لقد تكلمنا عن الحالة السياسية في عصر الإمام علي القاري في بلده هراة وفي بلدان العالم الإسلامي بصورة عامة.
فيما يخص مكة المكرمة التي اتخذها الإمام علي القاري مقر إقامة له وموطنا دائميا لم يفارقه منذ ريعان شبابه حتى توفى (١٠١٤ هـ) فلم يخل هذا البلد الحرام وما حوله من نواحي الحجاز من الاضطرابات بسبب النظام الذي اتبعه ولاتها فيها: فقد كانت ولاية الحرمين الشريفين قبل دخول العثمانيين إلى مصر سنة (٩٢٢ هـ /١٥١٧ م) تابعة لدولة المماليك الجركسية، فكانوا يعينون لها الولاة الذين يقومون بما تتطلبه الولاية من الإشراف على أمور الحج والعناية بشؤون الحجاج والحكم فيها. وقد جرت العادة على إسناد الولاية فيها إلى الأشراف من الأسرة الهاشمية احتراما لنسبهم الشريف. فقد أسندت في القرن التاسع مثلا، وعلى وجه
_________________
(١) ينظر: القطبي، الإعلام بأعلام بيت الله الحرام: ص ١٨٥.
[ ١ / ٢١ ]
التحديد سنة (٨٥٩ هـ /١٤٥٤ م) إلى الشريف محمد بن بركات بن حسن بن عجلان، أسندها إليه الملك الظاهر (^١) وكانت الولاية تجبى العشر من الواردين إليها
قال الشاعر عفيف الدين عبد الله بن قاسم الذروي مخاطبا أمير اليمن أحمد ابن إسماعيل الغساني على لسان الشريف محمد بن بركات حين طلب منه أمير اليمن أن يفرغ له دور مكة، وأن يلقاه إلى حلى (موضع):
قل لمن رام يناوينا ومن … رام يأتي بيتنا مغتصبا
لا تحج البيت إلا خاضعا … دافعا عشرا لنا ثم حبا (^٢)
وفي سنة (٨٨١ هـ /١٤٧٦ م) ورد مرسوم السلطان قايتباي بأن عشر اليماني بينه وبين الشريف محمد بن بركات مناصفة، وبأن لمولانا الشريف محمد كل مال الموتى الذين لا وارث لهم إلى أن يبلغ ألف دينار جديد، فما زاد على ذلك كان للسلطان، وبأن أموال اليتامى في حفظ أمير السلطان بمكة بعد أن كانت في حفظ قاضي الشرع الشريف (^٣).
وهي طريقة قائمة على تحصيل الأموال مما يثير القلاقل والفتن سواء أكان ذلك بين الولاة أنفسهم وبين ذويهم، أم بينهم وبين الطامعين في هذه الأموال ولا سيما
_________________
(١) ابن ظهيرة، جمال الدين محمد بن محمد القرشي المخزومي (كان حيا سنة ٩٦٠ هـ /١٥٥٢ م) الجامع اللطيف في فضل مكة وأهلها وبناء البيت الشريف، نشر مكتب الثقافة بمكة المكرمة، ط ١٣٩٢،٣ هـ /١٩٧٢ م، ص ٣٢١؛ العصامي، عبد الملك بن حسين بن عبد الملك الشافعي المكي (المتوفى ١١١١ هـ /١٦٩٩ م): سمط النجوم العوالي في أنباء الأوائل والتوالي، دار الكتب العلمية، بيروت، ط ١٤١٩،١ هـ /١٩٩٨ م،٤/ ٢٩٠، الصديقي أبو الفيض عبد الستار ابن عبد الوهاب المبارك المكي البكري: ولاة مكة بعد الفاسي استدراك على شفاء الغرام للفاسي مطبوع في نهاية شفاء الغرام، دار الكتب العلمية، بيروت، طبعة مصورة على طبعة عيسى الحلبي (د. ت)،٢/ ٢٩٩.
(٢) العصامي: سمط النجوم العوالي:٤/ ٢٨٧.
(٣) العصامي، سمط النجوم العوالي:٤/ ٢٩٠.
[ ١ / ٢٢ ]
إذا علمنا أنها أموال طائلة. واستمرت هذه الطريقة في جباية الأموال في الولاية حتى وفاة الشريف محمد بن بركات سنة (٩٠٣ هـ /١٤٩٧ م).
ثم وليها ابنه الشريف بركات بن محمد بن بركات بعده. من قبل الملك الناصر محمد بن قايتباي (^١).
ولم تخل مدة ولايته من الاضطرابات؛ كالنزاع بينه وبين أفراد أسرته، والحوادث المريرة، والحروب الطويلة التي جرت بينه وبينهم على تولي أمر الولاية (^٢).
