بن أحمد بن حجر بن أحمد، الإمام العلامة الحجة الناقد الجهبذ، جبل الحفظ ومعدن النقد، طبيب الحديث في علله، بحر العلم، حبر الأمة، أبو الفضل شهاب الدين قاضى القضاة شيخ الإسلام فرد زمانه، وإمام وقته وأوانه، رأس المسلمين في عصره بلا منازعة ابن الإمام العلامة الفقيه الأديب البارع الرئيس نور الدين بن قطب الدين بن ناصر الدين بن جلال الدين بن علي الكناني، العسقلاني الأصل، المصري الشافعي الشهير بابن حجر، غالب سلفه علماء أخيار، وكلهم رؤساء تجار.
ولد في ثاني عشر شعبان سنة ثلاث وسبعين وسبعمائة بمصر القديمة، وقد نظم نسبه ومولده، وغير ذلك في قصيدة كتبها على استدعاء نظم، وأنشد فيها بقراءتي عليه في ذي الحجة سنة ست وثلاثين وثمانمائة ظاهر النّبك (^٢٩١) من قرى دمشق، وهي:
الحمد لله الكريم السّيّد … ذي الفضل من بهداه يهتدى
ثم الصلاة مع السلام الأكملا … ن الأزكيان على النبىّ محمد
وعلى الصحاب الطيبين وآله … الغرّ الكرام نجوم كل مقلد
والتابعين وبعد فالعلماء قد … منحوا الإجازة عند حسن المقصد
لا سيما لمحدّث متبحر … عسرت عليه رحلة للمورد
واحتاج لاستيعاب ما يروى من ال … مرفوع والموقوف ضمن المسند
والمستحب إجابة المسؤول سا … ئله بغير توقف وتردّد
_________________
(١) أمامها في السليمانية وتونس «مطلب ابن حجر شيخ الإسلام».
(٢) النبك من قرى دمشق وتقع على الطريق الواصل بينها وبين حمص وعندها نبع ماء جار بارد في الصيف، ويقال إنه يأتيه من يبرود كما ذكر ذلك ياقوت في معجمه وابن عبد الحق في مراصده. انظر أيضا معجم البلدان: ياقوت، ج ٤ ص ٧٣٩.
[ ١ / ١١٥ ]
فلذاك صحّت مطلقا لجميع من … ذكر الإجازة، لا بقيد مقيّد
من أحمد بن علي بن محمد بن … محمد بن علي الكنانىّ المحتد
ولجد جد أبيه أحمد لقّبوا … حجرا، وقيل بل اسم والد أحمد
وبمصر مولده وأصل جدوده … من عسقلان المقدسية قد بدى
فأجاب ما سألوا لهم وأجازهم … مسموعه عن كل حبر مسند
ومجازه منهم ومسموعاته … في كل فن منته أو مبتدى
وكذلك الإنشاء من خطب ومن … نثر ونظم موجز ومقصد
فأجازهم بجميع ذلك شاملا … لجميعهم باللفظ مع خطّ اليد
شعبان عام ثلاثة من بعد سبع … وسبعين: اتفاق مولدي
وكتبت ذا في الثاني من صفر لع … أم الضاد مع بسط لهجرة أحمد
ما غنت الورقاء في فنن وما … ناح المطوق شيقا لمغرد
*** قال الحافظ تقى الدين الفاسي ثم المكي المالكي:
«وكان أبوه رئيسا محتشما من أعيان تجّار الكارم، معتنيا بالعلم، ذا حظّ جيد في الأدب وغيره، فمات وترك ولده الحافظ شهاب الدين المذكور طفلا» انتهى.
فنشأ أحسن نشأة، وحفظ القرآن في أقرب مدة، وحدثنا أنه حفظ سورة مريم في يوم واحد، وحفظ الحاوي الصغير في أقصر أمد.
حدثنا أنه كان يصحح الصفحة منه على شيخه مرتين ثم يقوم فيتأملها مع نفسه مرة: تكملة ثلاث مرات ثم يعرضها في الرابعة.
[ ١ / ١١٦ ]
وحدثنا-سنة تسع وثلاثين-أنه ما درس قط شيئا وإنما يحفظ بالتكرار والتأمل، وأنه إذا مرّ بشيء في المطالعة فإن [كان] له غرض في حفظه ألقى إليه باله وصرف نحوه همته فيحفظه وإلّا فلا.
وكان للعلامة الشيخ شمس الدين بن القطان بوالده اختصاص فأسند وصيّته إليه فلم ينصح له في تحفيظه الكتب وإرشاده إلى المشايخ (^٢٩٢) والاشتغال حتى إنه كان يرسل بعض أولاده إلى كبار الشيوخ-مثل الشمس العسقلاني وغيره-ولا يعلمه بشيء من ذلك، فعاد الله عليه بالخير وتولى حسن تربيته بغير واسطة.
فحبب إليه معالى الأخلاق، فكتب الخط المنسوب الذي هو غاية في الرشاقة وآية في الحلاوة كأنه سلاسل الذهب، وأجيز به، وأخذ في طلب العلوم.
وأول اشتغاله سنة سبع وثمانين فعنى بالأدب علما وعملا، وما زال يتبعه خاطره حتى فاق أهل عصره فيه، ونظم الشعر الكثير: قصائد وغيرها فأجاد ما شاء حتى إنه لا يلحق في كثير من ذلك: رقة غزل، ورصانة مدح، ودقة معاني، وجلالة ألفاظ، وبراعة نكت، وتمكين قوافى، واستعمالا للأنواع التي فصلت في علم المعاني والبيان والبديع على أحسن وجه وأبدع أسلوب.
نثره مطرب، ونظمه مرقص تهتز [له (^٢٩٣) النفوس] ومطولاته بأوقات الوصال الفضال، وتخجل من رقة شمائلها نسمات الأسحار، وتطرب من مقاطيعه المواصل قروض الأوتار، قال الحافظ الشيخ تقىّ الدين المقريزي إن البدر البشتكى-وكل شيخ في الأدب في زمانه-قال له هذه الطريقة التي هي جادة ابن حجر وابن الدمامينى ما كانت تقع للمتقدمين إلا نادرا. هذا مع الدين المتين والتخلّق بأخلاق السنة، مع حداثة السن وفراغ السر وكثرة الأموال.
_________________
(١) بعدها في تونس «المشايخ» وهي تكرار لما سبق.
(٢) ما بين الحاصرتين ساقط من النسخ والإضافة من المحقق.
[ ١ / ١١٧ ]
ولقد وقعت (^٢٩٤) له في تلك الأوقات في سنة سبع وتسعين كرامة وهي أنّ شخصا كان ينتصر لابن عربى، وشيخنا على مذهب أهل السنة في التنفير عنه وعن كلامه، وكان ذلك الشخص يتتلمذ في ذلك لشيخ عجمي يقال له «صفا».
وكان للملك الظاهر فيه اعتقاد، فهدده ذلك الشخص بأنه يقول للشيخ صفا: «ترفع القضية لبرقوق».
قال شيخنا «فقلت له أحسن من هذا أن نتباهل (^٢٩٥)، فتباهلا، ثم قال لمن كان حاضرا: احفظوا التاريخ فإنه استقرئ أنه ما يتباهل اثنان إلا اخذ المبطل منهما قبل مضى السنة «قال، فكانت المباهلة في شهر رمضان فلسعته حية في ذي القعدة من تلك السنة فمات (^٢٩٦) .. قال القاضي: «وهو في حال ذلك ينظر في التاريخ فيعرف منه كثيرا». انتهى.
وشغف بسماع الحديث واقتفاء آثاره وتتبع ما درس من أخباره، قال القاضي: «فأقبل عليه (^٢٩٧) بكلّيته فلم تمض مدة يسيرة حتى اتسعت معارفه فيه» انتهى.
وأول سماعه للحديث في سنة خمس وثمانين، سمع بمكة بعض صحيح البخاري على العفيف عبد الله بن محمد بن سليمان النيسابوري ثم [على] المكي أحد أصحاب الرضى الطبري وإمام المقام بسنده المشهور.
وفي تلك السنة صلّى بالناس في رمضان بها صلاة التراويح، وكان قد ختم القرآن قبل ذلك بسنة، واشتغل بالعلم بعد ذلك، وطاف على الشيوخ ولم ينزل في مدرسة ولا غيرها.
_________________
(١) أمامها في تونس «لطيفة».
(٢) «هذه المباهلة كانت بينه وبين ابن الأمين» انظر في ذلك القول الجلىّ ص ١٢٥ بالمجموعة رقم ١٨٩ مجاميع «دار الكتب المصرية» وقد أشار إليها السخاوي في الضوء اللامع رقم ١٣٧٩ ج ٣ في ترجمة قاسم بن قطلو بغا.
(٣) أمامها في تونس «ما تباهل اثنان قط إلا مات المبطل منهما».
(٤) أي على الحديث الشريف.
[ ١ / ١١٨ ]
ثم طلب الحديث بنفسه في سنة ثلاث وتسعين وهلم جرا فملأ الدنيا سماعا، ورحل فيه حتى طاف البلاد، فسمع بمصر والقاهرة والإسكندرية وغزة والقدس ونابلس والرملة ودمشق ومكة والمدينة وينبع وزبيد وتعز ووادى الخصيب وغيرها من البلاد، وأكثر من المسموع جدا، ونقل من الكتب الكبار شيئا كثيرا، وخرّج معجم شيوخه عن نحو أربعمائة وخمسين شيخا بالسماع والإجازة الخاصة، دون مشايخه بالإجازة العامة، فإنه لم يعرج على الرواية عنهم بل شك في بعض من سمع منه فبيّن ذلك في معجمه، وأتقن المصطلح حتى [صار] لا يجارى فيه، وصنف في كثير من فنونه، (^٢٩٨) وخرج المليحة لشيوخه، قال القابسى: منهم مسند الديار المصرية شيخنا برهان الدين إبراهيم بن أحمد بن عبد الواحد المعروف بالشامي، عمل له مائة حديث عشارية مليحة ثم معجما حافلا سمعناهما عليه، وأكثر من القراءة عليه وعلى غيره من شيوخ القاهرة فقرأ عليه، وسمع من الكتب الكبار جامع الترمذي ومسند الدارمي ومسند عبيد بن حميد الكشي ومسموعه من سنن النسائي رواية ابن السنى» انتهى.
وسمع أكثر صحيح ابن حبان وكثيرا من الأجزاء والمشيخات والفوائد، وأعلى ما سمع عليه مطلقا جزء ابن الجهم العلاء ابن موسى عن الليث بن سعد رواية أبى القاسم البغوي عنه.
قال الفاسي: إنّ ابن حجر سمع «على الشيخ عبد الرحمن بن أحمد بن الشيخة:
المستخرج على صحيح مسلم لأبى نعيم، وعلى أبى المعالي عبد الله بن عمر الحلاوى جميع المسند للإمام أحمد بن حنبل، والمجالسة للدينوري، وشيئا كثيرا عليه وعلى غيره من شيوخ القاهرة وغيرها، منهم الخطيب علي بن محمد الدمشقي لماّ قدم إلى القاهرة سمع عليه مسند الطيالسي وسنن ابن ماجة والمقامات للحريرى وأجزاء كثيرة جدا، وكثير من ذلك بقراءته». انتهى.
_________________
(١) بعدها في تونس والسليمانية «البخاري» ولم نجد لهذه الكلمة موضعا هنا.
[ ١ / ١١٩ ]
ورآه الإمام محب الدين بن الموحدى المالكي حثيثا على سماع الحديث وكتبه، قال شيخنا: فقال لي «اصرف بعض هذه الهمة إلى الفقه فإنني أرى بطريق الفراسة أن علماء هذا البلد سنقرضون، وسيحتاج إليك فلا تقصر بنفسك»، فنفعتنى كلمته ولا أزال أترحّم عليه بهذا السبب، ﵀».
ولقد كان لعمري ما قاله ابن الموحدى [أثره]، فأطلق عنان عزمه نحو بقية العلوم فأكبّ عليها: الفقه والنحو والأصلين وعلوم الأدب والمعاني والبيان وغير ذلك حتى مهر فيها كلها.
وأجلّ من أخذ عنه المعقول والأدبيات علامة الدنيا الشيخ عزّ الدين بن جماعة، لازمه طويلا، وأخذ عنه علما جزيلا وما زال يرخى العنان حتى سبق شيوخ الأقران، فأسرج خيول أفكاره في ظلم الليالي، وغاص بحور العلوم حتى أحرز نفائس اللآلي، وفاز باتصال سموات المعالي في سن الشباب والتحصيل، وأجمل في إلحاف الطلب وفصل أوقاته لحفظ وبحث ودأب فنبذ المساوئ وسبق إلى أعالي الرتب فأحسن الإجمال والتفصيل.
وأول شيوخه في الفقه الشيخ شمس الدين القطان والشيخ نور الدين الأدمى ثم الشيخ برهان الدين الأنباسى ثم الشيخ سراج الدين البلقيني وهو أول من أذن له في التدريس والإفتاء، وتبعه غيره. وهو مع ذلك مقبل على علم الحديث وسماعه غير فاتر العزم منه، وملازم لأكابر مشايخه لا سيما أستاذه ومخرجه حافظ العصر الشيخ زين الدين العراقي، وهو أول من أذن له في التدريس في علوم الحديث في سنة سبع وتسعين، ولم يزل يمعن في ذلك حتى صار إمام الناس فيه، وتقدم على مشايخه في حياتهم، ووصفوه بالحفظ والإتقان والنقد والعرفان، وأرشدوا الناس إليه. وحضّوهم عليه، وقرظوا مصنفاته وأذاعوا حسناتها وحسناته، وشهدوا بأنها غاية، وأن إتقانها نهاية.
[ ١ / ١٢٠ ]
وأول اشتغاله بالتصنيف كان في سنة ستّ وتسعين، وخرّج فيها: المائة العشارية لشيخه البرهان الشامي.
وأول ما استقر في تدريس الحديث كان في الشيخونية في سنة ثماني مائة، ثم في تدريس الفقه بها، وفيها ابتدأ الإملاء في تلك السنة فأملى الأربعين المتباينة، وأملى في غيرها عشاريات الصحابة، ثم استقر في مشيخة البيبرسية ثم تدريس الحديث بها عن قرب من ذلك، وأملى فيها أشياء تثريه، ثم تخريج أحاديث ابن الحاجب، ثم تخريج أحاديث الأذكار وهو الآن (^٢٩٩) يملى فيه بها، أعانه الله على إكماله، وقد وصل في استقبال سنة ست وأربعين إلى المجلس الثامن بعد الأربعمائة في أثناء الجنائز.
قال المحدث تقى الدين بن فهد: «رحل إلى دمشق بعد الثمانمائة فسمع بها من أصحاب الحجار ومن هم أقدم منه ممن حضر على القاسم ابن عساكر ومن قرب منه.
«وكان في أكثر طلبه مفيدا في هيئة مستفيد إلى أن انفرد في حال الشبوبية من أهل زمانه بمعرفة فنون الحديث لا سيما رجاله وما ينقلونه ويتعلق بهم، وصنّف التصانيف المليحة الجليلة السائرة الشاهدة له بكل فضيلة». انتهى.
قال الفاسي: «رحل إلى دمشق وأنا في رفقته فقرأ بها أكثر المختار للحافظ ضياء الدين المقدسي على فاطمة بنت محمد بن أحمد بن المنجى التنوخي، عن القاضي سليمان بن حمزة أذنا، عن الحافظ الضياء سماعا، وما لا يحصى كثرة من الأجزاء والتعاليق التي انتخبها وأنا معه فيما قرأه من المختار وأكثر ذلك، وقرأ بها وسمع بصالحية دمشق كثيرا فمن ذلك الموطأ رواية أبى مصعب على بدر الدين محمد بن محمد بن محمد بن العسقلاني، وسنن الدار قطني، وأكثر ما سمعه بقراءتي، والمعجم الأوسط للطبراني، سمع بعضه وقرأ بعضه على فاطمة بنت محمد بن عبد الهادي بإجازتها من ابن نصر
_________________
(١) تشير كلمة «الآن» إلى إن البقاعى كتب هذه الترجمة إلى هذا الحد في حياة ابن حجر نفسه.
[ ١ / ١٢١ ]
الشيرازي (^٣٠٠)، وسمع عليها المجلد الأول من المعجم الكبير للطبراني بإجازتها عن محمد بن عبد الحميد المهلبي وعبد الله بن عمر الصنهاجى المصريّين، وأكثر مسند أبى يعلى الموصلي رواية ابن حمدان بإجازتها من محمد بن المحب عبد الله بن محمد ومن شيوخ الصالحية ودمشق ما لا يحصى كثرة، فمن ذلك كتاب معرفة الصحابة لابن مندة، سمعه على خديجة بنت إبراهيم بن سلطان بإجازتها من القاسم بن عساكر عن عبد العزيز بن دلف عن شهدة وأنا معه في أكثر ذلك». انتهى.
سمعت شيخنا-صاحب الترجمة-غير مرة يقول إنه أقام في دمشق إذ ذاك مائة يوم فسمع بها نحو ألف جزء حديثية، لو جلّدت لكانت تقارب مائة مجلد، وكتب فيها عشر مجلدات منها بطريق المختارة، قلت: هذا مع قضاء أشغاله والنظر في أحواله، وكتابة بيّنة وتطبيق ما طبقه من الأجزاء، وهذه كرامة لا شك فيها، فالله تعالى ينفعنا به. آمين.
قال الفاسي «وعاد إلى القاهرة بعد أن سمع بنابلس والقدس على جماعة، وبغزة والرملة قبل وصوله إلى دمشق، وكان وصوله إليها في مستهل رمضان سنة اثنتين وثمانمائة، وانفصل عنها إلى القاهرة في أول المحرم سنة ثلاث وثمانمائة وقد اتسعت روايته كثيرا وظهرت فضائله لعلماء الشام فاغتبطوا (^٣٠١) به». انتهى.
سمعت شيخنا الحافظ العلامة تاج الدين بن الغرابيلى [يقول]: كان من أعلم الناس بأخبار العالم يحلف بالله تعالى-جهد (^٣٠٢) إيمانه أنه ما رأى مثله ولا رأى هو مثل نفسه. وأنه ما دخل إلى دمشق بعد ابن (^٣٠٣) عساكر أجلّ منه ولا مثله، ولا يشبهه المزي ولا الذهبي ولا غيرهما.
_________________
(١) في الأصل ابن الشيرازي وقد أثبتنا ما بالمتن بعد مراجعة ما ورد في ترجمة فاطمة بنت عبد الهادي من أنه أجاز لها.
(٢) مكانها فراغ في السليمانية.
(٣) في تونس «جهة يمنيه».
(٤) في تونس والسليمانية «بنى».
[ ١ / ١٢٢ ]
قال الفاسي: «ولما عاد إلى القاهرة، عنى بما كان معنيا به قبل ذلك من كتابة الحديث والتصنيف فيه ولم يهمل السماع لأشياء ينتجها، وكان مما ظهر من تصانيفه الفائفة قريبا من هذا التاريخ كتابه الذي سماه «تعليق التعليق» وصل فيه كل ما ذكره البخاري معلقا، ولم يفته من وصل ذلك إلا القليل، وهو له مفخرة عظيمة.
