعَ الشِّبَع وَلَا تطمع فِي الْحزن مَعَ كَثْرَة النّوم وَلَا تطمع فِي الْخَوْف لله مَعَ الرَّغْبَة فِي الدُّنْيَا وَلَا تطمع فِي الْأنس بِاللَّه مَعَ الْأنس بالمخلوقين وَلَا تطمع فِي إلهام الْحِكْمَة مَعَ ترك التَّقْوَى وَلَا تطمع فِي الصِّحَّة فِي أمورك مَعَ مُوَافقَة الظلمَة وَلَا تطمع فِي حب الله مَعَ محبَّة المَال والشرف وَلَا تطمع فِي لين الْقلب مَعَ الْجفَاء للْيَتِيم والأرملة والمسكين وَلَا تطمع فِي الرقة مَعَ فضول الْكَلَام وَلَا تطمع فِي رَحْمَة الله مَعَ ترك الرَّحْمَة للمخلوقين وَلَا تطمع فِي الرشد مَعَ ترك مجالسة الْعلمَاء وَلَا تطمع فِي الْحبّ لله مَعَ حب المدحة وَلَا تطمع فِي الْوَرع مَعَ الْحِرْص فِي الدُّنْيَا وَلَا تطمع فِي الرِّضَا والقناعة مَعَ قلَّة الْوَرع ثمَّ قَالَ بَعضهم يَا إلهنا احجبه عَنَّا واحجبنا عَنهُ قَالَ إِبْرَاهِيم فَمَا أَدْرِي أَيْن ذَهَبُوا
سَمِعت أَحْمد بن عَليّ بن الْحسن الْمُقْرِئ يَقُول سَمِعت مُحَمَّد بن غَالب التمتام يَقُول كتب إِبْرَاهِيم بن أدهم إِلَى سُفْيَان الثَّوْريّ من عرف مَا
[ ٤٠ ]
يطْلب هان عَلَيْهِ مَا يبْذل وَمن أطلق بَصَره طَال أسفه وَمن أطلق أمله سَاءَ عمله وَمن أطلق لِسَانه قتل نَفسه
سَمِعت أَبَا الْعَبَّاس الْبَغْدَادِيّ يَقُول حَدثنَا عَليّ بن مُحَمَّد بن أَحْمد الْمصْرِيّ حَدثنَا يُوسُف بن مُوسَى حَدثنَا عبد الله بن خبيق حَدثنِي خلف بن تَمِيم سَمِعت أَبَا الْأَحْوَص يَقُول رَأَيْت خَمْسَة مَا رَأَيْت مثلهم قطّ إِبْرَاهِيم بن أدهم ويوسف بن أَسْبَاط وَحُذَيْفَة بن قَتَادَة وهشيم الْعجلِيّ وَأَبُو يُونُس الْقوي
أخبرنَا عَليّ بن بنْدَار قَالَ أخبرنَا مُحَمَّد بن شريك قَالَ أخبرنَا ابْن أبي الدُّنْيَا قَالَ أَخْبرنِي مُحَمَّد بن إِسْحَاق قَالَ أَخْبرنِي أبي قَالَ قلت لإِبْرَاهِيم بن أدهم أوصني فَقَالَ اتخذ الله صاحبا وذر النَّاس جانبا
[ ٤١ ]
سَمِعت مَنْصُور بن عبد الله يَقُول سَمِعت مُحَمَّد بن حَامِد يَقُول سَمِعت أَحْمد بن خضرويه يَقُول قَالَ إِبْرَاهِيم بن أدهم لرجل فِي الطّواف اعْلَم أَنَّك لَا تنَال دَرَجَة الصَّالِحين حَتَّى تجوز سِتّ عِقَاب
أولاها أَن تغلق بَاب النِّعْمَة وتفتح بَاب الشدَّة
وَالثَّانيَِة أَن تغلق بَاب الْعِزّ وتفتح بَاب الذل
وَالثَّالِثَة أَن تغلق بَاب الرَّاحَة وتفتح بَاب الْجهد
وَالرَّابِعَة أَن تغلق بَاب النّوم وتفتح بَاب السهر
وَالْخَامِسَة أَن تغلق بَاب الْغنى وتفتح بَاب الْفقر
وَالسَّادِسَة أَن تغلق بَاب الأمل وتفتح بَاب الاستعداد للْمَوْت
٤ - وَمِنْهُم بشر بن الْحَارِث بن عبد الرَّحْمَن بن عَطاء بن هِلَال بن ماهان بن عبد الله الحافي
[ ٤٢ ]
كَذَلِك ذكره عبد الرَّحْمَن بن عَليّ بن خشرم فِيمَا أخبرنَا أَحْمد بن مَنْصُور النوشري عَن ابْن مخلد عَنهُ كنيته أَبُو نصر أَصله من مرو من قَرْيَة بكرد أَو مابرسام سكن بَغْدَاد وَمَات بهَا وَهُوَ ابْن عَم عَليّ بن خشرم وَصَحب الفضيل بن عِيَاض وَكَانَ عَالما ورعا
قَالَ يحيى بن أَكْثَم قَالَ لي الْمَأْمُون لم يبْق فِي هَذِه الكورة أحد
[ ٤٣ ]
يستحى مِنْهُ غير هَذَا الشَّيْخ بشر بن الْحَارِث
سَمِعت أَبَا مُحَمَّد عبد الله بن أَحْمد بن جَعْفَر يَقُول سَمِعت الْعَبَّاس بن عبد الله بن أَحْمد بن عِصَام الْبَغْدَادِيّ يَقُول سَمِعت جَعْفَر بن عبد الله بن أَحْمد البرداني يَقُول قَالَ يحيى بن أَكْثَم هَذَا مَاتَ بشر بن الْحَارِث يَوْم الْأَرْبَعَاء لعشر خلون من الْمحرم سنة سبع وَعشْرين وَمِائَتَيْنِ وَأسْندَ الحَدِيث
أخبرنَا أَبُو عَمْرو سعيد بن الْقَاسِم بن الْعَلَاء البرذعي أخبرنَا أَبُو
[ ٤٤ ]
طَلْحَة أَحْمد بن مُحَمَّد بن عبد الْكَرِيم أخبرنَا مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن أبي الْورْد العابد قَالَ سَمِعت بشر بن الْحَارِث الحافي يَقُول أخبرنَا الْمعَافى بن عمرَان عَن إِسْرَائِيل عَن مُسلم الْملَائي عَن حَبَّة العرني عَن عَليّ
[ ٤٥ ]
﵁ قَالَ قَالَ النَّبِي ﷺ (كلوا الثوم نيئا فلولا أَن الْملك يأتيني لأكلته)
أخبرنَا عبيد الله بن عُثْمَان قَالَ حَدثنَا أَبُو عَمْرو بن السماك حَدثنَا الْحسن بن عَمْرو السبيعِي قَالَ سَمِعت بشر بن الْحَارِث يَقُول يَأْتِي على النَّاس زمَان وَلَا تقر فِيهِ عين حَكِيم وَيَأْتِي عَلَيْهِم زمَان تكون الدولة فِيهِ للحمقى على الأكياس
وبإسناده قَالَ سَمِعت بشرا يَقُول النّظر إِلَى الأحمق سخنة الْعين وَالنَّظَر إِلَى الْبَخِيل يقسي الْقلب
[ ٤٦ ]
وَبِه قَالَ سَمِعت بشرا يَقُول اعْمَلْ فِي ترك التصنع وَلَا تعْمل فِي التصنع
وَبِه قَالَ سَمِعت بشرا يَقُول الصَّبْر الْجَمِيل هُوَ الَّذِي لَا شكوى فِيهِ إِلَى النَّاس
وَبِه قَالَ سَمِعت بشرا يَقُول لَا تكون كَامِلا حَتَّى يأمنك عَدوك وَكَيف يكون فِيك خير وَأَنت لَا يأمنك صديقك
وَبِه قَالَ سَمِعت بشرا يَقُول لَا تَجِد حلاوة الْعِبَادَة حَتَّى تجْعَل بَيْنك وَبَين الشَّهَوَات حَائِطا من حَدِيد
وبإسناده قَالَ سَمِعت بشرا يَقُول الدُّعَاء ترك الذُّنُوب
حَدثنَا أَبُو عَبَّاس مُحَمَّد بن الْحسن بن الخشاب قَالَ أخبرنَا أَحْمد بن مُحَمَّد بن صَالح قَالَ حَدثنَا مُحَمَّد بن عبدون قَالَ حَدثنَا حسن المسوحي قَالَ رَآنِي بشر بن الْحَارِث يَوْمًا بَارِدًا وَأَنا أرتعد من الْبرد
[ ٤٧ ]
فَنظر إِلَيّ وَقَالَ
(قطع اللَّيَالِي مَعَ الْأَيَّام فِي خلق وَالنَّوْم تَحت رواق الْهم والقلق)
(أَحْرَى وأجدر بِي من أَن يُقَال غَدا إِنِّي التمست الْغنى من كف مختلق)
(قَالُوا رضيت بذا قلت القنوع غنى لَيْسَ الْغنى كَثْرَة الْأَمْوَال وَالْوَرق)
(رضيت بِاللَّه فِي عسري وَفِي يسري فلست أسلك إِلَّا وَاضح الطّرق)
وبإسناده قَالَ سَمِعت بشرا يَقُول المتقلب فِي جوعه كالمتشحط فِي دَمه فِي سَبِيل الله وثوابه الْجنَّة
وَبِه قَالَ سَمِعت بشرا يَقُول هَب أَنَّك لَا تخَاف وَيحك أَلا تشتاق
أخبرنَا عبيد الله بن عُثْمَان بن يحيى حَدثنَا أَبُو عَمْرو بن السماك حَدثنَا أَحْمد بن مُحَمَّد الْفَزارِيّ حَدثنَا عبد الله بن خبيق قَالَ قَالَ بشر أَرْبَعَة رفعهم الله بِطيب الْمطعم وهيب بن الْورْد وَإِبْرَاهِيم بن أدهم ويوسف ابْن أَسْبَاط وَسَالم الْخَواص
أخبرنَا عبيد الله بن عُثْمَان حَدثنَا أَبُو عَمْرو بن السماك حَدثنَا مُحَمَّد بن حَفْص حَدثنَا مُحَمَّد بن الْمثنى بن زِيَاد قَالَ سَمِعت بشرا يَقُول شاطر
[ ٤٨ ]
سخي أحب إِلَيّ من قَارِئ لئيم
وَأخْبرنَا عبيد الله حَدثنَا أَبُو عَمْرو حَدثنَا مُحَمَّد بن الْعَبَّاس حَدثنَا أَبُو بكر ابْن بنت مُعَاوِيَة قَالَ سَمِعت أَبَا بكر بن عَفَّان قَالَ سَمِعت بشر ابْن الْحَارِث يَقُول إِنِّي لأشتهي الشواء مُنْذُ أَرْبَعِينَ سنة فَمَا صفا لي درهمه
وَأخْبرنَا عبيد الله حَدثنَا أَبُو عَمْرو حَدثنَا عمر بن سعيد القراطيسي حَدثنَا ابْن أبي الدُّنْيَا قَالَ قَالَ رجل لبشر لَا أَدْرِي بِأَيّ شَيْء آكل خبزني فَقَالَ اذكر الْعَافِيَة وَاجْعَلْهَا إدامك
[ ٤٩ ]
وَأخْبرنَا عبيد الله حَدثنَا أَبُو عَمْرو قَالَ قَالَ الْقَاسِم بن مُنَبّه سَمِعت بشرا يَقُول إِن لم تُطِع فَلَا تعص
وبإسناده قَالَ سَمِعت بشرا يَقُول أَنا أكره الْمَوْت وَلَا يكره الْمَوْت إِلَّا مريب
وَبِه قَالَ بشر حبك لمعْرِفَة النَّاس رَأس محبَّة الدُّنْيَا
سَمِعت عَليّ بن عمر الْحَافِظ قَالَ سَمِعت أَبَا سهل بن زِيَاد قَالَ قَالَ إِبْرَاهِيم الْحَرْبِيّ سَمِعت بشر بن الْحَارِث يَقُول بحسبك أَن قوما موتى تحيا الْقُلُوب بذكرهم وَأَن قوما أَحيَاء تقسو الْقُلُوب برؤيتهم
وَبِه قَالَ الْحَلَال لَا يحْتَمل السَّرف
سَمِعت مُحَمَّد بن الْحسن الْبَغْدَادِيّ يَقُول سَمِعت أَبَا عَمْرو بن السماك يَقُول سَمِعت الْحسن بن عَمْرو السبيعِي يَقُول سَمِعت بشرا يَقُول بِي دَاء مَا لم أعالج نَفسِي لَا أتفرغ لغيري فَإِذا عَالَجت نَفسِي تفرغت لغيري مَا
[ ٥٠ ]
أبصرني بِموضع الدَّاء وَمَوْضِع الدَّوَاء إِن أعانني مِنْهُ بمعونة ثمَّ قَالَ أَنْتُم الدَّاء أرى وُجُوه قوم لَا يخَافُونَ متهاونين بِأُمُور الْآخِرَة
سَمِعت أَبَا بكر مُحَمَّد بن عبد الله بن شَاذان يَقُول سَمِعت حَمْزَة الْبَزَّار يَقُول سَمِعت عَبَّاس بن دهقان يَقُول كنت عِنْد بشر وَهُوَ يتَكَلَّم فِي الرِّضَا وَالتَّسْلِيم فَإِذا هُوَ بِرَجُل من المتصوفة فَقَالَ لَهُ يَا أَبَا نصر انقبضت عَن أَخذ الْبر من يَد الْخلق لإِقَامَة الجاه فَإِن كنت متحققا بالزهد منصرفا عَن الدُّنْيَا فَخذ من أَيْديهم ليمتحى جاهك عِنْدهم وَأخرج مَا يعطونك إِلَى الْفُقَرَاء وَكن بِعقد التَّوَكُّل تَأْخُذ قوتك من الْغَيْب
فَاشْتَدَّ ذَلِك على أَصْحَاب بشر فَقَالَ بشر اسْمَع أَيهَا الرجل الْجَواب الْفُقَرَاء ثَلَاثَة فَقير لَا يسْأَل وَإِن أعْطى لَا يَأْخُذ فَذَاك من الروحانيين إِذا سَأَلَ الله أعطَاهُ وَإِن أقسم على الله أبر قسمه
وفقير لَا يسْأَل وَإِن أعْطى قبل فَذَاك من أَوسط الْقَوْم عقده التَّوَكُّل والسكون إِلَى الله تَعَالَى وَهُوَ مِمَّن تُوضَع لَهُ الموائد فِي حظيره الْقُدس
وفقير اعْتقد الصَّبْر ومدافعة الْوَقْت فَإِذا طرقته الْحَاجة خرج إِلَى عبيد الله وَقَلبه إِلَى الله بالسؤال فكفارة مَسْأَلته صدقه فِي السُّؤَال فَقَالَ الرجل رضيت رَضِي الله عَنْك
٥ - وَمِنْهُم سري بن الْمُغلس السَّقطِي كنيته أَبُو الْحسن
[ ٥١ ]
يُقَال إِنَّه خَال الْجُنَيْد وأستاذه صحب مَعْرُوفا الْكَرْخِي وَهُوَ أول من تكلم بِبَغْدَاد فِي لِسَان التَّوْحِيد وحقائق الْأَحْوَال وَهُوَ إِمَام البغداديين وشيخهم فِي وقته وَإِلَيْهِ ينتمي أَكثر الطَّبَقَة الثَّانِيَة من الْمَشَايِخ الْمَذْكُورين فِي هَذَا الْكتاب
سَمِعت أَبَا الْحسن بن مقسم الْمُقْرِئ بِبَغْدَاد يَقُول مَاتَ سري السَّقطِي سنة إِحْدَى وَخمسين وَمِائَتَيْنِ وَأسْندَ الحَدِيث
أخبرنَا مُحَمَّد بن عبد الله بن الْمطلب الشَّيْبَانِيّ بِالْكُوفَةِ حَدثنَا الْعَبَّاس بن يُوسُف الشكلي حَدثنَا سري السَّقطِي حَدثنَا مُحَمَّد بن معن الْغِفَارِيّ
[ ٥٢ ]
حَدثنَا خَالِد بن سعيد عَن أبي زَيْنَب مولى حَازِم بن حَرْمَلَة عَن حَازِم بن حَرْمَلَة الْغِفَارِيّ صَاحب رَسُول الله ﷺ قَالَ (مَرَرْت يَوْمًا فرآني رَسُول الله ﷺ فَقَالَ يَا حَازِم أَكثر من قَول لَا حول وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه فَإِنَّهَا من كنوز الْجنَّة
سَمِعت جَعْفَر بن مُحَمَّد بن نصير يَقُول سَمِعت الْجُنَيْد يَقُول سَمِعت السّري يَقُول أعرف طَرِيقا مُخْتَصرا قصدا إِلَى الْجنَّة فَقلت مَا هُوَ فَقَالَ لَا تسْأَل أحدا شَيْئا وَلَا تَأْخُذ من أحد شَيْئا وَلَا يكون مَعَك شَيْء تُعْطِي مِنْهُ أحدا
وبإسناده قَالَ سَمِعت السّري يَقُول مَا أرى لي على أحد فضلا قيل وَلَا على المخنثين قَالَ وَلَا على المخنثين
وَبِه قَالَ سَمِعت السّري يَقُول إِذا فَاتَنِي جُزْء من وردي لَا يمكنني أَن أقضيه أبدا
سَمِعت أَبَا بكر مُحَمَّد بن عبد الله بن شَاذان الرَّازِيّ يَقُول سَمِعت أَبَا عمر
[ ٥٣ ]
الْأنمَاطِي يَقُول سَمِعت الْجُنَيْد يَقُول سَمِعت السّري يَقُول من أَرَادَ أَن يسلم دينه ويستريح قلبه وبدنه ويقل غمه فليعتزل النَّاس لِأَن هَذَا زمَان عزلة ووحدة
سَمِعت مُحَمَّد بن الْحسن الْبَغْدَادِيّ يَقُول حَدثنَا أَحْمد بن مُحَمَّد بن صَالح حَدثنَا مُحَمَّد بن عبدون حَدثنَا عبد القدوس بن الْقَاسِم قَالَ سَمِعت السّري يَقُول كل الدُّنْيَا فضول إِلَّا خمس خِصَال خبز يشبعه وَمَاء يرويهِ وثوب يستره وَبَيت يكنه وَعلم يَسْتَعْمِلهُ
وَبِه قَالَ وَقَالَ السّري التَّوَكُّل الانخلاع من الْحول وَالْقُوَّة
وبإسناده قَالَ سَمِعت السّري يَقُول أَربع من أَخْلَاق الأبدال استقصاء الْوَرع وَتَصْحِيح الْإِرَادَة وسلامة الصَّدْر لِلْخلقِ والنصيحة لَهُم
سَمِعت أَبَا الْعَبَّاس الْبَغْدَادِيّ يَقُول سَمِعت جعفرا الْخُلْدِيِّ يَقُول سَمِعت الْجُنَيْد يَقُول قَالَ السّري اللَّهُمَّ مَا عذبتني بِشَيْء فَلَا تعذبني بذل الْحجاب
سَمِعت أَحْمد بن مُحَمَّد بن زَكَرِيَّا يَقُول سَمِعت عَليّ بن عبد الله يَقُول سَمِعت أَبَا الْحسن السيرواني يَقُول سَمِعت الْجُنَيْد يَقُول سُئِلَ السّري عَن الْعقل فَقَالَ مَا قَامَت بِهِ الْحجَّة على مَأْمُور ومنهي
[ ٥٤ ]
سَمِعت أَحْمد بن عَليّ بن جَعْفَر يَقُول سَمِعت جعفرا الْخُلْدِيِّ يَقُول سَمِعت الْجُنَيْد يَقُول سَمِعت السّري يَقُول أَربع خِصَال ترفع العَبْد الْعلم وَالْأَدب وَالْأَمَانَة والعفة
سَمِعت أَبَا الْفضل أَحْمد بن مُحَمَّد بن حمدون الشرمقاني يَقُول سَمِعت عَليّ بن عبد الحميد الغضائري يَقُول سَمِعت السّري يَقُول من لم يعرف قدر النِّعْمَة سلبها من حَيْثُ لَا يعلم
