٥٧٥ - ٦٥٨هـ
١١٨٠ - ١٢٦٠م
_________________
(١) ومنهم، الشيخ الفقيه المحدث المقرئ، النحوي الأديب المجيد، اللغوي الكاتب البارع التاريخي، أبو عبد الله محمد بن عبد الله بن أبي بكر بن عبد الله بن عبد الرحمن بن أحمد بن أبي بكر القضاعي، الشهير بابن الابار هكذا رأيت نسبه بخط يده ﵀، هو من أهل بلنسية وأصله من اجردة وهي وما والاها دار القضاعيين بالأندلس. أخذ القراءات عن أبي عبد الله ابن نوح
[ ٣٠٩ ]
وأبي جعفر الحصار وسمع منهما، وأبي الخطاب بن واجب وأبي الحسن بن خيرة وأبي سليمان بن حوط الله وأبي عبد الله محمد بن عبد العزيز بن سعادة.
صحب أبا الربيع ابن سالم بضعا وعشرين سنة، وهو ندبه إلى وضع كتاب "التكملة" ل"صلة" أبي القاسم ابن بشكوال وكتب إليه أبو بكر بن جمرة وأبو عمر ابن عات وأبو عبد الله ابن عبد الرحمن التجيبي
[ ٣١٠ ]
نزيل تلمسان وأبو عبد الله محمد بن أحمد الأنصاري المعروف بالأندلسي. ومن أهل المشرق، أبو البركات عبد القوي بن عبد العزيز بن الحباب وأبو الحسن علي بن يوسف بن بندار من أصحاب أبي الوقت وأبو الطاهر إسماعيل بن ظافر القلعي وغيرهم، ولا يكاد كتاب من الكتب الموضوعة في الإسلام إلا وله فيه رواية، أما بعموم أو خصوص. ويتصل إسنادي عنه من طريق الشيخين المقرئين أبي عبد الله ابن صالح وأبي العباس ابن خضر.
رحل إلى العدوة واستوطن بجاية، ودرس بها واقرأ وروى واسمع وصنف وألف، وهو ممن لا ينكر فضله، ولا يجهل نبله، له تآليف حسنة، ونزعات في علم الأدب بارعة مستحسنة.
وكان أول وصوله من الأندلس إلى العدوة رسولا عن والي بلنسية، وقضى رسالته عند ملك افريقية في حديث طويل، ورجع إلى الأندلس ثم رجع إلى العدوة قاصدا استيطانها، فتخير سكنى بجاية، ثم استدعاه أمير المؤمنين المستنصر إلى حضرته فدخل عليه فأعجبه منطقه ورواه من نبله وفضله أضعاف ما قدر أن يراه، وأول إنشاده لما مثل بين يديه:
بشراي باشرت الهدى والنورا في قصدي المستنصر المنصورا
وإذا أمير المؤمنين لقيته لم الق إلا نصرة وسرورا
[ ٣١١ ]
كيف لا، والاسمية لرسول الله ﷺ والكنية المباركة أبو عبد الله، والعلامة العلية الحمد لله، والشكر لله، والسمة السلطانية المستنصر بالله المنصور بفضل الله، ومن كان لله كان الله له، وانشد بين يديه رحمه [الله]:
أمير المؤمنين لنا غياث فعند المحل تستقي الغيوث
فلا جوع ويمناه الغوادي ولا خوف وقتلاه الليوث
فحظي عنده، وبلغ لديه مأموله وقصده.
وتآليفه وتقييداته وأشعاره وكتائبه متداولة بين الناس، ومرغوب فيها عندهم وموجودة لديهم، ولو لم يكن له من الشعر إلا القصيدة التي رفعها لمقام الأمير أبي زكرياء ﵀، يستنجده ويستصرخه لنصرة الأندلس لكان فيها كفاية، وإن كان قد نقدها ناقد وطعن عليه فيها طاعن، ولكن كما قال أبو العلاء المعري:
تكلم بالقول المضلل حاسد وكل كلام الحاسدين هراء
ولو لم يكن له من التآليف إلا الكتاب المسمى بكتاب "اللجين في مرائي الحسين" لكفاه في ارتفاع درجته، وعلو منصبه وسمو رتبته.
فكيف لا وله تصانيف، وجملة تآليف. ومن شعره ﵀ ورضي عنه:
ساق من روض الاماني أرجه ولأمر ما شجا لي مدرجه
خيلت لي أنها تعدني وخيالات الفتى تستدرجه
[ ٣١٢ ]
فلذا اكذب شيء فجرها ولقد غر الحجى منبلجه
يا شقيق النفس أوصيك وإن شق في الإخلاص ما تنتهجه
لا تبت في كمد من كبد رب ضيق عاد رحبا مخرجه
وبلطف الله أصبح واثقا كل كرب فعليه فرجه
توفي ﵀ بتونس ضحوة يوم الثلاثاء الموفي عشرين لمحرم عام ثمانية وخمسين وستمائة. ومولده في آخر شهري ربيع سنة خمس وسبعين وخمسمائة.
[ ٣١٣ ]