ومنها كتابه المسمى «لسان الميزان» اختصر فيه الميزان الذهبي وزاد فيه أكثر من ستمائة ترجمة، ومختصر «تهذيب الكمال» للحافظ المزي في ست مجلدات وزاد فيه أشياء حسنة، و«تخريج أحاديث الرافعي» أجاد فيه لتحريره ما لم يحرره من خرّج أحاديثه قبله وأطراف غيره من الكتب، منها «المسند» لابن حنبل وصحيح ابن خزيمة وصحيح ابن حيان ومستدرك الحاكم ومنتقى ابن الماوردي، وكتاب في الصحابة ﵃، وكتاب «مشتبه النسبة» ذكر فيه ما ذكره الذهبي وضبطه بالحروف، فإن الذهبي إنما أشار إلى ضبط أكثره بالقلم وزاد عليه.
هذا ما حضرني الآن مما لكلّ من مؤلفاته الكبار.
وأما مؤلفاته الصغار فكثيرة جدا ومن محاسنها «نخبة الفكر في مصطلح أهل الأثر» جمع فيع من أنواع الحديث زيادة على ابن الصلاح شيئا كثيرا، وهي في ورقتين، وشرحها في كراريس.
وما لم يكمل من تصانيفه: شرحه للبخاري (^٣٠٤)، كتب منه مجلدات ورأيت مقدمته فإذا هي كثيرة الفوائد.
_________________
(١) يشير المؤلف هنا إلى أن شرح ابن حجر لصحيح البخاري لم يكمل وهذا يدل على أنه كتب هذه الفقرة قبل أن يكمل ابن حجر الشرح، وإذا كان البقاعى قد كتب ترجمة ابن حجر هذه قبل وفاته فهذا يدل على أن البقاعى كان يكتب ترجمة الشخص متفرقة على فترات، ثم أن الجملة التي تليها مباشرة تدل على أنه رأى الشرح كاملا إذ قال (… قلت فيه كمل شرحه في أواخر شعبان سنة ٨٤٢ ولله الحمد).
[ ١ / ١٢٣ ]
قلت (^٣٠٥) قد كمل شرحه في أواخر شعبان سنة اثنتين وأربعين ولله الحمد في اثنى عشر مجلدا كبارا واسمه «فتح الباري في شرح البخاري» وهو عجب لمن تأمله، جمع من المنقول والمعقول خزائن علم مع حسن النظم وصغر الحجم، وسلك فيه طريقا ما سبق إلى مثلها في هذا الكتاب بجميع طرق الحديث فيشرح بعضها بعضا، وبيّن ما في كل طريق من صحة أو سقم، وبيّن الألفاظ التي اختلف فيها رواة البخاري، ثم يأخذ كلام الشراح أولا فأولا إلى عصره، فيبيّن صواب المصيب ووهم الواهم، ومن أين جاءه الغلط، وكذا فعله في الفقه، لا يستروح في شئ من ذلك بل يأخذ أولا كلام الشافعي من كتبه، ثم كلام من بعده طبقة طبقة إلى زماننا فيطالع على عجائب من غلط يقع بتصرف في الكلام أو انتقال النظر عن بعض الكلام ونحو ذلك، ومن أحسنه: بيان أن الجماعة الكثيرة ربما كانوا بمنزلة شخص واحد يكون بعضهم أخذ من بعض فيفيد ذلك أنه ربما كان الأخذ بقول الاثنين أولى من الأخذ بقول الثلاثة فصاعدا لكون كل من الاثنين أدّاه نظره إلى ما أدّى إليه نظر الآخر من غير أن ينظر أحدهما كلام صاحبه بخلاف أولئك، ولقد حرص في هذا الشرح على رشاقة العبارة وإيجازها، مع الإيضاح والبيان، فهو جمع الكثير مع بلاغة واختصار ويتسع اختلاف العلماء في عطائه فربما وصل الأقوال في المسألة الواحدة إلى نيف وأربعين قولا، ويذكر الإعراب واللغة والبديع وغير ذلك من علوم العربية، وله مسلك بديع في عدم التكرار، لا يخلى موضعا من المواضع التي كرر فيها الحديث من فائدة تليق بذلك الموضع، ثم يشرحه الشرح اللائق به في الباب الأنسب له ويحمل عليه مضيا واستقبالا، فجاء باعتبار ذلك متساوي الأرباع، كلّ ربع في ثلاثة أسفار، ولم يقلد أحدا في عد الأحاديث والآثار، وبيّن سبب الغلط للمعارين. ولقد شاع أمره من حين الابتداء فيه، وتوجّهت همم الملوك ومن دونهم إلى تطلبه، وما أظن أنه اتفق
_________________
(١) المتكلم هنا هو البقاعى وأمامها بخط غير خط الناسخ في تونس عبارة «كمل … سنة ٨٤٢.
[ ١ / ١٢٤ ]
لكتاب ما اتفق له: اشتهر بمشارق الأرض ومغاربها في مبدأ حاله، وأنارت له الأرض والسموات إذ هو كالبدر عند كماله، فكان يوم ختمه يوما مشهودا حضره المقام الشريف الناصري محمد ولد السلطان الملك الظاهر أبي سعيد جقمق وجميع أركان الدولة والقضاة وطلبة العلم، وخرج الباعة وأهل الأسواق رجالا ونساء للفرجة، حتى أنى لا أظن أنه لم يتخلف ذلك اليوم في القاهرة كبير أحد، وكان في «التاج» (^٣٠٦) خارج القاهرة في زمن الربيع، والقرط والفول حوله فانتشر الناس في ذلك، فأرسل قاضى القضاة من نادى لأصحابه ألّا
ما باله يرضى بخلع عذارى … إن كان لا يصغى لوصف عذارى
إنّ الغرام له رجال دينهم … تلف النفوس على هوى الأقمار
خاضوا بحار العشق وقت هياجها … إذ موجها كالجحفل الجرّار
فاستوسقوا دررا تجلّى نورها … صاروا بها في العالمين درارى
للّه أيام الوصال وطيبها … لو لم يكنّ كواكب الأسحار
ليلات (^٣٠٧) أرتشفت الرحيق من الثغ … ور فانتشى من دون شرب عقار
وأدير في روض الوجوه محاجرى … عجبا، فتغنينى عن الأنوار
بأبى الخدود نواضرا وجناتها … كنواظر الغزلان في الدينار
قصدت يكون المسك حسن ختامها … فتعلمت من ختم فتح الباري
سارت به لمشارق ومغارب … نسخ (^٣٠٨) غدت تتلى على الأخيار
_________________
(١) المقصود بذلك منطقة التاج والسّبع وجوه من أحياء القاهرة وكانت متنزها بالقاهرة، انظر الصيرفي: نزهة النفوس، نشره وحققه: حسن حبشي ج ٤ ص ٦٢، وهي من إنشاء الأفضل بن أمير الجيوش وكان ينزلها الخلفاء الفاطميون للنزهة وظلت متنزها حتى مستهل القرن التاسع للهجرة، وقد أشار المقريزي إلى خرابها حتى لم يبق منها كما قال «سوى أثر كوم توجد تحته الحجارة، وصار ما حول هذا الكوم مزارع من جملة أراضي «منية الشيرج» أما الخمس وجوه فهي أيضا من إنشاء الأفضل وسميت بهذا الاسم لأنه كان بها خمسة أوجه من الخشب وكانت تستعمل لنقل الماء لرى البستان وقد تآلف العامة على تسميتها بالتاج والسبع وجوه-وذكر المقريزي أيضا أنه في أيام فيضان النيل ينبت بها البشنين فيكون أجمل ما ترى العين، كما ذكر أن المؤيد شيخ ابتدأ في تجديد عمارة منظرة فوق الخمس وجوه في ربيع الآخر سنة ٨٢٣ - المقريزي الخطط ج ١ ص ٤٨١.
(٢) أمامها في هامش تونس كلمة (أيام) وكلاهما صحيح.
(٣) في نسخة تونس «نسج».
[ ١ / ١٢٥ ]
شرح البخاري الذي في سلكه … نظمت علوم الشرع مثل بحار
في كل طرس منه روض مزهر … وبكل سطر منه نهر جارى
قد حرّرت فيه مباحث من مضى … وكلامهم أضحى بغير غبار
وبه زوائد من فوائد جمة … وفرائد أعيت على النظار
شرح الحديث به فكم من مشكل … فيه انجلى للعين بالآثار
يأتي إلى طرق الحديث يضمها … فإذا العيان مصدّق الأخبار
وتزاحمت-أفديه-في تحصيله … زمر الملوك فسل من السفار
يا شيخ لسلام الجليل مقامه … فالغير لا يدنو من الآثار
كم قد رحلت وكم جمعت مصنفا … فالدين قد أحييت بالأسفار
وسكنت في العليا تقى وفضائلا … أنت الشهاب بك اهتداء الساري
رحلت إليك الطالبون ليقتدوا … وتتابعوا سبقا من الأقطار
وتراكضوا خيل الشبيبة حين لم … يوكس بوهن أو بوصف عوار
فارقت في أرض البقاع عشيرتي … أطوى إليك فيا فيا وصحارى
فارقت منهم كلّ أروع ماجد … حامى الذمار بسيفه والجار
فمصنفاتك سهّلت، وتنزهت … عن طاعن يرجو قذى أوعار
تربو على مائة ونصف أودعت … دررا تضيء الليل وقت سرار
ويضوع بالمسك الزكي لناشق … حسنا فيخجل إذ يضوع الداري
ماذا أقول فلو أطلت مدائحى … وجعلت أهل الأرض من أنصارى
لن تبلغ المقصود من أوصافكم … كلا، ولم يقرب من المعشار
فاسلم على كرّ الليالي راقيا … رتب العلى تهنى بفتح الباري
*** ومنها قول الإمام شرف الدين عيسى الطنوبى (^٣٠٩) الشافعي من قصيدة سمعتها عليه حال إنشادها وكذاك ما بعدها، وقصيدة الحجازىّ من لفظه:
_________________
(١) هو عيسى بن تمام بن خلف الطنوبى نسبة إلى طنوب وهي من البلاد المصرية القديمة بمركز تلا التي جاء عنها في قاموس رمزى ق ٢ ج ٢ ص ١٧٦ أن اسمها المصري القديم هو Pernoub والقبطي هو - Tan buu وقد وردت في نزهة المشتاق باسم طنوب. وكان مولد شرف الدين عيسى سنة ٨٠١ راجع عنه بالتفصيل الضوء اللامع ج ٦/ ٤٨٧.
[ ١ / ١٢٦ ]
سمحتم بشرح جاء أغلى من العين … فحصّنتكم بالله وهو من العين
تعلّى بتاج العلم فخرا وعندما … تجلّى أبان الجهل عنّا من البين
وأضحت سطور العلم فيه جواهرا … تعد على الطلاب سمطين سمطين
ومنها:
إليك انتهت يا حافظ العصر رحلة ال … حديث مع الإملاء حقا بلامين
ومنها في ذكر المصنفات:
تناهز عثر الألف عدّا وكم سعى … لباب علاها وافد من سلاطين
وزاد اشتياقا بالسّماع وربما … تعشّق قبل العين سمعك في الحين
فجهّزها سلطان مصر هدية … إليهم فأغنت عن خيول ونقدين
إلى الغرب سارت ثم للنبك سافرت … وفي يمن حلّت وصارت إلى الصين
*** ومنها قول الأديب الفاضل شهاب الدين أحمد بن مبارك شاه الحنفي:
أتبرز خدا للمقبّل أم يدا … وتعطف قدا للمعانق أميدا
وتسبل فرعا طال سهدى بليله … وتطلع من فرق الغزالة فرقدا
فديتك: لا أخشى الضلال بفرعها … وقد لاح فرق للضلال من الهدى
ومن عجب إنّي خليع صبابة … وشوقى إليها لا يزال مجرّدا
وأعجب من ذا أنّ لين قوامها … يثنى بجمع الحسن يخطر مفردا (^٣١٠)
لها سيف لحظ فوق دينار وجنة … فيا فقر قلب قد رآه مجرّدا
ولحظ غدا في السّحر فتنة عاشق … تخيل من حبل الذوائب أسودا
ومنها:
ومذ قلت إنّ الوجه للحسن جامع … غدا الطرف في محرابه متردّدا
ولم لا يكون الوجه قبلة عاشق … إذا ما جلا ركبا من الخال أسودا
فو الهف [قلبي] وهي تقليه في اللقا … على قبل من خدها قد توقدا
ومجنون طرفي في تشابيك هدبه (^٣١١) … يسلسله من دمعها قد تعيدا
_________________
(١) ويمكن قراءة هذه العبارة «يخطو مغرّدا».
(٢) في تونس «هدية».
[ ١ / ١٢٧ ]
ولو لاح للّاحى بديع جمالها … لما راح فيها اليوم يلحى ولا غدا
لها طلعة أبهى من الشمس بهجة … كأنّ «شهاب (^٣١٢) الدين» في وجهها بدى
شهاب، ضياء الدين من نور فضله … زكى على الآفاق يشرق بالهدى
وبحر رايت القلب منه بصورة … ولكن حوى ذهنا غدا متوقدا
ومنها:
وكم رمت محمود الأيادى فلم أجد … لعصرى رئيسا غير أحمد أحمدا
وناهيك من قدر حماه وكاد أن … يذود الورى من أن يكون مجسّدا
ومنها:
له منطق في كل عقد يحلّه … من الشهد أشهى حين يحضر مشهدا
له قلم كالميل، والنفس كحله … يداوى به من كان في الناس أرمدا
ومنها:
لئن جار حسن الحظّ والخطّ والنّهى … فما سوّد التصنيف إلا وجوّدا
وزهّد في التأليف كل مؤلف … فصار لتأليف الحديث مزهّدا
إذا ما حضرت اليوم مجلس حكمه … ترى منه ما فيه الخلاص ومن غدا
فدم لجميع الناس في العصر سيدا … لأنك في العلياء قد لحت مفردا
ومنها:
عن الصّعب يروون المكارم للورى … ولا زال عن سهل عطاؤك مسندا
وعلمك جمّ، والتصانيف جملة … ووالله ما في العصر غيرك يقتدى
«صحيح البخاري» مذ شرحت حديثه … بفتح من «الباري» ونصر تأيّدا
فكم مغلق بالفتح (^٣١٣) أصبح واضحا … إلى فهمه لولاك ما كان يهتدى
ومنها:
فلله فتح طنّ في الكون ذكره … فغار إلى أقصى البلاد وأنجدا
هنيئا له فيها سار بين ذوى النهى … وما سار حتى صار مثلك أوحدا
وكم صور قد شرحت بختمه … وكم حاسد بالهمّ فيه تنهدا
وكم ضمه جلد على حسنه انطوى … فأظهر خدّا بالسّرور مورّدا
وولّدت من فكرى بأوصاف ذاته … رقيقا بوصف الحسن منه مولّدا
_________________
(١) يقصد بذلك صاحب الترجمة ابن حجر العسقلاني.
(٢) يقصد بالفتح كتاب فتح الباري.
[ ١ / ١٢٨ ]
قطعت به من أسود الليل مهمها (^٣١٤) … على صهوة من در نظم تنضدا
جوادا إذا أرسلت فضل عنانه … يبلّغنى من غاية الشرف المدى
كنفحة مسك قد تضاعف نشرها … بألسننا مما يعاد ويبتدى
لتصرف لي وجه القبول فإنني … فتى لم أحاول غير ذلك مقصدا
فلا زال ركب المدح من كل وجهة … يوشّيك حاديه، ويقطع فدفدا
فعش لوفود سيق نحوك عيسهم … إذا زمزم الحادي بذكرك أوحدا
*** ومنها: قول الأديب الفاضل شهاب الدين أحمد بن أبي السعود:
تمنّعت بدموع الصّب في حجب … فانظر لشمس الضحى في جملة السحب
غزالة عن سماء القلب ما أفلت … يا من يرى جنّة الرضوان في لهب
أشكو سهادى ودمعي وهي لاهية … والثغر يضحك، والأصداغ في لعب
فيا رعى الله أعكافا (^٣١٥) بنا فتكت … وهنّ من نسمات الروض في رهب
والله يعفو عن الألحاظ كم قتلت … بسحرها من كليم القلب مكتئب
وفي سبيل البكا، ليل أكابده … يا فجر قلبي، فجرى غير مقترب
لم أدر أن كئوس الدمع تسهرنى … حتى رأيت محيّا النجم كالحبب
وبعد رشف الثنايا رحت ملتثما … خالا وكان ختام المسك مطلبي
كأنّ حسن ختام منه يسند عن … قاضى القضاة ختام العلم والأدب
ومنها:
يا عالما شرح الله الصدور به … وباسط العلم والآمال للطّلب
شرحت صدر البخاري مثل جامعه … فراح ينشد: «هذا منتهى الطلب»
فحبذا جامع بالشرح صار له … وقف كبحر جرى، باق مدى الحقب
شرح حكى الشمس، فالدنيا قد امتلأت … تغيب زهر الدراري وهو لم يغب
_________________
(١) في تونس والسليمانية «مهمهما».
(٢) جمع «عكف» بفتح العين وكسر الكاف وهي الشعر الجعد.
[ ١ / ١٢٩ ]
ومنها:
هذا وحقّك عام الفتح حجّ به … لبيت (^٣١٦) فضلك وفد العلم عن رغب
أفديه عاما كأنّ الدهر أسنده … عن حافظ العصر عن آبائه النّجب
لله حبر [ألمعىّ]، ماجد، شبم … علا بأصل على الخالين خير أب
يغنيك عن طالب الأسفار مقولة … «والسيف (^٣١٧) أصدق أنباء من الكتب»
ومنها:
[أغنى] (^٣١٨) البرية بالجدوى فما [برحت] (^٣١٩) … أمواله عند أيدي الناس من طنب
وكم له من تصانيف جلت وعلت … كالنجم تكثر عن قطر الحيا الشّرب
فضائل علّمت شعري مدائحه … وأنجم الليل تهدى كلّ مرتقب
يا مهجة الفضل، يا عين العلوم، ويا … روح العلا، وحياة العلم والحسب
عذرا فإنسان نظمي قد أتى عجلا … ووسع قولي وضيق الوقت في حرب
وهذه بنت فكر حبّها شغف … يجرجر الذيل من صحف على كتب
كأنها الراح في كاسات أسطرها … تحلو بتكرير حرف الباء في الحبب
أما وأوصافك المنظوم جوهرها … لولاك ما امتد لي في الشعر من سبب
بقيت يا سند الدنيا صحيح علا … وعشت يا بحر علم غير مضطرب
ولا برحت مدى الأيام تكسبها … حسن الختام وترفى أشرف الرّتب
***
_________________
(١) في تونس «لبيب» وفي السليمانية» لم ينقط غير الباء».
(٢) من قصيدة أبى تمام التي مطلعها: السيف أصدق أنباء من الكتب … في حده الحد بين الجد واللعب
(٣) ما بين المعقوفتين من عندنا وهو ساقط من تونس والسليمانية. وقد جاء هذا البيت في نسخ المخطوطة على الصورة التالية: البرية بالجدوى في الحناء … أمواله غير أيدي الناس من طنب وقد صححناه اجتهادا إلى ما في المتن أعلاه.