وبإسناده قَالَ السّري من هَانَتْ عَلَيْهِ المصائب أحرز ثَوَابهَا
أَخْبرنِي أَبُو الْعَبَّاس أَحْمد بن عبد الله القرميسيني مشافهة ومناولة أَن أَبَاهُ حَدثهُ قَالَ حَدثنَا عَليّ بن عبد الحميد الغضائري قَالَ سَمِعت السّري يَقُول قَلِيل فِي سنة خير من كثير مَعَ بِدعَة كَيفَ يقل عمل مَعَ التَّقْوَى
وَبِهَذَا الْإِسْنَاد قَالَ السّري الْأُمُور ثَلَاثَة أَمر بَان لَك رشده فَاتبعهُ وَأمر بَان لَك غية فاجتنبه وَأمر أشكل عَلَيْك فقف عِنْده وَكله إِلَى الله ﷿ وَليكن الله دليلك وَاجعَل فقرك إِلَيْهِ تستعن بِهِ عَمَّن سواهُ
[ ٥٥ ]
وَبِه قَالَ السّري الْأَدَب ترجمان الْعقل
وَبِه قَالَ السّري مَا أَكثر من يصف الصّفة وَأَقل من يُوَافق فعله صفته
وَبِه قَالَ السّري أقوى الْقُوَّة غلبتك نَفسك وَمن عجز عَن أدب نَفسه كَانَ عَن أدب غَيره أعجز وَمن أطَاع من فَوْقه أطاعه من دونه
وَبِه قَالَ السّري من خَافَ الله خافه كل شَيْء
وَبِه قَالَ السّري لسَانك ترجمان قَلْبك وَجهك مرْآة قَلْبك يتَبَيَّن على الْوَجْه مَا تضمر الْقُلُوب
وَبِه قَالَ السّري الْقُلُوب ثَلَاثَة قلب مثل الْجَبَل لَا يُزِيلهُ شَيْء وقلب مثل النَّخْلَة أَصْلهَا ثَابت وَالرِّيح تميلها وقلب كالريشة يمِيل مَعَ الرّيح يَمِينا وَشمَالًا
وَبِه قَالَ السّري لَا تصرم أَخَاك على ارتياب وَلَا تَدعه دون الاستعتاب
وَبِه قَالَ إِن اغتممت لما ينقص من مَالك فابك على مَا ينقص من عمرك
وَبِه قَالَ السّري من عَلامَة الْمعرفَة بِاللَّه الْقيام بِحُقُوق الله وإيثاره على النَّفس فِيمَا أمكنت فِيهِ الْقُدْرَة
[ ٥٦ ]
وَبِه قَالَ السّري من قلَّة الصدْق كَثْرَة الخلطاء
وَبِه قَالَ السّري حسن الْخلق كف الْأَذَى عَن النَّاس وَاحْتِمَال الْأَذَى عَنْهُم بِلَا حقد وَلَا مُكَافَأَة
وَبِه قَالَ السّري من عَلامَة الاستدراج الْعَمى عَن عُيُوب النَّفس
وَبِه قَالَ السّري خير الرزق مَا سلم من خَمْسَة من الآثام فِي الِاكْتِسَاب والمذلة والخضوع فِي السُّؤَال والغش فِي الصِّنَاعَة وأثمان آلَة الْمعاصِي ومعاملة الظلمَة
وَبِه قَالَ السّري أحسن الْأَشْيَاء خَمْسَة الْبكاء على الذُّنُوب وَإِصْلَاح الْعُيُوب وَطَاعَة علام الغيوب وجلاء الرين من الْقُلُوب وَألا تكون لكل مَا تهوى ركُوب
وَبِهَذَا الْإِسْنَاد قَالَ السّري خَمْسَة أَشْيَاء لَا يسكن فِي الْقلب مَعهَا غَيرهَا الْخَوْف من الله وَحده والرجاء لله وَحده وَالْحب لله وَحده وَالْحيَاء من الله وَحده والأنس بِاللَّه وَحده
سَمِعت أَبَا الْحُسَيْن مُحَمَّد بن أَحْمد بن إِبْرَاهِيم الْفَارِسِي يَقُول سَمِعت مُحَمَّد بن الْحُسَيْن يَقُول سَمِعت عَليّ بن عبد الحميد الغضائري بحلب يَقُول سَمِعت السّري يَقُول أجلد النَّاس من ملك غَضَبه
وَبِهَذَا الْإِسْنَاد قَالَ السّري من تزين للنَّاس بِمَا لَيْسَ فِيهِ سقط من عين الله ﷿
[ ٥٧ ]
وَبِه قَالَ السّري لن يكمل رجل حَتَّى يُؤثر دينه على شَهْوَته وَلنْ يهْلك حَتَّى يُؤثر شَهْوَته على دينه
سَمِعت أَبَا نصر الطوسي يَقُول سَمِعت جعفرا الْخُلْدِيِّ يَقُول سَمِعت الْجُنَيْد يَقُول قَالَ رجل لسري السَّقطِي كَيفَ أَنْت فَقَالَ
(من لم يبت وَالْحب حَشْو فُؤَاده لم يدر كَيفَ تفتت الأكباد)
سَمِعت أَبَا الْحسن بن مقسم بِبَغْدَاد يَقُول سَمِعت جعفرا الْخُلْدِيِّ يَقُول سَمِعت الْجُنَيْد يَقُول سَمِعت السّري يَقُول إِذا ابْتَدَأَ الْإِنْسَان بالنسك ثمَّ كتب الحَدِيث فتر وَإِذا ابْتَدَأَ بكتب الحَدِيث ثمَّ تنسك نفذ
٦ - وَمِنْهُم الْحَارِث بن أَسد المحاسبي وكنيته أَبُو عبد الله
من عُلَمَاء مَشَايِخ الْقَوْم بعلوم الظَّاهِر وعلوم الْمُعَامَلَات والإشارات لَهُ التصانيف الْمَشْهُورَة مِنْهَا كتاب الرِّعَايَة لحقوق الله وَغَيره وَهُوَ أستاذ أَكثر البغداديين وَهُوَ من أهل الْبَصْرَة مَاتَ بِبَغْدَاد سنة ثَلَاث وَأَرْبَعين وَمِائَتَيْنِ وَأسْندَ الحَدِيث
[ ٥٨ ]
حَدثنَا عَليّ بن عمر بن أَحْمد الْحَافِظ قَالَ حَدثنَا أَحْمد بن الْقَاسِم أَخُو أبي اللَّيْث حَدثنَا الْحَارِث بن أَسد الْعَنزي المحاسبي حَدثنَا يزِيد بن هَارُون حَدثنَا شُعْبَة عَن الْقَاسِم بن أبي بزَّة عَن عَطاء الكيخاراني عَن أم الدَّرْدَاء عَن أبي الدَّرْدَاء قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ (أثقل مَا يوضع فِي الْمِيزَان حسن الْخلق
سَمِعت أَبَا بكر مُحَمَّد بن عبد الله الرَّازِيّ يَقُول سَمِعت أَبَا عمر لأنماطي يَقُول سَمِعت الْجُنَيْد يَقُول سَمِعت الْحَارِث المحاسبي يَقُول
[ ٥٩ ]
الْأنمَاطِي يَقُول سَمِعت الْجُنَيْد يَقُول سَمِعت الْحَارِث المحاسبي يَقُول المحاسبة والموازنة فِي أَرْبَعَة مَوَاطِن فِيمَا بَين الْإِيمَان وَالْكفْر وَفِيمَا بَين الصدْق وَالْكذب وَبَين التَّوْحِيد والشرك وَبَين الْإِخْلَاص والرياء
قَالَ وَقَالَ الْحَارِث من اجْتهد فِي بَاطِنه وَرثهُ الله حسن مُعَاملَة مُعَاملَة ظَاهِرَة وَمن حسن مُعَامَلَته فِي ظَاهره مَعَ جهد بَاطِنه وَرثهُ الله تَعَالَى الْهِدَايَة إِلَيْهِ لقَوْله ﷿ ﴿وَالَّذين جاهدوا فِينَا لنهدينهم سبلنا﴾ (العنكبوت ٢٩)
سَمِعت عبد الله بن عَليّ الطوسي يَقُول سَمِعت الْخُلْدِيِّ يَقُول سَمِعت أَبَا عُثْمَان الْبَلَدِي يَقُول بَلغنِي عَن حَارِث المحاسبي أَنه قَالَ الْعلم يُورث المخافة والزهد يُورث الرَّاحَة والمعرفة تورث الْإِنَابَة
قَالَ وَقَالَ الْحَارِث خِيَار هَذِه الْأمة الَّذين لَا تشغلهم آخرتهم عَن دنياهم وَلَا دنياهم عَن آخرتهم
قَالَ وَقَالَ الْحَارِث الَّذِي يبْعَث العَبْد على التَّوْبَة ترك الْإِصْرَار وَالَّذِي يَبْعَثهُ على ترك الْإِصْرَار مُلَازمَة الْخَوْف
قَالَ وَقَالَ الْحَارِث لَا يَنْبَغِي أَن يطْلب العَبْد الْوَرع بتضييع الْوَاجِب
قَالَ وَقَالَ الْحَارِث أَكثر شغل الْحَكِيم فِيمَا يُوجِبهُ عَلَيْهِ الْوَقْت وَالَّذِي هُوَ أولى بِهِ فِيهِ
[ ٦٠ ]
قَالَ وَقَالَ الْحَارِث صفة الْعُبُودِيَّة لَا ترى لنَفسك ملكا وَتعلم أَنَّك لَا تملك لنَفسك ضرا وَلَا نفعا
قَالَ وَقَالَ الْحَارِث التَّسْلِيم هُوَ الثُّبُوت عِنْد نزُول الْبلَاء من غير تغير مِنْهُ فِي الظَّاهِر وَالْبَاطِن
قَالَ وَسُئِلَ الْحَارِث عَن الرَّجَاء فَقَالَ الطمع فِي فضل الله تَعَالَى وَرَحمته وَصدق حسن الظَّن عِنْد نزُول الْمَوْت
قَالَ وَقَالَ الْحَارِث الْحزن على وُجُوه حزن على فقد أَمر يحب وجوده وحزن مَخَافَة أَمر الْمُسْتَقْبل وحزن لما أحب من الظفر بِأَمْر فَيتَأَخَّر عَن مُرَاده وحزن يتَذَكَّر من نَفسه مخالفات الْحق فيحزن لَهُ
قَالَ وَقَالَ الْحَارِث حسن الْخلق احْتِمَال الْأَذَى الْأَذَى وَقلة الْغَضَب وَبسط الْوَجْه وَطيب الْكَلَام
قَالَ وَقَالَ الْحَارِث لكل شَيْء جَوْهَر وجوهر الْإِنْسَان الْعقل وجوهر الْعقل الصَّبْر
قَالَ وَقَالَ الْحَارِث الْعَمَل بحركات الْقُلُوب فِي مطالعات الغيوب أشرف من الْعَمَل بحركات الْجَوَارِح
قَالَ وَقَالَ الْحَارِث من طبع على الْبِدْعَة مَتى يشيع فِيهِ الْحق
قَالَ وَقَالَ الْحَارِث إِذا أَنْت لم تسمع نِدَاء الله فَكيف تجيب دَاعِي الله
[ ٦١ ]
وَمن اسْتغنى بِشَيْء دون الله جهل قدر الله
قَالَ وَقَالَ الْحَارِث الظَّالِم نادم وَإِن مدحه النَّاس والمظلوم سَالم وَإِن ذمه النَّاس والقانع غَنِي وَإِن جَاع والحريص فَقير وَإِن ملك
قَالَ وَقَالَ الْحَارِث من صحّح بَاطِنه بالمراقبة وَالْإِخْلَاص زين الله ظَاهره بالمجاهدة وَاتِّبَاع السّنة
سَمِعت أَبَا بكر مُحَمَّد بن عبد الله الرَّازِيّ يَقُول سَمِعت أَبَا عُثْمَان يَقُول أنْشد قَوَّال بَين يَدي الْحَارِث المحاسبي هَذِه الأبيات
(أَنا فِي الغربة أبْكِي مَا بَكت عين غَرِيب)
(لم أكن يَوْم خروجي من بلادي بمصيب)
(عجبا لي ولتركي وطنا فِيهِ حَبِيبِي)
فَقَامَ يتواجد ويبكي حَتَّى رَحمَه كل من حَضَره
قَالَ وَسُئِلَ الْحَارِث من أقهر النَّاس لنَفسِهِ فَقَالَ الراضي بالمقدور
قَالَ وَقَالَ الْحَارِث الْخلق كلهم معذورون فِي الْعقل مأخوذون فِي الحكم
قَالَ وَقَالَ الْحَارِث من لم يشْكر الله على النِّعْمَة فقد استدعى زَوَالهَا
[ ٦٢ ]
قَالَ وَقَالَ الْحَارِث أكمل العاقلين من أقرّ بِالْعَجزِ أَنه لَا يبلغ كنه مَعْرفَته
٧ - وَمِنْهُم شَقِيق بن إِبْرَاهِيم أَبُو عَليّ الْأَزْدِيّ
من أهل بَلخ حسن الجرى على سَبِيل التَّوَكُّل وَحسن الْكَلَام فِيهِ وَهُوَ من مشاهير مَشَايِخ خُرَاسَان وَأَظنهُ أول من تكلم فِي عُلُوم الْأَحْوَال بكورة خُرَاسَان كَانَ أستاذ حَاتِم الْأَصَم صحب إِبْرَاهِيم بن أدهم وَأخذ عَنهُ الطَّرِيقَة وَأسْندَ الحَدِيث
أخبرنَا إِبْرَاهِيم بن أَحْمد بن إِبْرَاهِيم الْمُسْتَمْلِي إجَازَة أَن أَحْمد بن أحيد بن نوح بن أَيُّوب الْبَزَّاز الْبَلْخِي حَدثهمْ قَالَ حَدثنَا أَبُو صَالح مُسلم بن عبد الرَّحْمَن الْبَلْخِي قَالَ حَدثنِي أَبُو عَليّ شَقِيق بن إِبْرَاهِيم الْأَزْدِيّ حَدثنَا عباد يَعْنِي ابْن كثير يَقُول عَن هِشَام بن عُرْوَة قَالَ قَالَ لي عُرْوَة قَالَت عَائِشَة ﵂ كَانَ رَسُول الله ﷺ يَقُول (اللَّهُمَّ إِن الْخَيْر خير الْآخِرَة)
[ ٦٣ ]
أخبرنَا مُحَمَّد بن أَحْمد بن سعيد الرَّازِيّ قَالَ حَدثنَا الْحُسَيْن بن دَاوُد الْبَلْخِي قَالَ حَدثنَا شَقِيق بن إِبْرَاهِيم حَدثنَا أَبُو هَاشم الأبلي عَن أنس ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ (من أَخذ من الدُّنْيَا من الْحَلَال حَاسبه الله بِهِ وَمن أَخذ من الدُّنْيَا من الْحَرَام عذبه الله بِهِ أُفٍّ للدنيا وَمَا فِيهَا من البليات حلالها حِسَاب وحرامها عَذَاب)
سَمِعت أَبَا عَليّ سعيد بن أَحْمد الْبَلْخِي يَقُول سَمِعت أبي يَقُول سَمِعت مُحَمَّد بن عبد يَقُول سَمِعت خَالِي مُحَمَّد بن اللَّيْث يَقُول سَمِعت حامدا اللفاف يَقُول سَمِعت حاتما الْأَصَم يَقُول سَمِعت شَقِيق بن إِبْرَاهِيم يَقُول الْعَاقِل لَا يخرج من هَذِه الأحرف الثَّلَاثَة
الأول أَن يكون خَائفًا لما سلف مِنْهُ من الذُّنُوب
وَالثَّانِي لَا يدْرِي مَا ينزل بِهِ سَاعَة بعد سَاعَة
وَالثَّالِث يخَاف من إِبْهَام الْعَاقِبَة لَا يدْرِي مَا يخْتم لَهُ
وبإسناده قَالَ سَمِعت شقيقا يَقُول احذر أَلا تهْلك بالدنيا وَلَا تهتم فَإِن رزقك لَا يعْطى لأحد سواك
قَالَ وَسمعت شقيقا يَقُول استعد إِذا جَاءَك الْمَوْت لَا نسْأَل الرّجْعَة
وَبِه قَالَ سَمِعت شقيقا يَقُول التَّوَكُّل أَن يطمئن قَلْبك بموعود الله
وَبِه قَالَ شَقِيق تعرف تقوى الرجل فِي ثَلَاثَة اشياء فِي أَخذه وَمنعه وَكَلَامه
وَبِه قَالَ سَمِعت شقيقا وَسُئِلَ بِأَيّ شَيْء يعرف الرجل أَنه أصَاب
[ ٦٤ ]
الْقلَّة قَالَ بِأَن كل شَيْء يَأْخُذ من الدُّنْيَا يَأْخُذهُ فِي حَال يخَاف إِن لم يَأْخُذهُ أَن يَأْثَم
قَالَ وَسمعت شقيقا وَسُئِلَ بِأَيّ شَيْء يعرف الْفَقِير أَنه أصَاب من الله تَعَالَى حفظ الْفقر قَالَ بِأَن يخْشَى من الْغنى ويغنم الْفقر
قَالَ وَسمعت شقيقا يَقُول عملت فِي الْقُرْآن عشْرين سنة حَتَّى ميزت الدُّنْيَا من الْآخِرَة فَأَصَبْته فِي حرفين وَهُوَ قَول الله تَعَالَى ﴿وَمَا أُوتِيتُمْ من شَيْء فمتاع الْحَيَاة الدُّنْيَا وَزينتهَا وَمَا عِنْد الله خير وَأبقى﴾ (الْقَصَص ٦٠
وَبِه قَالَ شَقِيق الزَّاهِد الَّذِي يُقيم زهده بِفِعْلِهِ والمتزهد الَّذِي يُقيم زهده بِلِسَانِهِ
وبإسناده قَالَ شَقِيق من لم يعرف الله بِالْقُدْرَةِ فَإِنَّهُ لَا يعرفهُ قيل وَكَيف يعرفهُ بِالْقُدْرَةِ فَقَالَ يعرف أَن الله قَادر إِذا كَانَ مَعَه شَيْء أَن يَأْخُذ مِنْهُ وَيُعْطِيه غَيره وَإِذا لم يكن مَعَه شَيْء أَن يُعْطِيهِ
وَبِه قَالَ شَقِيق من أَرَادَ أَن يعرف مَعْرفَته بِاللَّه فَلْينْظر إِلَى مَا وعده الله ووعده النَّاس بِأَيِّهِمَا قلبه أوثق
قَالَ وَقَالَ شَقِيق ميز بَين مَا تُعْطِي وتعطى إِن كَانَ من يعطيك أحب إِلَيْك فَإنَّك محب للدنيا وَإِن كَانَ من تعطيه أحب إِلَيْك فَإنَّك محب للآخرة
قَالَ وَقَالَ شَقِيق من خرج من النِّعْمَة وَوَقع فِي الْقلَّة وَلَا تكون الْقلَّة
[ ٦٥ ]
عِنْده أعظم من النِّعْمَة وَقع فِي غمين غم فِي الدُّنْيَا وغم فِي الْآخِرَة وَمن خرج من النِّعْمَة وَوَقع فِي الْقلَّة وَكَانَت الْقلَّة أعظم عِنْده من النِّعْمَة الَّتِي خرج مِنْهَا كَانَ فِي فرحين فَرح فِي الدُّنْيَا وَفَرح فِي الْآخِرَة
قَالَ وَقَالَ شَقِيق اتَّقِ الْأَغْنِيَاء فَإنَّك مَتى عقدت قَلْبك مَعَهم وطمعت فيهم فقد اتخذتهم أَرْبَابًا من دون الله ﷿