ولما أفضى ملك مصر والحرمين إلى السلطان سليم، وضمّت الولاية إلى العثمانيين أقره السلطان سليم عليها سنة (٩٢٣ هـ /١٥١٧ م) (^٣)، مع مشاركة ابنه جمال الدين أبي نمى حتى توفي الشريف بركات سنة (٩٣١ هـ /١٥٢٤ م) (^٤) في خلافة السلطان سليم القانوني، فاستقل أبو نمى بأعباء السلطنة بعد موت أبيه، فوصلت المراسيم السلطانية السليمانية بإمرته على مكة أواخر سنة (٩٣٢ هـ /١٥٢٦) (^٥)، فخمدت بولايته الفتن (^٦).
_________________
(١) ابن ظهيرة: الجامع اللطيف:٣٢٢، والصديقي، ولاة مكة بعد الفاسي-المطبوع في ذيل شفاء الغرام:٢/ ٣٠١.
(٢) ابن ظهيرة، الجامع اللطيف:٣٢٢، والعصامي، سمط النجوم العوالي:٤/ ٢٩٣ - ٢٩٧، والصديقي، ولاة مكة بعد الفاسي:٢/ ٣٠٠ - ٣٠١.
(٣) ابن ظهيرة، الجامع اللطيف:٣٢٤، والصديقي، ولاة مكة بعد الفاسي:٢/ ٣٠١.
(٤) ابن ظهيرة، الجامع اللطيف:٣٢٤، والصديقي ولاة مكة بعد الفاسي:٢/ ٣٠٢، وذكر ابن العماد الحنبلي أن وفاته كانت سنة ٩٣٠ هـ. ينظر: ابن العماد، عبد الحي بن أحمد (ت ١٠٨٩ هـ /١٦٧٨ م)، شذرات الذهب في أخبار من ذهب، (د. ط، مكتبة القدسي، القاهرة،١٣٥٠ هـ):٨/ ١٧٢.
(٥) ابن ظهيرة الجامع اللطيف:٣٢٤، والصديقي، ولاة مكة بعد الفاسي:٢/ ٣٠٢، والعصامي، سمط النجوم العوالي:٤/ ٣٠٦.
(٦) المصادر نفسها.
[ ١ / ٢٣ ]
وكان لأبي نمى ولد اسمه أحمد حظي بمقابلة السلطان سليمان، فأشركه مع أبيه أبي نمى في ولاية مكة سنة (٩٤٦ هـ /١٥٣٩ م) (^١). فقام بالأمر مع أبيه، وخاض ما خاض من الحوادث والفتن، ولا سيما ما حدث سنة (٩٥٥ هـ /١٥٤٨ م) مع أمير الحاج المصري محمود حول نزع الولاية عنه (^٢). واستمر في منصبه مع أبيه حتى توفي في حياة أبيه سنة (٩٦١ هـ /١٥٥٤ م) (^٣).
وظل أبو نمى في الولاية وقد واجه بعض المشاكل بعد وفاة ابنه كان منها ما حدث له سنة (٩٦٣ هـ /١٥٥٦ م) على يد الوزير مصطفى باشا النشار المستولي على اليمن من جهة السلطان سليمان خان (^٤).
ولما أحس أبو نمى بالضعف التمس من الباب العالي أن يفوض الأمر إلى ولده الثاني الشريف حسن، فأجيب إلى مراده فتقلد الشريف حسن ولاية الحرمين وجميع ما في الأقطار الحجازية (^٥).
وفي سنة (٩٩٢ هـ /١٥٨٣ م) توفي أبو نمى (^٦) فاستقل الشريف حسن بالملك وأعبائه (^٧) مستخدما الحزم في شدائد الأمور، وأرسل سراياه إلى جهات
_________________
(١) الغزي، نجم الدين محمد بن محمد (ت ١٠٦١ هـ /١٦٥٠ م)، الكواكب السائرة في أعيان المئة العاشرة، تحقيق: جبرائيل سليمان جبور (ط ٣، دار الآفاق الحديثة، بيروت،١٩٧٩ م):٢/ ٩٢ والمصادر السابقة إلا أن ابن ظهيرة ذكر أن ذلك كان في أول سنة ٩٤٧ هـ ومثله العصامي.
(٢) العصامي: سمط النجوم العوالي:٤/ ٣٤١.
(٣) ابن العماد، شذرات الذهب:٨/ ٣٢٨ - ٣٢٩؛ وابن العيدروس عبد القادر بن عبد الله المتوفى (١٠٣٨ هـ) تاريخ النور السافر عن أخبار القرن العاشر مطبعة الفرات بغداد ١٣٥٣ هـ /١٩٣٤: ص ٢٥٣، وذكر العصامي أنه توفى ٩٦٦ هـ وهو سهو فانظر سمط النجوم العوالي:٤/ ٣٣٧.
(٤) العصامي، سمط النجوم العوالي:٤/ ٣٤٦.
(٥) العصامي، سمط النجوم العوالي:٤/ ٣٤٠، والصديقي، ولاة مكة بعد الفاسي:٢/ ٣٠٢.