(٤) كلمة غير مقروءة في النسخ وقد أثبتنا ما بين المعقوفتين ليستقيم المعنى.
[ ١ / ١٣٠ ]
ومنها قول الأوحد المفنن أحد أدباء العصر شهاب الدين أحمد الحجازي الشافعي، وأغار على افتتاح قصيدة للممدوح:
إذا نوه الحادي بذكرك أوحدا … تيقّنت أنّى صرت في الحب أو حدا
فوا عجبا في فيه خمر معتّق … وفي كل يوم حسنه قد تجدّدا
ولولا رضاب الثّغر صهباء لم يكن … بسيف (^٣٢٠) لحاظ صار فينا معربدا
رعى الله أياما وحبا وصبوة، … وكأسا، وحربالا (^٣٢١)، وخلّا، ومعهدا
وحيىّ ليال بات بدري منادمى … بها، وشعاع الشمس من دنّنا بدى (^٣٢٢)
ليال حكت في وجنة الدهر شامة … وبالكأس ذاك الخد كان مورّدا
نعمت وعيشى مرّ حلوا به كما … أريد على رغم الحواسد والعدا
فحلّيت كأسى بالطّلا فتذهّبت … وبالقدح الفضّى كم كلت عسجدا
ولم يبق لي مال لدىّ لأننى … أذبت بكأسى ما بكأس (^٣٢٣) تجمّدا
بدومة روض ضاع من كمّها الشذى … فعرّفه نشر النسيم مردّدا
وشحرورها أضحى خطيبا بها وقد … غدت ركّعا قضب تميس وسجّدا
وقد نثرت أيدي السحاب لئالئا … نظمن فصارت عقد درّ منضّدا
لنظمى .. في قاضى القضاة بديع ما … يشنف أسماعا إذا هو أنشدا
إمام علا مقداره فكأنه … تخير كيوانا لعلياه مقعدا
هو العالم الحبر الذي زاد رفعة … ولم تلقه عند احتياجك مبعدا
هو البحر في علم وجود وبهجة … وتحيى به كلّ النفوس من الرّدى
نعم هو بحر لا يحركه الهوا … وهذاك بالأهواء أرغى وأزبدا
وأعجب من ذا كيف تبدو جواهر … من السّائغ العذب الذي طاب موردا
له الله من مولى، عظيم نواله … يصيّرنى استصغر البحر موردا
فيا شيخ لسلام عظّم قدره … ويا حاكما بالله أضحى مؤيّدا
_________________
(١) في نسخ المخطوطة «بسيفي».
(٢) في النسخ «جرياسا» وفي هامشها «لعله وجريالا».
(٣) في النسخ «يقدا» وليس لها معنى».
(٤) في النسخ «ما يكسبنى تحمدا».
[ ١ / ١٣١ ]
شرحت صدورا عند شرحك للورى … صحيح البخاري، وهو خير تجددا
وأظهرت فيه ما اختفى من دقائق … وبيّنت فيه ما يدل على الهدى
بلغت به مولاي كلّ يتيمة … وزيّنت فيه ماله الفكر ولّدا
وجاء كعقد الدّر في جيد طالب … تحلى به حيث اجتهدت تقلدا
وأكملته بالأمن واليمن والهنا … فمات حسود بعدها قد تجلدا
*** قال الفاسىّ وبالجملة فهو أحفظ أهل العصر للأحاديث والآثار وأسماء الرجال المتقدمين منهم والمتأخرين، والعالي من ذلك والنازل، مع معرفة قويّة بعلل الأحاديث، وبراعة حسنة في الفقه وغيره.
*** وإليه تدريس الفقه بالمدرسة المؤيدية المنشأة بباب زويلة من القاهرة، ويبدي في دروسه بها أشياء حسنة، وكان الملك المؤيد كثير الإقبال عليه ويسأله في قضاء دمشق فلم يقبل مع وجود من سعى فيه (^٣٢٤) ببذل كثير.
وهو سريع الكتابة حسنها، بديع القراءة، قرأ المعجم الصغير للطبراني بمجلس واحد بصالحيّة دمشق. [وقرأ] صحيح مسلم في خمسة مجالس (^٣٢٥) بالقاهرة.
وله من حسن البشر وحلاوة المذاكرة والمروءة، وكثرة العناية بقضاء حوائج أصحابه ما كثر الجدل بسببه، زاده الله توفيقا وفضلا. وقد انتفعت به في علم الحديث وغيره كثيرا. جزاه الله عنا خيرا.
*** وممّا حدّث به من مروياته، صحيح مسلم لما قرأه على شيخنا شرف الدين محمد بن عزّ الدين محمد بن عبد اللطيف بن الكويك الرّبعى في خمسة مجالس، ورواه للحاضرين عن محمد بن ياسين الجزولى المصري
_________________
(١) الضمير في «فيه» عائد على «قضاء دمشق».
(٢) أمامها في النسخ بغير خط الناسخ كلمة «نادرة».
[ ١ / ١٣٢ ]
أذنا عن الشريف موسى بن علي بن أبي طالب الموسوي حضورا وإجازة، أنا الحافظ تقى الدين بن الصلاح وغيرهم بسندهم المشهور برواية الحديث الحافظ شهاب الدين ابن حجر المذكور عن المفنّن شهاب الدين أحمد بن أبي بكر العزّ الصالحي الحنبلي أذنا عن القاضي تقى الدين سليمان بن حمزة، أذنا عن الحسن بن علي بن السّيد العلوي الهاشمي البغدادي، عن الحافظ أبى الفضل محمد بن ناصر السلامي، عن عبد الرحمن بن محمد بن إسحاق بن منده، عن أبي بكر محمد بن عبد الله الشيباني، عن مكىّ بن عبدان وأبى حامد بن الشرفى الحافظين عن مسلم، والسنن الكبير للنسائي رواية ابن الأحمر عن العفيف عبد الله محمد بن النشاوى المكي إجازة، وقد سمع عليه بمكة في صغره جانبا من صحيح البخاري عن الإمام رضىّ الدين بن إبراهيم بن محمد الطبري أذنا عن الحافظ أبى بكر محمد بن يوسف بن مندى الأندلسي نزيل مكة وخطيبها، عن أبي القاسم أحمد بن محمد بن عبد الله بن محمد بن أبي المطرف بن سعيد بسماعه على أبى جعفر النطروجى بسنده المشهور.
هكذا لقيت إسناد الحافظ شهاب الدين بن حجر للكتابين في بيت أخي وشقيقى الإمام المفتى نجم الدين عبد اللطيف (^٣٢٦) بن أحمد الحسين بخط بعض أصحابنا المحدثين» انتهى.
ثم حدّث بعد ذلك بغالب مروياته حتى لا يمكن أحد من خلق الله آن يحصر الآخذين عنه فإنهم على كثرتهم منتشرون في جميع أقطار الأرض.
*** قال الفاسي: «وقد دخل الحافظ شهاب الدين ابن حجر اليمن مرتين، واغتبط به فضلاؤها وغيرهم، وأخذ باليمن عن قاضيها مجد الدين محمد بن يعقوب الشيرازي اللغوي، وحجّ مرات، وناب في القضاء بالديار المصرية عن
_________________
(١) هو عبد اللطيف بن أحمد الحسيني الفاسي المكي ولد سنة ٧٧٨ بمكة ورحل إلى المدينة ومصر واليمن وتونس، وسمع من ابن حجر ومات سنة ٨٢٢ مطعونا. راجع الضوء ٤/ ٨٨٨.
[ ١ / ١٣٣ ]
قاضى القضاة شيخ الإسلام جلال الدين [البلقيني] (^٣٢٧) مدة سنتين بسؤال قاضى القضاة جلال الدين له في ذلك، وكان كثير الإقبال عليه، وكان يقيد أسماء مبهمة وقعت في صحيح البخاري، فذكر ذلك قاضى القضاة جلال الدين في المبهمات التي جمعها المتعلقة بصحيح البخاري.
*** ثم ولى صاحب هذه الترجمة قضاء الديار المصرية مرتين (^٣٢٨)، وكثر حمد الناس له، وكانت ولايته الأولى في سابع عشرى المحرم سنة سبع وعشرين وثمانمائة إلى سابع ذي القعدة منها، والثانية في شهر رجب سنة ثمان وعشرين وثمانمائة، أدام الله أيامه وبلغه مرامه بمحمد وآله» انتهى.
واستمر فيها (^٣٢٩) إلى الخامس والعشرين من صفر [سنه ٨٣٣] فانفضل منها، واستقر علم الدين صالح بن الشيخ سراج الدين البلقيني من السادس والعشرين من صفر سنة ثلاث وثلاثين، فكانت ولاية صاحب الترجمة أربع سنين وثمانية أشهر إلا أياما.
ثم ولى ثالثا في ٢٤ جمادى الأولى سنة أربع وثلاثين واستمر إلى أن عزل بالعلم في أوائل شوال سنة أربعين، ثم ولى شيخنا في أوائل شوال سنة إحدى وأربعين. على أنى ما لقيت أحدا من ذوى العقول إلا وهو يقول: «إن منصب القضاء لم يزده رفعة، بل المنصب تشرّف به»، واستمر إلى يوم الخمسين ثامن عشرى رمضان سنة ست وأربعين فحصل من القاضي المالكي-بحضرة السلطان-كلام لا يليق به فعزل نفسه فأعاده السلطان وألحّ عليه وهو يمتنع إلى أن قبل، ثم لم يطلع يوم الجمعة للخطابة فأرسل إليه السلطان وألحّوا عليه في الطلوع لخطبة العيد، ففعل.
_________________
(١) ما بين المعقوفتين ساقط من نسخة السليمانية.
(٢) المعروف أن ابن حجر تولى القضاء أكثر من مرتين ولكن الوارد أعلاه هو ما نقله البقاعى عن الفاسي وسيعود البقاعى بعد قليل إلى الإشارة إلى توليه القضاء أكثر منهما.
(٣) أي في قضاء الديار المصرية.
[ ١ / ١٣٤ ]
وفي يوم الخميس سادس شوال فصّلت له جبّة بسمّور وطلب ليلبسها فحضر، فأعلم أنه فصّل للمالكي مثلها فامتنع من اللبس وأراد النزول من القلعة فأرسل السلطان إليه أكابر الدولة من أمراء وغيرهم، فأصرّ على الامتناع، فأمر المالكي بالنزول وحده، ثم تلطّفوا بشيخنا حتى لبس، وكأنما وجد السلطان عليه من كثرة ترفعه وامتناع شيخنا، فلما كان في ذي القعدة ورد من دمشق قضية تتعلق بامرأتين تتنازعان نظرا، وأثبتت كلّ منهما أنها أرشد.
ثم حكم السراج الحمصي بالتشريك بينهما، ثم عملت إحداهما (^٣٣٠) محضرا بفسق الأخرى وحكم به الشيخ شمس الدين الوفائى (^٣٣١)، فطلب من شيخنا نقضه، وكان الوفائى قادما إلى القاهرة فقال شيخنا: «يمهل إلى حضور الوفائى، فإن فسر الفسق بأمر واضح تم حكمه، وإلّا نقض» فلم يسمع.
وألحّ السلطان عليه في أن ينقضه فلم يوافق على ذلك فعزله يوم الاثنين خامس عشر ذي القعدة من السنة. أحسن الله له العاقبة. آمين.
ثم لما كان يوم الخميس ثامن عشر الشهر المذكور أرسل إليه وألبسه خلعة العود وأمره أن ينفذ الأحكام على الكبير والصغير، فقال له «قال علىّ ﵁ للنبي ﷺ لما عقد له اللواء لقتال أهل خيبر «أكون في أمرك كالسكين (^٣٣٢) المحماة أو الشاهد يرى ما لا يرى الغائب» فقال السلطان: أنت قلت إنّ حكم الحمصي صحيح فما الذي نقض هذا؟ «فقال: يا مولانا: قولي إنه صحيح:
فتوى. وأما الحكم بنقض ما يخالفه فيحتاج إلى شروط كثيرة من مدّع ومدعى عليه، وتصحيح دعوى وغير ذلك».
***
_________________
(١) في تونس «أحديها».
(٢) وردت في تونس الونائى وفي السليمانية الوفائى وكذلك في الضوء اللامع ج ٢ ص ١٥٥ ترجمة رقم ٤٣٩ وهو أحمد بن محمد بن علي الشهاب القاهري الماوردي الوفائى.
(٣) في السليمانية وتونس «كالسكة».
[ ١ / ١٣٥ ]
ولم يزل على خدمة العلوم حتى صار رأس الناس قاطبة وإمام المسلمين كافة:
في كل وصف ترتضيه محسن … في كل رأى يصطفيه عاقل
مع أنه قد فاق أهل الأرض في … علم الشريعة، كم تقوم دلائل
علم الكتاب، وعلم سنّة أحمد … هل غير ذا إلا الضلال الباطل
فالله يبقيه لدين محمد … ما دام بحر (^٣٣٣) أو سحاب هاطل
وله جميع المكرمات، وحسبه … رب البرية وهو نعم الكافل
*** هذا مع التضلع بعلوم الأدب، والحفظ الواسع للأشعار والنوادر، بحيث أنّ غالب كلامه منتزع (^٣٣٤) من ذلك، مع بعد عهده بالاعتناء به (^٣٣٥) وصرف المهمة إلى سواه، حتى إنه رأى مرة معي كتابا يتعلق بالأدب فقال: «أمسى الليل» يشير إلى قصر العمر عن ذلك، وأن مطالعة غيره أولى.
وهو مع ذلك كله حسن الشكل، جميل الوجه، منوّر الشيبة من كثرة صلاته بالليل، كثير الوقار، قليل الكلام، نافعه، بديعه، شديد الاتباع للسنة في النية والطهارة والملبس وغير ذلك، حلو الشمائل، بديع القول، ظريف النادرة جدا، مجلسه كأنه البستان فيه من جميع ما يشتهى الإنسان: العلم والأخبار الحسان، والنوادر اللطاف، وأحوال الناس في كل زمان من غير خروج في ذلك عن السّنة، إذا رأى من بعض جلسائه ما يسوؤه قطع المجلس وقام إلى الصلاة أو دخل البيت ونحو ذلك. قلّ أن يواجه أحدا بما يكره، يؤدب بأحواله، ويهذب بأقواله:
طباع من الصّهبا أرق، ومنطق … إلى الصب من ريق الحبائب أعذب
_________________
(١) في السليمانية وتونس «بحرا» وهو صحيح ولكن الأصح «بحر».
(٢) في تونس والسليمانية «متبرع».
(٣) الضمير في «به» عائد على «علم الأدب».
[ ١ / ١٣٦ ]
لا يترك الحلم إلا إذا علم أن المقصود المغالبة، فإنه حينئذ يستعمل الشهامة ولا يرجع إلى أحد:
ولا خير في حلم إذا لم تكن له … بوادر تحمى صفوه أن يكدّرا
يكرم جليسه غاية الإكرام، مع الاقتصاد في المدح والذّم، وينزل الناس منازلهم، له الخبرة التامة بذلك من معرفة أحوال الدهر وأخبار أبنائه ومخالطة رؤساء الوقت تزيد في محبته، وتحثّ على آدابه في الصحبة، ويعرّف الجاهل بمقداره. وينبه العاقل على حسن إعلانه وإسراره، وهو في جميع ذلك كما قلت، ولم أقصد غلوّا ولا مبالغة:
لساني يا قاضى القضاة عن الذي … أحاول من حسن الثناء: كليل
فإنك قد أرسلت في الناس أنعما … تجلّ عن الإحصا، وأنت جليل
ملأت طباق الأرض علما وحكمة … وحلما وجودا، والثناء يطول
وأنت شهاب الدين تحمى سماءه … فلا مارد إلّا عليه تصول
أبا (^٣٣٦) الفضل: عمّ الجود منك ومن بغى … بحدّك يأتيه الردى فيحول
لقد جبت أقطار البلاد معاشرا … رؤوس البرايا والرؤوس قليل
فما أنتجت لي خبرتى وصحابتى … لهم غير حبّ فيك ليس يزول
ومعرفتي أن ليس غيرك سيدا … ومالك كفء في الأنام عديل
تسنّنت أفعال النبىّ وقوله … فماذا الذي من بعد ذاك أقول
يهابك من لاقاك يوما بديهة … يحبك إن يصحب وطال مقيل
ولم يبق في الآفاق شرقا ومغربا … سواك على ماضي الكرام دليل
فأسأل ربّى أن يطيل لك البقا … ليبقى ثناء للعباد جميل
***
_________________
(١) في السليمانية وتونس «أبو».
[ ١ / ١٣٧ ]
فاق أهل العصر في كل ما يكون المدح: نسبه العقل الوافر، والاحتمال العظيم، والشفقة على عباد الله، والرحمة لهم، على شدة اليقظة والحزم، وسرعة الكتابة والكشف والفهم وقوّة الحافظة وصحة الجسم وبسط البنان، فهو عجب من عجب، كرمه متوال على سائر الأنام وكرّ الليالي، لم ير في زماننا أكرم منه.
حدّثنى الشيخ تقى الدين المقريزي أنه شاهده يهب-وهو صبىّ أمرد- المائتى درهم الفضة دفعة. انتهى.
ولم يزل يزداد كرما وإحسانا [وصدقة وإيثارا (^٣٣٧) حتى أنه في السنة التي ختم فيها شرح البخاري أنفق ما ينيف على ألف دينار على الطلبة وأهل الخير وغيرهم شكرا لله تعالى على تلك النعمة، نعم رأينا من يتكرّم ويظهر علوّ الهمة لاستجلاب الناس فإذا حصل له مراده من الدنيا قطع ذلك، وأما شيخنا فهو لا يزداد مع العلوّ إلّا كرما وتواضعا مع آحاد الطلبة، وإحسانا] إليهم، حتى شاهدت بعض أصاغرهم يقول له عند البحث «لا نسلم لما ترى» من تواضعه.
رحلت إليه سنة أربع وثلاثين (^٣٣٨)، ولم أزل ملازما له حتى كتبت هذه الترجمة في سنة ست وأربعين، فأقسم بالله ما مرّت بي سنة من تلك السنين إلا رأيته ازداد فيها تواضعا على أنى لم أزدد له إلّا مهابة، يزيده السّن وقارا ولينا ونفعا لعباد الله، وبرا وصبرا على الطلبة، جنابه مأوى طلاب (^٣٣٩) الفضائل والفواضل الذي إليه يلجئون وعليه يعولون، وهو من غرائب الدهر في جميع أحواله، لقد نقلت إلينا أخبار أهل عصرنا شرقا ومغربا، واجتمعنا بغالب أعيانهم فلم نر من يقاربه، لا تشغله دنياه-على اتساعها-عن الاشتغال بالعلم والإفتاء والتصنيف والإسماع والتدريس وقيام الليل، وتعرّف الأخبار،
_________________
(١) العبارة التي بين المعقوفتين غير واردة في نسخة السليمانية.
(٢) أمام هذه العبارة في هامش تونس العبارة التالية وإن كانت غير واضحة «رحل المؤلف إليه سنة ٨٣٤.
(٣) في السليمانية «طالب».