قَالَ وَسُئِلَ شَقِيق بِأَيّ شَيْء يعرف بِأَن العَبْد اخْتَار الْفقر على الْغنى قَالَ يخَاف أَن يصير غَنِيا فيحفظ الْفقر بالخوف كَمَا كَانَ من قبل يخَاف أَن يصير فَقِيرا فيحفظ الْغنى بالخوف
قَالَ وَسُئِلَ بِأَيّ شَيْء يعرف بِأَن العَبْد واثق بربه قَالَ يعرف بِأَنَّهُ إِذا فَاتَهُ شَيْء من الدُّنْيَا يحسبه غنيمَة وَإِذا أَبْطَأَ عَلَيْهِ شَيْء من الدُّنْيَا يكون أحب إِلَيْهِ من أَن يَأْتِيهِ
قَالَ وَقَالَ شَقِيق إِن حفظ الْفقر أَن ترى الْفقر منَّة من الله عَلَيْك حَيْثُ لم يضمنك رزق غَيْرك وَلم ينْقصك مِمَّا قسم لَك
وبإسناده قَالَ شَقِيق تَفْسِير التَّوْبَة أَن ترى جرأتك على الله وَترى حلم الله عَنْك
وبإسناده قَالَ شَقِيق لَيْسَ شَيْء أحب إِلَيّ من الضَّيْف لِأَن رزقه ومؤنته على الله ولي أجره
وبإسناده قَالَ شَقِيق طهر قَلْبك من حب عرُوض الدُّنْيَا حَتَّى يدْخل فِيهِ حب الْآخِرَة وثواب الله ﷿
[ ٦٦ ]
وَبِه قَالَ من لم يكن مَعَه ثَلَاثَة أَشْيَاء لَا ينجو من النَّار الْأَمْن وَالْخَوْف وَالِاضْطِرَاب
وَبِه قَالَ الصَّبْر وَالرِّضَا شكلان إِذا تَعَمّدت فِي الْعَمَل فَإِن أَوله صَبر وَآخره رضَا
وَبِه قَالَ إِذا أردْت أَن تكون فِي رَاحَة فَكل مَا أصبت والبس مَا وجدت وَارْضَ بِمَا قضى الله عَلَيْك
قَالَ وَقَالَ شَقِيق من دَار حول الْعُلُوّ فَإِنَّمَا يَدُور حول النَّار وَمن دَار حول الشَّهَوَات فَإِنَّهُ يَدُور بدرجاته فِي الْجنَّة ليأكلها وينقصها فِي الدُّنْيَا
وبإسناده قَالَ شَقِيق جعل الله أهل طَاعَته أَحيَاء فِي مماتهم وَأهل الْمعاصِي أَمْوَاتًا فِي حياتهم
٨ - وَمِنْهُم أَبُو يزِيد طيفور بن عِيسَى بن سروشان
وَكَانَ جده سروشان هَذَا مجوسيا فَأسلم وهم ثَلَاثَة إخْوَة آدم وطيفور وَعلي وَكلهمْ كَانُوا زهادا عبادا أَرْبَاب أَحْوَال وَهُوَ من أهل بسطَام
[ ٦٧ ]
مَاتَ سنة إِحْدَى وَسِتِّينَ وَمِائَتَيْنِ على مَا سَمِعت عبد الله بن عَليّ يَقُول سَمِعت طيفور بن عِيسَى الصَّغِير يَقُول سَمِعت عميا البسطامي يَقُول سَمِعت أبي يَقُول مَاتَ أَبُو يزِيد سنة إِحْدَى وَسِتِّينَ وَمِائَتَيْنِ
وَسمعت الْحُسَيْن بن يحيى يَقُول مَاتَ أَبُو يزِيد سنة أَربع وَثَلَاثِينَ وَمِائَتَيْنِ وَأسْندَ الحَدِيث
أخبرنَا أَبُو الْحسن مَنْصُور بن عبد الله الديمرتي بِبَغْدَاد قَالَ سَأَلَ أَبُو عَمْرو عُثْمَان بن جحدة بن درامهم الكازروني بهَا قَالَ أخبرنَا أَبُو الْفَتْح أَحْمد بن الْحسن بن مُحَمَّد بن سهل الْمصْرِيّ الْمَعْرُوف بِابْن الْحِمصِي الْوَاعِظ بِالْبَصْرَةِ قَالَ حَدثنَا عَليّ بن جَعْفَر الْبَغْدَادِيّ قَالَ قَالَ أَبُو مُوسَى الديبلي حَدثنَا أَبُو يزِيد البسطامي حَدثنَا أَبُو عبد الرَّحْمَن السّديّ عَن عَمْرو بن قيس الْملَائي عَن عَطِيَّة الْعَوْفِيّ عَن أبي سعيد الْخُدْرِيّ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ
[ ٦٨ ]
(إِن من ضعف الْيَقِين أَن ترْضى النَّاس بسخط الله وَأَن تحمدهم على رزق الله وَأَن تذمهم على مَا لم يؤتك الله إِن رزق الله لَا يجره حرص حَرِيص وَلَا يردهُ كره كَارِه إِن الله بِحِكْمَتِهِ وجلاله جعل الرّوح والفرح فِي الْيَقِين وَالرِّضَا وَجعل الْهم والحزن فِي الشكو السخط)
سَمِعت الْحسن بن عَليّ بن حيويه الدَّامغَانِي يَقُول سَمِعت الْحسن بن عُلْوِيَّهُ يَقُول قَالَ أَبُو يزِيد قعدت لَيْلَة فِي محرابي فمددت رجْلي فَهَتَفَ لي هَاتِف من يُجَالس الْمُلُوك يَنْبَغِي أَن يجالسهم بِحسن الْأَدَب
وَبِه قَالَ سُئِلَ أَبُو يزِيد عَن دَرَجَة الْعَارِف فَقَالَ لَيْسَ هُنَاكَ دَرَجَة بل أَعلَى فَائِدَة الْعَارِف وجود معروفه
قَالَ وَقَالَ أَبُو يزِيد العابد يعبده بِالْحَال والعارف الْوَاصِل يعبده فِي الْحَال
قَالَ وَسُئِلَ أَبُو يزِيد بِمَاذَا يستعان على الْعِبَادَة فَقَالَ بِاللَّه إِن كنت تعرفه
[ ٦٩ ]
قَالَ وَقَالَ أَبُو يزِيد أدنى مَا يحب على الْعَارِف أَن يهب لَهُ مَا قد ملكه
قَالَ وَقَالَ أَبُو يزِيد من ادّعى الْجمع بابتلاء الْحق يحْتَاج أَن يلْزم نَفسه علل الْعُبُودِيَّة
سَمِعت مَنْصُور بن عبد الله يَقُول سَمِعت أَبَا عمرَان مُوسَى بن عِيسَى الْمَعْرُوف بعمي يَقُول سَمِعت أبي يَقُول أذن أَبُو يزِيد مرّة ثمَّ أَرَادَ أَن يُقيم فَنظر فِي الصَّفّ فَرَأى رجلا عَلَيْهِ أثر سفر فَتقدم إِلَيْهِ فَكَلمهُ بِشَيْء فَقَامَ الرجل وَخرج من الْمَسْجِد فَسَأَلَهُ بعض من حضر فَقَالَ الرجل كنت فِي السّفر فَلم أجد المَاء فَتَيَمَّمت ونسيت وَدخلت الْمَسْجِد فَقَالَ لي أَبُو يزِيد لَا يجوز التَّيَمُّم فِي الْحَضَر فَذكرت ذَلِك وَخرجت
قَالَ وَقَالَ أَبُو يزِيد عملت فِي المجاهدة ثَلَاثِينَ سنة فَمَا وجدت شَيْئا أَشد عَليّ من الْعلم ومتابعته وَلَوْلَا اخْتِلَاف الْعلمَاء لبقيت وَاخْتِلَاف الْعلمَاء رَحْمَة إِلَّا فِي تَجْرِيد التَّوْحِيد
قَالَ وَقَالَ أَبُو يزِيد لَا يعرف نَفسه من صحبته شَهْوَته
قَالَ وَقَالَ أَبُو يزِيد الْجنَّة لَا خطر لَهَا عِنْد أهل الْمحبَّة وَأهل الْمحبَّة محجوبون بمحبتهم
سَمِعت أَبَا عَمْرو مُحَمَّد بن أَحْمد بن حمدَان يَقُول وجدت بِخَط أبي سَمِعت أَبَا عُثْمَان سعيد بن إِسْمَاعِيل يَقُول قَالَ أَبُو يزِيد من سمع الْكَلَام ليَتَكَلَّم مَعَ النَّاس رزقه الله فهما يكلم بِهِ النَّاس وَمن سَمعه ليعامل الله بِهِ فِي فعله رزقه الله فهما يُنَاجِي بِهِ ربه ﷿
[ ٧٠ ]
قَالَ وَقَالَ أَبُو يزِيد اطلع الله على قُلُوب أوليائه فَمنهمْ من لم يكن يصلح لحمل الْمعرفَة صرفا فشغلهم بِالْعبَادَة
قَالَ وَقَالَ أَبُو يزِيد كفر أهل الهمة أسلم من إِيمَان أهل الْمِنَّة
قَالَ سُئِلَ أَبُو يزِيد بِمَاذَا نالوا الْمعرفَة قَالَ بتضييع مَا لَهُم وَالْوُقُوف مَعَ مَا لَهُ
سَمِعت أَبَا نصر الْهَرَوِيّ يَقُول سَمِعت يَعْقُوب بن إِسْحَاق يَقُول سَمِعت إِبْرَاهِيم الْهَرَوِيّ يَقُول سَمِعت أَبَا يزِيد يَقُول هَذَا فرحي بك وَأَنا أخافك فَكيف فرحي بك إِذا أمنتك
وَبِهَذَا الْإِسْنَاد قَالَ سَمِعت أَبَا يزِيد يَقُول يَا رب أفهمني عَنْك فَإِنِّي لَا أفهم عَنْك إِلَّا بك
[ ٧١ ]
قَالَ وَقَالَ أَبُو يزِيد عرفت الله بِاللَّه وَعرفت مَا دون الله بِنور الله ﷿
سَمِعت مَنْصُور بن عبد الله يَقُول سَمِعت يَعْقُوب بن إِسْحَاق يَقُول سَمِعت إِبْرَاهِيم الْهَرَوِيّ يَقُول سَمِعت أَبَا يزِيد البسطامي وَسُئِلَ مَا عَلامَة الْعَارِف فَقَالَ أَلا يفتر من ذكره وَلَا يمل من حَقه وَلَا يسْتَأْنس بِغَيْرِهِ
قَالَ وَقَالَ أَبُو يزِيد إِن الله تَعَالَى أَمر الْعباد ونهاهم فأطاعوه فَخلع عَلَيْهِم خلعه فاشتغلوا بِالْخلْعِ عَنهُ وَإِنِّي لَا أُرِيد من الله إِلَّا الله
قَالَ وَقَالَ أَبُو يزِيد غَلطت فِي ابتدائي فِي أَرْبَعَة اشياء توهمت أَنِّي أذكرهُ وأعرفه وأحبه وأطلبه فَلَمَّا انْتَهَيْت رَأَيْت ذكره سبق ذكري ومعرفته تقدّمت معرفتي ومحبته أقدم من محبتي وَطَلَبه لي أَولا حَتَّى طلبته
سَمِعت أَبَا الْفرج الورثاني عبد الْوَاحِد بن بكر يَقُول قَالَ الْحسن بن إِبْرَاهِيم الدَّامغَانِي حَدثنَا مُوسَى بن عِيسَى قَالَ سَمِعت أبي يَقُول سَمِعت أَبَا يزِيد يَقُول اللَّهُمَّ إِنَّك خلقت هَذَا الْخلق بِغَيْر علمهمْ وقلدتهم أَمَانَة من غير إرادتهم فَإِن لم تعنهم فَمن يعينهم
سَمِعت أَبَا الْحسن عَليّ بن مُحَمَّد الْقزْوِينِي الصُّوفِي يَقُول سَمِعت أَبَا الطّيب العكي يَقُول سَمِعت ابْن الْأَنْبَارِي يَقُول قَالَ بعض تلامذة أبي يزِيد قَالَ لي أَبُو يزِيد البسطامي إِذا صحبك إِنْسَان واساء عشرتك
[ ٧٢ ]
فَأدْخل عَلَيْهِ بِحسن أخلاقك يطيب عيشك وَإِذا أنعم عَلَيْك فابدأ بشكر الله ﷿ فَإِنَّهُ الَّذِي عطف عَلَيْك الْقُلُوب وَإِذا ابْتليت فأسرع الاستقالة فَإِنَّهُ الْقَادِر على كشفها دون سَائِر الْخلق
سَمِعت عبد الْوَاحِد بن بكر يَقُول سَمِعت القناد يَقُول قَالَ أَبُو مُوسَى الديبلي سَمِعت أَبَا يزِيد البسطامي يَقُول إِن الله يرْزق الْعباد الْحَلَاوَة فَمن أجل فَرَحهمْ بهَا يمنعهُم حقائق الْقرب
سَمِعت أَحْمد بن عَليّ بن جَعْفَر يَقُول سَمِعت الْحسن بن عُلْوِيَّهُ يَقُول قَالَ أَبُو يزِيد الْمعرفَة فِي ذَات الْحق جهل وَالْعلم فِي حَقِيقَة الْمعرفَة حيرة وَالْإِشَارَة من المشير شرك فِي الْإِشَارَة وَأبْعد الْخلق من الله أَكْثَرهم إِشَارَة إِلَيْهِ
سَمِعت أَبَا الْحسن الْفَارِسِي يَقُول سَمِعت الْحسن بن عُلْوِيَّهُ يَقُول سُئِلَ أَبُو يزِيد بِأَيّ شَيْء وجدت هَذِه الْمعرفَة فَقَالَ بِبَطن جَائِع وبدن عَار
وبإسناده قَالَ أَبُو يزِيد المعارف همه مَا يأمله والزاهد همه مَا يَأْكُلهُ طُوبَى لمن كَانَ همه هما وَاحِدًا وَلم يشغل قلبه بِمَا رَأَتْ عَيناهُ وَسمعت أذنَاهُ
وبإسناده قَالَ أَبُو يزِيد من عرف الله فَإِنَّهُ يزهد فِي كل شَيْء يشْغلهُ عَنهُ
[ ٧٣ ]
وبإسناده قَالَ سُئِلَ أَبُو يزِيد عَن السّنة وَالْفَرِيضَة فَقَالَ السّنة ترك الدُّنْيَا وَالْفَرِيضَة الصُّحْبَة مَعَ الْمولى لِأَن السّنة كلهَا تدل على ترك الدُّنْيَا وَالْكتاب كُله يدل على صُحْبَة الْمولى فَمن تعلم السّنة وَالْفَرِيضَة فقد كمل
وبإسناده قَالَ أَبُو يزِيد النِّعْمَة أزلية يجب أَن يكون لَهَا شكر أزلي
٩ - وَمِنْهُم أَبُو سُلَيْمَان الدَّارَانِي وَهُوَ عبد الرَّحْمَن بن عَطِيَّة وَيُقَال عبد الرَّحْمَن بن أَحْمد بن عَطِيَّة
وَهُوَ من أهل داريا قَرْيَة من قرى دمشق وَهُوَ عنسي أَخْبرنِي بذلك أَبُو جَعْفَر مُحَمَّد بن أَحْمد بن سعيد الرَّازِيّ قَالَ سَمِعت الْعَبَّاس بن حَمْزَة يَقُول سَمِعت أَحْمد بن أبي الْحوَاري يَقُول سَمِعت أَبَا سُلَيْمَان عبد الرَّحْمَن بن أَحْمد ابْن عَطِيَّة الْعَنسِي من أهل داريا قَرْيَة من قرى الشَّام
مَاتَ أَبُو سُلَيْمَان سنة خمس عشرَة وَمِائَتَيْنِ وَأسْندَ الحَدِيث
[ ٧٤ ]
أخبرنَا عبد الرَّحْمَن بن عَليّ الْبَزَّاز الْحَافِظ بِبَغْدَاد قَالَ حَدثنَا مُحَمَّد بن عمر بن الْفضل قَالَ حَدثنَا عَليّ بن عِيسَى قَالَ حَدثنَا أَحْمد بن أبي الْحوَاري حَدثنَا أَبُو سُلَيْمَان الدَّارَانِي حَدثنَا عَليّ بن الْحسن بن أبي الرّبيع الزَّاهِد عَن إِبْرَاهِيم بن أدهم عَن مُحَمَّد بن عجلَان يذكر عَن أَبِيه عَن أبي هُرَيْرَة قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ (من تواضع لله رَفعه)
أخبرنَا أَبُو جَعْفَر مُحَمَّد بن أَحْمد بن سعيد الرَّازِيّ قَالَ سَمِعت الْعَبَّاس بن حَمْزَة قَالَ حَدثنَا أَحْمد بن أبي الْحوَاري قَالَ سَمِعت أَبَا سُلَيْمَان الدَّارَانِي يَقُول إِذا غلب الرَّجَاء على الْخَوْف فسد الْوَقْت
وَبِه قَالَ أَبُو سُلَيْمَان لَيْت قلبِي فِي الْقُلُوب كثوبي فِي الثِّيَاب وَكَانَت ثِيَابه وسطا
[ ٧٥ ]
وَبِه قَالَ أَبُو سُلَيْمَان من صارع الدُّنْيَا صرعته
أخبرنَا عبد الله بن مُحَمَّد بن عبد الله بن عبد الرَّحْمَن الرَّازِيّ قَالَ أخبرنَا إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم بن أبي حسان الْأنمَاطِي قَالَ سَمِعت أَحْمد بن أبي الْحوَاري قَالَ سَمِعت أَبَا سُلَيْمَان الدَّارَانِي يَقُول من أحسن فِي نَهَاره كُوفِي فِي ليله وَمن أحسن فِي ليله كُوفِي فِي نَهَاره وَمن صدق فِي ترك شَهْوَة ذهب الله بهَا من قلبه وَالله أكْرم من أَن يعذب قلبا بِشَهْوَة تركت لَهُ
حَدثنَا عبد الله قَالَ حَدثنَا إِسْحَاق قَالَ حَدثنَا أَحْمد قَالَ سَمِعت أَبَا سُلَيْمَان يَقُول خير السخاء مَا وَافق الْحَاجة
وَبِه قَالَ أَبُو سُلَيْمَان إِذا سكنت الدُّنْيَا فِي قلب ترحلت مِنْهُ الْآخِرَة
وَبِه قَالَ سَمِعت أَبَا سُلَيْمَان يَقُول الْوَارِد الصَّادِق أَن يصدق مَا فِي قلبه مَا نطق بِهِ لِسَانه
وَبِه قَالَ سَمِعت أَبَا سُلَيْمَان يَقُول من صدق كوفئ وَمن أحسن عوفي
سَمِعت الْحُسَيْن بن يحيى يَقُول سَمِعت جَعْفَر بن مُحَمَّد بن نصير يَقُول سَمِعت الْجُنَيْد يَقُول قَالَ أَبُو سُلَيْمَان الدَّارَانِي رُبمَا يَقع فِي قلبِي النُّكْتَة من نكت الْقَوْم أَيَّامًا فَلَا أقبل مِنْهُ إِلَّا بِشَاهِدين عَدْلَيْنِ الْكتاب وَالسّنة
[ ٧٦ ]
سَمِعت مُحَمَّد بن الْحسن الْبَغْدَادِيّ يَقُول سَمِعت جعفرا الْخُلْدِيِّ يَقُول سَمِعت المعمري يَقُول حَدثنَا أَحْمد بن أبي الْحوَاري قَالَ حَدثنَا أَبُو سُلَيْمَان يَقُول كل عمل لَيْسَ لَهُ ثَوَاب فِي الدُّنْيَا لَيْسَ لَهُ جزاه فِي الْآخِرَة
حَدثنَا عبد الله بن الْحُسَيْن الصُّوفِي حَدثنَا مُحَمَّد بن عبد الله حَدثنَا سهل ابْن عَليّ حَدثنَا أَبُو عمرَان الْجَصَّاص قَالَ سَمِعت أَبَا سُلَيْمَان يَقُول إِذا جَاع الْقلب وعطش صفا ورق وَإِذا شبع وَرُوِيَ عمى
