بن عبد الدائم بن رشيد الدين بن خليفة بن مظفر، الشيخ شهاب الدين بن الشيخ شمس الدين المنصورة الشافعي المشهور بالهائم. ولد سنة ثمان وتسعين وسبعمائة بمدينة المنصورة (^٥٧٠)، وحفظ وقرأ بها القرآن العظيم، وحفظ «التنبيه» و«ملحة الأعراب» ثم رحل في حدود سنة خمس وعشرين وثمانمائة إلى القاهرة، فبحث «التنبيه» على القاضي شرف الدين عيسى الأقفهسى الشافعي، و«الألفية» لابن مالك على الشيخ شمس الدين الجندي الحنفي، وبحث عليه أيضا كتابه في النحو: «الزبدة والقطرة» وقال لما فرغ من قراءته، أنشدني من لفظه يوم الجمعة رابع شوال سنة خمسين وثمانمائة.
ثناؤك شمس الدين قد فاح نشره … لأنك لم تبرح فتى طيب الأصل
أفاض علينا بحر علمك «قطرة» … بها زال عن ألبابنا ظمأ الجهل
وأخذ النحو أيضا عن شيخ الشيخونية الشيخ نور الدين [حسن] المقدسي الحنفي المعروف في القدس بابن نضرة ودخل دمشق صغيرا مع أبيه.
اجتمعت به في المنصورة لما دخلها سنة ثمان وثلاثين وكان يتعانى الأدب، وكان شخص من أهل المحلة هجاه ببيتين، ثانيهما:
_________________
(١) امامها في هامش تونس «أحمد بن الهائم».
(٢) المنصورة: قاعدة مديرية الدقهلية. وقد أنشأها الكامل محمد بن الملك العادل أبى بكر بن أيوب من ملوك الدولة الأيوبية سنة ٦١٦ هـ. عندما احتل الفرنج دمياط وجعلها الكامل منزلة لعسكره وسماها المنصورة تفاؤلا بانتصاره على الصليبين. وقد صارت المنصورة بعد ذلك مدينة كبيرة بها مساجد وحمامات وفنادق وأسواق. انظر محمد رمزى: القاموس الجغرافي ج ٢، ق ٢ ص ٢١٥.
[ ١ / ٢٢٦ ]
لو كان ذا قصر يسامى به … لكنه لا قصر للهائم
فلما رجعت (^٥٧١) إلى القاهرة طلبته، فأعيانى لقاؤه إلى أن كان يوم الجمعة المذكور فقدر لقاؤه ولقيته على حقيقته، فرأيته إنسانا مسكينا خفيف ذات اليد قد تحامل عليه الزمان، ورمته بسهام هوائها الأيام، وعنده فضيلة في النحو والأدب لكن ليس له إلمام بفن، فهو ينتقل من قافية إلى أخرى فنبهته على ذلك، فالبيتان أول هذه القصيدة الدالية قافيتهما متراكب، وقافية الثالث:
متدارك. ونظم كثيرا جمعه في ديوان كبير، ثم انتخبه في مجلد وسط.
أنشدنا هذه الدالية إجازة مشافهة:
يا رشا للنوم عيني شردا … قد كان عيشى بك عيشا رغدا
يا صادرا عن منهل الدمع لقد … شاهدت من طرفك حتفا وردى
طرف عن التكحيل مستغن فمن … رأى غنيا في الورى مجردا
شننت بالهجر على غارة … ولم تخف في قتل صب قودا
مذ كان صبري في الهوى يخذلني … لولا وجدت من دموعي مددا
عجبت من فعل الهوى بأهله … كيف يصيد الظبي فيه الأسدا
مذ لاح للعزّال حسن وجهه … كادوا يكونون عليه لبدا
أصبح سكرانا بخمر ريقه … أما تراه في الحشا معربدا
في خده الأحمر آس أخضر … يحرسه من شعره بأسودا
جفاك يا قلب وخان عهده … فاصبر وإلّا مت عليه كمدا
من لم يعدّ للجفا لياليا … بكى دما من بعده وعدّدا
ضل الكرى عن مقلتى لولا رأى … طرائق الدمع بخدى قددا
فحق لي إن زار جفنى نومه … أن أشكر الرحمن ثم أحمدا
سيدنا قاضى القضاة المرتضى … للدين والدنيا إماما مقتدى
سميدع قد طاب أصلا، وزكا … فرعا، ونال رفعة وسؤدا
فمن قديم هو أزكى عنصرا … وفي حديث هو أعلى سندا
أضحت به الأيام مستبشرة … وأصبح الشرع به مؤيدا
_________________
(١) فلم يرد في الأصول متى كان رجوعه.