[ ١ / ١٣٨ ]
ولا يشغله شئ من ذلك عن دنياه، ما رأيت أحدا: شيخا ولا شابا إلّا وهو يتعجب من أحواله، ويشهد له بالبركة في أوقاته، وهو مع الحلم الزائد والتغافل عن الهفوات في غاية اليقظة والتّثبّت والحدس الصائب، والنظر الثاقب، فلا يسلم قياده لأحد في شيء [ممّا هو تحت نظره لخبرته بأحوال أهل العصر وأخلاقهم، ولا يخفى عليه] (^٣٤٠) شيء من فنون مكرهم، وهو لأجل ذلك بديع الأفعال في أحكامه وقضائه وجميع أحواله، لا يستطيع أحد أن يغرّه في شيء أصلا ولا أن يقرب من ذلك، لا يقبل كلام أحد في غيبة خصمه، فهو آية في حسن القضاء، ومعرفة دسائس الناس في كلامهم، والاهتداء إلى قطع الأمور.
*** وله في المناظرة مسلك غريب قل أن يثبت له ذلك أحد، بلغني أنّ علّامة العصر قاضى القضاة شمس الدين البساطى كان يقول: «حيّرنا هذا الرجل، لا نشرع في ذكر شيء من العلوم أفنينا العمر فيها إلّا فهم المراد قبل تكميل الكلام، ثم يبتدئ فيه بعبارة أخرى بحيث يظنّ السامع المعنى غير المعنى، ويتمم القول في ذلك بأرشق كلام».
وبلغني أن الشيخ علاء الدين (^٣٤١) الرومي-الآتي ذكره-سئل في بلاد الروم عن شيخنا فقال: هو رجل إن أردت أن تحتجّ عليه بحجة مبنية على عشرين مقدمة، ثم شرعت في ذكر المقدّمة الأولى فهم جميع تلك المقدمات وتلك الحجة، وشرع في الجواب عن ذلك.
ولما مات السلطان الملك الأشرف وعاثت مماليكه بالفساد ونابذوا السلطان الملك الظاهر جقمق ومن معه بالعداوة-لمّا كان نظام الملك-
_________________
(١) ما بين المعقوفتين ساقط من السليمانية.
(٢) علاء الدين الرومي هو علي بن عبد العزيز بن يوسف، الرومي الأصل الحلبي البانقوسي الحنفي ويعرف باليتيم، وهو صاحب الترجمة رقم ٣٦٣ فيما بعد.
[ ١ / ١٣٩ ]
واحتيج إلى دخول القضاة في الإصلاح ظهرت حينئذ محاسن تصرّفاته، ورقص (^٣٤٢) الناس طربا لبدائع كلماته، وبانت آثار عقله، واتّضحت دلائل متقن فعله، ودبر المملكة بجليل آرائه، واستفرغ في إصلاح ذات البين جهده، وظهر بذلك عظيم صبره، وحسن بلائه، وثبت أساس الأمن بعد اختلاله، وضمّ شمل المسلمين بعد انحلاله، وهو مع القدرة على التعبير عمّا في نفسه بجواب سريع، وقول بديع يأتي به مع كونه في غاية الرشاقة، محتملا بغير معنى، قلّ أن يتكلم إلا على هذا النمط: البلاغة فيه سجية لا يتكلفها، وكذا كتابته على القصص، لا يرد قصة إلا مكتوبا، عليها تارة يمنع وتارة يعطى بعبارات متنوعة وإشارات مخترعة، وقد صار إلى رياسة ضخمة ورفعة عظيمة وحشمة، وهو زمام الناس الآن: رؤوس المفسدين بوجوده مطرقة، وباعاتهم طول الأيام قصيرة لا سيما في نصر (^٣٤٣) السّنّة والذبّ عن حماها، لا يتجاسر أحد على رواية حديث باطل، وإن رواه أسرع الناس إلى استفتائه عليه فيتبيّن الحال فيخسر هناك المبطلون، وينقمع الملحدون، وكلامه في ذلك غاية المطالب، ونهاية الرغائب، أكبّ الناس ستة أزمان على التردد إليه، والاستفادة مما لديه حتى ملأت تلامذته الآفاق ولا يحصون كثرة، وأسروا في أرجاء الأقطار فلا يحيدون عنه، يخالط الناس ويصبر على أذاهم.
و[هو] (^٣٤٤) ممن سهل له
الرسول ﷺ بقوله «المؤمن الذي يخالط الناس ويصبر على أذاهم» خير من المؤمن الذي لا يخالط الناس ولا يصبر على أذاهم» رواه الطيالسي في مسنده من حديث ابن عمر الذي أشار إليه إمامنا الشافعي ﵁ مما كان يتمثل به.
أهين لهم نفسي لأكرمها بهم … ولن تكرم النفس التي لا تهينها
_________________
(١) في السليمانية «ورفض الناس حتى رقصة طربا» ولا معنى لهذه العبارة.
(٢) في السليمانية «نص».
(٣) أمامها في هامش تونس «حديث عظيم».
[ ١ / ١٤٠ ]
فأصحابه لا يريدون به بدلا ولا يبغون عنه حولا، لا يزيدهم طول الصحبة إلّا تأكيد المحبة وذلك لحسن عشرته لهم، فضلا عليهم بالمال والجاه وإفادة بالعلم والآداب، وصبرا على هناتهم، وتغافلا عن فلتاتهم وهفواتهم، مستنا بما أشار الله سبحانه لنبيه ﵊ من قوله تعالى (^٣٤٥) ﴿وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾.
يخالق الناس بخلق حسن ويستجلب قلوبهم وموداتهم بلين الكلام، ويستعبد رقاب أحرارهم بالإحسان والصبر على الأذى لا سيما الغرباء، فعلا لذلك شأنه، واتضح برهانه، وطار ذكره في سائر الأقطار، وبعد صيته فأنجد في كل أرض وأغار، وسافرت بمصنفاته الركبان، وتهاداها الملوك والأعيان، ويطلبها أوفاد البلاد، ويسوق إلى تحصيلها طلبة العباد كما قلت ذلك في قصيدتي العينية التي مدحته بها، وأولها:
خذوا من سلامي في الصبابة أو دعوا … فقلبي مشغوف فيه أو دعوا
فقد أرسل المنصور صاحب تونس … لشرح البخاري طالبا يتضرع
وشاروخ أيضا نجل تيمر لنك قد … أراد به يحظى فيشفى وينفع
وللناصر بن الأشرف الملك الذي … زبيد به أضحت تعزّ وترفع
بتذكرة قد زانها حسن جمعه … جمالا، كمالا، نشره يتضوع
وافتخر بلقائه الأكابر من سائر الأمصار، وتمنّى أهل البلاد النائية لو رأوه ولو في الطيف الساري.
ومصنّفاته تناهز مائة وخمسين مصنفا، ولنذكرها لتطلب وتقرأ وتكتب إن شاء الله. فأولها في التقديم (^٣٤٦) وأولاها بالتعظيم: شرح صحيح البخاري المسمى «فتح الباري» في اثنى عشر مجلدا كبارا، «ومقدمته» في مجلد ضخم يشتمل على جميع مقاصد الشرح. سوى الاستنباط.
_________________
(١) سورة آل عمران آية ١٥٩.
(٢) في السليمانية وتونس «في القديم».
[ ١ / ١٤١ ]
وكتاب «تعليق التعليق». قصد فيه إلى وصل الأحاديث الموقوفة الواقعة في صحيح البخاري بأسانيد المصنف في كل منها، وهو قدر المقدمة، وقد كمل هذا في حياة كبار المشايخ، وشهدوا بأنه لم يسبق إلى مثله.
ووجد شاهد ذلك من كلام أبى عبد الله بن رشيد وغيره من الأئمة، فإنهم صرحوا بأن هذا النوع جدير بأن يفرد بالتصنيف، يتصدى لجميع طرقه ووصل منقطعة، وقد حصل بفراغه إعانة عظيمة عندما شرع في الشرح، وأغنى عن تعب كبير. ومختصر هذا التصنيف واسمه «التشويق، إلى وصل المهم من التعليق» ومختصر آخر منه يسمى «التوفيق» اقتصر فيه على ذكر الأحاديث التي لم تقع في الأصل إلّا معلقة ولم توصل في مكان آخر منه.
«وتقريب الغريب»، جزء، وفيه غريب الألفاظ من مختصر القرطبي، مع التنبيه على فوائد وزوائد وفرائد.
«والاحتفال في بيان أحوال الرجال» المذكورين في صحيح البخاري، وزيادة على ما في تهذيب الكمال في مجلد ضخم لم يبيض.
ومن ذلك «شرح على الترمذي» شرع فيه في سنة ثمان، فكتب منه جزءا وفتر العزم ولو كمل لكان يخرج في ستة أسفار.
وكتاب «اللباب في تخريج ما يقول الترمذي وفي الباب»، شرع فكتب من أوله ثلاث كراريس، ومن كتاب «الحج» كراسة.
ومنها «إتحاف المهرة بأطراف العشرة» وهي: الموطأ، ومسند الشافعي، ومسند الإمام أحمد، وجامع الدارمي، وصحيح ابن خزيمة، ومنتقى ابن الجارود، وصحيح ابن حبان، ومستخرج أبى عوانه، ومستدرك الحاكم.
وشرح معاني الآثار للطحاوي، وسنن الدار قطني، وإنما زيد العدد واحدا لأن صحيح ابن خزيمة لم يوجد منه سوى قدر ربعه، وقد كمل هذا الكتاب.
[ ١ / ١٤٢ ]
وهو في ثمانية أسفار وشرع في تبييض أوائله، وأفرد منه أطراف مسند أحمد، وسمى أطراف المسند «المعتلى بأطراف المسند الحنبلي»، وكان شيخنا حافظ العصر-يعنى الزين العراقي-يعتمد عليه في إملائه. وبيان أحوال الرواة في هذا الكتاب مما ليس في تهذيب الكمال، وشرع فيه ولو كمل لخرج في خمسة أسفار.
و«تهذيب التهذيب» كمل قديما وانتهى تبييضه في سنة سبع وثمانمائة، وهو يشتمل على اختصار تهذيب الكمال للمزى مع زيادات عليه تقرب من ثلث حجمه، وخرّج كله مع ذلك في قدر ثلث حجم الأصل، وقد بيضت منه نسخة في خمسة مجلدات وأخرى في ست مجلدات. ومختصر هذا الكتاب يسمى «تهذيب التهذيب» في مجلد واحد يحصّل ما في الأصل ويزيد ضبط الأسماء المشكلة.
ومنها «ترتيب طبقات الحفّاظ» في سفرين لم يبيض.
«وثقات الرجال ممن ليس في تهذيب الكمال» في ثلاثة لم يبيض.
«والكافي الشاف، في تخريج أحاديث الكشاف» في مجلد، بيّض.
و«الاستبدال» (^٣٤٧) عليه في آخر لم يبيض.
و«الإعجاب ببيان الأنساب» في مجلّد ضخم لم يبيض.
و«التمييز، في تخريج أحاديث شرح الوجيز» في مجلدين: بيّض.
و«الإصابة في تمييز الصحابة» في ثلاث مجلدات، كمل وبيض منه نحو النصف وهو يشتمل على أربعة أقسام في كل حرف منه، الأول من جاء ذكره أو روايته في حديث أو حكاية، الثاني من له رواية فقط، الثالث من أدرك الجاهلية والإسلام ولم يرد في خبر أنه اجتمع بالنبي ﷺ.
_________________
(١) في السليمانية «الاستذكار» وفي تونس «الاستدراك».
[ ١ / ١٤٣ ]
والرابع: من ذكر في كتب من صنف في الصحابة أو خرّج من المسانيد على سبيل الغلط والذهول، وبيان ذلك وتحقيقه بما لم يسبق إلى غالبه.
ومنها.
«المقرر في شرح المحرر».
و«مناسك الحج» في جزء لطيف.
و«شرح مناسك المنهاج» للنووي.
كذلك «نخبة الفكر في مصطلح أهل الأثر». كراسة منها مقاصد الأنواع التي في كتاب ابن الصلاح، مع زيادات كثيرة وتوضيحها في مجلد، وبيض.
و«الاستدلال على النكت على ابن الصلاح» في مجلد ضخم لم يكمل.
و«النكت على شرح الألفية» للشيخ زين الدين العراقي: لم يكمل. ومنها «لسان الميزان»، ويشتمل على تراجمه التي ليست في تهذيب الكمال مع البيان لها من جرح وتعديل، وبيان وهم من وهم وما فاته من ترجمة.
و«تبصير المنتبه بتحرير المشتبه، لخص فيه أصول هذا الفن وفروعه، واعتنى بضبطه بالحروف. وقد كمل وبيض في مجلد.
و«النكت على شرح مسلم للنووي» شرع في أوائله.
و«النكت على شرح المهذب» (^٣٤٨).
كذلك «تخريج أحاديث شرح التنبيه للزنكلونى، شرع فيه.
و«النكت على تنقيح الزركشي على البخاري» شرع فيه.
و«النكت على شرح العمدة» للشيخ سراج الدين بن الملقن، شرع فيه.
_________________
(١) جاء بعدها في السليمانية «على شرح الألفية للشيخ زين الدين العراقي لم يكمل»، ومنها لسان الميزان يشتمل على تراجمه التي ليست في تهذيب الكمال مع البيان لها من جرح وتعديل على المهذب، كذلك. وقد سبق أعلاه هذا الكلام.
[ ١ / ١٤٤ ]
و«عشاريات الصحابة» في المسودة، وأملى منه نحو مائتي مجلس.
و«التعليق على مستدرك الحاكم» شرع فيه.
و«التعليق على الموضوعات لابن الجوزي»، شرع فيه.
و«الإيناس بمناقب العباس» في مجلدة المسودة.
و«تقريب المنهج، بترتيب المدرج».
و«الأفنان في رواية الأقران».
و«المقترب (^٣٤٩) في بيان المضطرب».
و«شفاء الغلل في بيان العلل».
و«التعريج على التدريج».
و«نزهة الألباب في الألقاب».
و«ترتيب المتفق» للخطيب.
و«ترتيب مسند عبد بن حميد».
و«ترتيب فوائد سمويه».
و«ترتيب فوائد تمام».
والدرّ المنتخب من (^٣٥٠) مسند البزاز مما ليس في السنة ولا في مسند أحمد».
و«أطراف الأحاديث المختارة» للضياء في مجلد ضخم.
_________________
(١) في تونس «المقرب».
(٢) ورد اسمه في نظم العقيان ص ٤٨ «المنتخب في زوائد البزاز على الكتب الستة».
[ ١ / ١٤٥ ]
و«تعريف الفئة ممّن عاش من هذه الأمّة مائة»: مجلدة في المسودة.
و«إقامة الدلائل على معرفة الأوائل» كمل وهو في المسودة.
و«ترتيب المبهمات على الأبواب»، مجلدة ضخمة مسودة.
و«أطراف الصحيحين على الأبواب والمسانيد» [وهو] عجيب الوضع.
و«المجمع المؤسس بالمعجم المفهرس»، يشتمل على تراجم شيوخه وما أخذ عنهم.
و«التذكرة الحديثية» في عشر مجلدات.
و«التذكرة الأدبية (^٣٥١) في أربعين لطاف.
و«الأجوبة المشرقة عن المسائل المفرقة».
و«ديوان الشعر، وآخر يسمى «المستغاث» وديوان الخطب الأزهرية، و«ديوان الخطب القلعية».
و«مختصر العروض».
و«الأمالي الحديثية».
و«الخصال المكفرة للذنوب المقدمة والمؤخرة».
و«تخريج الأحاديث في السيرة النبوية الهشامية» والمسمّى «المنيرة في تعريف الكبيرة».
و«المنحة فيما علق الشافعي القول به على الصحة».
و«تحفة المستريض، بمسالة التحميض».
و«الاستبصار على الطاعن المعثار» هو صورة استفتاء.
_________________
(١) «التذكرة الأدبية في أربعين لطاف» انظر نظم العقيان ص ٤٧.
[ ١ / ١٤٦ ]
و«المائة العشارية من حديث البرهان الشامي» والأربعون التالية لها.
و«المعجم الكبير» للشامي في أربعة وعشرين جزءا حديثية، مجلدة ضخمة.
و«مشيخة ابن أبي المجد الذين تفرد بهم» وهو في جزء ضخم.
و«مشيخة ابن الكويك» الذين أجازوا له.
و«الأربعون العالية» لمسلم على البخاري.
و«ضياء الأنام بعوالى شيخ الإسلام».
و«فهرست مرويات ولده جلال الدين». كراسة.
و«كتاب الأربعين من حديث أبي الحسين».
و«المعجم، للحرة مريم».
و«بيان ما أخرجه البخاري عاليا» عن شيخ أخرج ذلك الحديث أحد الأئمة عن واحد عنه.
و«طرق حديث الغسل يوم الجمعة» من رواية نافع بن عمرو خاصة.
و«طرق حديث زرغبّا تزدد حبا».
و«جزء يسمى: الإنارة بطرق حديث غب الزيارة».
و«طرق حديث: «تعلموا الفرائض».
و«طرق حديث: المجامع في رمضان».
و«طرق حديث: القضاة ثلاثة» وطرق حديث «من بنى مسجدا».
و«طرق حديث: المغفرة»، وقع رواية سبعة عشر نفسا رووه عن الزهري مع مالك ردا على من قال إن مالكا تفرّد به.
[ ١ / ١٤٧ ]
وطرق حديث: «من كذب علىّ».
وطرق حديث: «يا عبد الرحمن لا تسأل الإمارة».
و«طرق حديث: الصادق المصدوق».
و«طرق حديث: «قبض العلم» و«المسح على الخفين».
و«طرق حديث: «ماء زمزم لما شرب له».
و«طرق حديث: احتج آدم وموسى».
و«تخريج الأربعين النواوية بالأسانيد العالية.
والأربعون المهذبة بالأحاديث المكّية».
و«الإتقان في فضائل القرآن».
والإمتاع بالأربعين المتباينة بشرط السماع»، وشرائط كثيرة لم يسبق إلى مثلها.
و«التعليق النافع، في النكت على جمع الجوامع».
و«الأنوار بخصائص المختار»
و«الآيات النيرات للخوارق المعجزات».
و«تصحيح الروضة» كمل منه مجلد إلى الصلاة، وكتب في الثاني إلى (^٣٥٢)
و«المنتخب من كتاب الأدب».
و«تلخيص مغازى الواقدي».
وتلخيص «البداية والنهاية لابن كثير».
_________________
(١) فراغ بمقدار كلمتين أو ثلاث كلمات في الأصلين.
[ ١ / ١٤٨ ]
وتلخيص «الوشى المعلم والزيادة عليه»، سمى علم الموشى والنبأ الأنبه، في بناء الكعبة».
ونظم «وفيات المحدثين»، لم يكمل.
و«نزهة النواظر المجموعة، في النوادر المسموعة».
و«القصد المسدد في الذب عن مسند أحمد».
و«تعريف أولى التقديس بمراتب الموصوفين بالتدليس».
و«قذى العين».
و«تلخيص السيرة المؤيدية، للشيخ بدر الدين العيني ويسمى حذف العين من قذى العين.
و«الزوائد العالية من المسانيد الثمانية»، في ثلاثة مجلدات، كمل في المسودة.