سَمِعت أَبَا الْفرج الورثاني يَقُول سَمِعت أَبَا الطّيب العكي يَقُول قَالَ أَحْمد بن أبي الْحوَاري قلت لأبي سُلَيْمَان صليت صَلَاة فِي خلْوَة فَوجدت لَهَا لَذَّة فَقَالَ أَي شَيْء لذك مِنْهَا قلت حَيْثُ لم يرني أحد فَقَالَ إِنَّك لضعيف حَيْثُ خطر بقلبك ذكر الْخلق
وبإسناده قَالَ أَحْمد سَأَلت أَبَا سُلَيْمَان فَقلت لَهُ إِذا خرجت الشَّهَوَات من الْقلب أَي اسْم يَقع عَلَيْهِ زاهد ورع مَاذَا قَالَ إِذا سلا عَن الشَّهَوَات فَهُوَ رَاض
[ ٧٧ ]
أخبرنَا عَليّ بن أبي عمر الْبَلْخِي قَالَ حَدثنَا مُحَمَّد بن عَليّ بن الْقَاسِم قَالَ حَدثنَا الْحسن بن عبيد الله الْقطَّان حَدثنَا أَحْمد بن أبي الْحوَاري قَالَ قَالَ أَبُو سُلَيْمَان اجْعَل مَا طلبت من الدُّنْيَا فَلم تظفر بِهِ بِمَنْزِلَة مالم يخْطر ببالك وَلم تطلبه
حَدثنَا أَحْمد بن مُحَمَّد بن زَكَرِيَّا حَدثنَا أَحْمد بن مُحَمَّد بن عبد الْوَهَّاب حَدثنَا مُحَمَّد بن الْعَبَّاس بن الدرفس حَدثنَا أَحْمد بن أبي الْحوَاري قَالَ سَمِعت أَبَا سُلَيْمَان يَقُول الْعِيَال يضعفون يَقِين صَاحب الْيَقِين لِأَنَّهُ إِذا كَانَ وَحده فجاع فَرح وَإِذا كَانَ لَهُ عِيَال فجاعوا طلب لَهُم وَإِذا جَاءَ الطّلب فقد ضعف الْيَقِين
وَبِه قَالَ أَبُو سُلَيْمَان أبلغ الْأَشْيَاء فِيمَا بَين الله وَبَين العَبْد المحاسبة
سَمِعت أَحْمد بن عَليّ بن جَعْفَر يَقُول قَالَ أَبُو سُلَيْمَان آخر أَقْدَام الزاهدين أول أَقْدَام المتوكلين
وَبِه قَالَ أَبُو سُلَيْمَان من لطائف المعاريض قَوْله تَعَالَى ﴿أَلا لله الدّين الْخَالِص﴾ (الزمر ٣) تهديد بلطف
وَبِه قَالَ أَبُو سُلَيْمَان لكل شَيْء مهر وَمهر الْجنَّة ترك الدُّنْيَا بِمَا فِيهَا
وَبِه قَالَ أَبُو سُلَيْمَان لكل شَيْء حلية وَحلية الصدْق الْخُشُوع
وَبِه قَالَ أَبُو سُلَيْمَان إِذا ترك الْحَكِيم الدُّنْيَا فقد استنار بِنور الْحِكْمَة
وَبِه قَالَ أَبُو سُلَيْمَان لكل شَيْء مَعْدن ومعدن الصدْق قُلُوب الزاهدين
[ ٧٨ ]
وَبِه قَالَ أَبُو سُلَيْمَان لكل شَيْء علم وَعلم الخذلان ترك الْبكاء
وَبِه قَالَ أَبُو سُلَيْمَان من توسل إِلَى الله بِتَلف نَفسه حفظ الله عَلَيْهِ نَفسه وَحكمه فِي جنته
وَبِه قَالَ أَبُو سُلَيْمَان أفضل الْأَعْمَال خلاف هوى النَّفس
وَبِه قَالَ أَبُو سُلَيْمَان من أَرَادَ واعظا بَينا فَلْينْظر إِلَى اخْتِلَاف اللَّيْل وَالنَّهَار
وَبِه قَالَ أَبُو سُلَيْمَان علمُوا النُّفُوس الرضى بمجاري الْمَقْدُور فَنعم فَنعم الْوَسِيلَة إِلَى دَرَجَات الْمعرفَة
وَبِه قَالَ أَبُو سُلَيْمَان إِذا سكن الْخَوْف الْقلب أحرق الشَّهَوَات وطرد الْغَفْلَة من الْقلب
وَبِه قَالَ أَبُو سُلَيْمَان لكل شَيْء صدأ وصدأ نور الْقلب شبع الْبَطن
وَبِه قَالَ أَبُو سُلَيْمَان من أظهر الِانْقِطَاع إِلَى الله فقد وَجب عَلَيْهِ خلع مَا دونه من رقبته
وَبِه قَالَ أَبُو سُلَيْمَان من كَانَ الصدْق وسيلته كَانَ الرِّضَا من الله جائزته
وَبِه قَالَ أَبُو سُلَيْمَان لكل شَيْء صدق وَصدق الْيَقِين الْخَوْف من الله تَعَالَى
وَبِه قَالَ أَبُو سُلَيْمَان لَو أَن مَحْزُونا بَكَى فِي أمة لرحم الله تِلْكَ الْأمة
[ ٧٩ ]
١٠ - وَمِنْهُم مَعْرُوف الْكَرْخِي وَهُوَ أَبُو مَحْفُوظ مَعْرُوف بن فَيْرُوز
سَمِعت مُحَمَّد بن يَعْقُوب الْأَصَم يَقُول سَمِعت زَكَرِيَّا بن يحيى بن أَسد يَقُول مَعْرُوف بن فَيْرُوز أَبُو مَحْفُوظ الْكَرْخِي
وَيُقَال مَعْرُوف بن الفيرزان
سَمِعت جدي إِسْمَاعِيل بن نجيد يَقُول سَمِعت أَبَا الْعَبَّاس السراج يَقُول سَمِعت إِبْرَاهِيم بن الْجُنَيْد يَقُول مَعْرُوف الْكَرْخِي هُوَ مَعْرُوف بن الفيرزان وَيُقَال مَعْرُوف بن عَليّ
أخبرنَا يُوسُف بن عمر الزَّاهِد بِبَغْدَاد حَدثنَا عبيد الله بن جَعْفَر الصغاني حَدثنَا عمر بن وَاصل قَالَ قَالَ سهل بن عبد الله أَخْبرنِي مُحَمَّد بن سوار عَن مَعْرُوف بن عَليّ الْكَرْخِي الزَّاهِد
[ ٨٠ ]
وَهُوَ من جلة الْمَشَايِخ وقدمائهم والمذكورين بالورع والفتوة كَانَ أستاذ سري السَّقطِي صحب دَاوُد الطَّائِي وقبره بِبَغْدَاد ظَاهر يستشفى بِهِ ويتبرك بزيارته
سَمِعت أَبَا الْحسن بن مقسم الْمُقْرِئ بِبَغْدَاد يَقُول سَمِعت أَبَا عَليّ الصفار يَقُول سَمِعت إِبْرَاهِيم بن الْجَزرِي يَقُول قبر مَعْرُوف الترياق المجرب
[ ٨١ ]
وَكَانَ مَعْرُوف أسلم على يَد عَليّ بن مُوسَى الرِّضَا وَكَانَ بعد إِسْلَامه يَحْجُبهُ فازدحم الشِّيعَة يَوْمًا على بَاب عَليّ بن مُوسَى فكسروا أضلع مَعْرُوف فَمَاتَ وَدفن بِبَغْدَاد وَأسْندَ الحَدِيث
أخبرنَا أَبُو الْحُسَيْن عَليّ بن الْحسن بن جَعْفَر الْحَافِظ الْعَطَّار بِبَغْدَاد حَدثنَا أَحْمد بن الْحسن الْمُقْرِئ ديس حَدثنَا نصر بن دَاوُد حَدثنَا خلف ابْن هِشَام قَالَ سَمِعت مَعْرُوفا الْكَرْخِي يَقُول اللَّهُمَّ إِن نواصينا بِيَدِك لم تملكنا مِنْهَا شَيْئا فَإِذا فعلت ذَلِك بِنَا فَكُن أَنْت ولينا وأهدنا إِلَى سَوَاء السَّبِيل
فَسَأَلته فَقَالَ حَدثنِي بكر بن خُنَيْس قَالَ حَدثنَا سُفْيَان الثَّوْريّ
[ ٨٢ ]
عَن أبي الزبير عَن جَابر أَن النَّبِي ﷺ كَانَ يَدْعُو بِهَذَا الدُّعَاء
أخبرنَا عبد الله بن عُثْمَان بن جَعْفَر قَالَ حَدثنَا أَحْمد بن عبد الله بن سُلَيْمَان حَدثنَا أبي قَالَ قَالَ مُحَمَّد بن نصر سَمِعت مَعْرُوفا يَقُول مَا أَكثر الصَّالِحين وَأَقل الصَّادِقين فِي الصَّالِحين
وَأخْبرنَا عبد الله حَدثنَا أَحْمد حَدثنَا أبي حَدثنَا يُوسُف بن مُوسَى أخبرنَا ابْن خبيق قَالَ سَمِعت إِبْرَاهِيم الْبكاء يَقُول سَمِعت مَعْرُوفا الْكَرْخِي يَقُول إِذا أَرَادَ الله بِعَبْد خيرا فتح عَلَيْهِ بَاب الْعَمَل وأغلق عَنهُ بَاب الجدل وَإِذا أَرَادَ الله بِعَبْد شرا أغلق عَنهُ بَاب الْعَمَل وَفتح عَلَيْهِ بَاب الجدل
وَبِهَذَا الْإِسْنَاد سَمِعت مَعْرُوفا وَقلت لَهُ أوصني يَقُول توكل على الله حَتَّى يكون هُوَ معلمك ومؤنسك وَمَوْضِع شكواك فَإِن النَّاس لَا ينفعونك وَلَا يضرونك
[ ٨٣ ]
وَأخْبرنَا عبد الله حَدثنَا أَحْمد حَدثنَا أبي حَدثنَا هَاشم بن أبي عبد الله حَدثنَا أَبُو زَكَرِيَّا الْحمال قَالَ بَال مَعْرُوف على الشط ثمَّ تيَمّم فَقيل لَهُ يَا أَبَا مَحْفُوظ المَاء مِنْك قريب فَقَالَ لعَلي لَا أبلغه
سَمِعت أَبَا بكر مُحَمَّد بن عبد الله الرَّازِيّ يَقُول سَمِعت أَبَا الْعَبَّاس الفرغاني يَقُول سَمِعت الْجُنَيْد يَقُول سَمِعت السّري يَقُول سَمِعت مَعْرُوفا الْكَرْخِي يَقُول غضوا أبصاركم وَلَو عَن شَاة أُنْثَى
وَبِه قَالَ مَعْرُوف حَقِيقَة الْوَفَاء إفاقة السِّرّ عَن رقدة الغفلات وفراغ الْهم عَن فضول الْآفَات
وَبِه قَالَ مَعْرُوف السخاء إِيثَار مَا يحْتَاج إِلَيْهِ عِنْد الْإِعْسَار
وَبِه قَالَ قَالَ رجل لمعروف مَا شكرت معروفي فَقَالَ كَانَ مَعْرُوفك من غير محتسب فَوَقع عِنْد غير شَاكر
سَمِعت أَحْمد بن مُحَمَّد بن يَعْقُوب الْهَرَوِيّ بقرميسين يَقُول سَمِعت أَحْمد ابْن عَطاء يَقُول حَدثنَا عمر بن مخلد قَالَ قَالَ ابْن أبي الْورْد قَالَ مَعْرُوف الْكَرْخِي عَلامَة مقت الله العَبْد أَن ترَاهُ مشتغلا بِمَا لَا يعنيه من أَمر نَفسه
قَالَ وَقَالَ مَعْرُوف طلب الْجنَّة بِلَا عمل ذَنْب من الذُّنُوب الذُّنُوب وانتظار الشَّفَاعَة بِلَا سَبَب نوع من الْغرُور وارتجاء رَحْمَة من لَا يطاع جهل وحمق
[ ٨٤ ]
وَقَالَ أَبُو سُلَيْمَان الدَّارَانِي سَأَلت مَعْرُوفا الْكَرْخِي عَن الطائعين لله تَعَالَى بِأَيّ شَيْء قدرُوا على الطَّاعَة قَالَ بِإِخْرَاج الدُّنْيَا من قُلُوبهم وَلَو كَانَ مِنْهَا شَيْء فِي قُلُوبهم مَا صحت لَهُم سَجْدَة
وَبِه قَالَ سُئِلَ مَعْرُوف بِمَ تخرج الدُّنْيَا من الْقلب قَالَ بصفاء الود وَحسن الْمُعَامَلَة
وَبِه قَالَ سُئِلَ مَعْرُوف عَن الْمحبَّة فَقَالَ الْمحبَّة لَيست من تَعْلِيم الْخلق إِنَّمَا هِيَ من مواهب الْحق وفضله
وَبِه قَالَ مَعْرُوف للفتيان عَلَامَات ثَلَاث وَفَاء بِلَا خلاف ومدح بِلَا جود وَعَطَاء بِلَا سُؤال
وَبِه قَالَ كَانَ مَعْرُوف يُعَاتب نَفسه وَيَقُول يَا مِسْكين كم تبْكي وتندب أخْلص تخلص
وَبِه قَالَ سُئِلَ مَعْرُوف مَا عَلامَة الْأَوْلِيَاء فَقَالَ ثَلَاثَة همومهم لله وشغلهم فِيهِ وفرارهم إِلَيْهِ
وَبِه قَالَ قَالَ مَعْرُوف لَيْسَ للعارف نعْمَة وَهُوَ فِي كل نعْمَة
سَمِعت أَبَا الْفَتْح القواس الزَّاهِد يَقُول سَمِعت أَبَا عَمْرو الْبزورِي يَقُول قَالَ مَعْرُوف قُلُوب الطاهرين تشرح بالتقوى وتزهر بِالْبرِّ وَقُلُوب الْفجار تظلم بِالْفُجُورِ وتعمى بِسوء النِّيَّة
[ ٨٥ ]
وَبِه قَالَ مَعْرُوف إِذا أَرَادَ الله بِعَبْد خيرا فتح عَلَيْهِ بَاب الْعَمَل وأغلق عَنهُ بَاب الفترة والكسل
١١ - وَمِنْهُم حَاتِم الْأَصَم وَهُوَ حَاتِم بن عنوان وَيُقَال حَاتِم بن يُوسُف وَيُقَال حَاتِم بن عنوان بن يُوسُف الْأَصَم كنيته أَبُو عبد الرَّحْمَن
وَهُوَ من قدماء مَشَايِخ خُرَاسَان من أهل بَلخ صحب شَقِيق بن إِبْرَاهِيم وَكَانَ أستاذ أَحْمد بن خضرويه وَهُوَ مولى للمثنى بن يحيى الْمحَاربي ول ابْن يُقَال لَهُ خشنام بن حَاتِم
مَاتَ بواشجرد عِنْد رِبَاط يُقَال لَهُ رَأس سروند على جبل فَوق واشجرد سنة سبع وَثَلَاثِينَ وَمِائَتَيْنِ وَأسْندَ الحَدِيث
أخبرنَا أَبُو الْحُسَيْن مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن أَحْمد الْمُؤَذّن حَدثنَا مُحَمَّد بن الْحُسَيْن بن عَليّ حَدثنَا مُحَمَّد بن الْحُسَيْن بن عُلْوِيَّهُ حَدثنَا يحيى بن الْحَارِث حَدثنَا حَاتِم بن عنوان الاصم حَدثنَا سعيد بن عبد الله الماهياني حَدثنَا إِبْرَاهِيم بن طهْمَان بنيسابور حَدثنَا مَالك عَن الزُّهْرِيّ عَن أنس أَن النَّبِي
[ ٨٦ ]
ﷺ قَالَ (صل صَلَاة الضُّحَى فَإِنَّهَا صَلَاة الْأَبْرَار وَسلم إِذا دخلت بَيْتك يكثر خير بَيْتك)
سَمِعت نصر بن أبي نصر الْعَطَّار يَقُول سَمِعت أَحْمد بن سُلَيْمَان الكفرشيلاني يَقُول وجدت فِي كتابي عَن حَاتِم الْأَصَم أَنه قَالَ من دخل فِي مَذْهَبنَا هَذَا فليجعل فِي نَفسه أَربع خِصَال من الْمَوْت موت أَبيض وَمَوْت أسود وَمَوْت أَحْمَر وَمَوْت أَخْضَر فالموت الْأَبْيَض الْجُوع وَالْمَوْت الْأسود احْتِمَال أَذَى النَّاس وَالْمَوْت الْأَحْمَر مُخَالفَة النَّفس وَالْمَوْت الْأَخْضَر طرح الرّقاع بَعْضهَا على بعض
قَالَ وَقَالَ حَاتِم كَانَ يُقَال العجلة من الشَّيْطَان إِلَّا فِي خمس إطْعَام الطَّعَام إِذا حضر ضيف وتجهيز الْمَيِّت إِذا مَاتَ وتزويج الْبكر إِذا أدْركْت وَقَضَاء الدّين إِذا وَجب وَالتَّوْبَة من الذَّنب إِذا أذْنب
سَمِعت أَحْمد بن مُحَمَّد بن زَكَرِيَّا يَقُول سَمِعت عبد الله بن بكر الطَّبَرَانِيّ قَالَ حَدثنَا مُحَمَّد بن أَحْمد الْبَغْدَادِيّ قَالَ حَدثنَا عبد الله بن سهل قَالَ سَمِعت حاتما الْأَصَم يَقُول من أصبح وَهُوَ مُسْتَقِيم فِي أَرْبَعَة أَشْيَاء فَهُوَ يتقلب فِي رضَا الله أَولهَا الثِّقَة بِاللَّه ثمَّ التَّوَكُّل ثمَّ الْإِخْلَاص ثمَّ الْمعرفَة والأشياء كلهَا تتمّ بالمعرفة
[ ٨٧ ]
سَمِعت أَبَا عَليّ سعيد بن أَحْمد الْبَلْخِي يَقُول سَمِعت أبي يَقُول سَمِعت مُحَمَّد بن عبد يَقُول سَمِعت خَالِي مُحَمَّد بن اللَّيْث يَقُول سَمِعت حامدا اللفاف يَقُول سَمِعت حاتما الْأَصَم يَقُول الواثق من رزقه من لَا يفرح بالغنى وَلَا يهتم بالفقر وَلَا يُبَالِي أصبح فِي عسر أَو يسر
وبإسناده قَالَ حَاتِم يعرف الْإِخْلَاص بالاستقامة والاستقامة بالرجاء والرجاء بالإرادة والإرادة بالمعرفة
وَبِه قَالَ حَاتِم لكل قَول صدق وَلكُل صدق فعل وَلكُل فعل صَبر وَلكُل صَبر حسبَة وَلكُل حسبَة إِرَادَة وَلكُل إِرَادَة أَثَرَة
وبإسناده قَالَ حَاتِم أصل الطَّاعَة ثَلَاث أَشْيَاء الْخَوْف والرجاء وَالْحب وأصل الْمعْصِيَة ثَلَاثَة اشياء الْكبر والحرص والحسد
وبإسناده قَالَ حَاتِم الْمُنَافِق مَا أَخذ من الدُّنْيَا يَأْخُذ بالحرص وَيمْنَع بِالشَّكِّ وَينْفق بالرياء وَالْمُؤمن يَأْخُذ بالخوف ويمسك بِالسنةِ وَينْفق لله خَالِصا فِي الطَّاعَة
وبإسناده قَالَ حَاتِم اطلب نَفسك فِي أَرْبَعَة أَشْيَاء الْعَمَل الصَّالح بِغَيْر رِيَاء وَالْأَخْذ بِغَيْر طمع وَالعطَاء بِغَيْر منَّة والإمساك بِغَيْر بخل
وَبِه قَالَ حَاتِم النَّصِيحَة لِلْخلقِ إِذا رَأَيْت إنْسَانا فِي الْحَسَنَة أَن تحثه عَلَيْهَا وَإِذا رَأَيْته فِي مَعْصِيّة أَن ترحمه
وَبِه قَالَ حَاتِم عجبت مِمَّن يعْمل بالطاعات وَيَقُول إِنِّي أعمله ابْتِغَاء مرضاة الله ثمَّ ترَاهُ أبدا ساخطا على الله رادا لحكمه أَتُرِيدُ أَن ترضيه
[ ٨٨ ]
وَلست براض عَنهُ كَيفَ يرضى عَنْك وَأَنت لم ترض عَنهُ