[ ١ / ٢٢٧ ]
وهزت العلياء تيها عطفها … لما ترقى من ذراها مقعدا
حديقة الفضل به قد أينعت … وأنعشت من راحتيه بالندى
لا بلغت حساده منا همو … وكل كبش منهم له فدا
هم شياطين فمن تمرد منهمو … يجد له شهابا رصدا
قد خبثوا ذاتا ومعنى والذي … يخبث لا يخرج إلا نكدا
يا من غدا يقيسه بغيره … ويحك لا تعث في الأرض مفسدا
هل تجعل الناقة كالبراق أو … هل صالحا (^٥٧٢) في المجد مثل أحمدا
ودع فاعلا قد كان مفعولا به … وأفعل التفضيل صله أبدا
وأن يضارعه امرء في فضله … له المضارع اجعلن مسندا
لا ترج الا من تسامى قدره … ولازم الصدر وكن (^٥٧٣) لي منجدا
رفيع قدر لا يزال قدره … على الذي في رفعه قد عهدا
من زاره يخلد في إنعامه … فرده خالدا وقبّل اليدا
نواله قبل السؤال واصل … فلا ترى لسائليه موعدا
فسل ما شئت من جود ومن … علم ترى بحرا خضما مزبدا
لم يحل عقد مجلس إن لم يكن … يوما يشهد فضله منعقدا
أشجع من في حرب بحث ينتضى … للخصم من لسانه مهندا
مهذب بدر عقد نظمه … جيد الزمان قد غدا مقلدا
لوقيس بيت من بديع شعره … بكل ديوان لكان مفردا
يطرب ألباب الجفاة لفظه … كأنما تسمع منه معبدا
ما للمعالى من علاه مصدر … يوما، ولا اختارت سواه موردا
فلفظه العسجد في علوه … لو أنّ لفظا يستحيل عسجدا
يا سيدا بفضله وببذله … صيّر أحرار البرايا أعبدا
العبد قد أهدى إليك مدحة … وربما يهدى إلى البحر الندى
تصغر عن قدرك الا أنها … رضا لأحباب، وغيظ لعدا
أبت رجلا إلا عليك بكرها … إذ لم تجد غيرك كفوا أحدا
لا زلت ترقى رتب المجد الذي … إذا تدانى كاد يعلو الفرقدا
ولا برحت للأيام ملجأ … ومنجى، وللعفاة مقصدا
_________________
(١) المقصود هنا على الأرجح صالح البلقيني.
(٢) في النسخ «ولازم الصدر كمن لي منجدا».
[ ١ / ٢٢٨ ]
وأنشدنا الشهاب الهائم لنفسه يوم الجمعة رابع شوال سنة خمسين وثمانمائة بمنزله قرب مدرسة شيخون بالقاهرة:
عجبت لقلبى كيف أمسى يخوننى … ويصبو إلى من بالصدود يروعه
إلام يطيع القلب من لا يطيعه … ويحفظ من أحبابه من يضيعه
إلا أيها القلب الذي طال شوقه … وعز تسلّيه وزاد ولوعه
أمالك في صدري محل؟ أما انحنت … عليك من الصب الكئيب ضلوعه
فحسبك ميل نحو من ألف النوى … وشطت به أطلاله وربوعه
حبيب: ولكن الأعادى دونه … مليح: ولكن ساء منه صنيعه
غزال: ولكن قلّ منه التفاته … هلال: ولكن عز منه طلوعه
سأدعوا الهى سائلا حسن لطفه … لعل دعائي أن يجيب سميعه
ويصبح قلبي والسلو خليله … ويمسى لحظّى والمنام ضجيعه
*** قال، وأنشدناه في اليوم المذكور بمنزله:
تناثر الزهر إذ مد النسيم به … فصرت أمشى على ما تنبت الشجر
ثم انحنيت على خود أقبلها … كأنّنى قوس رام وهي لي وتر
ضمّن فيه قول القائل:
قد كنت أمشى على ثنتين معتدلا … فصرت أمشى قليلا قليلا وهي تسعدن
كأنني قوس رام وهي لي وتر
وقال يرثى صباه ويمدح النبي ﷺ.