و«الاعتراف والاستدراك على من جمع ديوان ابن نباتة المصري».
و«الجامع الكبير من سنن البشير النذير» شرع في أوائله.
و«إنباء (^٣٥٣) الغمر بأنباء العمر».
و«نزهة القلوب في معرفة المبدل والمقلوب».
و«المزيد النفع، بمعرفة ما رجح فيه الوقف على الرفع».
و«بيان الفصل، لما رجح فيه الإرسال على الوصل».
و«تقويم السناد بمدرج الاسناد».
و«رفع الإصر عن قضاة مصر».
_________________
(١) قام محقق هذا الكتاب بتحقيق إنباء الغمر بأنباء العمر» في أربعة أجزاء، وتولى نشره المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية بوزارة الأوقاف بمصر.
[ ١ / ١٤٩ ]
و«الإعلام بمن سمى محمدا قبل (^٣٥٤) الاسلام».
و«بلوغ المرام بأدلة الأحكام» وهو في مجلد لطيف.
و«الخصال (^٣٥٥) الموصلة إلى الضلال».
و«الإيثار برجال الآثار» لمحمد بن الحسن.
و«ترجمة الشافعي، سماه» توالى التأنيس بمعالى ابن إدريس وترجمة الكتب سماها «الترجمة العينية بالترجمة اللبية (^٣٥٦)».
و«تعجيل المنفعة في الأئمة الأربعة» أصحاب المذاهب.
و«فهرست مروياته» في مجلد كبير.
و«الماعون في الطاعون».
و«شرح سيرة النظم وكلام الناس في المسألة الزيجية في الطلاق، سماه … (^٣٥٧) إن كمل يكون عديم المثيل، وقد وصل في سنة ست وأربعين وثمانمائة في الأمالي البيبرسية خاصة مناهزة المجلس الثمانمائة، أحسن الله عاقبته. آمين.
*** وهذا (^٣٥٨) دون ما أملاه في الشيخونية والمنكوتمرية والسّفر، وقد كنت تظمت منها جملة في قصيد في العينية التي أشرت إليها قبل في قولي بعد ذكر الشرح:
_________________
(١) في السليمانية وتونس «في».
(٢) في السليمانية وتونس «الظلال».
(٣) كلمة غير مقروءة لكن وردت في نظم العقيان ص ١٤٨ «المرحمة الغيثية بالترجمة العينية». أما في تونس فجاءت كالآتى «الترجمة العينية بالترجمة اللبية».
(٤) فراغ بقدر ثلاث كلمات في نسخ المخطوطة.
(٥) كلمة «وهذا» ساقطة من الأصل.
[ ١ / ١٥٠ ]
وتعليق تعليق البخارىّ مبدع … فليس يجارى في الذي هو يصنع
وتقسيمه فيما حواه كتابة … إصابة تمييز الصحابة أبدع
وتهذيب تهذيب الكمال كماله … شهير كمثل الشمس في الأفق تلمع
وتطريقه للعشرة الكتب روحه … بوسط سماء الحفظ يرعى ويرتع
وديوانه للشعر فيه عجائب … لها فوق متن الفرقدين تفرّع
ثلاثون سفرا هذه الستة ارتقت … كبارا، وذو الإكرام يعطى ويمنع
وكم من تصانيف له طال حصرها … عليّ، وموج البحر لا يتجمّع
وقد طال نظمى قاصرا عن مقاصدى … وباعي ضئيل عن مقامك يدفع
فيا شيخ لسلام اغتفر لي فإنّه … بفكرى ردئ ضيق، وعفوك أوسع
ودم في علاء آخر الدهر سرمدا … وكن في هناء دائما نتمتع
*** وكتب (^٣٥٩) على حواشي نسخته لطبقات الفقهاء للقاضي تاج الدين السبكي زيادات كثيرة جدا، نقلها صاحبنا القطب الخيضرى، وكتب طبقات افتخر فيها بالزيادة على السبكي. وغالب زياداته من تلك الحواشى ولم يعزها- أو أكثرها-إلى مقيّدها.
وهذه المصنفات-كما ترى-يضيق الزمان عن نسخها فكيف بتصنيفها، لكن أعانه الله على ذلك بنيّة جميلة وهمة عليّة وبنية قوية، وبدن صحيح، وسمع شديد، وبصر حديد، ورأى سديد، وكتابة سريعة، وفكر صقيل، وحفظ جليل، وكتب لم تجتمع لغيره (^٣٦٠) ولا قريب منها، فكلها تزيد-ملكا ووقفا (بما في مدرسة (^٣٦١) محمود التي إليه أمر خزانتها) -على عشرة آلاف
_________________
(١) أمامها في هامش تونس «تذييل على طبقات السبكي».
(٢) أمامها في هامش تونس «كثرة كتبه في مكتبته».
(٣) أنشأ جمال الدين محمود بن علي الأستادار المدرسة المحمودية في سنة سبع وتسعين. ويقول المقريزي إنه رتب بها درسا وعمل فيها خزانة كتب. ولا يعرف اليوم بديار مصر والشام مثلها وهي باقية إلى اليوم وتقع هذه المدرسة بخط الموازين خارج باب زويلة تجاه دار القردمية ويشبه أن موضعها كان في القديم من جملة الحارة التي كانت تعرف بالمنصورية. وهذه المدرسة من أحسن مدارس مصر-كما جاء في خطط المقريزي ج ٤ ص ٢٤٢، كما أنها تعرف بجامع الكردي كما ورد في الخطط الجديدة ج ٦ ص ٣٧.
[ ١ / ١٥١ ]
مجلد، عنده من الكتاب الواحد عدة نسخ، يراجع كلا منها بل ويراجع أصولها وأصول أصولها، ما بينه وبين الكلام إلّا أن ينظره فيعرف من أين أخذه قائله، ومن أين أخذه (^٣٦٢) ذلك المأخوذ منه، فعله في ذلك يشبه القيافة (^٣٦٣).
ومما شاهدت منه في هذا من الغرائب أنى قرأت عليه في شوال سنة (^٣٦٤) ست وثلاثين [بقرية] جبريل (^٣٦٥) من قرى حلب: «الأربعين حديثا» تخريج علي بن سلمان الناصري من مسموعات أبى عبد الله محمد بن أحمد بن إبراهيم بن المجير (بالياء التحانية)، ولم يكن معه إذ ذاك كتاب يشغل بمطالعته وقته، فأخذ الجزء منى فنظر فيه فعرف من أين خرجت تلك الأحاديث لابن المجير، فساق من حفظه إلى كل جزء أو كتاب خرج منه حديثا منها اسنادا لنفسه أعلى من إسناد الأصل، ولم يخف عليه من ذلك سوى الحديث الرابع، عرف أنه من أحد معاجم الطبراني ولم يعلم من أىّ معجم، والحديث السابع عشر عرف أنه من مجالس الفخري ولم تحفظ ذلك الوقت إسناده إليه.
وقرأت عليه بتلك الأسانيد التي خرّجها بحضوري من كان هناك من علماء حلب، وهذا أمر كما ترى مدهش.
ولقد كثر نفع الطلبة بما آل إليه أمره من الكتب، فما رأيت من يماثله في ذلك ولا يدانيه، حتى أنه ليعير من لا يعرفه بعض مصنفاته التي بخطه وغير ذلك من مصنفات من قبله، ولا يستخبره عن اسمه، وتضيع له بسبب ذلك كتب فيحتسبها، وربما باعها من أخذها فيسمع بها فيشتريها ولا يؤذى أحدا، ولا يكفّه ذلك عن الإعارة.
_________________
(١) في الأصول «يأخذه».
(٢) القيافة بكسر القاف هي تتبع الأثر، انظر القاموس المحيط مادة قوف.
(٣) كان ابن حجر في هذه السنة في سفرته مع السلطان برسباى في حملته إلى آمد، ولكنه تخلف في حلب.
(٤) وقد يقال. قورسطايا بضم القاف وسكون الواو وفتح الراء وسكون السين المهملة وطاء مهملة والف وياء والف، من قرى حلب من ناحية عزاز ويعرف أيضا بجبرين الشمالي. راجع في ذلك: ياقوت معجم البلدان، مجلد ٢ ص ٩٩ - ١٠٠.
[ ١ / ١٥٢ ]
وهو أعجوبة في سرعة الفهم، وغاية في الحفظ، وآية في حسن التصور، له حدس يظن أنه الكشف، وفكر كأن دقّته خفىّ اللّطف، وتأمّل يرفع الأستار عن غوامض الأسرار، وصبر متين، وجلد مبين، وقلب على نوب الأيام ثابت، وجنان من صروف الدهر غير طائش، وشجاعة متقنة، يتجرع الغصّة، وينتهز الفرصة، وعزم برويّة، وجزم يزينة اتقاد العزم، وما أصدق قولي في مناسبة كثير من صفاته لاسم أبيه:
وكم خلق في شيخ لسلام عزوه … إلى اسم أبيه من جمال جلاله
فنسبته منه رزانة عقله … وما حازه من صبره واحتماله
وذهن كنار قد ورت، ولجسمه … جلاد قوى مثل قلب جداله
وخشيته لله تعلو، وبذله … أجلّ، وفيض العلم أعلى كماله
لازمته حضرا، وصحبته سفرا، فرأيت منه الغرائب.
كان الأتراك سنة ست وثلاثين (^٣٦٦) يتعجبون منه في قوة صبره على شدائد السّير، يركب البغل مرة والهجين أخرى ويثنى رجله على كوره (^٣٦٧)، ويسبق فينزل إلى الكتابة والمطالعة حيث يترك غيره إلى النّوم والراحة، ولا يقطع قيام ثلث الليل الآخر مع جهد ذلك السفر العنيف.
أوقاته مشحونة بالأشغال، قد جعل نصب عينيه أن هذه الدنيا دار ليس فيها راحة، فخفف ذلك عنه كل تعب، فهو لا يمكث لحظة بغير عمل.
بلغني أنه ذهب مرة إلى مدرسة محمود ليكشف عن شئ فلما وصل تذكّر أنه نسي المفتاح فأرسل من يحضر نجارا ليفتح الباب، فقام يتنفّل بالصلاة حتى جاء.
لا تشغله النزهة عن عمل ما يعمله في البيت، وربما التمس منه أكابر أصحابه البطالة حينئذ فيقول: «ما فائدة ذلك إلا محادثتكم ومشاركتكم في جميع ما أنتم فيه لا ما أنا فيه، وفلا يفوتهم شئ من أنسه. لا مثل لملكته
_________________
(١) أي سنة مصاحبته للسلطان برسباى في حملته على آمد سنة ٨٣٦ هـ.
(٢) «الكور» هي الرّحل يسافر عليه المرء.
[ ١ / ١٥٣ ]
في ذلك، شاهدته-وهو يتحدث-يكتب على الفتاوى أو يصنف أو يسمع ويرد على القارئ ما ينبغي رده، قلّ أن يمضى يوم له لا يكتب فيه في المجلس الواحد على نحو عشرين فتوى أو أكثر، هذا مع أشغاله الكثيرة التي شرحها في قوله، وقد ألغز إليه الشريف صلاح الدين الأسيوطى في «العقل» في قصيدة منها (وقد أنشدني جميع القصيدة في سنة سبع وثلاثين):
ألا يا ذوى الآداب والعلم والنهى … ومن عنهمو طابت صبا وقبول
فديتكموا (^٣٦٨) لولا نفيس نفوسكم … يصونونه، كيما يعزّ وصول
فإنّى رأيت الفضل قد صار كاسدا … على أنّ أهليه إذن لقليل
فعن رؤوساء الوقت عدّ، وجلهم … فليس إلى حسن الثناء سبيل
ولا تنس أنباء الزمان، فشرح ما … يسوؤك منهم أنه لطويل
ومنها:
خبر تهموا قدما فما فيهمو وفا … وعندهمو في الأفضلين فضول
سوى صاحب يا صاح بي مترفق … وذاك له بين الضلوع مقيل
يحقّ له منّى الصيانة، إنه … قئول لما قال الكرام فعول
يصاحبنى في القبض والبسط دائما … وليس له بين الأنام عديل
ومنها:
وليس بجسم مع جهالة قدره … على أنه للجسم سوف يؤول
وفي الطرف تلقاه، وبالقلب ساكن … وليس لمثل القلب عنه ذهول
إذا انفض-ممن قد جنى-عنه لم يكن … وفاء، وقد صحّت بذاك نقول
له ذمة كالنفس كاملة إذن … وجوبا على الجانبين حين يجول
ويحسب طرف منه نصف جمعه … وفي جمل الحسّاب فيه فضول
وزاد على حد الثلاثين ثلثه … وفيه معان في البيان تطول
_________________
(١) هذا البيت ساقط من نسخة السليمانية.
[ ١ / ١٥٤ ]
فكتب إليه هذين البيتين يعتذر عن عدم حله:
لك الخير: لي قلب بشغلى ممتل … وجسم انتحالى للقريض نحيل
فعذرا فما أخّرت نظم جوابكم … لبخل ولكن ما لي إليه سبيل
فأرسل إليه يكرر السؤال ويقول إنه لا بد من ذلك بأبيات منها:
ومثلك لا يعيى بفكر تحلّه … فأنت مليء بالجواب (^٣٦٩) كفيل
أيا سيّدا سادت معاليه رفعة … وجرّت لها فوق السّماك ذيول
لكم في العلا والفضل أىّ نباهة … وللضد عند العارفين خمول
أتاني لغز منك للعقل مدهش … قئول لما قال الكرام فعول
تنظّم في سلك البلاغة دره … وكم لك عندي في القلائد لولو
تقول جوابا باعتذار تهكما … لأنت مليء بالجواب كفيل
تنظّم كان لي ميل إلى الشعر برهة … وأبكار فكرى ما لهن بعول
فشعّب منّى فكرتى عبء منصب … تحمّلته في كاهلىّ ثقيل
وفصل قضايا، في تفاصيل أمرها … فصول، وكم عند الخصوم فضول
ومجلس إملاء وخطبة جمعة … ودرس وتعليل له، ودليل
حديث، وتفسير، وفقه: قوامها … عقول تعاني فهمها ونقول
لمستنبطات الفكر مستنبطاتها … نزور، فإن لم أضبطنّ تزول
وطالب إسماع، وفتيا، وحاجة … وطالب علم في البحوث سئول
وكلهمو يرجو نجاح مراده … ويصخب ان أرجأته ويصول
وهذا إلى أوقات يوم راحة … وأكل، وشرب يعتريه ذهول
وفي نفس ترويح لنفس أجمّها … وتأنيس أهل هزلهن هزيل
وأمر معادى رحت فيه مفرّطا … وأمر معاشى قد حواه وكيل
ولا تنس أنباء الرسائل إنهم … متى عوقوا نحو العقوق يميل
وأما مداراة الأنام وشرح ما … أعانيه منها، فالكلام يطول
_________________
(١) ورد بعد هذا في الأصول العبارة التالية «فقال الحمد لله واهب العقل» ثم تابع بعد ذلك ما بالمتن.
[ ١ / ١٥٥ ]
فهل لامرئ هذى تفاصيل أمره … فراغ لنظم فارع فيقول
وأنّى ترى من ليس للشعر شاعرا … مطيع مفاعيل له وفعول
ولست الذي ترضى سلوك خلاف ما … يدلّ عليه العقل وهو خليل
فأنظم ما لو قاله الغير منشدا … لعاد، وسيف الطّرف عنه كليل
فعذرا فما أخّرت نظم جوابكم … لبخل، ولكن ما إليه سبيل
وقد صحّ قولي أن قلبي ممتل … وجسم انتحالى للقريض نحيل
ولا تلح نظم المستعين بمن مضى … بهدم، وتضمين عليه بخيل
فإن أنت لم تعذر أخاك وجدته … وإيثاره للصبر عنك جميل
ولغزك في القلب استقرّ مقامه … وثلثاه للقلب الذكي مثيل
نفيس فإن قلّبته فنفوس من … يعاني الصّبا ظلت إليه تميل
وقلّبه أيضا تلق عون مسافر … يطيب إذا هبت عليه قبول
لقيت صلاح (^٣٧٠) الدين يقمع بالنهى … فسادا له في الفاضلين دخول
ولم لا يحوز العقل أجمع سيد … -فأخبره عمّا له-وعقيل
*** وهو كثير الصوم، قليل الأكل جدا، شديد التحرّى في المطعم، لا يأكل من هدايا الإخوان ولا من مرتبات السلطان (^٣٧١).
كان في السفر يشترى له من ماله ما يشتهى من دجاج وغيره، وربما فنى ذلك في المفازة فيبلّ البقسماط ويأكله بسكر أو نحوه، ومن معه يأكلون اللحم المرتب له على السلطان على السفرة (^٣٧٢) التي يأكل عليها.
ما رأيت أكظم منه للغيظ بحيث إنه لا يظهر عليه الغضب إلّا نادرا، ولا أجلد على ريب الزمان، يتلقّاه بصدر واسع، ويظهر البشاشة حتى يظن من لا خبرة له به أنه سرّ بذلك، فيستعين على الشدائد بالصبر والصلاة. حدّثت أنه
_________________
(١) هو الشريف صلاح الدين الأسيوطيّ الذي سأله ملغزا.
(٢) أمامها في هامش تونس «لا يأكل من مال السلطان».
(٣) السفرة بالضمّ كما جاء في معجم البستاني طعام يقدم للمسافر.
[ ١ / ١٥٦ ]
كان مرة مع أصحابه فوق الأهرام فرأوا أناسا قد أحاطوا بدوابهم وغلمانهم فلم يشكّوا أنهم قطاع (^٣٧٣) [طرق] فاشتد جزع رفقته، وأما هو فقام يصلى فكشف الأمر عن أنهم مازحون، وكفاهم الله تعالى السوء.
وهو الآن رأس المسلمين في جميع أقطار الأرض، غير منازع في ذلك في إقليم من الأقاليم ولا مدافع، رحل إليه الناس من أقاصي البلاد، وأشربت محبّته في قلوب جميع العباد.
مدحه الناس وأطنبوا، وأرقصوا بما اخترعوا من دقيق المعاني وأطربوا، ولو جمع ذلك لكان مجلدات كثيرة، [منهم: الشاعر الشيخ شمس الدين النواجى أديب عصره] (^٣٧٤).
يقصده كلّ سنة بقصيدة ينشدها المنشد في رمضان يوم ختم البخاري، سوى ما يقوله في أثناء العام لعارض يعرض، ومن هذا ما قاله وقد قرأ شخص من أصحابه الموطأ، وأنشده المنشد في المدرسة البيبرسية في عقب الإملاء في شهر (^٣٧٥) سنة أربع وأربعين بحضوره، وسمعته عليه:
نفس على هام الكواكب تشرف … وحلا أرقّ من النسيم وألطف
يا واحد الدنيا الذي عزماته … حلف الزمان بمثلها لا يخلف
كم رام بدر التّم دهرا وجهك ال … وضّاح حسنا، فاعتراه تكلّف
لا شك فيك من الإله سريرة … بالبشر من صفحات وجهك تعرف
حمّلت أعناق الرجال (^٣٧٦) صنائعا … عن بعض أيسرها نكلّ ونضعف
ومدحت أرباب البيوت بدائعا … بحلى معانيك الحسان تزخرف
لله درّك من سبيل مآثر … بأثيل محتده العلا تتشرّف
شهم، أبىّ، جائد، متفضل، … ندب، وفىّ، زاهد، متعفف
_________________
(١) كلمة «طرق» ساقطة من الأصلين.