وَبِه قَالَ حَاتِم إِذا أمرت النَّاس بِالْخَيرِ فَكُن أَنْت أولى بِهِ وأحق واعمل بِمَا تَأمر وَكَذَا بِمَا تنْهى
وَبِه قَالَ حَاتِم الْجِهَاد ثَلَاثَة جِهَاد فِي سرك مَعَ الشَّيْطَان حَتَّى تكسره وَجِهَاد فِي الْعَلَانِيَة فِي أَدَاء الْفَرَائِض حَتَّى تؤديها كَمَا أَمر الله وَجِهَاد مَعَ أَعدَاء الله فِي غَزْو الْإِسْلَام
وَبِه قَالَ حَاتِم الشَّهْوَة ثَلَاثَة شَهْوَة فِي الْأكل وشهوة فِي الْكَلَام وشهوة فِي النّظر فاحفظ الْأكل بالثقة وَاللِّسَان بِالصّدقِ وَالنَّظَر بالعبرة
وبإسناده قَالَ حَاتِم من فتح عَلَيْهِ شَيْء من الدُّنْيَا فَلم يتحر الْخَلَاص مِنْهُ وَلم يعْمل فِي إِخْرَاجه فقد أظهر حب الدُّنْيَا
سَمِعت أَبَا عَليّ سعيد بن أَحْمد اللبخي يَقُول سَمِعت أبي يَقُول سَمِعت مُحَمَّد بن عبد يَقُول سَمِعت خَالِي مُحَمَّد بن اللَّيْث يَقُول سَمِعت حامدا اللفاف يَقُول سَمِعت حاتما الْأَصَم يَقُول مَا من صباح إِلَّا والشيطان يَقُول لي مَا تَأْكُل وَمَا تلبس وَأَيْنَ تسكن فَأَقُول آكل الْمَوْت وألبس الْكَفَن وأسكن الْقَبْر
وبإسناده قَالَ رجل لحاتم مَا تشْتَهي قَالَ أشتهي عَافِيَة يومي إِلَى اللَّيْل فَقيل لَهُ أليست الْأَيَّام كلهَا عَافِيَة فَقَالَ إِن عَافِيَة يومي أَلا أعصي الله فِيهِ
وَبِه قَالَ حَاتِم أَرْبَعَة يندمون على أَرْبَعَة المقصر إِذا فَاتَهُ الْعَمَل
[ ٨٩ ]
والمنقطع عَن أصدقائه إِذا نابته نائبة والممكن مِنْهُ عدوه بِسوء رَأْيه والجريء على الذُّنُوب
وَبِه قَالَ حَاتِم العباء على من أَعْلَام الزّهْد فَلَا يَنْبَغِي لصَاحب العباء أَن يلبس عباء بِثَلَاثَة دَرَاهِم وَنصف وَفِي قلبه شَهْوَة بِخَمْسَة دَرَاهِم أما يستحي من الله أَن تجَاوز شَهْوَة قلبه عباءه
وَبِه قَالَ حَاتِم الزم خدمَة مَوْلَاك تأتك الدُّنْيَا راغمة وَالْجنَّة عاشقة
وَبِه قَالَ حَاتِم تعهد نَفسك فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع إِذا علمت فاذكر نظر الله إِلَيْك وَإِذا تَكَلَّمت فاذكر سمع الله إِلَيْك وَإِذا سكنت فاذكر علم الله فِيك
وَبِه قَالَ حَاتِم الْقُلُوب خَمْسَة قلب ميت وقلب مَرِيض وقلب غافل وقلب متنبه وقلب صَحِيح سَالم
وَقَالَ رجل لحاتم عظني فَقَالَ إِن كنت تُرِيدُ أَن تَعْصِي مَوْلَاك فاعصه فِي مَوضِع لَا يراك
وَبِه قَالَ حَاتِم من ادّعى ثَلَاثًا بِغَيْر ثَلَاث فَهُوَ كَذَّاب من ادّعى حب الله من غير ورع عَن مَحَارمه فَهُوَ كَذَّاب من ادّعى حب الْجنَّة من غير إِنْفَاق مَاله فَهُوَ كَذَّاب وَمن ادّعى حب النَّبِي ﷺ من غير محبَّة الْفقر فَهُوَ كَذَّاب
[ ٩٠ ]
١٢ - وَمِنْهُم أَحْمد بن أبي الْحوَاري كنيته أَبُو الْحسن وَأَبُو الْحوَاري اسْمه مَيْمُون
من أهل دمشق صحب أَبَا سُلَيْمَان الدَّارَانِي وَغَيره من الْمَشَايِخ مثل سُفْيَان بن عُيَيْنَة ومروان بن مُعَاوِيَة الْفَزارِيّ ومضاء بن عِيسَى وَبشر بن السّري وَأبي عبد الله النباجي
وَله أَخ يُقَال لَهُ مُحَمَّد بن أبي الْحوَاري يجْرِي مجْرَاه فِي الزّهْد والورع وَابْنه عبد الله بن أَحْمد بن أبي الْحوَاري من الزهاد وَأَبوهُ أَبُو الْحوَاري كَانَ من العارفين الورعين أَيْضا فبيتهم بَيت الْوَرع والزهد
مَاتَ أَحْمد سنة ثَلَاثِينَ وَمِائَتَيْنِ وَأسْندَ الحَدِيث
[ ٩١ ]
أخبرنَا أَبُو جَعْفَر مُحَمَّد بن أَحْمد بن سعيد الرَّازِيّ حَدثنَا أَبُو الْفضل الْعَبَّاس بن حَمْزَة الزَّاهِد حَدثنَا أَحْمد بن الْحوَاري حَدثنَا يحيى بن صَالح الوحاظي حَدثنَا عفير بن معدان حَدثنَا سليم بن عَامر عَن أبي أُمَامَة قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ (إِن روح الْقُدس نفث فِي روعي إِن نفسا لن تَمُوت حَتَّى تستكمل أجلهَا وتستوعب رزقها فأجملوا فِي الطّلب وَلَا يحْتَمل أحدكُم استبطاء شَيْء من الرزق أَن يَطْلُبهُ بِمَعْصِيَة الله فَإِن الله تَعَالَى لَا ينَال مَا عِنْده إِلَّا بِطَاعَتِهِ)
سَمِعت الْحَاكِم أَبَا أَحْمد مُحَمَّد بن أَحْمد بن إِسْحَاق الْحَافِظ يَقُول سَمِعت سعيد بن عبد الْعَزِيز الْحلَبِي يَقُول سَمِعت أَحْمد بن أبي الْحوَاري يَقُول من نظر إِلَى الدُّنْيَا نظر إِرَادَة وَحب لَهَا أخرج الله نور الْيَقِين والزهد من قلبه
وَبِهَذَا الْإِسْنَاد قَالَ أَحْمد أفضل الْبكاء بكاء العَبْد على مَا فَاتَهُ من أوقاته على غير الْمُوَافقَة أَو بكاء على مَا سبق لَهُ من الْمُخَالفَة
وَبِهَذَا الْإِسْنَاد سَمِعت أَحْمد يَقُول من عمل بِلَا اتِّبَاع السّنة فَبَاطِل عمله
[ ٩٢ ]
أخبرنَا أَبُو جَعْفَر مُحَمَّد بن أَحْمد بن سعيد الرَّازِيّ قَالَ حَدثنَا أَبُو الْفضل الْعَبَّاس بن حَمْزَة حَدثنَا أَحْمد بن أبي الْحوَاري قَالَ من عرف الدُّنْيَا زهد فِيهَا وَمن عرف الْآخِرَة رغب فِيهَا وَمن عرف الله آثر رِضَاهُ
وَبِهَذَا الْإِسْنَاد قَالَ أَحْمد عَلامَة حب الله طَاعَة الله وَقيل حب ذكر الله فَإِذا أحب الله العَبْد أحبه وَلَا يَسْتَطِيع العَبْد أَن يحب الله حَتَّى يكون الِابْتِدَاء من الله بالحب لَهُ وَذَلِكَ حِين عرف مِنْهُ الِاجْتِهَاد فِي مرضاته
وَبِهَذَا الْإِسْنَاد قَالَ أَحْمد من لم يعرف نَفسه فَهُوَ من دينه فِي غرور
وَبِهَذَا الْإِسْنَاد قَالَ أَحْمد مَا ابتلى الله عبدا بِشَيْء أَشد من الْغَفْلَة وَالْقَسْوَة
وَبِهَذَا الْإِسْنَاد قَالَ أَحْمد فِي الرِّبَاط والغزو نعم المستراح إِذا مل العَبْد من الْعِبَادَة استراح إِلَى غير مَعْصِيّة
وَبِهَذَا الْإِسْنَاد قَالَ أَحْمد إِن الله إِذا أحب قوما أفادهم فِي الْيَقَظَة والمنام لأَنهم طلبُوا رِضَاهُ فِي الْيَقَظَة والمنام
وَبِهَذَا الْإِسْنَاد قَالَ أَحْمد كلما ارْتَفَعت منزلَة الْقلب كَانَت الْعقُوبَة إِلَيْهِ أسْرع
وَبِهَذَا الْإِسْنَاد قَالَ أَحْمد إِنَّمَا كره الْأَنْبِيَاء الْمَوْت لانْقِطَاع الذّكر عَنْهُم
[ ٩٣ ]
وَبِهَذَا الْإِسْنَاد قَالَ أَحْمد إِذا مرض قَلْبك بحب الدُّنْيَا وَكَثْرَة الذُّنُوب فداوه بالزهد فِيهَا وَترك الذُّنُوب
وَبِهَذَا الْإِسْنَاد قَالَ أَحْمد إِذا حدثتك نَفسك بترك الدُّنْيَا عِنْد إدبارها فَهُوَ خدعة وَإِذا حدثتك نَفسك بِتَرْكِهَا عِنْد إقبالها فَذَاك
وَبِهَذَا الْإِسْنَاد قَالَ أَحْمد إِذا رَأَيْت من قَلْبك قسوة فجالس الذَّاكِرِينَ واصحب الزاهدين وأقلل مطمعك واجتنب مرادك وَروض نَفسك على المكاره
وَبِهَذَا الْإِسْنَاد قَالَ أَحْمد الدُّنْيَا مزبلة وَمجمع الْكلاب وَأَقل من الْكلاب من عكف عَلَيْهَا فَإِن الْكَلْب يَأْخُذ مِنْهَا حَاجته وينصرف والمحب لَهَا لَا يزايلها بِحَال
وَبِهَذَا الْإِسْنَاد قَالَ أَحْمد من أحب أَن يعرف بِشَيْء من الْخَيْر أَو يذكر بِهِ فقد أشرك فِي عِبَادَته لِأَن من عبد على الْمحبَّة لَا يحب أَن يرى خدمته سوى محبوبه
وَبِهَذَا الْإِسْنَاد قَالَ أَحْمد إِنِّي لأقرأ الْقُرْآن فَأنْظر فِي آيَة فيحار عَقْلِي فِيهَا وأعجب من حفاظ الْقُرْآن كَيفَ يهنيهم النّوم ويسعهم أَن يشتغلوا بِشَيْء من الدُّنْيَا وهم يَتلون كَلَام الرَّحْمَن أما لَو فَهموا مَا يَتلون وَعرفُوا حَقه وتلذذوا بِهِ وَاسْتَحَلُّوا الْمُنَاجَاة بِهِ لذهب عَنْهُم النّوم فَرحا بِمَا رزقوا ووفقوا
[ ٩٤ ]
١٣ - وَمِنْهُم أَحْمد بن خضرويه الْبَلْخِي كنيته أَبُو حَامِد
وهومن كبار مَشَايِخ خُرَاسَان صحب أَبَا تُرَاب النخشبي وحاتما الْأَصَم ورحل إِلَى أبي يزِيد البسطامي وَهُوَ من مذكوري مَشَايِخ خُرَاسَان بالفتوة وَدخل نيسابور فِي زِيَارَة أبي حَفْص النَّيْسَابُورِي
قيل لأبي حَفْص من أجل من رَأَيْت من هَذِه الطَّبَقَة قَالَ مَا رَأَيْت أحدا أكبر همة وَلَا أصدق حَالا من أَحْمد بن خضرويه
توفّي سنة أَرْبَعِينَ وَمِائَتَيْنِ
كَذَلِك سَمِعت عبد الله بن عَليّ قَالَ سَمِعت مُحَمَّد بن الْفضل الْبَلْخِي يذكر ذَلِك
سَمِعت مَنْصُور بن عبد الله يَقُول سَمِعت مُحَمَّد بن الْفضل يَقُول سَمِعت أَحْمد بن خضرويه يَقُول ولي الله لَا يسم نَفسه بسيماء وَلَا يكون لَهُ اسْم يتسمى بِهِ
[ ٩٥ ]
قَالَ قَالَ أَحْمد الْقُلُوب جوالة إِمَّا أَن تجول حول الْعَرْش وَإِمَّا أَن تجول حول الحش
قَالَ وَقَالَ أَحْمد فِي الْحُرِّيَّة تَمام الْعُبُودِيَّة وَفِي تَحْقِيق الْعُبُودِيَّة تَمام الْحُرِّيَّة
قَالَ وَقَالَ أَحْمد لَا تتمّ معاشرة متضادين فِي دين أَو فِي دنيا
سَمِعت أَبَا بكر مُحَمَّد بن عبد الله الرَّازِيّ قَالَ سَمِعت مُحَمَّد بن الْفضل يَقُول اسْتقْرض أَحْمد بن خضرويه من رجل مائَة ألف دِرْهَم فَقَالَ لَهُ الرجل أَلَيْسَ أَنْتُم الزهاد فِي الدُّنْيَا مَا تصنع بِهَذِهِ الدَّرَاهِم قَالَ أَشْتَرِي بهَا لقْمَة فأضعها فِي فَم مُؤمن وَلَا أجترئ أَن أسأَل ثَوَابه من الله تَعَالَى قَالَ لم قَالَ لِأَن الدُّنْيَا كلهَا لَا تزن عِنْد الله جنَاح بعوضة لَو أَخَذتهَا فطلبت بهَا شَيْئا مَا الَّذِي تُعْطى بهَا وَالدُّنْيَا كلهَا لَهَا هَذَا الْقدر
سَمِعت مَنْصُور بن عبد الله يَقُول سَمِعت مُحَمَّد بن حَامِد التِّرْمِذِيّ يَقُول قَالَ أَحْمد بن خضرويه الصَّبْر زَاد الْمُضْطَرين وَالرِّضَا دَرَجَة العارفين
قَالَ وَقَالَ أَحْمد من صَبر على صبره فَهُوَ الصابر لَا من صَبر وشكا
وبإسناده قَالَ أَحْمد كنت فِي طَرِيق مَكَّة فَوَقَعت رجْلي فِي شكال فَكنت أَمْشِي فرسخين وَهُوَ مُتَعَلق بهَا فرآني بعض النَّاس فَنَزَعَهُ عني ثمَّ دفعني فَقدمت بسطَام فابتدأني أَبُو يزِيد فَقَالَ الْحَال الَّذِي ورد عَلَيْك فِي طَرِيق مَكَّة كَيفَ كَانَ حكمك مَعَ الله فِيهَا قلت أردْت أَلا يكون لي فِي اخْتِيَاره اخْتِيَار فَقَالَ لي يَا فُضُولِيّ قد اخْتَرْت كل شَيْء حَيْثُ كَانَت لَك إِرَادَة
قَالَ وَقَالَ أَحْمد من خدم الْفُقَرَاء أكْرم بِثَلَاثَة أَشْيَاء التَّوَاضُع وَحسن الْأَدَب وسخاوة النَّفس
[ ٩٦ ]
قَالَ وَقَالَ أَحْمد الطَّرِيق وَاضح وَالْحق لائح والداعي قد أسمع فَمَا التحير بعد هَذَا إِلَّا من الْعَمى
قَالَ وَقُرِئَ بَين يَدي أَحْمد بن خضرويه قَول الله ﷿ ﴿فَفرُّوا إِلَى الله﴾ [الذاريات ٥٠] قَالَ أعلمهم بِهَذَا أَنه خير مفر
قَالَ وَقَالَ أَحْمد حَقِيقَة الْمعرفَة الْمحبَّة لَهُ بِالْقَلْبِ وَالذكر لَهُ بِاللِّسَانِ وَقطع الهمة عَن كل شَيْء سواهُ
قَالَ وَقَالَ أَحْمد الْقُلُوب أوعية فَإِذا امْتَلَأت من الْحق أظهرت زِيَادَة أنوارها على الْجَوَارِح وَإِذا امْتَلَأت من الْبَاطِل أظهرت زِيَادَة ظلمتها على الْجَوَارِح
قَالَ وَقَالَ رجل لِأَحْمَد بن خضرويه أوصني فَقَالَ أمت نَفسك حَتَّى يحيها
قَالَ وَقَالَ أَحْمد أقرب الْخلق إِلَى الله أوسعهم خلقا
قَالَ وَقَالَ أَحْمد بَلغنِي أَنه اسْتَأْذن بعض الْأَغْنِيَاء على بعض الزهاد فَأذن لَهُ فَرَآهُ فِي رَمَضَان يَأْكُل خبْزًا يَابسا بملح فَرجع إِلَى منزله وَبعث إِلَيْهِ بِأَلف دِينَار فَرده وَقَالَ إِن هَذَا جَزَاء من أفشى سره إِلَى مثلك
قَالَ وَقَالَ أَحْمد لَا نوم أثقل من الْغَفْلَة وَلَا رق أملك من الشَّهْوَة وَلَوْلَا ثقل الْغَفْلَة لما ظَفرت بك الشَّهْوَة
قَالَ وَقَالَ أَحْمد لَيْسَ من طَالبه الْحق بآلائه كمن طَالبه الْحق بنعمائه
[ ٩٧ ]
قَالَ وَسُئِلَ أَحْمد أَي الْأَعْمَال أفضل قَالَ رِعَايَة السِّرّ عَن الِالْتِفَات إِلَى شَيْء سوى الله تَعَالَى
١٤ - وَمِنْهُم يحيى بن معَاذ بن جَعْفَر الرَّازِيّ الْوَاعِظ
تكلم فِي علم الرَّجَاء وَأحسن الْكَلَام فِيهِ
وَكَانُوا ثَلَاثَة أخوة يحيى وَإِسْمَاعِيل وَإِبْرَاهِيم وأكبرهم سنا إِسْمَاعِيل وَيحيى أوسطهم وأصغرهم إِبْرَاهِيم وَكلهمْ كَانُوا زهادا
وَإِبْرَاهِيم خرج مَعَ يحيى إِلَى خُرَاسَان وَتُوفِّي فِيمَا بَين نيسابور وبلخ وَقيل إِنَّه مَاتَ فِي بعض بِلَاد جوزجان وَخرج يحيى إِلَى بَلخ وَأقَام بهَا مُدَّة ثمَّ رَجَعَ إِلَى نيسابور وَمَات بهَا سنة ثَمَان وَخمسين وَمِائَتَيْنِ وروى الحَدِيث
حَدثنَا مُحَمَّد بن أَحْمد بن الْحسن قَالَ حَدثنَا عَليّ بن مُحَمَّد الْأَزْرَق حَدثنَا مُحَمَّد بن عَبدك قَالَ سَمِعت يحيى بن معَاذ الرَّازِيّ الْوَاعِظ يذكر عَن حمدَان بن عِيسَى الْبَلْخِي عَن الزبْرِقَان عَن الشّعبِيّ عَن ابْن عَبَّاس قَالَ (التَّقْوَى كرم الْخلق وَطيب الْمطعم)
[ ٩٨ ]
أخبرنَا الْحُسَيْن بن أَحْمد بن أَسد الْهَرَوِيّ قَالَ حَدثنَا مُحَمَّد بن عَليّ بن الْحُسَيْن الْبَلْخِي حَدثنَا نصر بن الْحَارِث حَدثنَا يحيى بن معَاذ حَدثنَا عصمَة ابْن عَاصِم حَدثنَا سَعْدَان الْحَلِيمِيّ حَدثنَا ابْن جريج عَن أبي الزبير عَن جَابر قَالَ (كَانَ رَسُول الله ﷺ دَائِم التفكر طَوِيل الأحزان قَلِيل الضحك إِلَّا أَن يبتسم)
