، الشيخ شهاب الدين الرملي، الشهير بابن (^١٣٣) رسلان، الشافعي، الإمام العالم العلامة الورع الزاهد الرباني العارف بالله (^١٣٤) تعالى، المنقطع إليه، بركة البلاد المقدسة.
ولد (^١٣٥) سنة ثلاث أو خمس وسبعين وسبعمائة بالرّملة ونشأبها، وحفظ القرآن، وكان أبوه تاجرا، وبلغني أنه أجلسه في حانوت لبيع البز فكان يقبل على المطالعة ويهمل أمره (^١٣٦)، فظهرت فيه الخسارة، فلامه والده على ذلك فقال:
«أنا لا أصلح إلا للمطالعة»، فأسلم إليه قياده فلازم الاشتغال، وحفظ، وقدم إلى الرملة (^١٣٧) على شيخ مغربى نحوىّ كان يقرر من الألفية كل بيت بربع درهم ولزمه، وكان يقرأ عليه كلّ يوم ثمانية أبيات يبحثها بحث شحيح ضاع في الترب خاتمه، ويتلقى معانيها تلقى جواد أمامه ضيف ينادمه،
_________________
(١) هل هذا يعنى أنه ظل منذ وفاة أبيه سنة ٨٢٠ حتى سنة ٨٤٠ أمّيا لا يعرف القراءة ولا الكتابة أم أن المؤلف يقصد «صنعة الكتابة».
(٢) في تونس «شجينة» وفي السليمانية سجبة».
(٣) في النسخ «أبى رسلان».
(٤) لفظ الجلالة «الله» ساقط من السليمانية.
(٥) كرر ناسخ السلمانية العبارة من «ولد سنة …» حتى «بها وحفظ».
(٦) أي أمر البز.
(٧) بعدها «قد أتم في تونس» ولكن بمراجعة الضوء اللامع ١/ ٣٨٢ س ٩ نراه يقول «واتفق قدوم مغربى وكان يقرئ البيت من ألفية ابن مالك بربع درهم «وقد صححت العبارة إلى ما بالمتن بعد مراجعة الضوء.
[ ١ / ٦٧ ]
فما فرغ من بحثها إلا وهي من كثرة التنقيب قد رسخت، وما نزع من حلها إلا وعقود جمانها كالبحار كلما أراد سخت، ثم ركب مطايا الهمم في العبادة والاشتغال، فما وضع رحله ولا أراح رجله حتى فاز من كعبة الأماني بالوصال، طالما طوى في بيداء الأفكار الأيام والليالي، وكنش (^١٣٨) قفار التأميل بمياه بحر الدليل والتعليل السلسال، ونثر في طلب الكمال، إذ حاد عن طرق أهل الزيغ والضّلال [وبذل] كل جمان ومال، وخاض شدائد الطلب حتى هال أصحابها إذ هال كل نفيس (^١٣٩) وغال، وكان بعد ذلك يجيد حلها للناس حتى اشتهر بحسن إقرائها.
وتفقه على القرقشندى، وشارك في جميع الفنون إلى أن صار إماما عالما في كل منها لكثرة مذاكرته بما يعرفه، وقصده الخير، وهو مع ذلك شديد الملازمة للخيرات والعبادة، لا تعرف له صبوة.
ثم انقطع وهو مقيم تارة في القدس وتارة في الرملة، لا يخلّى سنة من السنين عن المرابطة على جانب البحر بالأسلحة الجيّدة، ويحثّ أصحابه على الشجاعة ومعالى الأخلاق، ويدعو إلى اللّه سرا وجهرا، ويأخذ على أيدي الظّلمة، مع محبة الخمول، والشغف بعدم الظهور، لا يقبل لأحد شيئا.
عرضت عليه أشياء من زينة الدنيا فلم يقبل شيئا منها، من جملتها أن الأمير حسام الدين حسن ناظر القدس والخليل ونائبهما كان بنى في القدس مدرسة وقرره شيخا بها وجعل له عشر دراهم فضة كل يوم فأبى، ولم يصل إليه شيء من المال ممّا يقصد (^١٤٠) به ليفرّقه على الفقراء بل يأمر صاحبه أن يتعاطى تفرقته إن شاء.
_________________
(١) في نسخة السليمانية «وكنش»، وكنش بمعنى جاب الصحراء طولا وعرضا، وكنش في اللغة. هي: أن يأخذ الرجل المسواك فيلين رأسه بعد خشونته، يقال قد كنشه بعد خشونة، والكنش فتل الأكسية، راجع لسان العرب مادة «كنش».