(٢) الإضافة تفسير لما هو لا حق.
(٣) فراغ في الأصول بقدر كلمتين.
(٤) في السليمانية وتونس «الكرام».
[ ١ / ١٥٧ ]
ورث السيادة (^٣٧٧) لا أقول كلالة … بل ذاك مجد عن أبيه مخلف
رحب الحظيرة في العلوم مبصّر … في الحكم لا أنف ولا مستنكف
يبدي الترفع حيث شام فأمره … شمس، ويرفق بالضعيف ويرؤف
أبدا ينزّه طرفه في روضة … أطيار فكرته عليها عكّف
ويكاد صدر الطّرس يخبره بما … فيه، وتنطق في يديه الأحرف
وإذا الفقير شكى إليه ظلامة … رفّت أنامله الكريمة تكشف
هو سيبويه زمانه، وعلومه … «عين» الخليل لنحوها تتشوّف
فأبو عبيدة لو تأخر عنه لم … ينسب إليه في الغريب مصنّف
ولو ابن عصفور رآه لطار من … فرح وعاد إليه وهو يرفرف
بأداة الاستقبال لم يك ناطقا … وبأحرف الشفتين ليس يسوّف
بل أمره في الحال يرجع ماضيا … حتما، وفعل نواله متصرّف
قد حاز معرفة ووزنا من ندى … كفّ، فعن رتب العلا لا تصرف
وإذا وجوه المكرمات تنكّرت … ناداه نشر عطائه يتعرّف
لا عيب في علياه الّا أنه … يحبو بما ملكت يداه ويتحف
وإذا تعذّر ماله عن طالب … رفدا، تراه لذا وهذا يضعف
لا يخلف الميعاد أصلا بل يرى … أنّ الاله عليه حقا يخلف
كلف بأمر الدين لا يلوى على … ما فات من دنيا ولا يتأسف
وله إذا سدل الظلام (^٣٧٨) رواقه … عين تسهّده ودمع يذرف
فألذّ ما يتلى عليه: كلام خا … لقه، وأشهى ما إليه: المصحف
يا كعبة الجود الذي بلثامه … تسعى الوفود ندا، ولا تتوقف
ويطوف حول البيت منه كأنه … للفصل ما بين الخلائق موقف
بمنى التي وقفوا، وفي حرم الهنا … عكفوا، وبالحجر المكرّم أتحفوا
_________________
(١) في السليمانية «السلالة».
(٢) في تونس «الزمان» وأمامها في الهامش بخط الناسخ «لعلها الظلام».
[ ١ / ١٥٨ ]
بالعلم والحلم اشتهرت فقل لنا … هل أنت أحمد عصرنا أم أحنف (^٣٧٩)
وبحسن خلقك حيث (^٣٨٠) راح موطأ … أصبحت فينا مالكا تتصرف
أم نقش خاتم نقش خاتم كفكم … بهما الجناس يروق وهو مصحّف
يا حافظ الاسلام من لدد ومن … نزعات خصم كيده مستضعف
لك منطق جزل، رصين اللفظ لا … متكلف لسنا ولا متعسّف
برد بسفساف الكلام إذا انتضى … حد لنحلة حائد يتفلسف
ما زلت تحمى شرع سنّة أحمد … وبه تذبّ عن الحديث وتصرف
حتّى أعدت الحقّ أبيض أبلجا … لسنا (^٣٨١) يكاد البرق منه يخطف
وقفوت أثار الرجال فلم تدع … لهمو طريقا فيه ما يتخوّف
وبمجلس الإملاء كم أسمعتنا … دررا بها أذن الرّواة تشنّف
وإذا أتيت بطرفة شهد الورى … حقا بأنك يا إمام مطوّف
و«بنخبة الفكر» انتخبت طريقة … غرّاء يعرف فضلها من يعرف
و«بفتح باريك» اعتنيت فكلهم … من فيض فضل علومكم يتلقّف
وعنيت بالذهبىّ في ميزانه … بالنقد فيما بهر جوه وزيّفوا
حركت فيه لسان علم مصلتا … كالسّيف يرهبه الحسام المرهف
لا غرو أن يقضى بقطع نزاعهم … فاللفظ عضب واليراع مثقّف
يا شيخ لسلام الذي أفكاره … أبدا بها شمل العلوم مؤلّف
من بحر جودك قد نظمت قصيدة … زهر البلاغة من حلاها يقطف
حاكت بصنعاء القريض برودها … وأتت تجر المرط وهو مفوّف
_________________
(١) يقصد الشاعر بذلك الأحنف بن قيس، التميمي الأب، الباهلي الأم الذي عرف بالحلم واشتهر به، وقد قيل إنه أدرك النبي ولكن لم يره، وكان مشهورا إلى جانب حلمه بالعقل وحسن السمت. وفي تاريخه أنه اعتزل الحرب بين على وعائشة ﵄ في واقعة الجمل وأنه شارك في صفين مع الإمام على وكانت وفاته بالكوفة سنة سبع وستين: انظر ابن الأثير: أسد الغابة ١/ ٧٧، ترجمة رقم ٥١.
(٢) هذه الكلمة ساقطة من السليمانية.
(٣) في السليمانية وتونس «بسنا».
[ ١ / ١٥٩ ]
لطفت معانيها فأغنى عينها … لك من كوى طاقاتها تتشوف
وتمايلت مرحا فلولا نسبة … لكمو لقيل ثنى المليحة قرقف
هي بهجة للشمس إلّا أنها … تسمو بعلياء الشهاب وتشرف
طوقتنى بالجود منك فلم أزل … بعلاك في فنن البلاغة أهتف
وكسوتنى حلل الجمال فها أنا … لكمو مريد في الورى متصوّف
لي فيك حسن تخضّع وتذلّل … ولكم علىّ تحنّن وتعطّف
فو حق فيض نداك وهو أليّتى … ويحقّ لي أنّى بذلك أحلف
مالي إلى أحد سواك تلفت … كلا، ولا لي عن جنابك مصرف
وعلى محبتك الخلائق أجمعوا … كلا، فما أحد عليك يعنّف
لا زلت (^٣٨٢) في أمر المهالك قاضيا … وشهاب علمك بالفضائل يسعف
ويحفّك البدر المنير بطلعة … شمس الظهيرة من سناها تكسف
والله يكلؤكم بعين عناية … منه، ويحفظكم لديه ويزلف
يا ربّ واحشرنى بزمرته إذا … هاجت سعير لظى وهال الموقف
فبجاه أحمد لم أزل متشفّعا … من مالك، وبدينه أتحنّف
صلّى عليه الله ما ذكر اسمه … لهج، فهام إليه صبّ مدنف
واتفق في إنشادها عجيبة وهي أن الذين معهم الخلعة ألبسوها للمنشد عند قوله «هي (^٣٨٣) بهجة للشمس» البيت، مع أن عادتهم فعل ذلك بعد إلقاء القصيدة، فلما أتى البيت الذي فيه «متصوف» (^٣٨٤) كان له وقع عظيم.
*** ومن ذلك قولي و[قد] ذكرت فيه خمسة عشر عينا: هي للعين:
ولقد سبقتني ذات عين عينا … تركت منامي لم يزرني عينا (^٣٨٥)
_________________
(١) هذا البيت ساقط من السليمانية.
(٢) انظر أعلاه، ص ١٤٢، س ٣.
(٣) راجع نفس الصفحة، السطر الخامس.
(٤) في تونس فوقها «مقلة».
[ ١ / ١٦٠ ]
كتبت إلىّ سعاد بيتا ألغزت … فيه اسمها، فلثمت منه عينا (^٣٨٦)
رفعت بأطراف البنان لثامها … فظننت أن الشمس أبدت عينا (^٣٨٧)
وأتت إلىّ تضمنى مذ غيّبت … عنّا الليالي من أتانا عينا (^٣٨٨)
وصفت لنا الأيام لولا حاسد … عاد اجتماع الشّمل منا عينا (^٣٨٩)
فغدا غراب البين ينعق في الحمى … فأعاد في ميزان وصلّى عينا (^٣٩٠)
سرت الحداة بها سحيرا، يا لها … من فرقة أجرت دموعي عينا (^٣٩١)
أطلقت من فرس العنان فلم أجد … أثرا، ولا ألفيت منهم عينا (^٣٩٢)
ليت الركائب قطّعت قبل السرى … لا حرّكت ركب الغوادى عينا (^٣٩٣)
لولا الشهاب لطار قلبي: الحمد … لله الذي في الناس أبقى عينا (^٣٩٤)
قاضى القضاة ومن حكت كفّاه من … هامى السحائب يوم صوب عينا
عمّ البرية جوده لم يأته … أحد وما ملّت يداه عينا
وإذا أردت الشافعي وأحمدا … علما يكون العسقلاني عينا
الفضل والعقل البديع، ودينه … ما مثله في الناس نلقى عينا
أبقاه ربىّ لست أبلغ وصفه … أبدا ولو صنّفت فيه عينا
*** وقولي وقد بنى له ولده القاضي بدر الدين مقعدا عند رجوعه من حلب:
لعمري هذا مقعد الصّدق لامرا … به لحديث المصطفى أيّما ذكر
لقد طاول الأفلاك مجدا ورفعة … فها هو أفق للشهاب وللبدر
***
_________________
(١) في تونس والسليمانية بخط الناسخ من حروف المعجم.
(٢) في تونس والسليمانية فوقها الشمس».
(٣) في تونس والسليمانية فوقها «رقيب».
(٤) أمامها في كل من تونس والسليمانية «مصدر عان».
(٥) في تونس والسليمانية كلمة غير مقروءة ولعله يقصد ما جاء في معاجم اللغة من أن العين «طائر أصفر البطن أخضر الظهر.
(٦) أمامها في تونس «معين».
(٧) في تونس «ضد الأثر».
(٨) فوقها في تونس «عين الركب».
(٩) في تونس «سيدا».
[ ١ / ١٦١ ]
ومن ذلك قول الإمام البارع المفنن الأديب شهاب الدين بن صالح، وقد حصل له رمد مورّيا، وسمعته من لفظه، وكذا ما بعده:
مولاي قاضى القضاة انظر لعبدك من … ضرّ تضاعف حتى صار ضرّين
[و] رمدت (^٣٩٥) فاستهلك الكحال ما بيدي … [إنّى] أصبت على الحالين في عيني
فأجازه بخمسمائة [درهم]
ثم عاوده الرمد فكتب إليه أيضا:
أقاضى قضاة الفضل عطفا فعبدكم … إلى جودكم يشكو تجدّد حينه
فقد مسّه الضّرّ الذي كان مسّه … وعاوده ذاك المصاب بعينه
وكتب معهما هذه الأبيات:
سيدي حنت بنعماكم على … فضلكم احتال صفر الراحتين
جزتموا عيني خمسة … حملتى من خالص النقد اللجين
كنت قد أهديتكم تورية … مذ شكت عيني، تحوى معنيين
فإذا ما عزّزا بثالث … ضمن بيتين وكانا أوحدين
الخمسين تلى سبع مئين … أجازى أم بها مع مائتين
فأجز ما شئت يا أفتى الورى … إنّما مدحك أضحى فرض عين
وكثير من ذلك منشور في هذا المعجم في تراجم قائليه.
*** ورويت له منامات كثيرة عديدة حسنة جدا من أعظمها ما رآه شخص من الأتراك اسمه طغتمر بن عبد الله الناصري البارزى، وليس بينه وبين قاضى (^٣٩٦) القضاة صحبة، ولم يذكر هذا المنام لكثير أحد إلّا بعد صدق هذه الواقعة وهي أنه لما كانت سنة أربعين وثمانمائة وحضر القضاة (^٣٩٧) والعلماء قراءة البخاري في قلعة الجبل عند السلطان الملك الأشرف [برسباى] في رمضانها على عادتهم، تكلم الشيخ أبو بكر المعروف بباكير شيخ الشيخونية
_________________
(١) ورد هذا البيت في الأصول على الصورة التالية: رمدت فاستهلك الكحال ما بيدي ولقد أصبت على الحالين في عيني
(٢) المقصود هذا بقاضى القضاة كمال الدين بن البارزى.
(٣) في نسخة السليمانية «الفقهاء» بدلا من «القضاة».
[ ١ / ١٦٢ ]
مع الشيخ على الرومي في الإيجاب والوجوب، فكفّر الرومىّ باكيرا بالباطل على عادته في بذاءة اللسان والفجور، فأمر السلطان بالدعوى عند شيخنا قاضى القضاة، فأرسل إليه رسولين فركب معهما الرّومىّ إلى بعض الطريق، ثم أراد الهرب فمنعاه، فضرب أحدهما-وهو شريف برجله في رأسه وساق الفرس ليفوتهما فلم يتمكن من مراده، فحمله الخلق (^٣٩٨) على أن نزل عن فرسه ومشى، وادّعى عليه باكير فأنكر، واستكتبه قاضى القضاة خطّه بالإنكار، وطلب البيّنة من باكير، وكان بعض فجّار الأتراك يميل إلى الرومي بواسطة اللسان والمذهب والفجور، وألّبوا كذلك على شيخنا ومعهم قاضى القضاة بدر الدين محمود العيني الحنفي وبقيّة أبناء العجم.
فأنهوا إلى السلطان أنه أهين إهانة زائدة، وأوغروا السلطان على أبناء العرب، فطلب القضاة وأكابر العلماء، وعقد لذلك مجلسا بحضرته، فانتدب إمام أهل المعقول قاضى القضاة شمس الدين البساطى للبحث معهم، فقال العيني: «ليس هذا وقت بحث وإنما جئنا للصّلح».
وأسرعوا في طلب ذلك، فأجابهم باكير فصالحه، وانفصل الأمر على ذلك.
وإنما كان مرادهم به أن يظهروا للأتراك أنه لا حقّ لبكير وإلّا لم يصالح، وأن أبناء العرب ليس قصدهم إلا أذى أبناء العجم، فصدّقهم الأتراك (^٣٩٩) وازدادوا بغضا لهم، وشرع بعضهم يذكر قاضى القضاة بما لا يليق به، فقال (^٤٠٠) طغتمر المذكور:
«اسكت فإني رأيت له مناما عجيبا»، وقصّه عليه، فحكى لي (^٤٠٠) ذلك فاجتمعت به فحدثنا قال:
«لما سار السلطان الأشرف سنة ست» وثلاثين وثمانمائة إلى قتال عثمان بك بن قرايلك بمدينة آمد، ووصلنا إلى مدينة ألبيرة (^٤٠١) وراء الفرات رأيت في
_________________
(١) في تونس «الحنق» بدلا من «الخلق».
(٢) أي السلطان ومماليكه وحواشيه.
(٣) في تونس والسليمانية «لهم».
(٤) هناك ثلاثة مواضع يعرف كلّ منها بالبيرة واحدة منها هي التي وصفها ياقوت في معجمه بأنها واقعة بين القدس ونابلس وقد خرّبها صلاح الدين، ورآها ياقوت بنفسه كما ذكر خرابا حين أخذها الصلاح من الفرنج. أما الثانية فقرب سميساط بين حلب والثغور الرومية. وهناك قلعة ألبيرة وهي أسفل جسر منبج على الفرات، وقال فيها أبو الفدا إنها في حبس قنسرين على الشاطئ الشمالي الغربى بنهر الفرات ويوجد على مقربة منها واد يعرف بوادي الزيتون. انظر ذلك بالتفصيل اعتمادا على المصادر العربية في Le-Strange:Palestine Under The Moslems P .٤٢٣.
[ ١ / ١٦٣ ]
المنام ليلة السادس والعشرين من شهر رمضان تلك السنة، كأنّي دخلت مسجدا صغيرا وفيه شيء كأنه قبر محجّر عليه بخشب، وفي ذلك الخشب طاق، وإلى جانب التحجير نعش من خشب أبيض (^٤٠٢) بأربع قوائم، وعلى ذلك النعش شخص ممدود، عليه ثياب بيض شديدة البياض بحيث أنها لا تشابه ثياب أهل الدنيا كأنها أكفان، وليس من جسده شيء يرى، وإلى جانبه أشخاص ألوانهم خضر.
وكان قاضى القضاة ابن حجر في محراب ذلك المسجد يصلّى إماما، ووراءه السلطان من جهة اليمين، وقاضى القضاة الباسطى المالكي من جهة اليسار يصليان مأمومين به، فأدركت معهم بعض الصلاة ولم أعلم أي صلاة هي.
فلما سلّمت قمت فوضع بعض أولئك الأشخاص أيديهم على كتفي وقالوا: «أما تعرف هذا؟».
«وأشاروا إلى ذلك الذي على النعش فقلت: لا، فقالوا: هذا رسول الله».
واستدار ابن حجر فدعى، ثم قام البساطيّ فجاء إلى النبي ﷺ ومدّ يده إلى صدر، النبي ﷺ ففرج بين الأكفان يسيرا، وأخذ من هناك يا سمينا بحسب ما قدر يقبضه بكفه، ثم تأخّر وشرع يقرّبه إلى أنفه ويشمه، ثم يمد يده ثم يردّه إلى أنفه ويشمه، وتناثر من يده من ذلك الياسمين خمس زهرات أو ست، ثم قام ابن حجر إلى النبي ﷺ فقبّل صدره، وشرعا يتكالمان [بكلام] لم أسمع أحسن منه ولا ألذّ.
غير أنى لم أحفظ منه شيئا، واستمرا على ذلك زمانا طويلا لعله مقدار ما يطبخ الانسان لحما وينضجه، ثم أدخل يده الواحدة تحت كتف النبي ﷺ والأخرى تحت وسطه، فأدخله إلى ذلك المكان المحجر من تلك الطاق من جهة رجلي النبي ﷺ، والمكالمة مع ذلك مستمرّة حتى استيقظت وقت التسبيح وهما على ذلك.
_________________
(١) كلمة غير واضحة في الأصول.
[ ١ / ١٦٤ ]
قلت: من إمارات صحة هذه الرؤيا ظهور بركتها صبيحة الليلة التي رؤيت فيها، فانّ الأشرف كان قد أخذ قاضى القضاة ليكون معه في حصار آمد، فأذن له في ذلك اليوم بالعود إلى حلب من غير أن يسأله في ذلك أحد.
قال شيخنا: «ولعل من إمارات صحته موت البساطى بعد ست سنين من هذه الرؤيا على [عدد] (^٤٠٣) زهر الياسمين الذي سقط، فإنه مات في رمضان سنة اثنتين وأربعين، وربما يكون الذي في يده تتمة بعدد مضى من عمره من السنين إذ ذاك، والله أعلم. انتهى.
قلت: وأنا والله أخاف أن يكون تأويل إنزال شيخنا للنبي ﷺ إلى ذلك الذي يشبه القبر الدلالة على قرب الساعة بأن شيخنا يدفن بموته علم السّنة ولا يقوم بعده به أحد، والعياذ بالله.