سَمِعت عبيد الله بن مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن حمدَان العكبري بهَا قَالَ سَمِعت أَحْمد بن مُحَمَّد السّري قَالَ سَمِعت أَبَا مُحَمَّد الاسكابي قَالَ سَمِعت يحيى بن معَاذ يَقُول من استفتح بَاب المعاش بِغَيْر مَفَاتِيح الأقدار وكل إِلَى المخلوقين
وبإسناده قَالَ يحيى الْعِبَادَة حِرْفَة حوانيتها الْخلْوَة وَرَأس مَالهَا الِاجْتِهَاد بِالسنةِ وربحها الْجنَّة
وَبِه قَالَ سَمِعت يحيى يَقُول الصَّبْر على الْخلْوَة من عَلَامَات الْإِخْلَاص
سَمِعت عبيد الله بن مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن حمدَان العكبري يَقُول حَدثنِي أَبُو الْحسن السنجري يَقُول سَمِعت أَبَا يَعْقُوب الدَّارمِيّ يَقُول سَمِعت يحيى بن معَاذ الرَّازِيّ يَقُول الدُّنْيَا دَار أشغال وَالْآخِرَة دَار أهوال وَلَا يزَال العَبْد بَين الْأَهْوَال والأشغال حَتَّى يسْتَقرّ بِهِ الْقَرار إِمَّا إِلَى الْجنَّة وَإِمَّا إِلَى النَّار
سَمِعت مَنْصُور بن عبد الله يَقُول سَمِعت الْحسن بن عُلْوِيَّهُ يَقُول سَمِعت يحيى بن معَاذ يَقُول جَمِيع الدُّنْيَا من أَولهَا إِلَى آخرهَا لَا يُسَاوِي غم سَاعَة فَكيف تغم عمرك فِيهَا مَعَ قَلِيل يصيبك مِنْهَا
[ ٩٩ ]
قَالَ وَسمعت يحيى يَقُول ثَلَاث خِصَال من صفة الْأَوْلِيَاء الثِّقَة بِاللَّه فِي كل شَيْء والغنى بِهِ عَن كل شَيْء وَالرُّجُوع إِلَيْهِ فِي كل شَيْء
قَالَ وَسمعت يحيى يَقُول أولياؤه أسراء نعمه وأصفياؤه رهائن كرمه وأحباؤه عبيد مننه فهم عبيد محبَّة لَا يعتقون ورهائن كرم لَا يفكون وأسراء نعم لَا يطلقون
سَمِعت عبيد الله بن مُحَمَّد يَقُول سَمِعت أَحْمد بن مُحَمَّد السّري يَقُول سَمِعت أَحْمد بن مُحَمَّد بن عِيسَى يَقُول سَمِعت يحيى بن معَاذ يَقُول كَيفَ يكون زاهدا من لَا ورع لَهُ تورع عَمَّا لَيْسَ لَك ثمَّ ازهد فِيمَا لَك
قَالَ وَسمعت يحيى يَقُول سُقُوط العَبْد من دَرَجَة ادعاؤها
وَبِه قَالَ يحيى جوع التوابين تجربة وجوع الزاهدين سياسة وجوع الصديقين تكرمة
[ ١٠٠ ]
وَبِه قَالَ يحيى طلب الْعَاقِل للدنيا أحسن من ترك الْجَاهِل لَهَا
وَبِه قَالَ يحيى لَا يزَال العَبْد مَقْرُونا بالتواني مَا دَامَ مُقيما على وعد الْأَمَانِي
سَمِعت عبد الله بن عَليّ السراج يَقُول سَمِعت جعفرا الْخُلْدِيِّ يَقُول سَمِعت مُحَمَّد بن الْفضل الْعَدوي قَالَ حَدثنَا أَحْمد بن خلف البرْسَانِي حَدثنَا أَحْمد بن مُحَمَّد بن شاهويه الْبَلْخِي قَالَ سَمِعت يحيى بن معَاذ يَقُول على قدر حبك لله تَعَالَى يحبك الْخلق وبقدر خوفك من الله تَعَالَى يهابك الْخلق وعَلى قدر شغلك بِاللَّه يشْتَغل فِي أَمرك الْخلق
سَمِعت أَبَا الْفضل نصر بن أبي نصر يَقُول سَمِعت ابْن الْفضل القَاضِي الْبَلْخِي يَقُول سَمِعت مُحَمَّد بن إِسْمَاعِيل بن مُوسَى يَقُول سَمِعت يحيى بن معَاذ يَقُول لَيْسَ من تاه فِيهِ كمن تاه بعجائب مَا ورد عَلَيْهِ مِنْهُ
قَالَ وَسمعت يحيى يَقُول الْفَوْت أَشد من الْمَوْت لِأَن الْفَوْت انْقِطَاع عَن الْحق وَالْمَوْت انْقِطَاع عَن الْخلق
سَمِعت مُحَمَّد بن عَليّ النهاوندي يَقُول سَمِعت مُوسَى بن مُحَمَّد يَقُول سَمِعت يحيى بن معَاذ يَقُول الْوحدَة منية الصديقين والأنس بِالنَّاسِ وحشتهم
قَالَ وَسمعت يحيى يَقُول الزَّاهِد صافي الظَّاهِر مختلط الْبَاطِن والعارف صافي الْبَاطِن مختلط الظَّاهِر
قَالَ وَسمعت يحيى يَقُول أهل الْمعرفَة وَحش الله فِي الأَرْض لَا يأنسون إِلَى أحد والزاهدون غرباء فِي الدُّنْيَا والعارفون غرباء فِي الْآخِرَة
[ ١٠١ ]
قَالَ وَسمعت يحيى يَقُول ابْن آدم مَالك تأسف على مَفْقُود لَا يردهُ عَلَيْك الْفَوْت وَمَا لَك تفرح بموجود لَا يتْركهُ فِي يدك الْمَوْت
سَمِعت عبد الْوَاحِد بن بكر الورثاني يَقُول حَدثنِي أَحْمد بن مُحَمَّد بن عَليّ البرذعي قَالَ حَدثنَا طَاهِر بن إِسْمَاعِيل الرَّازِيّ قَالَ قيل ليحيى بن معَاذ أخبرنَا عَن الله مَا هُوَ قَالَ إِلَه وَاحِد قيل كَيفَ هُوَ قَالَ ملك قَادر قيل أَيْن هُوَ قَالَ بالمرصاد قيل لَيْسَ عَن هَذَا أَسأَلك قَالَ يحيى فَذَاك صفة الْمَخْلُوق فَأَما صفة الْخَالِق فَمَا أَخْبَرتك بِهِ
حَدثنَا أَحْمد بن مُحَمَّد بن يَعْقُوب قَالَ حَدثنِي أَحْمد بن مُحَمَّد بن عَليّ حَدثنَا عَليّ الرَّازِيّ قَالَ قَالَ يحيى بن معَاذ من سر بِخِدْمَة الله سرت الْأَشْيَاء كلهَا بخدمته وَمن قرت عينه بِاللَّه قرت عُيُون كل شَيْء بِالنّظرِ إِلَيْهِ
سَمِعت أَبَا الْحُسَيْن الْفَارِسِي يَقُول سَمِعت الْحسن بن عُلْوِيَّهُ يَقُول سَمِعت يحيى بن معَاذ يَقُول الزّهْد ثَلَاثَة اشياء الْقلَّة وَالْخلْوَة والجوع
قَالَ وَقَالَ يحيى عِنْد نزُول الْبلَاء تظهر حقائق الصَّبْر وَعند مكاشفة الْمَقْدُور تظهر حقائق الرِّضَا
قَالَ وَقَالَ يحيى مَحْبُوب الْيَوْم يعقب الْمَكْرُوه غَدا ومكروه الْيَوْم يعقب المحبوب غَدا
قَالَ وَقَالَ يحيى اجْتنبت صُحْبَة ثَلَاثَة أَصْنَاف من النَّاس الْعلمَاء الغافلين والقراء المداهنين والمتصوفة الْجَاهِلين
[ ١٠٢ ]
قَالَ وَقَالَ يحيى من لم يعْتَبر بالمعاينة لم يتعظ بِالْمَوْعِظَةِ وَمن اعْتبر بالمعاينة اسْتغنى عَن الموعظة
قَالَ وَقَالَ يحيى الْعبْرَة بالأوتار وَالْمُعْتَبر بالمثقال
قَالَ وَقَالَ يحيى أَبنَاء الدُّنْيَا تخدمهم الْإِمَاء وَالْعَبِيد وَأَبْنَاء الْآخِرَة يخدمهم الْأَبْرَار والأحرار
قَالَ وَقَالَ يحيى لَا تربح على نَفسك بِشَيْء أجل من أَن تشغلها فِي كل وَقت بِمَا هُوَ أولى بهَا
١٥ - وَمِنْهُم أَبُو حَفْص النَّيْسَابُورِي واسْمه عَمْرو بن سلم وَيُقَال عَمْرو بن سَلمَة وَهُوَ الْأَصَح إِن شَاءَ الله
فقد رَأَيْت بِخَط جدي إِسْمَاعِيل بن نجيد قَالَ أَبُو عُثْمَان بن إِسْمَاعِيل سَأَلت أستاذي أَبَا حَفْص عمر بن سَلمَة
وَهُوَ من أهل قَرْيَة يُقَال لَهَا كورداباذ على بَاب مَدِينَة نيسابور إِذا خرجت إِلَى بُخَارى
صحب عبيد الله بن مهْدي الأبيوردي وعليا النصراباذي ورافق أَحْمد بن
[ ١٠٣ ]
خضرويه الْبَلْخِي وَكَانَ أحد الْأَئِمَّة والسادة انْتَمَى إِلَيْهِ شاه بن شُجَاع الْكرْمَانِي وَأَبُو عُثْمَان سعيد بن إِسْمَاعِيل
توفّي سنة سبعين وَمِائَتَيْنِ وَيُقَال سنة سبع وَسِتِّينَ وَالله أعلم
قَرَأت بِخَط أبي عَمْرو بن حمدَان قَالَ سَمِعت أبي يَقُول قَالَ أَبُو حَفْص الْمعاصِي بريد الْكفْر كَمَا أَن الْحمى بريد الْمَوْت
قَالَ وَقَالَ مخمش الْجلاب صَحِبت أَبَا حَفْص اثْنَتَيْنِ وَعشْرين سنة مَا رَأَيْته ذكر الله تَعَالَى على حد الْغَفْلَة والانبساط وَمَا كَانَ يذكرهُ إِلَّا على سَبِيل الْحُضُور والتعظيم وَالْحُرْمَة فَكَانَ إِذا ذكر الله تَغَيَّرت عَلَيْهِ حَاله حَتَّى كَانَ يرى ذَلِك مِنْهُ جَمِيع من حَضَره
قَالَ وَقَالَ مرّة وَقد ذكر الله تَعَالَى وَتغَير عَلَيْهِ حَاله فَلَمَّا رَجَعَ قَالَ مَا أبعد ذكر الْمُحَقِّقين فَمَا أَظن أَن محقا يذكر الله عَن غير غَفلَة ثمَّ يبْقى بعد ذَلِك حَيا إِلَّا الْأَنْبِيَاء فَإِنَّهُم أيدوا بِقُوَّة النُّبُوَّة وخواص الْأَوْلِيَاء بِقُوَّة ولايتهم
قَالَ وَكَانَ أَبُو حَفْص يَقُول من إهانة الدُّنْيَا أَنِّي لَا أبخل بهَا على أحد وَلَا أبخل بهَا على نَفسِي لاحتقارها واحتقار نَفسِي عِنْدِي
[ ١٠٤ ]
قَالَ وَقَالَ مُحَمَّد بن بَحر الشجيني أَخُو زَكَرِيَّا كنت أَخَاف الْفقر مَعَ مَا كنت أملك من المَال فَقَالَ لي يَوْمًا أَبُو حَفْص إِن قضى الله عَلَيْك الْفقر لَا يقدر أحد أَن يُغْنِيك فَذهب خوف الْفقر من قلبِي رَأْسا
قَالَ قَالَ أَبُو حَفْص الْفَقِير الصَّادِق الَّذِي يكون فِي كل وَقت بِحكمِهِ فَإِذا ورد عَلَيْهِ وَارِد يشْغلهُ عَن حكم وقته يستوحش مِنْهُ وينفيه
قَالَ وَقَالَ أَبُو حَفْص مَا أعز الْفقر إِلَى الله وأذل الْفقر إِلَى الاشكال وَمَا أحسن الِاسْتِغْنَاء بِاللَّه وأقبح الِاسْتِغْنَاء باللثام
سَمِعت جدي ﵀ يَقُول كَانَ أَبُو حَفْص إِذا غضب تكلم فِي حسن الْخلق حَتَّى يسكن غَضَبه ثمَّ يرجع إِلَى حَدِيثه
سَمِعت عبد الرَّحْمَن بن الْحُسَيْن الصُّوفِي يَقُول بَلغنِي أَن مَشَايِخ بَغْدَاد اجْتَمعُوا عِنْد أبي حَفْص وسألوه عَن الفتوة فَقَالَ تكلمُوا أَنْتُم فَإِن لكم الْعبارَة وَاللِّسَان فَقَالَ الْجُنَيْد الفتوة إِسْقَاط الرُّؤْيَة وَترك النِّسْبَة
فَقَالَ أَبُو حَفْص مَا أحسن مَا قلت وَلَكِن الفتوة عِنْدِي أَدَاء الْإِنْصَاف وَترك مُطَالبَة الْإِنْصَاف فَقَالَ الْجُنَيْد قومُوا يَا أَصْحَابنَا فقد زَاد أَبُو حَفْص على آدم وَذريته
وَسمعت عبد الرَّحْمَن يَقُول بَلغنِي أَنه لما أَرَادَ أَبُو حَفْص الْخُرُوج من بَغْدَاد شيعه من بهَا من الْمَشَايِخ والفتيان فَلَمَّا أَرَادوا أَن يرجِعوا قَالَ لَهُ بَعضهم دلنا على الفتوة مَا هِيَ فَقَالَ الفتوة تُؤْخَذ اسْتِعْمَالا ومعاملة لَا نطقا فتعجبوا من كَلَامه
قَالَ وَسُئِلَ أَبُو حَفْص هَل للفتى من عَلامَة قَالَ نعم من يرى الفتيان وَلَا يستحى مِنْهُم فِي شمائله وأفعاله فَهُوَ فَتى
[ ١٠٥ ]
سَمِعت أبي يَقُول سَمِعت أَبَا الْعَبَّاس الدينَوَرِي يَقُول قَالَ أَبُو حَفْص مَا دخل قلبِي حق وَلَا بَاطِل مُنْذُ عرفت الله
سَمِعت مُحَمَّد بن أَحْمد بن حمدَان يَقُول سَمِعت أبي يَقُول سَمِعت أَبَا حَفْص يَقُول تركت الْعَمَل فَرَجَعت إِلَيْهِ ثمَّ تركني الْعَمَل فَلم أرجع إِلَيْهِ
سَمِعت أَبَا أَحْمد بن عِيسَى يَقُول سَمِعت مَحْفُوظ بن مَحْمُود يَقُول سَمِعت أَبَا حَفْص يَقُول الْكَرم طرح الدُّنْيَا لمن يحْتَاج إِلَيْهَا والإقبال على الله لاحتياجك إِلَيْهِ
قَالَ وَقَالَ رجل لأبي حَفْص إِن فلَانا من أَصْحَابك أبدا يَدُور حول السماع فَإِذا سمع هاج وَبكى ومزق ثِيَابه فَقَالَ أَبُو حَفْص أيش يعْمل الغريق يتَعَلَّق بِكُل شَيْء يظنّ نجاته فِيهِ
قَالَ وَقَالَ أَبُو حَفْص حرست قلبِي عشْرين سنة ثمَّ حرسني قلبِي عشْرين سنة ثمَّ وَردت حَالَة صرنا فِيهَا محروسين جَمِيعًا
قَالَ وَقَالَ أَبُو حَفْص من تجرع كأس الشوق يهيم هياما لَا يفِيق إِلَّا عِنْد الْمُشَاهدَة واللقاء
قَالَ وَقَالَ أَبُو حَفْص إِذا رَأَيْت الْمُحب سَاكِنا هادئا فَاعْلَم أَنه وَردت عَلَيْهِ غَفلَة فَإِن الْحبّ لَا يتْرك صَاحبه يهدأ بل يزعجه فِي الدنو والبعد واللقاء والحجاب
قَالَ وَقَالَ أَبُو حَفْص التصوف كُله آدَاب لكل وَقت أدب وَلكُل مقَام أدب فَمن لزم آدَاب الْأَوْقَات بلغ مبلغ الرِّجَال وَمن ضيع الْآدَاب فَهُوَ بعيد من حَيْثُ يظنّ الْقرب ومردود من حَيْثُ يَرْجُو الْقبُول
[ ١٠٦ ]
سَمِعت أَبَا عَمْرو بن حمدَان يَقُول وجدت فِي كتاب أبي قَالَ أَبُو حَفْص الْحَال لَا يُفَارق الْعلم وَلَا يقارن القَوْل
وَذكر أَبُو عُثْمَان الْحِيرِي النَّيْسَابُورِي عَن أبي حَفْص أَنه قَالَ من يُعْطي وَيَأْخُذ فَهُوَ رجل وَمن يُعْطي وَلَا يَأْخُذ فَهُوَ نصف رجل وَمن لَا يُعْطي وَلَا يَأْخُذ فَهُوَ همج لَا خير فِيهِ فَسئلَ أَبُو عُثْمَان عَن معنى هَذَا الْكَلَام فَقَالَ من يَأْخُذ من الله وَيُعْطِي لله فَهُوَ رجل لِأَنَّهُ لَا يرى فِيهِ نفسهه بِحَال وَمن يُعْطي وَلَا يَأْخُذ فَإِنَّهُ نصف رجل لِأَنَّهُ يرى نَفسه فِي ذَلِك فَيرى أَن لَهُ بِأَن لَا يَأْخُذ فَضِيلَة وَمن لَا يَأْخُذ وَلَا يُعْطي فَهُوَ همج لِأَنَّهُ يظنّ أَنه الْآخِذ والمعطي دون الله تَعَالَى
سَمِعت ابا الْحسن بن مقسم بِبَغْدَاد يَقُول سَمِعت أَبَا مُحَمَّد المرتعش يَقُول سَمِعت أَبَا حَفْص يَقُول مَا اسْتحق اسْم السخاء من ذكر الْعَطاء أَو لمحه بِقَلْبِه
قَالَ وَسُئِلَ أَبُو حَفْص عَن قَول الله ﷿ ﴿وعاشروهن بِالْمَعْرُوفِ﴾ [النِّسَاء ١٩] قَالَ المعاشرة بِالْمَعْرُوفِ حسن الْخلق مَعَ الْعِيَال فِيمَا ساءك وَمن كرهت صحبتهَا
قَالَ وَسُئِلَ أَبُو حَفْص عَن الْبُخْل فَقَالَ ترك الإيثار عِنْد الْحَاجة إِلَيْهِ
قَالَ وَسُئِلَ أَيْضا من الْوَلِيّ فَقَالَ من أيد بالكرامات وغيب عَنْهَا
قَالَ وَقَالَ أَبُو حَفْص مَا ظَهرت حَالَة عالية إِلَّا من مُلَازمَة أصل صَحِيح
قَالَ سُئِلَ عَن أَحْكَام الْفقر وآدابها على الْفُقَرَاء فَقَالَ حفظ حرمات الْمَشَايِخ وَحسن الْعشْرَة مَعَ الإخوان والنصيحة للأصاغر وَترك الْخُصُومَات فِي الأرزاق وملازمة الإيثار ومجانبة الادخار وَترك صُحْبَة من لَيْسَ من طبقتهم والمعاونة فِي أُمُور الدّين وَالدُّنْيَا
[ ١٠٧ ]
قَالَ وَسُئِلَ أَبُو حَفْص من الْعَاقِل فَقَالَ المطالب نَفسه بالإخلاص
قَالَ سُئِلَ أَبُو حَفْص عَن الْعُبُودِيَّة فَقَالَ ترك مَا لَك والتزام مَا أمرت بِهِ
قَالَ وَقَالَ أَبُو حَفْص من رأى فضل الله عَلَيْهِ فِي كل حَال أَرْجُو أَلا يهْلك