(٢) في تونس والسليمانية «نفس».
(٣) أمامها في هامش السليمانية «شيء مما يتصف به» وفي هامش تونس «مما يقصد به».
[ ١ / ٦٨ ]
وله في الرملة زاوية (^١٤١) يقيم بها من أراد أن ينقطع إليه فيواسيهم بما لديه على خفّة ذات اليد، ويقرئ بها، وأرسل له المال مرارا ليفرّقه على مستحقيه فيأبى أن يدخل في شيء من تعلقه.
وحكى لي أن طوغان-نائب القدس وكاشف الرملة-طلب منه على لسان الشيخ كفّ شيء من الظلم فأبى وقال:
«طوّلتم علينا بابن رسلان، إن كان له سرّ فليرم هذه النخلة»، وأشار إلى نخلة قريبة منه، فهبّت عليها ريح فكسرتها، فتوجّه من ساعته إلى الشيخ واستغفر، فقال له الشيخ: «ما الخبر؟» «فحكيت له الحكاية فقال» لا قوة إلا بالله، من اعتقد أنّ رمى هذه النخلة كان بسببي أولى فيه تعلّق ما فقد كفر، فتوبوا إلى الله من هذه الواقعة وجددوا إسلامكم فإن الشيطان أراد أن يستزلكم» ففعلوا ما أمرهم به، وتوجهوا.
[وكان] وهو بالرملة يقرئ بها القرآن الأطفال وغيرهم لله تعالى، ويشغلهم في «النفحة الوردية» في النحو و«بهجة ابن الوردي» وغيرهما على حسب ما يراه من نجابة الشخص، وانتفع به خلق كثير منهم:
الشيخ الإمام العلامة أبو الأسباط شهاب الدين أحمد المذكور في هذا المعجم، وهو كثير العبادة لم أر ولم أسمع في زمانه بمثله في الزهد والورع والدين والعلم سوى الشيخ تقى الدين الحصني (^١٤٢)، الشيخ عبد الرحمن أبى شعرة وعلي بن كنون (^١٤٣) الحنبليّين المذكورين مع إجماع الناس على هذا، وخلاف بعض من لا معرفة له في أولئك.
لا نراه ساعة من الساعات إلا في عبادة.
_________________
(١) في السليمانية «رواية».
(٢) هو أبو بكر بن محمد بن عبد المؤمن وسترد ترجمته فيما بعد برقم ١٤٩.
(٣) في تونس «رلبون» بتنقيط النون الأخيرة فقط.
[ ١ / ٦٩ ]
أخبرني (^١٤٤) صهره شيخنا العلامة الحافظ تاج الدين بن الغرابيلى (^١٤٥) أنه كان قليلا ما يهجع من الليل، وأنه في وقت انتباهه ينهض (^١٤٦) قائما كالأسد لعل قيامه يسبق كمال استيقاظه، يقوم كأنه مذعور فيتوضأ ويقف بين يدي ربه يناجيه بكلامه مع التأمل والتدبر، فإذا أشكل عليه معنى آية أسرع في تينك (^١٤٧) الركعتين ونظر في التفسير حتى يعرف ذلك، ثم يرجع إلى الصلاة.
ولما سافر السلطان (^١٤٨) إلى بلاد ابن قرايلك (^١٤٩) هرب من الرملة إلى القدس في ذهابهم وإيابهم (^١٥٠) لئلا يجتمع به أحد من الظّلمة، وبالجملة فهو في زماننا كسفيان (^١٥١) الثوري في زمانه في كل معانيه، فالله تعالى يطيل (^١٥٢) بقاءه رحمة للعباد، ويرزقنا وإياه الثبات على طريق الرشاد.
له تصانيف كثيرة نافعة من أجلّها «شرح سنن أبي داود» في أحد عشر مجلدا، واختصره بضبط ألفاظه، وشرح «جمع الجوامع» المسمى «لمع
_________________
(١) العبارة من هنا حتى آخر الخبر نقلها السخاوي في الضوء ج ١ ص ٢٨٦ س ٢١ - ٢٥.
(٢) هو التاج محمد بن محمد بن محمد بن مسالم المعروف بالغرابيلى، وقد يقال له أيضا «الكركي» نسبة إلى الكرك التي انتقل إليها مع أبيه، وقد وصفه ابن حجر في إنباء الغمر تحقيق حسن حبشي ج ٣ ص ٤٨٨ - ٤٨٩. بأنه قد اغتبط به الطلبة لدماثة خلقه وحسن وجهه وفعله. انظر أيضا الضوء اللامع ١/ ٧٥٧.