(٦) العصامي سمط النجوم العوالي:٤/ ٣٤٧، والصديقي ولاة مكة بعد الفاسي:٢/ ٢٣٠.
(٧) العصامي سمط النجوم العوالي:٤/ ٣٧٥ - ٣٧٩.
[ ١ / ٢٤ ]
كثيرة، بقيادة أبنائه: الحسين، وأبي طالب، ومسعود، وعقيل، وعبد المطلب، وعبد الله، لفض المشكلات والقضاء على الفتن فعادت السرايا بالنصر والظفر.
وظل الشريف حسن يتفقد بنفسه أمور البلاد ويسارع إلى إخماد كل فتنة ودفع كل شر، والقضاء على كل باطل، فحدثت في عهده حوادث كثيرة واعتداءات على الحجاج ونهب أموالهم، فأغار على مواضع المجرمين وخاض عدة وقائع منذ أن كان مع أبيه منها يوم الفريش، وغزوة معكال، وغزوة سوق الخميس ومواقع أخرى (^١).
ثم في سنة (١٠٠٩ هـ /١٦٠٠ م) أرسل الشريف حسن إلى الباب العالي التماسا بتوجيه الأمر إلى أكبر أولاده أبي طالب، ووصل الأمر السلطاني بأن يكون أبو طالب مشاركا له (^٢).
ثم توفى الشريف حسن سنة (١٠١٠ هـ /١٦٠١ م) (^٣).
ومع حرص هذا الرجل على تحقيق العدالة والشدة في الحق نجد أن هناك كثيرا من الأمور التي تؤثر في استقرار حياة الناس واستتباب الأمن منها ما قام به احد موظفيه وهو عبد الرحمن بن عبد الله بن أبي عتيق الذي تسلط على جميع المملكة، وتصرف فيها كيف ما شاء وبقى كل من يموت سواء أكان من أهل البلد ام من التجار أم من الحجاج يستأصل ماله بحيث لا يترك لوارثه شيئا، فإذا تكلم الوارث أظهر له حجة مزورة أن مورثه كان قد اقترض منه في الزمن الفلاني كذا، وكذا ألف ألف دينار، وعنده أكثر من مئة مهر للقضاة والنواب السابقين، فيمهر تلك الوثيقة ويوقع عليها بعض أقاربه، فإذا اشتكوا إلى الشريف حسن، قال هذه حجة شرعية، وشهوده أجلاء فكيف أردها؟ ويعرف الناس أنها مزورة، ولكنهم لا يقدرون أن يتكلموا خوفا من شره وقوة قهره، واستولى بهذا الأسلوب على ما أراد، فنفرت
_________________
(١) العصامي سمط النجوم العوالي:٤/ ٣٦٩، والصديقي ولاة مكة بعد الفاسي:٢/ ٣٠٢.
(٢) العصامي سمط النجوم العوالي:٤/ ٣٦٩ والصديقي ولاة مكة بعد الفاسي:٢/ ٣٠٢.
(٣) العصامي سمط النجوم العوالي:٤/ ٣٧٠ - والصديقي ولاة مكة بعد الفاسي:٢/ ٣٠٢.
[ ١ / ٢٥ ]
قلوب الناس من ابن أبي عتيق، وضجوا وضجروا، وكل من أمكنه السفر سافر، وما تأخر إلا العاجز (^١).
فاكتشف الشريف أبو طالب ذلك يوم وفاة أبيه سنة (١٠١٠ هـ /١٦٠١ م) فحبسه، فقتل ابن أبي عتيق نفسه (^٢).
واستمر الشريف أبو طالب بعد وفاة أبيه بالسير على منهاجه في تحقيق العدل والإنصاف حتى توفى سنة (١٠١٢ هـ /١٦٠٣ م) (^٣) فاختار الأشراف من بعده الشريف إدريس بن الحسن، وأشركوا معه ابن أخيه الشريف محسن بن الحسين بن الحسن بن أبي نمى، ثم أشركوا معه أخاه السيد فهيد بن الحسن في ربع ما يتحصل من الأقطار الحجازية، وكتبوا بذلك محضرا إلى استانبول، فأجاز السلطان ذلك (^٤).
وفي سنة (١٠١٣ هـ /١٦٠٤ م) وقعت فتنة بمكة بين الأتراك النازلين بالمعلاة وبين عبيد الشريف، قتل فيها حاكم مكة يومئذ القائد راشد بن فائز إلى جانب حصول الاختلاف بين أولياء الأمر في الحكم في مكة أدى إلى خروج السيد فهيد منها إلى مصر، وتعاقبت حوادث أخرى غير هذه (^٥) مما يدل على أن العصر الذي عاش فيه الإمام علي القاري عصر لم يتحقق فيه الأمن والأمان، ومشاعر الاطمئنان من الناحية السياسية.