قَالَ وَقَالَ أَبُو حَفْص لَا تكن عبادتك لِرَبِّك سَببا لِأَن تكون معبودا
سَمِعت أَبَا الْحسن بن مقسم يَقُول سَمِعت المرتعش يَقُول سَمِعت أَبَا حَفْص يَقُول إِنِّي لَا أَدعِي الْخلق لِأَنِّي أحسن من نَفسِي سرعَة الْغَضَب وَإِن لم أظهره وَلَا أَدعِي السخاء لِأَنِّي لست آمن من نَفسِي أَن تلاحظ فعله أَو تلْتَفت إِلَيْهِ أَو تذكر عطاءه وقتا مَا
قَالَ وَقَالَ أَبُو حَفْص حسن أدب الظَّاهِر عنوان حسن أدب الْبَاطِن لِأَن النَّبِي ﷺ (قَالَ لَو خشع قلبه لخشعت جوارحه)
قَالَ سُئِلَ أَبُو حَفْص مَا الْبِدْعَة فَقَالَ التَّعَدِّي فِي الْأَحْكَام والتهاون بالسنن وَاتِّبَاع الآراء وَترك الِاقْتِدَاء والاتباع
قَالَ وَسُئِلَ أَبُو حَفْص من الرِّجَال فَقَالَ القائمون مَعَ الله تَعَالَى بوفاء العهود قَالَ الله تَعَالَى ﴿رجال صدقُوا مَا عَاهَدُوا الله عَلَيْهِ﴾ (الْأَحْزَاب)
[ ١٠٨ ]
قَالَ وَقَالَ أَبُو حَفْص الإيثار أَن تقدم حظوظ الإخوان على حظك فِي أَمر آخرتك ودنياك
١٦ - وَمِنْهُم حمدون بن أَحْمد بن عمَارَة أَبُو صَالح الْقصار النَّيْسَابُورِي
شيخ أهل الْمَلَامَة بنيسابور وَمِنْه انْتَشَر مَذْهَب الْمَلَامَة
صحب سلم بن الْحسن الباروسي وَأَبا تُرَاب النخشبي وعليا النصراباذي وَكَانَ عَالما فَقِيها يذهب مَذْهَب الثَّوْريّ وطريقته طَريقَة اخْتصَّ هُوَ بهَا وَلم يَأْخُذ عَنهُ طَرِيقَته أحد من أَصْحَابه كأخذ عبد الله بن مُحَمَّد بن منَازِل صَاحبه عَنهُ
توفّي أَبُو صَالح حمدون سنة إِحْدَى وَسبعين وَمِائَتَيْنِ بنيسابور وَدفن فِي مَقْبرَة الْحيرَة وَأسْندَ الحَدِيث
حَدثنَا أبي ﵀ قَالَ حَدثنَا عبد الله بن مُحَمَّد بن منَازِل حَدثنَا حمدون بن أَحْمد الْقصار حَدثنَا إِبْرَاهِيم الزراد حَدثنَا ابْن نمير عَن الْأَعْمَش عَن سعيد بن عبد الله عَن أبي بَرزَة الْأَسْلَمِيّ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ (لَا تَزُول قدما عبد يَوْم الْقِيَامَة حَتَّى يسْأَل عَن أَربع عَن عمره فِيمَا أفناه وَعَن جسده فِيمَا أبلاه وَعَن مَاله من أَيْن اكْتَسبهُ وَأَيْنَ وَضعه وَعَن علمه مَا عمل فِيهِ)
[ ١٠٩ ]
سَمِعت مُحَمَّد بن أَحْمد الْفراء يَقُول سَمِعت عبد الله بن مُحَمَّد بن منَازِل يَقُول سُئِلَ حمدون الْقصار مَتى يجوز للرجل أَن يتَكَلَّم على النَّاس فَقَالَ إِذا تعين عَلَيْهِ أَدَاء فرض من فَرَائض الله تَعَالَى فِي علمه أَو خَافَ هَلَاك إِنْسَان فِي بِدعَة يَرْجُو أَن ينجيه الله تَعَالَى مِنْهَا بِعِلْمِهِ
قَالَ وَقيل لحمدون مَا بَال كَلَام السّلف أَنْفَع من كلامنا قَالَ لأَنهم تكلمُوا لعز الْإِسْلَام وَنَجَاة النُّفُوس ورضا الرَّحْمَن وَنحن نتكلم لعز النَّفس وَطلب الدُّنْيَا وَقبُول الْخلق
قَالَ وَقَالَ حمدون أصل رفع الألفة من بَين الأخوان حب الدُّنْيَا
قَالَ وَتَكَلَّمُوا يَوْمًا بَين يَدي أبي صَالح حمدون فِي حفظ الْأَمَانَات فَقَالَ قد تحملت من الْأَمَانَة مَا لَو اشتغلت بِهِ لشغلك عَن كل أَمَانَة بعْدهَا
قَالَ وَقَالَ لَهُ رجل من أَصْحَابه كَيفَ أعمل لَا بُد لي من مُعَاملَة هَؤُلَاءِ الْجند فَمَاذَا ترى لي قَالَ إِن كنت تعلم يَقِينا أَنَّك خير مِنْهُم فَلَا تعاملهم
قَالَ وَسَأَلَهُ يَوْمًا أَبُو الْقَاسِم الْمُنَادِي عَن مَسْأَلَة فَقَالَ لَهُ حمدون أرى فِي سؤالك قُوَّة وَعزة نفس أتظن أَنَّك قد بلغت بِهَذَا السُّؤَال الْحَال الَّذِي تخبر عَنهُ أَيْن طَريقَة الضعْف والفقر والتضرع والالتجاء عِنْدِي أَن من ظن نَفسه خير من نفس فِرْعَوْن فقد أظهر الْكبر
وَسمعت مُحَمَّد بن أَحْمد الْفراء يَقُول سَمِعت عبد الله الْحجام يَقُول سَمِعت حمدون يَقُول مذ علمت أَن للسُّلْطَان فراسة فِي الأشرار مَا خرج خوف السُّلْطَان من قلبِي
[ ١١٠ ]
قَالَ وَقَالَ عبد الله قَالَ حمدون إِذا رَأَيْت سَكرَان فتمايل لِئَلَّا تنعى عَلَيْهِ فتبتلى بِمثل ذَلِك
وَسمعت مُحَمَّد بن أَحْمد الْفراء يَقُول سَمِعت مُحَمَّد بن أَحْمد بن منَازِل يَقُول قلت لأبي صَالح حمدون أوصني فَقَالَ إِن اسْتَطَعْت أَلا تغْضب لشَيْء من الدُّنْيَا فافعل
قَالَ وَقَالَ حمدون من ضيع عهود الله عِنْده فَهُوَ لِآدَابِ شَرِيعَته أضيع لِأَن الله تَعَالَى يَقُول ﴿وأوفوا بالعهد إِن الْعَهْد كَانَ مسؤولا﴾
قَالَ وَقَالَ حمدون استعانة الْمَخْلُوق بالمخلوق كاستعانة المسجون بالمسجون
قَالَ وَقَالَ رجل لحمدون أوصني بِوَصِيَّة فَقَالَ إِن اسْتَطَعْت أَن تصبح مفوضا لَا مُدبرا فافعل
قَالَ وَقَالَ حمدون قعُود الْمُؤمن عَن الْكسْب الحاف فِي الْمَسْأَلَة
سَمِعت عبد الله بن مُحَمَّد بن فضلويه الْمعلم يَقُول سَمِعت عبد الله بن مُحَمَّد ابْن منَازِل يَقُول سَمِعت حمدون يَقُول من أصبح وَلَيْسَ لَهُ هم إِلَّا طلب قوت من حَلَال وهم مَا جرى فِي سَابق الْعلم وَله وَعَلِيهِ فَإِنَّهُ يتفرغ إِلَى كل شَيْء
قَالَ وَقَالَ حمدون من تحقق فِي حَال لَا يخبر عَنهُ
قَالَ وَقَالَ لأَصْحَابه أوصيكم بشيئين صُحْبَة الْعلمَاء وَالِاحْتِمَال عَن الْجُهَّال
[ ١١١ ]
قَالَ وَقَالَ حمدون من شغله طلب الدُّنْيَا عَن الْآخِرَة ذل إِمَّا فِي الدُّنْيَا وَإِمَّا فِي الْآخِرَة
قَالَ وَقَالَ حمدون من نظر فِي سير السّلف عرف تَقْصِيره وتخلفه عَن دَرَجَات الرِّجَال
قَالَ وَقَالَ حمدون كفايتك تساق إِلَيْك باليسر من غير تَعب وَإِنَّمَا التَّعَب فِي طلب الفضول
قَالَ وَسُئِلَ حمدون عَن الزّهْد فَقَالَ الزّهْد عِنْدِي الا تكون بِمَا فِي يدك أسكن قلبا مِنْك بِضَمَان سيدك
قَالَ وَقَالَ حمدون من غَفلَة العَبْد أَن يتفرغ من أَمر ربه إِلَى سياسة نَفسه
قَالَ وَقَالَ حمدون لَا يجزع من الْمُصِيبَة إِلَّا من يتهم ربه
قَالَ وَقَالَ حمدون الكياسة تورث الْعجب
قَالَ وَقَالَ حمدون لَا أحد أدون مِمَّن يتزين لدار فانية ويتجمل لمن لَا يملك ضره ونفعه
قَالَ وَقَالَ حمدون تهاون بالدنيا حَتَّى لَا يعظم فِي عَيْنك أَهلهَا وَمن يملكهَا
قَالَ وَقَالَ حمدون جمال الْفَقِير فِي تواضعه فَإِذا تكبر بفقره فقد أربى على الْأَغْنِيَاء فِي التكبر
[ ١١٢ ]
قَالَ وَقَالَ حمدون لَا تفش على أحد مَا تحب أَن يكون مَسْتُورا مِنْك
قَالَ وَقَالَ حمدون من رَأَيْت فِيهِ خصْلَة من الْخَيْر فَلَا تُفَارِقهُ فَإِنَّهُ يصيبك من بركاته
سَمِعت مُحَمَّد بن أَحْمد التَّمِيمِي يَقُول سَمِعت أَحْمد بن حمدون يَقُول سَمِعت أبي وَسُئِلَ عَن طَرِيق الْمَلَامَة يَقُول خوف الْقَدَرِيَّة ورجاء المرجئة
قَالَ وَقَالَ حمدون من اسْتَطَاعَ مِنْكُم أَلا يعمى عَن نُقْصَان نَفسه فَلْيفْعَل
١٧ - وَمِنْهُم مَنْصُور بن عمار وكنيته أَبُو السّري
من أهل مرو وَأَصله مِنْهَا من قَرْيَة يُقَال لَهَا دندانقان كَذَلِك سَمِعت أَبَا الْعَبَّاس أَحْمد بن سعيد المعداني يذكر ذَلِك
وَيُقَال إِنَّه من أهل أبيورد كَذَلِك ذكره لي أَبُو الْفضل الشَّافِعِي الأخباري
وَيُقَال إِنَّه من أهل بوشنج كَذَلِك ذكره لي مُحَمَّد بن الْعَبَّاس العصمي
[ ١١٣ ]
أَقَامَ بِالْبَصْرَةِ وَكَانَ من أحسن النَّاس كلَاما فِي الموعظة وَكَانَ من حكماء الْمَشَايِخ وَأسْندَ الحَدِيث
أخبرنَا جدي إِسْمَاعِيل بن نجيد السّلمِيّ قَالَ حَدثنَا أَبُو عبد الله مُحَمَّد ابْن إِبْرَاهِيم بن سعيد الْعَبْدي حَدثنَا سليم بن مَنْصُور بن عمار بِبَغْدَاد فِي رحبة أَبِيه حَدثنَا أبي عَن الْمُنْكَدر بن مُحَمَّد بن الْمُنْكَدر عَن أَبِيه عَن جَابر ﵁ أَن فَتى من الْأَنْصَار يُقَال لَهُ قعلبة بن عبد الرَّحْمَن كَانَ يحف برَسُول الله ﷺ ويخدمه ثمَّ إِنَّه مر بِبَاب رجل من الْأَنْصَار فَاطلع فِيهِ فَوجدَ امْرَأَة الْأنْصَارِيّ تَغْتَسِل فكرر النّظر فخاف أَن ينزل الْوَحْي على رَسُول الله ﷺ بِمَا صنع فَخرج هَارِبا من الْمَدِينَة استحياء من رَسُول الله ﷺ حَتَّى أَتَى جبالا بَين مَكَّة وَالْمَدينَة فولجها فَسَأَلَ عَنهُ رَسُول الله أَرْبَعِينَ يَوْمًا وَهِي الْأَيَّام الَّتِي قَالُوا ودعه ربه وقلاه فَنزل جِبْرِيل ﵇ فَقَالَ إِن رَبك يُقْرِئك السَّلَام ويخبرك أَن الهارب من أمتك بَين هَذِه الْجبَال يعوذ بِي من نَارِي
فَبعث رَسُول الله عمر بن الْخطاب وسلمان وَقَالَ انْطَلقَا فأتياني بِثَعْلَبَة بن عبد الرَّحْمَن فَخَرَجَا فِي أنقاب الْمَدِينَة فلقيهما رَاع من رُعَاة الْمَدِينَة يُقَال لَهُ ذفافة فَقَالَ لَهُ عمر يَا ذفافة هَل لَك علم بشاب بَين هَذِه الْجبَال فَقَالَ ذفافة لَعَلَّك تُرِيدُ الهارب من جَهَنَّم فَقَالَ لَهُ عمر مَا علمك أَنه هارب من جَهَنَّم
[ ١١٤ ]
قَالَ إِنَّه إِذا كَانَ نصف اللَّيْل خرج علينا من هَذَا الشّعب وَاضِعا يَده على أم رَأسه يبكي وينادي يَا ليتك قبضت روحي فِي الْأَرْوَاح وجسدي فِي الأجساد وَلَا تجردني لفصل الْقَضَاء فَقَالَ عمر إِيَّاه نُرِيد
قَالَ فَانْطَلق بهما ذفافة حَتَّى إِذا كَانَ فِي بعض اللَّيْل خرج عَلَيْهِم وَهُوَ يُنَادي يَا ليتك قبضت روحي فِي الْأَرْوَاح وجسدي فِي الأجساد فَعدا عَلَيْهِ عمر فَأَخذه فَلَمَّا سمع حسه قَالَ الْأمان الْأمان مَتى الْخَلَاص من النَّار
قَالَ لَهُ أَنا عمر بن الْخطاب فَقَالَ لَهُ ثَعْلَبَة أعلم رَسُول الله ﷺ بذنبي قَالَ لَا علم لي إِلَّا أَنه ذكرك بالْأَمْس فِينَا وأرسلني إِلَيْك فَقَالَ يَا عمر لَا تدخلني عَلَيْهِ إِلَّا وَهُوَ يُصَلِّي أَو بِلَال يَقُول قد قَامَت الصَّلَاة قَالَ أفعل
قَالَ فَلَمَّا أَتَى بِهِ عمر الْمَدِينَة وافى بِهِ الْمَسْجِد وَرَسُول الله ﷺ يُصَلِّي فَلَمَّا سمع قِرَاءَة رَسُول الله خر مغشيا عَلَيْهِ فَدخل عمر وسلمان فِي الصَّلَاة وَهُوَ صريع فَلَمَّا سلم رَسُول الله قَالَ يَا عمر وَيَا سلمَان مَا فعل ثَعْلَبَة ابْن عبد الرَّحْمَن قَالَا هُوَ ذَا يَا رَسُول الله فَأَتَاهُ رَسُول الله ﷺ فحركه ونبهه ثمَّ قَالَ مَا الَّذِي غيبك عني قَالَ ذَنبي
قَالَ أَفلا أعلمك آيَة تمحو الذُّنُوب والخطايا قَالَ بلَى يَا رَسُول الله قَالَ قل اللَّهُمَّ ﴿آتنا فِي الدُّنْيَا حَسَنَة وَفِي الْآخِرَة حَسَنَة وقنا عَذَاب النَّار﴾ (الْبَقَرَة ٢٠١) قَالَ إِن ذَنبي أعظم من ذَاك قَالَ رَسُول الله ﷺ (بل كَلَام الله تَعَالَى أعظم)
وَأمره بالانصراف إِلَى منزله فَانْصَرف وَمرض ثَلَاثَة أَيَّام وأتى سلمَان رَسُول الله ﷺ فَقَالَ إِن ثَعْلَبَة مرض لما بِهِ فَقَالَ رَسُول الله ﷺ (قومُوا بِنَا إِلَيْهِ) فَدخل رَسُول الله فَأخذ بِرَأْسِهِ فَوَضعه فِي حجره فأزال رَأسه عَن
[ ١١٥ ]
حجر رَسُول الله فَقَالَ رَسُول الله ﷺ (لم أزلت رَأسك عَن حجري) قَالَ لِأَنَّهُ ملآن من الذُّنُوب فَقَالَ لَهُ رَسُول الله (مَا تَجِد)
قَالَ أجد مثل دَبِيب النَّمْل بَين جلدي وعظمي قَالَ فَمَا تشْتَهي قَالَ مغْفرَة رَبِّي قَالَ فَنزل جِبْرِيل ﵇ على رَسُول الله فَقَالَ (يَا أخي إِن رَبِّي يقْرَأ عَلَيْك السَّلَام وَيَقُول لَو لَقِيَنِي عَبدِي بقراب الأَرْض خَطِيئَة للقيته بقرابها مغْفرَة)
قَالَ فَأعلمهُ رَسُول الله ذَلِك فصاح صَيْحَة فَمَاتَ فَقَامَ رَسُول الله فَغسله وكفنه وَصلى عَلَيْهِ ثمَّ احْتمل إِلَى قَبره فَأقبل رَسُول الله ﷺ يمشي على أَطْرَاف أنامله قَالُوا يَا رَسُول الله رَأَيْنَاك تمشي على أَطْرَاف أناملك قَالَ (لم أستطع أَن أَضَع رجْلي على الأَرْض من كَثْرَة من شيعه من الْمَلَائِكَة)
قَالَ مَنْصُور بن عمار سرورك بالمعصية إِذا ظَفرت بهَا شَرّ من مباشرتك الْمعْصِيَة
وَقَالَ مَنْصُور من جزع من مصائب الدُّنْيَا تحولت مصيبته فِي دينه
وَقَالَ مَنْصُور من اشْتغل بِذكر النَّاس انْقَطع عَن ذكر الله تَعَالَى
وَقَالَ مَنْصُور لرجل عصى بعد تَوْبَته مَا أَرَاك رجعت عَن طَرِيق الْآخِرَة إِلَّا من الوحشة لقلَّة سالكيها
وَقَالَ مَنْصُور لرجل اترك نهمة الدُّنْيَا تسترح من الْغم واحفظ لسَانك تسترح من المعذرة
وَقَالَ مَنْصُور قُلُوب الْعباد كلهَا روحانية فَإِذا دَخلهَا الشَّك والخبث امْتنع مِنْهَا روحها
[ ١١٦ ]
وَقَالَ مَنْصُور إِن الْحِكْمَة تنطق فِي قُلُوب العارفين بِلِسَان التَّصْدِيق وَفِي قُلُوب الزاهدين بِلِسَان التَّفْضِيل وَفِي قُلُوب الْعباد بِلِسَان التَّوْفِيق وَفِي قُلُوب المريدين بِلِسَان التفكر وَفِي قَول بالعلماء بِلِسَان التَّذَكُّر
وَقَالَ مَنْصُور النَّاس رجلَانِ مفتقر إِلَى الله فَهُوَ فِي أَعلَى الدَّرَجَات على لِسَان الشَّرِيعَة وَالْآخر لَا يرى الافتقار لما علم من فرَاغ الله من الْخلق والرزق وَالْأَجَل والسعادة فَهُوَ فِي افتقاره إِلَيْهِ واستغنائه بِهِ
وَقَالَ مَنْصُور سُبْحَانَ من جعل قُلُوب العارفين أوعية الذّكر وَقُلُوب أهل الدُّنْيَا أوعية الطمع وَقُلُوب الزاهدين أوعية التَّوَكُّل وَقُلُوب الْفُقَرَاء أوعية القناعة وَقُلُوب المتوكلين أوعية الرِّضَا