(٣) في الأصول «ينتهض».
(٤) هكذا في الأصل.
(٥) المقصود بذلك الأشرف برسباى وذلك حين سفره إلى آمد سنة ٩٣٦ هـ، وكان ابن حجر يأمل أن يلقى صاحب هذه الترجمة في هذه الرحلة ولكن لم يتحقق أمله.
(٦) في السليمانية «قرلوك» وفي تونس «فرالوك».
(٧) في السليمانية «وأربايهم».
(٨) في الأصول «كسفين» أما سفيان الثوري فقد ولد سنة ٩٧ هـ وهو سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري من بنى ثور بن عبد مناة من مصر كان سيد أهل زمانه في علوم الدين والتقوى، ولد ونشأ في الكوفة، وله من الكتب الجامع الكبير والجامع الصغير وكتاب في الفرائض. ومات في البصرة سنة ١٦١ هـ -راجع الأعلام للزركلي ج ٣ ص ١٥٨.
(٩) ربما أشارت هذه الكلمة إلى أن البقاعى كتب هذه الترجمة قبل وفاة صاحبها التي كانت في ٢٢ شعبان سنة ٨٤٤، لكن جاء في آخرها تحديد يوم وفاته مما يشير على الأقل إلى أنه كتب الترجمة أولا في حياة المترجم ثم لما مات أضاف تاريخ وفاته ونسي أن يمحو ما قاله من الدعاء له بطول العمر، راجع وفيات سنة ٨٤٤، وترجمته مفصله في نزهة النفوس للصيرفى تحقيق حسن حبشي ج ٤/ ٢٢٨ برقم ٨٢٧.
[ ١ / ٧٠ ]
اللوامع» في مجلد، وهو مدمج في شرحه على طريقة السعد التفتازاني في شرح المختصر، وله منهاج البيضاوي كذلك في مجلدين، وله «تصحيح الحاوي» و«ألفية نظم في الفقه» عظيمة الجدوى اعتمد فيها غالبا على زبدة (^١٥٣) البارزى «وسمّاها صفوة الزبدة وإيضاحها» في مجلد، وشرح السيرة النبوية نظم العراقي، واختصر «شرح البخاري» ووصل فيه إلى الحج، وشرح أحاديث ابن أبي حمزة، وقطعة من «ضبط ألفاظ الشفا» لعياض، وقطعة من «شرح البهجة» لابن الوردي، وشرح «الحاوي» لم يكمل، وقطعة من «شرح الملحة» من حروف الجر إلى آخر الكتاب، وقطعة من تفسير القرآن العظيم واستشكالات على التنقيح [للزركشى] والكرماني، كمل منها مجلد، و«مختصر حياة الحيوانات» للدميري مع زيادات فيه، وقطعة من «النباتات»، وسمع البخاري أجمع على أبى الخير أحمد بن الحافظ صلاح الدين خليل بن كيكلدى العلائي، أنبأنا الحجار، أنبأنا ابن الزبيدي، أنبأنا أبو الوقت، أنبأنا الداودي، أنبأنا الحموي أنبأنا العزيزي (^١٥٤)، أنبأنا البخاري.
وسمع الموطأ رواية يحيى بن بكير على السراج ابن جعفر عمر بن محمد ابن علىّ الصّالحى ثم البصروى المعروف بابن الزّركشى بالرملة سنة ثلاث وثمانين وسبعمائة بسماعه من مكرم بن محمد بن حمزة بن أحمد بن فارس الكردي سماعا سوى من كتاب الرهون إلى آخر الكتاب فأجازه، انا الحسن بن الفرج الأزدي الغزي، أنبأنا يحيى بن بكير فذكره.
ومن نظمه:
لفاتحة أسماء عشر وواحد … فأم كتاب والقرى ووافيه
صلاة مع الحمد الأساس ورقية … شفا، كذا السبع المثاني وكافيه
أنشدني لنفسه بقراءتي عليه بالقدس الشريف بالجنينة جوار المسجد الأقصى في عشر محرم سنة سبع وثلاثين وثمانمائة في الأمور التي يكتسبها الاسم بالإضافة.
_________________
(١) في تونس «ربد».
(٢) في النسخ كلمة غير مقروءة.