ومن ذلك ما حدّثنى [به] (^٤٠٤) العلامة الشيخ برهان الدين بن خضر (^٤٠٥) ليلة السبت ثالث عشر رجب سنة ست وأربعين، قال: «حدثني زين الدين أبو بكر يحيى المنوفى الخياط يوم الجمعة ثامن عشر الشهر المذكور أنه رأى في ليلة ذلك اليوم الإمام الشافعي ومعه ثلاثة أنفس، فسأل عن ممشاه فقيل له إنه ذاهب إلى ابن حجر يسلم عليه». قال: «فتوجهت معهم إلى أن أتى إليه ولاقاه قاضى القضاة فتسالما وتعانقا، ثم رجع الشافعىّ فسألته الدعاء وشكوت إليه حالي فقال: رتّبوا له رغيفين في كل يوم»، فاستيقظت.
ثم سمعنا بعد حكاية البرهان لي هذا المنام أنّ السلطان عزل العلاء القرقشندى من تدريس مقام الإمام الشافعي وفوّض أمره إلى قاضى القضاة في يوم الجمعة الذي رؤى المنام في ليلته، وقال البرهان إنه لم يسمع ذلك قبل حكايته لي هذا المنام، وهذا من أغرب الرؤى وأسرعها: وقوع تأويل وأصدقها.
_________________
(١) الإضافة التي بين المعقوفتين من عند المحقق.
(٢) إضافة يقتضيها سياق الكلام.
(٣) هو إبراهيم بن خضر بن أحمد بن عثمان، وسترد ترجمته هنا فيما بعد رقم ١٥٨، كما ترجم له السخاوي في الضوء،١/ ٤٣ - ٤٤ وأشار إلى أنه لازم ابن حجر حيث انفرد بقراءة فتح الباري عليه عاما وأنه مات سنة ٨٥٢.
[ ١ / ١٦٥ ]
وفي يوم الاثنين ثاني عشر الشهر خلع على قاضى القضاة بذلك فتوجّه إليه للتدريس، وحضر ذلك المقام الشريف الناصري محمد ولد الملك الظاهر [جقمق] والقضاة وجميع أركان الدولة، وكان مجلسا عظيما؛ وقع الكلام فيه على خطبة الرسالة للشافعي، فذكر نسبه وما يسعه ذلك الوقت من مناقبه وغير ذلك.
*** ومدحه الشهاب أحمد بن صالح بقصيدة طنانة وأشار فيها إلى الرؤيا.
سمعتها من لفظه، وهي:
لواحظه تجنى، وقلبي يعذّب … ولا سلوتى عنه ولا الصبر يعذب
غزال بجفنيه من السّقم كسره … على أخذ أوراح البرية تنصب
غرير، كحيل الطّرف، أسمر، أحور … أغنّ، رخيم الدّل، ألعس أشنب
إذا ما بدى أو ماس، أو صال أو رنا … فبدر، وخطّى، وليث، وربرب
خذوا حذركم إن طال كاسر جفنه … فكم صاد قلبي منه بالهدب مخلب
هو الشمس بعدا في المكان وبهجة … ولكنه عن ناظرىّ محجّب
تعشّقته حلو الشمائل أغيدا … يكاد بألحاظ المحبّين يشرب
وأسكنته عيني التي الدّمع ملؤها … وهيهات يرضيه خباها المطنّب
عجبت لماء الحسن فاض بخدّه … على أنّ فيه جمرة تتلهّب
وأعجب من ذا أنّ نبت عذاره … بأحمر تلك الحمر أخضر مخضب
لئن كان منه الوجه أصبح روضة … ففيه رأيت الحسن وهو مهذّب
وإن كنت يا قلبي سعيدا بحبّه … فإنّ عدولي في هواه المسبّب
وإن طاب في وصف الغزال تغزّلى … فإنّ ثنا قاضى القضاة لأطيب
هو المشترى بالجود بيتا من العلا … يبيت السّها ساه له يتعجّب
[ ١ / ١٦٦ ]
شهاب رقى العليا بصدق عزائم … فلا مطلب عنه من الفخر يحجب
وحاز سهام الفضل من حيث قد غدا … قديما لأعلى كتّابيه ينسب
أبو الفضل لا ينفكّ بالعقل مغرما … ولا عجب أن يفتنن بابنه الأب
بنو حجر، بيت علاء، وأحمد … له كعبة حجّوا لها وتقرّبوا
لأعجب ممّا يحمد الناس قوله … ولكن وفاق الاسم والعقل (^٤٠٦) أعجب
له راحة لو جادت الغيث في الندى … تقطّر في آثارها وهو متعب
ألم تر أنّ السحب أمست من الحيا … إذا ما بدى منه الندى تتسحّب
ويجلى دياجير الخطوب يراعه … فلله منه في دجى الخطب كوكب
ويبرق ما بين البنان كأنّه … سنا بارق من خلفه الغيث يسكب
يدير طلا الإنشاء صرفا فننتشى … ويسمعنا شدو الظّريف (^٤٠٧) فنطرب
له الله من عالي السجيّة عذبها … كما انهلّ من صوب الغمائم صيّب
تجانس رياه: البديع ولفظه … فيا حبّذا في الحالتين التأدّب
طباع من الصهبا أرقّ، ومنطقّ … إلى الصبّ (^٤٠٨) من ريق الحبائب وأعذب
روى عن سجاياه السّجيّات سهلها … وعن سطوات الناس حدّث مصعب
ليهن الإمام الشافعيّ بأحمد … فتى ماله إلّا الفضائل مذهب
إمام لأشتات البلاغة جامع … يقاس بقسّ حين يرقى ويخطب
فقيه إذا رام الكتابة طالب … يفيض عليه من عطاياه مطلب
وقد حفظ اللّه الحديث بحفظه … فلا ضائع إلّا شذى منه طيّب
وما زال يملى الطّرس من بحر صدره … لآلئ إذ يملى علينا ونكتب
وأظهر في «شرح الصحيح» غرائبا … يشرّق طورا ذكرها ويغرّب
«وبارؤه» بالفتح منه أمدّه … ونال بحسن الختم ما كان يطلب
_________________
(١) في تونس «والفعل».
(٢) يقصد بذلك الشاعر المصري المعروف بالشاب الظريف.
(٣) في تونس والسليمانية «الصيب».
[ ١ / ١٦٧ ]
وكم فيه من باب يدلك أنّه … لسبل الهدى باب صحيح مجرّب
ولم أنس إذ بالتّاج والقرط تجتلى … عرائسه، والحسن لا يتحجّب
وأجمع من فوق البسيطة أنه … فريد، بجهل الحاسدين مركّب
أسيدنا قاضى القضاة ومن به … تهنّى ولايات، ويغبط منصب
ويا واحدا قد زاد علياه أربع: … تقى، وعلوم، واحتشام، ومنصب
تولّيتها (^٤٠٩) بالعلم لا الجاه رتبة … غدت بك تزهى من فخار وتعجب
وفي رجب وافت إليك فآذنت … بأنّك فرد في البرايا مرحّب
ومذ كنت أكفى الناس قاطبة لها … أتت بابك العالي لمجدك تخطب
وقد صدقت رأى الامام فأقبلت … تضاحك عنه نحوه وترحّب
لعمري ولو يحيى ابن إدريس برهة … بدت رؤية الرؤيا التي لا تكذّب
وأنت بما ولّيت أولى، وأنت بال … معارف. والمعروف أورى وأوهب
وكلّ غمام غير فضلك مقلع … وكل وميض غير برقك خلّب
نعم، وعلى نعماك نعقد خنصرا … وتقصد في أقسى المساعى وترغب
ونعطى بمغناك (^٤١٠) الغنى، ولأجل ذا … ترانا بموصول المديح نشبّب (^٤١١)
فخذ من ثنائى كالكئوس محبّبا … وكأس الثنا عند الكرام محبّب
بجودك سعر (^٤١٢) الشّعر في الناس قد غلا … إلى أن غدت أوزانه تتسبب
وليس يساوى قدرك العالي الثنا … وإن أوجز (^٤١٣) المداح فيه وأطنبوا
وانّا لنرجو العفو منك لهفونا … فما زلت تعفو حين نهفو ونذنب (^٤١٤)
بقيت شهابا في سما الفضل طالعا … وبدرك وضاح الثّنا ليس يغرب
وعشت بمجد يستجدّ بناؤه … وحسن ثناء عن معاليك يعرب
***
_________________
(١) في بعض النسخ «فأوليتها».
(٢) في السليمانية «وتبقى بمعناك» وفي تونس «ويبقى بمعناك».
(٣) في السليمانية «نشيب».
(٤) في السليمانية «شعر الشعر».
(٥) في السليمانية «وجز» وفي تونس «ارجز».
(٦) في السليمانية وتونس «يهفو ويدنب».
[ ١ / ١٦٨ ]
ومن الغرائب أيضا أن الشهاب بن تمرية (^٤١٥) -وكان يقرأ الدرس للعلاء القرقشندى-رأى في المنام أن الشيخ برهان الدين بن خضر تزوج بزوجته وأنه لم يحصل له من ذلك غيرة، وأنه سأل زوجته عن ذلك فقالت: «أمر قدّره الله»، أو نحو ذلك، فسأل قاضى القضاة أن يكون قارئا بين يديه فقال له:
«عيّنت الشيخ برهان الدين لذلك».
وكان ذلك من غرائب الاتفاق في كون ولاية كل من المدرس والقارئ تأويل منام، قال شيخنا: «ولو ذكر لي ابن تمرية أنه كان يقرأ علىّ من قبل لاستمريت به، فإن لا أحب قطع عادة أحد».
*** ومن ذلك أنى كنت أقرأ عليه المعجم الأوسط للطبراني في سنة ثمان وثلاثين بعد العشاء في المدرسة المنكوتمرية جوار سكنه من حارة بهاء الدين بالقاهرة.
وكان من جهة السّامعين امرأة يقال لها: أمّ محمد فاطمة بنت محمد بن محمد، زوج الحاج محمد النجار الشهير بالعاقل، فحصل لها حالة السماع إغفاء، فرأت عن يمين الكرسىّ الذي كنت أجلس عليه-حالة القراءة-حلقة لطيفه بها رجل مثل مرتد بكساء أو غيره أبيض لامع البياض، وقد سطع نور ذلك الرجل حتى غلب نور الشمعة، قالت: فتطاولت لأنظره وقلت ما هذا فقيل لي: «أما تعلمين؟، هذا رسول الله ﷺ جاء يحضر حديثه»، قالت:
«فأردت أن أصيح بالصلاة عليه، وإذا صياح السامعين قد ارتفع بالصلاة والسلام عليه وزاد ضجيجهم ﷺ وزاده فضلا وشرفا لديه».
«وكان هذا المنام في المجلس الثالث والسبعين، وأوله: حديث مطلب بن شعيب، أنبأنا عبد الله بن صالح، فذكر حديث فضالة بن عبيد» (^٤١٦)
_________________
(١) انظر الضوء ج ١ ص ٢٣٩، و«لعله هو أحمد ابن أبي بكر بن محمد بن محمود، الوارد في الضوء اللامع ج ١ ص ٢٦ ولكنه لم يشر إلى أنه كان يقرأ الدرس عند القرقشندى كما هو وارد بالمتن.
(٢) في السليمانية برسم «عبد» والصحيح أن يقال فيه «عبيد» فهو «فضالة بن عبيد».
[ ١ / ١٦٩ ]
لا تبيعوا الذهب إلّا وزنا بوزن، وفي أوله قصّته، وأول المجلس الرابع والسبعين:
حدثنا مطلب بن شعيب، حدثنا عبد الله بن صالح، فذكر عبد الله بن عمرو.
ومنها ما حدّثنى به الشيخ شرف الدين محمد بن الإمام صدر الدين بن الخشاب، قال:
«حدثتني أمىّ الحاجة بمثل هذه الرؤية أنها رأت أن جماعة دخلوا إلى بيت شيخنا وأحدهم راكب على فرس، فلما وصل إلى الإيوان طأطأت به الفرس حتى وصل قدمه إلى الإيوان فنزل، وبقيت أتعجب من فعلها ذلك ومن دخولها إلى هناك غاية التعجب.
ثم جلس الراكب في صدر الإيوان، وجلس أحد جماعته عن يمينه في زاوية الإيوان، وجلس الآخر في الزاوية اليسرى، وآخر إلى جانب أحدهما، قالت: فسألت عنه فقيل هذا رسول الله ﷺ، وهذا أبو بكر، وهذا عمر، وهذا على ﵁».
*** ولله تعالى به عنايات، منها أن الأشرف [برسباى] برز أمره إلى قاضى القضاة علم الدين صالح بن شيخ الإسلام البلقيني أن يذهب إلى بيت شيخنا فيسلم عليه ويشكر فضله على ما كان الأشرف رسم أن يعطاه من الوظائف التي يستحقّها شيخنا لكونه صار قاضيا، فقال شيخنا: «أما إذ أمر بهذا وصار لمجيئه متحققا فأنا أكون البادئ بالسلام»، فذهب إليه في رمضان سنة .. (^٤١٧)
وثلاثين وقارئ يقرأ على القاضي علم الدين البخاري في مدرسة أبيه، فحدّثنى من أثق به أن شيخنا لما صعد أبواب المدرسة وافق القارئ يقرأ من حديث الاسراء قوله «مرحبا به ولنعم المجيء» وكان لذلك وقع عظيم في القلوب وضجّ الناس له، وبالجملة فهو عين العصر ومن جملة حسنات هذا الدهر.
_________________
(١) في السليمانية وتونس فراغ بقدر كلمة.
[ ١ / ١٧٠ ]
وحصل له رمد فكتبت إليه (^٤١٨):
شفاك إلهي يا إمام زماننا … وهذا دعاء للبرية غامر
رمدت فإنسان الورى عاد أرمدا … لأنك عين للأنام وناظر
نشأت قديما على محبته وما زلت متشوقا إلى لقائه، ويمنعني من الرحلة (^٤١٩) لذلك الإملاق إلى أن كنت في القدس سنة أربع وثلاثين فقدّر الله تعالى ذلك في أمر غريب، وهو أنه حصل لي حاجة في بلد الخليل ﵊، فلما قدمتها احتجت إلى السفر إلى غزّة (^٤٢٠)، فلما وصلت إليها هانت عندي بقية الطريق، وقذف في قلبي السفر بحيث لم أقدر على الرجوع، ولم يكن معي نفقة تكفيني، فدخلت إلى القاهرة وليس معي درهم، فمثلت بين يديه يوم مقدمى وكان يوم الثلاثاء سادس (^٤٢١) عشر صفر من السنة، فحدّثنى من حفظه بالمسلسل بالأولية وهو أول حديث سمعته منه مطلقا، قال حدثنا شيخ الاسلام سراج الدين أبو حفص عمر بن رسلان البلقيني، وهو أول حديث سمعته عليه لفظا، أنبأنا أبو الفتح محمد بن محمد بن إبراهيم الميدومى بشرطه بسنده.
*** ثم لازمته فلم يمض غير يسير حتى عددت من أصحابه الذين يحفّون (^٤٢٢) به ويعلمهم إذا أراد التنزه، وحصل لي منه-ولله الحمد-حظ وافر من الإقبال والعلم والمال والشهرة بين الناس وبالتوقير والإجلال، ولم أزل حريصا على مجالسه حضرا وسفرا إلا أوقاتا يسيرة لا تعدّ قدحا (^٤٢٣) في الملازمة، وسمعت عليه بعد ذلك أسانيد كثيرة جدا للمسلسل، وسمعت عليه بقراءتي وقراءة
_________________
(١) أمامها في نسخة تونس بغير خط الناسخ «ما خاطبه به المؤلف لما رمد».
(٢) أمامها في تونس بغير خط الناسخ «منعه من الرحلة إليه».
(٣) في السليمانية «غزوة».
(٤) الوارد في جدول هذه السنة في التوفيقات الإلهامية ص ٤١٧ أن المحرم كان أوله الثلاثاء.
(٥) في السليمانية وتونس «يخفون».
(٦) مكانها فراغ ولكنها في تونس «قادحا».
[ ١ / ١٧١ ]
غيرى من الكتب الكبار والأجزاء الصغار شيئا كثيرا، وأخذت عنه علما غزيرا، ولازمته طويلا ولم أعدل به بديلا.
وهو كثير المدائح، جمّ المآثر، جليل المناقب، عظيم الفضائل، جميل الفواضل، فلو بسطت القول في محاسنه لكان في مجلدات، ولو استمريت أكتب.
لاستمرت علىّ صفاته تملى، فالله تعالى المسؤول أن يمتّع المسلمين بحياته ويعمّهم ببركاته.
فمن الفوائد التي حفظتها عنه مما كان يجيب به إذا سئل في المجالس من غير مراجعة كتاب مما ظننت أنه ادخر له ولم يسبق اليه بهذا النظام (^٤٢٤) فقيّدته بحسب ما بلغته عبارتى أنه سئل عن الجمع بين قوله تعالى (^٤٢٥) ﴿تَعْرُجُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ وقوله تعالى (^٤٢٦) ﴿يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّماءِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ فقال: الجارّ في سورة سأل «ليس متعلقا بالعروج بل بواقع» أي: أنّ العذاب واقع بالكافرين في اليوم الموصوف وهو يوم القيامة، ولكن المشكل الجمع بين آية «سأل» وبين قوله تعالى (^٤٢٧) ﴿وَإِنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ﴾ فسئل عن الجواب فقال: «يمكن أن يكون مقدار ذلك اليوم في الواقع ألف سنة (^٤٢٨)، وطوله على الكافرين حتى يكون بمقدار خمسين ألف سنة وإنما هو اعتبار ما يحصل لهم من الأهوال ويقصر على المؤمنين باعتبار ما يحصل لهم من المسرات حتى يكون كطرفة عين كما ورد في الحديث، ومثال ذلك في الدنيا الانتظار فإنه يخيّل به أن الزّمن اليسير صار في غاية الطول والاجتماع على المسرات فإنه يظن به قصر الزمن الطويل حتى يتوهم أن اليوم ساعة.
***
_________________
(١) في تونس «التمام» ولكن ورد في الهامش «لعله النظام».
(٢) سورة المعارج، آية ٤.
(٣) سورة السجدة، آية ٥.
(٤) سورة الحج آية ٤٧.
(٥) أمامها في هامش تونس بخط غير خط الناسخ «فائدة: يجمع بين قوله تعالى: ﴿كانَ مِقْدارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ وقوله ﴿أَلْفَ سَنَةٍ﴾».
[ ١ / ١٧٢ ]
ومنها بحثه المرقص (^٤٢٩) المطرب في إثبات البسملة: آية من الفاتحة أو نفيها، ومحصّله النظر إليها باعتبار طرق القراء فمن تواترت في حروفه آية من أول السورة لم تصح صلاة أحد بروايته إلّا بقراءتها على أنها أية لأنها لم تصل (^٤٣٠) إليه إلّا كذلك ومن ثم أوجبها الشافعي ﵀ لكون قراءته قراءة ابن كثير، وهذا من نفائس الأنظار التي ادّخرها الله تعالى له، وقد أشبعت القول فيه في «النكت على شرح ألفية العراقي» في نوع المعلول.