وَقَالَ مَنْصُور النَّاس النَّاس رجلَانِ عَارِف بِنَفسِهِ فَشَغلهُ فِي المجاهدة والرياضة وعارف بربه فَشَغلهُ بخدمته وعبادته ومرضاته
وَقَالَ مَنْصُور بن عمار أحسن لِبَاس العَبْد التَّوَاضُع والانكسار وَأحسن لِبَاس العارفين التَّقْوَى قَالَ الله تَعَالَى ﴿ولباس التَّقْوَى ذَلِك خير﴾ (الْأَعْرَاف)
وَقَالَ مَنْصُور سَلامَة النَّفس فِي مخالفتها وبلاؤها فِي متابعتها
[ ١١٧ ]
١٨ - وَمِنْهُم أَحْمد بن عَاصِم الْأَنْطَاكِي كنيته أَبُو عَليّ وَيُقَال أَبُو عبد الله وَهُوَ الْأَصَح
من أَقْرَان بشر بن الْحَارِث وَالسري والْحَارث المحاسبي وَيُقَال إِنَّه رأى الفضيل بن عِيَاض
سَمِعت أَبَا الْعَبَّاس مُحَمَّد بن الْحسن الخشاب قَالَ سَمِعت جعفرا الْخُلْدِيِّ يَقُول سَمِعت الْجُنَيْد يَقُول سَمِعت ابْن مَسْرُوق الْجريرِي يَقُول قَالَ أَبُو عبد الله أَحْمد بن عَاصِم الْأَنْطَاكِي قُرَّة الْعين وسعة الصَّدْر وروح الْقلب وَطيب النَّفس من أُمُور أَرْبَعَة الاستبانة للحجة والأنس بالأحبة والثقة بالعدة والمعاينة للغاية
سَمِعت أَبَا الْقَاسِم إِبْرَاهِيم بن مُحَمَّد بن محمويه النصراباذي يَقُول سَمِعت أَبَا مُحَمَّد عبد الرَّحْمَن بن إِدْرِيس الْحَنْظَلِي الرَّازِيّ يَقُول سَمِعت عَليّ بن عبد الرَّحْمَن الزَّاهِد يَقُول قَالَ أَحْمد بن عَاصِم الْأَنْطَاكِي أَنْفَع الْعقل مَا عرفك نعم الله تَعَالَى عَلَيْك وأعانك على شكرها وَقَامَ بِخِلَاف الْهوى
قَالَ وَسُئِلَ أَحْمد بن عَاصِم عَن الْإِخْلَاص فَقَالَ إِذا عملت عملا صَالحا فَلم تحب أَن تذكر بِهِ وتعظم من أجل عَمَلك وَلم تطلب ثَوَاب عَمَلك من أحد سواهُ فَذَلِك إخلاص عَمَلك
قَالَ وَقَالَ أَحْمد أَنْفَع التَّوَاضُع مَا نفى عَنْك الْكبر وأمات مِنْك الْغَضَب
[ ١١٨ ]
قَالَ وَقَالَ أَحْمد أَنْفَع الْإِخْلَاص مَا نفى عَنْك الرِّيَاء والتزين والتصنع
قَالَ وَقَالَ أَحْمد أَنْفَع الْفقر مَا كنت بِهِ متجملا وَبِه رَاضِيا
قَالَ وَقَالَ أَحْمد أَنْفَع الْأَعْمَال مَا سلمت من آفاتها وَكَانَت مَقْبُولَة مِنْك
قَالَ وَقَالَ أَحْمد من عَلامَة قلَّة معرفَة العَبْد بِنَفسِهِ قلَّة الْحيَاء وَقلة الْخَوْف
قَالَ وَقَالَ أَحْمد أضرّ الْمعاصِي عَمَلك الطَّاعَات بِالْجَهْلِ هُوَ أضرّ عَلَيْك من الْمعاصِي بِالْجَهْلِ
قَالَ وَقَالَ أَحْمد الْعدْل عَدْلَانِ عدل ظَاهر فِيمَا بَيْنك وَبَين النَّاس وَعدل بَاطِن فِيمَا بَيْنك وَبَين الله تَعَالَى وَطَرِيق الْعدْل طَرِيق الاسْتقَامَة وَطَرِيق الْفضل طَرِيق الْفَضِيلَة
قَالَ وَقَالَ أَحْمد الْيَقِين نور يَجعله الله فِي قلب العَبْد حَتَّى يُشَاهد بِهِ أُمُور آخرته ويخرق بقوته كل حجاب بَينه وَبَين مَا فِي الْآخِرَة حَتَّى يطالع تِلْكَ الْأُمُور كالمشاهد لَهَا
[ ١١٩ ]
قَالَ وَقَالَ أَحْمد إِذا طلبت صَلَاح قَلْبك فَاسْتَعِنْ عَلَيْهِ بِحِفْظ لسَانك
قَالَ وَقَالَ أَحْمد اعْمَلْ على أَن لَيْسَ فِي الأَرْض أحد غَيْرك وَلَا فِي السَّمَاء أحد غَيره
قَالَ وَقَالَ أَحْمد الْعَاقِل من عقل عَن الله ﷿ مواعظه وَعرف مَا يضرّهُ مِمَّا يَنْفَعهُ
قَالَ وَقَالَ أَحْمد إِمَام كل عمل علم وَإِمَام كل علم عناية
أخبرنَا أَبُو جَعْفَر مُحَمَّد بن أَحْمد بن سعيد الرَّازِيّ الْمكتب حَدثنَا أَبُو الْفضل الْعَبَّاس بن حَمْزَة حَدثنَا أَحْمد بن حَمْزَة حَدثنَا أَحْمد بن أبي الْحوَاري الدِّمَشْقِي قَالَ سَمِعت أَحْمد بن عَاصِم الْأَنْطَاكِي يَقُول هَذِه غنيمَة بَارِدَة أصلح مَا بَقِي يغْفر لَك مَا مضى
وَبِهَذَا الْإِسْنَاد قَالَ أَحْمد قَالَ الله تَعَالَى ﴿أَنما أَمْوَالكُم وَأَوْلَادكُمْ فتْنَة﴾ (الْأَنْفَال ٢٨) وَنحن نستزيد من الْفِتْنَة
١٩ - وَمِنْهُم عبد الله بن خببيق بن سَابق الْأَنْطَاكِي كنيته أَبُو مُحَمَّد
صحب يُوسُف بن أَسْبَاط وَهُوَ من زهاد الصُّوفِيَّة والآكلين من الْحَلَال والورعين فِي جَمِيع أَحْوَاله
وَأَصله من الْكُوفَة وَلكنه من الناقلة إِلَى أنطاكية وطريقته فِي التصوف
[ ١٢٠ ]
طَريقَة النوري فَإِنَّهُ صحب أَصْحَابه وَأسْندَ الحَدِيث
حَدثنَا عمر بن أَحْمد بن عُثْمَان الْوَاعِظ بِبَغْدَاد حَدثنَا أَحْمد بن مُحَمَّد بن سعيد حَدثنَا يُوسُف بن مُوسَى حَدثنَا عبد الله بن خبيق حَدثنَا يُوسُف بن أَسْبَاط حَدثنَا حبيب بن حسان عَن زيد بن وهب عَن عبد الله بن مَسْعُود قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ وَهُوَ الصَّادِق المصدوق (إِن خلق أحدكُم يجمع فِي بطن أمه أَرْبَعِينَ يَوْمًا) وَذكر الحَدِيث
أخبرنَا أَبُو عَمْرو بن مطر حَدثنَا أَبُو حَفْص عمر بن عبد الله بن عمر البحراني حَدثنَا عبد الله بن خبيق حَدثنَا يُوسُف بن أَسْبَاط حَدثنَا سُفْيَان الثَّوْريّ عَن مُحَمَّد بن جحادة عَن قَتَادَة عَن أنس (أَن رَسُول الله ﷺ كَانَ يطوف على نِسَائِهِ هَذِه ثمَّ هَذِه ثمَّ يغْتَسل مِنْهُنَّ غسلا وَاحِدًا
أخبرنَا أَبُو الْفرج عبد الْوَاحِد بن بكر الورثاني حَدثنَا أَبُو الْأَزْهَر الميافارقيني قَالَ سَمِعت فتح بن شخرف يَقُول حَدثنِي عبد الله بن خبيق الْأَنْطَاكِي أَبُو مُحَمَّد وَأول مَا لَقيته بأذنة قَالَ لي يَا خراساني إِنَّمَا هِيَ أَربع لَا غير عَيْنك وَلِسَانك وقلبك وهواك فَانْظُر عَيْنك لَا تنظر بهَا إِلَى مَا لَا تحل لَك وَانْظُر لسَانك لَا تقل بِهِ شَيْئا يعلم الله خِلَافه من قَلْبك وَانْظُر قَلْبك لَا يكن فِيهِ غل وَلَا حقد على أحد من الْمُسلمين وَانْظُر هَوَاك
[ ١٢١ ]
لَا تهو شَيْئا من الشَّرّ فَإِذا لم يكن فِيك هَذِه الْأَرْبَع الْخِصَال فقد شقيت
قَالَ وسمعته يَقُول إِذا دنا الرجل الْقَارئ من مَعْصِيّة يَقُول الْقُرْآن فِي جَوْفه مَا لهَذَا حَملتنِي
قَالَ وسمعته يَقُول خلق الله الْقُلُوب مسَاكِن للذّكر فَصَارَت مسَاكِن للشهوات وَلَا يمحو الشَّهَوَات من الْقُلُوب إِلَّا خوف مزعج أَو شوق مقلق
سَمِعت مُحَمَّد بن عَليّ بن الْخَلِيل يَقُول سَمِعت جَعْفَر بن مُحَمَّد بن سوار يَقُول سَمِعت عبد الله بن خبيق يَقُول لكل تَاجر رَأس مَال وَرَأس مَال صَاحب الحَدِيث الصدْق
قَالَ وَقَالَ عبد الله لَا يسْتَغْنى حَال من الْأَحْوَال عَن الصدْق والصدق مستغن عَن الْأَحْوَال كلهَا وَلَو صدق العَبْد فِيمَا بَينه وَبَين الله حَقِيقَة الصدْق لاطلع على خَزَائِن من خَزَائِن الْغَيْب ولكان أَمينا فِي السَّمَوَات وَالْأَرْض
قَالَ وَقَالَ عبد الله من أَرَادَ أَن يعِيش غَنِيا فِي حَيَاته فَلَا يسكن الطمع قلبه
[ ١٢٢ ]
أخبرنَا عَليّ بن مُحَمَّد لُؤْلُؤ الْوراق الْبَغْدَادِيّ إجَازَة قَالَ حَدثنَا عمر ابْن عبد الله البحراني قَالَ سَمِعت عبد الله بن خبيق يَقُول إِن اسْتَطَعْت أَلا يسبقك أحد إِلَى مَوْلَاك فافعل وَلَا تُؤثر على مَوْلَاك شَيْئا
قَالَ وسمعته يَقُول لَا تغتم إِلَّا من شَيْء يَضرك غَدا وَلَا تفرح بِشَيْء إِلَّا بِشَيْء يَسُرك غَدا
قَالَ سمعته يَقُول مَا بَقِي على وَجه الأَرْض أحد إِلَّا مستوحش مِنْهُ أَوَّلهمْ أَنا
قَالَ سمعته يَقُول عَلامَة الألفة قلَّة الْخلاف وبذل الْمَعْرُوف
قَالَ سمعته وَقَالَ عبد الله أَنْفَع الْخَوْف مَا حجزك عَن الْمعاصِي وَأطَال مِنْك الْحزن على مَا فاتك وألزمك الفكرة فِي بَقِيَّة عمرك
قَالَ وَقَالَ عبد الله وَحْشَة الْعباد عَن الْحق أوحشت مِنْهُم الْقُلُوب وَلَو أنسوا برَبهمْ ولزموا الْحق لاستأنس بهم كل أحد
قَالَ وَقَالَ عبد الله أَنْفَع الرَّجَاء مَا سهل عَلَيْك الْعَمَل لإدراك مَا ترجوا
قَالَ وَسُئِلَ عبد الله بِمَاذَا ألزم الْحق فِي أحوالي فَقَالَ بإنصاف النَّاس من نَفسك وَقبُول الْحق مِمَّن هُوَ دُونك
[ ١٢٣ ]
قَالَ وَقَالَ عبد الله إخلاص الْعَمَل أَشد من الْعَمَل وَالْعَمَل يعجز عَنهُ الرِّجَال
قَالَ وَقَالَ عبد الله طول الِاسْتِمَاع إِلَى الْبَاطِل يطفي حلاوة الطَّاعَة من الْقلب
٢٠ - وَمِنْهُم أَبُو تُرَاب النخشبي واسْمه عَسْكَر بن حُصَيْن وَيُقَال عَسْكَر بن مُحَمَّد بن حُصَيْن
صحب أَبَا حَاتِم الْعَطَّار الْبَصْرِيّ وحاتما الْأَصَم الْبَلْخِي وَهُوَ من جلة مَشَايِخ خُرَاسَان والمذكورين بِالْعلمِ والفتوة والتوكل والزهد والورع
سَمِعت أَبَا الْحسن الْقزْوِينِي يَقُول سَمِعت عَليّ بن عَبدك يَقُول سَمِعت ابا عمرَان الطبرستاني يَقُول سَمِعت ابْن الْفَرَجِيِّ يَقُول رَأَيْت حول أبي
[ ١٢٤ ]
تُرَاب من أَصْحَابه عشْرين وَمِائَة صَاحب ركوة قعُود حول الأساطين مَا مَاتَ مِنْهُم على الْفقر إِلَّا أَبُو عبيد البسري وَابْن الْجلاء
سَمِعت عبد الله بن عَليّ الطوسي يَقُول سَمِعت مُحَمَّد بن دَاوُد الدقي الدينَوَرِي يَقُول سَمِعت أَبَا عبد الله بن الْجلاء يَقُول لقِيت سِتّمائَة شيخ مَا لقِيت فيهم مثل أَرْبَعَة أَوَّلهمْ أَبُو تُرَاب النخشبي
توفّي فِي الْبَادِيَة قيل نهشته السبَاع سنة خمس وَأَرْبَعين وَمِائَتَيْنِ وَأسْندَ الحَدِيث
أخبرنَا مُحَمَّد بن أَحْمد بن فَارس الْحَافِظ الْبَغْدَادِيّ بهَا قَالَ حَدثنَا عبد الله ابْن مُحَمَّد بن جَعْفَر الْأَصْبَهَانِيّ قَالَ حَدثنَا مُحَمَّد بن عبد الله بن مُصعب حَدثنَا أَبُو تُرَاب عَسْكَر بن حُصَيْن حَدثنَا مُحَمَّد بن نمير حَدثنَا مُحَمَّد بن ثَابت حَدثنَا شريك عَن الْأَعْمَش عَن أبي سُفْيَان عَن جَابر قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ (لَا تكْرهُوا مرضاكم على الطَّعَام وَالشرَاب فَإِن رَبهم يُطعمهُمْ ويسقيهم)
[ ١٢٥ ]
أخبرنَا عبد الله بن مُحَمَّد بن جَعْفَر الْأَصْبَهَانِيّ إجَازَة بذلك قَالَ سَمِعت مَنْصُور بن عبد الله الْأَصْبَهَانِيّ يَقُول سَمِعت أَبَا جَعْفَر بن ترْكَان يَقُول سَمِعت يَعْقُوب بن الْوَلِيد يَقُول سَمِعت أَبَا تُرَاب يَقُول يَا أَيهَا النَّاس أَنْتُم تحبون ثَلَاثَة وَلَيْسَت هِيَ لكم تحبون النَّفس وَهِي لله وتحبون الرّوح وَالروح لله وتحبون المَال وَالْمَال للْوَرَثَة وتطلبون اثْنَيْنِ وَلَا تجدونهما الْفرج والراحة وهما فِي الْجنَّة
سَمِعت أَبَا نصر عبد الله بن عَليّ يَقُول سَمِعت عَليّ بن الْحُسَيْن يَقُول قلت لأبي تُرَاب وَقد أَخذ طَرِيق الْبَادِيَة لَا بُد من قوت فَقَالَ لَا بُد مِمَّن لَا بُد مِنْهُ
قَالَ وَقَالَ أَبُو تُرَاب اشرف الْقُلُوب قلب حَيّ بِنور الْفَهم عَن الله تَعَالَى
قَالَ وَقَالَ أَبُو تُرَاب سَبَب الْوُصُول إِلَى الله سبع عشرَة دَرَجَة أدناها الْإِجَابَة وأعلاها التَّوَكُّل على الله بحقيقته
قَالَ وَقَالَ أَبُو تُرَاب لَيْسَ من الْعِبَادَات شَيْء أَنْفَع من إصْلَاح خواطر الْقُلُوب
قَالَ وَقَالَ أَبُو تُرَاب الْفَقِير قوته مَا وجد ولباسه مَا ستر ومسكنه حَيْثُ نزل
قَالَ وَقَالَ أَبُو تُرَاب إِذا صدق العَبْد فِي الْعَمَل وجد حلاوته قبل مُبَاشرَة الْعَمَل
[ ١٢٦ ]
قَالَ وَقَالَ أَبُو تُرَاب من شغل مَشْغُولًا بِاللَّه عَن الله أدْركهُ المقت من سَاعَته
سَمِعت عَليّ بن سعيد الثغري يَقُول سَمِعت عبد السَّلَام بن مُحَمَّد المخرمي يَقُول سَمِعت ابْن أبي شيخ يَقُول سَمِعت عَليّ بن الْحُسَيْن التَّمِيمِي يَقُول سَمِعت أَبَا تُرَاب يَقُول التَّوَكُّل طمأنينة الْقلب إِلَى الله ﷿
قَالَ وَقَالَ رجل لأبي تُرَاب أَلَك حَاجَة فَقَالَ لَهُ يَوْم يكون لي إِلَيْك وَإِلَى أمثالك حَاجَة لَا يكون لي إِلَى الله حَاجَة
قَالَ وَقَالَ أَبُو تُرَاب حَقِيقَة الْغنى أَن تَسْتَغْنِي عَمَّن هُوَ مثلك وَحَقِيقَة الْفقر أَن تفْتَقر إِلَى من هُوَ مثلك
قَالَ وَقَالَ أَبُو تُرَاب الَّذِي منع الصَّادِقين الشكوى إِلَى غير الله الْخَوْف من الله ﷿
سَمِعت أَحْمد بن مُحَمَّد بن زَكَرِيَّا النسوي يَقُول سَمِعت عَليّ بن إِبْرَاهِيم الشقيقي يَقُول سَمِعت إِبْرَاهِيم بن المولد يَقُول سَمِعت مُحَمَّد بن أَحْمد
[ ١٢٧ ]
الرَّافِعِيّ يَقُول سَمِعت عَليّ بن الْحُسَيْن التَّمِيمِي يَقُول سَمِعت أَبَا تُرَاب النخشبي يَقُول الْكيس من عُمَّال الله من حفظ حَده مَعَ الله تَعَالَى وَترك الْعلم يجْرِي مجاريه
قَالَ وَقَالَ أَبُو تُرَاب إِن الله ﷿ ينْطق الْعلمَاء فِي كل زمَان بِمَا يشاكل أَعمال أهل ذَلِك الزَّمَان
قَالَ وَقَالَ أَبُو تُرَاب احفظ همك فَإِنَّهُ مُقَدّمَة الاشياء فَمن صَحَّ لَهُ همه صَحَّ لَهُ مَا بعد ذَلِك من أَفعاله وأحواله
قَالَ وَقَالَ أَبُو تُرَاب القناعة أَخذ الْقُوت من الله ﷿
قَالَ وَقَالَ أَبُو تُرَاب من استفتح أَبْوَاب المعاش بِغَيْر مَفَاتِيح الأقدار وكل إِلَى حوله وقوته فَسئلَ مَا مَفَاتِيح الأقدار فَقَالَ الرِّضَا بِمَا يرد عَلَيْهِ فِي كل وَقت من أَسبَاب الْغَيْب
[ ١٢٨ ]