[ ١ / ٧١ ]
فأنّث لتنبيه، وعرّف بلفظه … وذكر بتصدير، وخصص مخففا
شفا مثل ما ابن كل حين أناره … ومثل حمى صدق لطالب الاكتفا
أي أن الاسم إذا أضيف إلى مؤنث اكتسب التأنيث مثل «شَفا» في قوله «﴿شَفا حُفْرَةٍ ١٥٥ مِنَ النَّارِ﴾» لما أضيف إلى حفرة أنّث ضميره فقيل ﴿فَأَنْقَذَكُمْ مِنْها﴾. وإذا أضيف إلى مبنىّ أكسبه البناء كقوله «مِثْلَ» لما أضيفت إلى ما «في قوله تعالى (^١٥٦) ﴿مِثْلَ ما أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ﴾، بنى مثل ما على الفتح ولولا ذلك لكان مرفوعا.
وإذا أضيف إلى معرف اكتسبه التعريف «كابن» لمّا أضيفت إلى الياء في في قوله تعالى (^١٥٧) ﴿إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي﴾، أو إلى ظرف النسبة الظرفية مثل «كان» لما أضيفت إلى «حين» التي هي ظرف زمان في قوله تعالى ﴿تُؤْتِي أُكُلَها كُلَّ ١٥٨ حِينٍ﴾، أو إلى مذكر اكتسب التذكير مثل «إنارة» لما أضيف إلى «العقل» في قوله الشاعر:
إنارة العقل مكسوف بطوع هوى … وعقل عاصى الهوى يزداد تنويرا
وصفها بقوله «مكسوف». أو أضيف إلى ما لا يستحق التصدير إلى ماله الصدر يصدر، مثل «فتى» في نحو قوله «فتى من أنت»؟
وإذا أضيف إلى النكرة اكتسب التخصيص مثل «حمى صدق»، فإذا كانت الإضافة غير مخصصة أفادت التخصيص بسقوط التنوين فقط، مثل «طالب الاكتفا».
وأنشدني كذلك لنفسه في الأمور المحتاجة للروابط:
ألا إن محتاج الروابط عشرة … مفسرة، موصولة، وصفت، بدل
جواب اسم شرط، لفظ تأكيد مخبر … وما شبهت مع ما تنازع في العمل
_________________
(١) سورة عمران ٣/ ١٠٣.
(٢) سورة الذاريات ٥١/ ٢٣.
(٣) سورة هود ١١/ ٤٥.
(٤) سورة إبراهيم ١٩/ ٢٥.
[ ١ / ٧٢ ]
وقال لي: «في الصحيحين خمس فواسق تقبل في الحل والحرم انتهت روايتها لتسع يجمع علة التسع الأذى، فجمعتها في بيتين، وأنشدنيهما في التاريخ والمكان كذلك وهما:
تسع فواسق للحلال ومحرم … يقتلن مع شبه الأذيه
كلب، غراب، ذيب، نمر، عقرب … حدأة، فار، عقور، حيه
هكذا قال «أذيه» وهي «فعول» ولا يجوز ذلك في الكامل، فلو قال «يقتلني مع شبه له «أذيه» ورفع تاء التأنيث في البيتين لكان حسنا.
وأنشدني كذلك لنفسه وقال:
تواضع وكن في الناس سهلا ميسرا … لتلقى لهم من فيك درا وجوهرا
وإياك يبس الطبع فيهم ترفعا … عليهم فتوصف (^١٥٩) بالقبيح وتزدرى
أما ترى الزرع في سهل البقاع نما … وفي الصخور فلا زرعا ولا ثمرا
ورافع الرأس نحو السّقف يلطمه … ومن يطاطيه في ظله استترا
هكذا أنشدني هذه الأبيات، والأولان من بحر الطويل، والأخيران من البسيط، فلو قال عوضهما:
أما تنظرن سهل الرّبى فزروعها … زكت، وبصخر لست من مثمر ترى
ومن يبتغى سقفا برأس يؤمه … يلطّم، ومن طاطاه في ظلّه جرى
لكانت جميعها من بحر الطويل وهما (^١٦٠) كما ترى موفيان بالمعنى.
مات [ابن رسلان] بالقدس في ٢٢ شعبان سنة أربع وأربعين وثماني مائة، ﵀.
_________________
(١) في تونس «فترمى».
(٢) يقصد البيتين الأخيرين اللذين وضعهما تصحيحا وجعلهما من بحر الطويل.
[ ١ / ٧٣ ]