*** ومنها أنه سئل أيهما أفضل: الصلاة على النبي ﷺ بصيغة الخبر لإفهامها وقوع الصلاة وتضمنها الطلب؟ أو بصيغة الطلب؟ فقال «بصيغة الطلب لأنها الواردة في الخبر ولا يعلمهم الأفضل» يشير إلى الوارد عقب التشهد: قولوا اللهم صلّى على محمد … إلى آخره، فقيل له: «ولأيّ شيء أطبق أصحاب الحديث قديما وحديثا على كتابتهم (^٤٣١) إياها وقراءتها بصيغة الخبر (^٤٣٢): صلّى ﷺ أو ﵊ لا يكاد يوجد غير ذلك؟».
«فقال»: لأنّا مأمورون بإفشاء العلم وبأنها تحدّث الناس بما يعرفون.
وكتب الحديث يجتمع عند قراءتها الخواصّ الذين يعرفون اللسان والعلوم الشرعية، والعوام وهم الأكثر، فخيف أن هؤلاء ربما فهموا من صيغة الطلب: أن الصلاة عليه لم توجد من الله سبحانه بعد وإنما يطلب منه تعالى حصولها له، فأتى بصيغة يتبادر إلى أفهامهم منها الحصول وهي (مع إبعادهم من هذه الورطة) -متضمنة للطلب الذي أمرنا به في الخبر.
ومنها أنى (^٤٣٣) سألته عن الجمع بين قول ﷺ في حق الصحبة «لو أنفق
_________________
(١) في نسخة تونس «الرقص».
(٢) في السليمانية «تتصل».
(٣) في السليمانية وتونس «كتبهم».
(٤) امامها في هامش تونس بخط غير خط الناسخ «الأفضل الصلاة عليه بصيغة الطلب».
(٥) أمامها في هامش تونس «فائدة».
[ ١ / ١٧٣ ]
أحدكم مثل أحد ذهبا ما بلغ مدّ أحدهم ولا نصيفه» وبين قوله إنه يأتي على الناس زمان للعامل منهم أجر خمسين. قال الصحابة: «أجر خمسين منهم؟» قال: «بل منكم» فقال: يحمل الأول على الانفاق خاصة والثاني على كلمة الحق، وكل من الشقين صعب في وقته، فانّ الإنفاق في ذلك الزمان كما أنه دال على غاية الايمان لعدم الوجدان (^٤٣٤): فكلمة الحق الآن دالة على كمال الايمان ليوقع الذّلّ والهوان بغلبة أهل الفساد والطغيان، قلت: نعم.
ويؤيده تمام الحديث: فإنكم تجدون على الخير أعوانا ولا تجدون فهو يكاد أن يكون صريحا في تخصيص كلمة «الحق» لأنّ الغالب وجود الإحجام عن الكلام لقلة المساعد أو عدمه أو وجود المعارض.
وأما الانفاق فلا يحتاج فيه إلى الإعانة بل ربما كان قلة فاعله أدعى لفعله.
ومنها (^٤٣٥) أنه سئل عن قوله ﷺ لعبد الله بن الزبير ﵁ عنهما لما شرب (^٤٣٦) دمه الشريف ﷺ: «ويل لك من الناس وويل للناس منك».
وقوله لمالك بن (^٤٣٧) سنان والد أبي سعيد الخدري ﵁ لما امتص جرحه وازدرد الدم: «لا تمسّك النار» ما الحكمة في تنويع القول مع اتحاد السبب؟ «فقال: إن عبد الله بن الزبير ﵁ شرب دم الحجامة وهو قدر كبير يحصل به الاغتذاء، وقوة المص تجذبه من سائر العروق أو كثير منها، فعلم ﷺ يسرى
_________________
(١) «الوحدان» هكذا في السليمانية وتونس.
(٢) امامها في هامش تونس «فائدة».
(٣) قصة شرب عبد الله بن الزبير لدم الرسول وقوله: «لا تمسك النار» في غزوة أحد: انظر المستدرك ٣/ ٥٦٣ عن آبى سعيد الخدري وقوله ﵇: من سره أن ينظر إلى من خالط دمى دمه فلينظر إلى مالك بن سنان».
(٤) روى ابن أبي عاصم والبغوي من طريق موسى بن محمد قال حدثتني أم سعد بنت مسعود بن حمزة بن أبي سعيد أنها سمعت أم عبد الرحمن بنت أبي سعيد تحدث عن آبيها قالت: أصيب وجه الرسول ﷺ فاستقبله مالك بن سنان فمص الدم عن وجهه ثم أزد رده فقال رسول الله ﷺ من ينظر إلى من خالط دمه دمى فلينظر إلى مالك بن سنان-راجع الإصابة في تمييز الصحابة لابن حجر ج ٣ ص ٣٢٥ الذي بأسفله كتاب الاستيعاب.
[ ١ / ١٧٤ ]
في جميع جسده فتكسب جميع أعضائه قوى من قوى النبي ﷺ، فيورثه ذلك غاية القوة في البدن والقلب، وتكسبه نهاية الشهامة والشجاعة، فلا ينقاد لمن هو دونه بعد ضعف العدل وقلة ناصره لتمكن الظلم وكثرة أعوانه، فيحصل له ما أشار إليه ﷺ من تلك الحروب الهائلة، وينتهك (^٤٣٨) بها مع حرمته حرمة البيت العتيق فيقتل، فويل له من الناس لقتلهم إياه وانتهاك حرمته ويلا أخرويا.
وأما مالك بن سنان فإنه أزد رد مصة من الجرح الذي في وجنته الشريفة، وهو أقل من دم الحجامة، وكأنه علم ﷺ أنه يقتل في ذلك اليوم فلم يبق له شيء من أحوال الدنيا يخبره به فأعلمه بما هو الأهم له فلم يمش الّا وقد وجد ما وعد به ﷺ ويلقى بأنواع المسرات».
*** ومنها أنه سئل عن الجمع بين الحديث الذي في صحيح ابن حبّان في قصة عجوز بني إسرائيل، وفيه أنها دلت موسى على الصندوق الذي فيه عظام يوسف ﵇، فاستخرجه وحمله معهم عند قصدهم الذهاب من مصر، وبين الحديث الذي فيه أنّ الله حرم على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء، على تقدير تعادلها، فقال: «يجمع بأن العظام ذكرت والمراد بها جميع البدن من باب إطلاق الجزء وإرادة الكل» قلت: وتكون الحكمة فيه أن الجسد لما لم يكن فيه الروح في تلك الحالة عبّر عنه بالعظام التي من شأنها عدم الاحساس، أو أن يكون هذا باعتبار ظن تلك العجوز أنه لا فرق بين أبدان الأنبياء وسائر الناس في البلى (^٤٣٩)، والله أعلم.
ومنها أنى سألته عند قراءة الحديث الذي في مسند (^٤٤٠) ابن سرهند من حديث حذيفة في فتنة الدجال وفي آخره، قلت فما يكون بعد ذلك، قال:
«لو أن رجلا نتج فرسا له لم يركب ولدها حتى تقوم الساعة، فسألته عن مدة
_________________
(١) وردت هذه العبارة في السليمانية على الصورة التالية «وينتهتك بها حرمته حرمة البيت العتيق».
(٢) في تونس «البلاء»، وفي السليمانية «البلا».
(٣) في السليمانية وتونس «مسند» ثم كلمة غير مقروءة، ثم من «شرهد» بدلا من ابن سرهند.
[ ١ / ١٧٥ ]
إقامة عيسى ﵇ في الأرض من بعد الدجال فقال: «أقلّ ما قبل منها سبع سنين» فقلت: والساعة لا تقوم على من يقول: الله، والوصول إلى ذلك الحد يحتاج بحسب العادة إلى زمن طويل بعد عيسى ﵇ فما الجمع بين ذلك وبين ظاهر هذا الحديث في الدلالة على قرب قيام الساعة من مقتل الدجال هذا القرب العظيم؟
فقال: «كان الصحابة ﵃ يعرفون أن عيسى ﵇ يقتل الدجال وأنه يقيم بعده، ويعرفون جميع أحواله لكثرة ما كان النبي ﷺ وسلم يحذرهم من الدجال ويقصّ عليهم من أخباره، فالظاهر أن قول حذيفة «فما يكون بعد ذلك».
سؤال عمّا بعد أمر الدجال وما يتعلق به ويتبعه من زمن عيسى ﵇، وهذا جواب بديع.
ومنها أنّا لما سمعنا عليه صحيح ابن خزيمة فمر الحديث الذي فيه يؤمهم من الصبح حتى طلعة الشمس، وقول النبي ﷺ بعد الصلاة صلوها الغد لوقتها، وقول ابن خزيمة في معناه ان هذا أمر استحباب لا أمر إيجاب لقوله ﷺ من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها، لا كفارة لها إلا ذلك، ففهم أن المراد إعادة هذه الصلاة التي كانت وقت الصبح من الغد فقال شيخنا:
«عندي تأويل أحسن من هذا، وهو أن النبي ﷺ لما قال لهم «لا صبر» خشي أن يظنوا أو [يظن] أحد منهم أن وقتها الأول نسخ إلى الوقت الذي صلّوها فيه بعد طلوع الشمس أو يواظبوا على فعلها، ولا سيما مع معرفتهم أنّ فعل النبي ﷺ «فنفى» عنهم هذا الاحتمال. فكأنه قال إذا جاء وقت هذه الصلاة الذي كنتم تصلونها فيه فصلوها فيه ولا تؤخروها إلى هذا الوقت الذي صليناها فيه اليوم»، فإن الأول لم ينسخ.
ومنها إنه قيل له ما ذكره (^٤٤١) بعض العلماء من أنّ الغنىّ الشاكر أفضل من الفقير الصابر، لأنّ الأوّل وافق صفتين من صفات الله تعالى وهما
_________________
(١) بعد هذا كلمة «دعه» في السليمانية، و«أودعه» في تونس ولم نعرف المقصود ولا موضعا لها فحذفناها.
[ ١ / ١٧٦ ]
«الغنى» و«الشكور»، والثاني لم يوافق إلّا واحدة، وهي الصّبور فقال بل إنما في كل منهما صفة واحدة، وإنما الغنى فليس صفة للعبد أصلا ولو حاز (^٤٤٢) الدنيا بحذا فيرها لأن الغنىّ هو الذي لا يحتاج إلى شيء، وهذا يصح أن يقال في حال كثرة أمواله واتساع مملكته أنه فقير وليس بغنى ولو لم يكن محتاجا إلّا إلى دوام ما فيه لكن في اتّصافه بالفقر، بخلاف «الشكور» فإنّه إذا اتصف به لم يصح أن يقال في تلك الحال إنه (^٤٤٣) غير شاكر وكذا الصبر، فعلم أن الغنىّ ليس أعلى من الفقير بهذا الاعتبار.
ومنها أنه قال ليس كلّ حديث أخرج الشيخان أو أحدهما لرجال سنده يكون على شرطهما أو شرط أحدهما، بل لا بدّ مع ذلك من قدر زائد عليه وهو يكون رواية بهيئة الإجماع التي أخرجا عنهم بها، فإذا وجدنا سندا منسوقا مرتبا بالنسق والترتيب الذي (^٤٤٤) ساقاه ورتباه به حكمنا على متنه أنه الحاكم وغيره من الغفلة عن هذا القيد لأن السند الذي يوجد كما هو عندهما أو عند أحدهما مأمون من أن توجد فيه علة أو شيء من القوادح بخلاف ما يتفق من رجالها بغير سياقهما، فهو وإن تحققنا تميّزا لرجاله لكننا لم نأمن وجود العلل فيه، فإنّ من الرجال من يكون ضعيفا بالنسبة إلى راو ثقة بالنسبة إلى آخر، والله أعلم.
*** ومنها أنه قرئ عنده الحديث الذي فيه عن الصلاة «ائتوها وعليكم السكينة ولا تؤتوها تسعون» ذكر قول الفقهاء من الأصحاب أن محل هذا في الجمعة ما لم يخش الفوات فهم فاهمون من الحاضرين أنه إذا خاف الفوات يسعى، ونقل بعضهم عن بعض المصنفين و[قولهم في هذا الأمر].
وأظنه ابن العماد-أنّه إن لم يكن مقصّرا في التأخير لم يجب عليه السعي
_________________
(١) في السليمانية «جات»، وفي تونس «جار»، والصحيح ما أثبتناه.
(٢) في السليمانية وتونس «بأنه».
(٣) في السليمانية وتونس «التي».
[ ١ / ١٧٧ ]
والحالة هذه، وإن كان مقصرا سعى، فقال شيخنا «ليس الأمر كذلك بل الذي يقال: إن المشي بالسكينة-وهو مشى دون مشية الإنسان المعتادة فإذا خاف الفوات مشى مشيته المعتادة وترك المشي بالسكينة، لا أنه يسعى ولا يرمل، بل كل إنسان يمشى بحسب عادته التي يفعلها عند التوجه لحوائجه (^٤٤٥).
*** ومنها أنه سئل لأىّ معنى عدة الحرة ثلاثة: إقراء، واستبراء الأمة حيضة واحدة، والمقصود في كل منهما معرفة براءة الرحم، فقلت يحتمل أن يقال إن أقل ما يمكن أن يغلب على الظن براءة الرّحم به حيضة واحدة، والتثليث له مدخل في الشرع كثير، فبولغ به في استبراء المعتدة لأنها إذا طلقت حرمت معاشرة الزوج لها ووجب اعتزالها عنه وعن كلّ ما يصلح لزواجها، ولا مشقة على أحد في تطويل مدتها، واقتصر في استبراء الأمة على أقلّ ما يمكن مراعاة لحق السيد لأنه يكون غالبا معاشرا لها فيشق عليه الصبر. فاستحسن هذا شيخنا.
وقال أيضا: فان غالب الطلاق رجعي فطولت مدة الحرة ليتروى الزوج في رجعتها، ولو كانت المدة قصيرة لأمكن أن يستمر الغضب الذي من أجله فارقها حتى تذهب العدة، ثم يظهر ضرر لها بفراقه لها من عشق أو غيرة فيحصل له غاية المشقة.
ولما كانت عدة الزوجة الأمة على النصف من عدة الحرة ولم يمكن تنصيف المقر وسار عنهما فهنا حقان:
حق الزوج وهو يقتضى التطويل لما تقدم، وحق السيد وهو يقتضى التعجيل روعى لكل منهما حق: أما حقّ الزوج فبأن يجبر، فجبر النصف.
قلت: فإن قيل لم زيد في عدة الوفاة إلى أربعة أشهر وعشر؟ أجيب بأنه
_________________
(١) أمامها في تونس «قف».
[ ١ / ١٧٨ ]
روعيت خواطر الورثة فزيد في مدتها إلى حد لا صبر للنساء فوقه لئلا يحصل لهم مشقة بتزويج امرأة متوفّاهم، واقتصر على ذلك بألا يزداد ضررها لأنه نقل أنّه لا صبر للنساء بعد ذلك، ولأن هذه المدة لها مدخل في العلم باشتغال الرحم وبرئه لأنها المدة التي تنفخ في الولد الروح فيها لأنه يكون نطفة أربعين يوما، ثم علقه مثل ذلك، ثم مضغة مثل ذلك، ثم ينفخ فيه الروح فيظهر الحمل، قيل هذا المذكور أربعة أشهر: مائة وعشرون يوما فلم زيدت عشرة أيام فقال شيخنا لأنه ربما نقصت الأشهر أربعة أيام فتبقى مائة وستة عشر يوما فزيدت أربعة احتياطا وجبرت بأقرب المعقود إليها وهي العشرة.
وإن حسبنا على ما في صحيح مسلم في بعض الطرق ازداد الأمر وضوحا لأن فيه تقدير كلّ مدة من الثلاث باثنين وأربعين يوما فتزداد الأيام ستة فتكون الجملة مائة يوم فتزداد الأيام ستة فتكون الجملة مائة يوم وستّة وعشرين يوما، وزادها الشارع أربعة لاحتمال توالى نقص الأشهر، فتلك عشرة تتمة أربعة أشهر وعشر.
وهذا ما حضرني الآن من أمثال هذا، وقد علقت عنه كثيرا نظمته في سلك مظانّه فهو منثور في خلال مصنفاتى ومنتقياتى من مسموعاتى، وسأفرده إن شاء الله تعالى في جزء أسميه «قدح الفكر وتنوير البصر، بأجوبة الشهاب ابن حجر».
*** وحدثنا بعجائب منها أنه سئل عن ورود الحديث في أن ما يقبل في حصى الجمار رفع، فقال: نعم، ورد، وأنا شاهدت من ذلك العجب، كنت أتأمل فأراهم يرمون كثيرا ولا أرى يسقط منه إلى الأرض إلّا يسير جدا».
ومنها أنه قال: كان صلاح الدين (^٤٤٦) يوسف بن السلطان الملك الناصر أحمد صاحب الحصن فاضلا عالما ذكيا جدا زاهدا.
_________________
(١) صلاح الدين يوسف بن السلطان الناصر أحمد صاحب الحصن، انظر ابن حجر: إنباء الغمر بأنباء العمر ج ٣/ص ١٢٤ تحقيق حسن حبشي.
[ ١ / ١٧٩ ]
رأيته يطنب في مدحه حتى إنه ربما قال «ما رأيت مثله»، قال: «وكان قد عزفت نفسه عن الدنيا فترك الملك ورحل إلى القاهرة على نيّة الاشتغال بالعلم، ثم التوجه إلى بعض الثغور للجهاد فمات في الطاعون سنة تسع عشرة، وكنت ممن حضر جنازته، فوافق إثر الدفن قراءة القارئ ﴿كَذلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبادِنَا الْمُخْلَصِينَ﴾ (٢٤) فكان ذلك من غرائب الاتفاق لكون اسمه يوسف، ويزيد التعجب أنه ليس لقراء الجنائز عادة بقراءة سورة يوسف، قال: «ثم حضرت عن قرب من ذلك دفن شخص من الظلمة فلما دلى في حفرته إذا بالقارئ يقرأ «هذِهِ ٤٤٧ جَهَنَّمُ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ».
فقضيت العجب من حسن هذين الاتفاقين. إنّ في ذلك لعبرة.
ومنها أنه قال: حدّثنا شيخ الإسلام زين الدين عبد الرحيم بن الحسين العراقي، قال: سمعت مرة مؤذنا يسبّح على مئذنة جامع بالقرب منا، وكان حسن الصوت جدا فطاب شخص من السامعين وتواجد إلى أن مات، وشاهدته ميتا، ﵀.
ومنها أنه قال: «شاهدت إنسانا يلعب الشطرنج وهو غائب عنه، فقال للذي ينقل له ما الذي نقل [يعنى خصمه] قال: نقل كذا (^٤٤٨) قال: كل فرسه، فقال بأي شيء؟».
فقال: انقل كذا، فأخذ الفرس في النقلة الرابعة» وهذا شيء ممرع (^٤٤٩).
وسمعت عليه من شعره (^٤٥٠) كثيرا، منه: «جمع المنتقى»، المسمى بالكواكب السبع السيارة، وغير ذلك.
_________________
(١) سورة يس، آية ٦٣.
(٢) في السليمانية «نقل ذلك كذا».
(٣) في السليمانية وتونس «ممرغ».
(٤) في السليمانية «سمعت عليه من عشرة شعره».
[ ١ / ١٨٠ ]