*** وأنشدنا في الزمان والمكان، وأعجبني مخلصها جدا:
مضى ما حلا من شبابي ومر … وأقمر بالشيب ليل الشعر
ومذ عسكر الشيب في لمّتى … تقهقر جيش الصبا وانكسر
وكان الشباب كحب دنا … وزار، ولكن كلمح البصر
نعمت به برهة وانقضى … سريعا، فكان كشيء ندر
أظن لسرعة مر (^٥٧٤) الصبا … مشيبى لليل شبابي سحر
_________________
(١) في الأصول «من».
[ ١ / ٢٢٩ ]
وما الشّيب عار ولكنه … نذير، وفيه لنا مزدجر
وبالجملة الشيب نور به … يلوح الوقار ويبدو الخفر
ومنه محيّاى في روضة … تبسّم فيها ثغور الزهر
ولم لا يتم سروري به … وقد شبت في دين خير البشر
محمد السيد المصطفى … شفيع العصاة غدا لمن كفر
لقد سر قوم به آمنوا … فعزوا، وذل به من كفر
فوا حربا من قلوب قست … وقد لان من أخمصيه الحجر
ومن مهج فاتها ريها … وقد فاض من إصبعيه نهر
نبي ترقى لأعلى العلا … وقد فاز من ربه بالنظر
دنا فتدلى (^٥٧٥) لمحبوبه … وفي قاب قوسين كان المقر
فما كذب القلب ما قد رأى … وما زاغ منه هناك البصر (^٥٧٦)
وجبريل كان له خادما … مطيعا له إن نهى أو أمر
رأى قمر التم (^٥٧٧) أنواره … (فجاء) (^٥٧٨) فخار وشق القمر
وشاهد غصن النقا خده … فجاءت من الشوق تسعى الشجر
ويكفيك من فضله أنه … لزجر الجحيم غدا ينتظر
أيا ربّ: شيطان ذنبي طغى … وأعوزنى منه أخذ الحذر
وأنت القدير على دفعه … بحولك يا من علا فاقتدر
فأنت العياذ، وأنت الملاذ … وأنت الغياث وأنت الوزر
وإنّي وإن عظمت زلتي … لا رجوك يا خير مولى غفر
فصل وسلم على المصطفى … وأصحابه الواضحين الغرر
دوام الدهور، وملأ السماء … وعدّ الرمال، وقطر المطر
***
_________________
(١) منظور في هذا إلى القرآن الكريم سورة النجم، آية ٨.
(٢) منظور في هذا إلى القرآن الكريم سورة النجم، آية ١٧.
(٣) في السيلمانية «وأتم» وفي تونس «والتم».
(٤) في الأصل «فخلوج» وليس لها معنى وقد صححناها إلى ما بالمتن ليستقيم المعنى.
[ ١ / ٢٣٠ ]
وقال أيضا يمدحه، وأنشدناه في الزمان والمكان:
تهلل وجه الأرض بعد تعبس … وحاكت له الأنداء حلّة سندس
فظلت تبدى خدود شقائق … وترمقنا شذرا بأحداق نرجس
كأن الغصون المائسات عرائس … تثنين عجبا في ملابس أطلس
كأن بها (^٥٧٩) الحوراء حولاء غدت (^٥٨٠) … تشمر عن ساق لدى الخوض أملس
كأن زهى (^٥٨١) الأقحوان مباسم … تبسم في وجه السحاب المعبس
كأن صفاء الماء والظلّ فوقه … نهار تغشته أوائل حندس
كأن دوىّ الريح بين غصونه … نداء محب أو حديث موسوس
كأن سقيط (^٥٨٢) الطل في الورد وجنة … يقابلها ذو لوعة بتنفس
كأن جنوح الشمس للغرب غادة … تودعنا في توب خزّ (^٥٨٣) مورس
كأن السحاب الجون ساق مطاوع … يطوف على شرب الرياض بأكوس
كأن هدير الطير والدوح حوله … تصايح حراس بركب معرس
كأن أريج الزهر فوغة تربة … تفدى بآباء (^٥٨٤) كرام وأنفس
وصرح حوى فضلا ومجداه وسؤدرا … بأكرم مخلوق وأزكى وأنفس
نبي سما والليل داج إلى السما … وفاز من الباري بأقرب مجلس
وناداه أنت الآن يا أفضل الورى … بحضرة قدس أو بواد مقدس
قرنت (^٥٨٥) اسمك الميمون ياسمى تكرما … آتيتك بالقرآن أعظم مؤنس
وحسبك من فضل بأنّى جاعل … شفاعتك العظمى ذخيرة من يسى
وخصصه بالكوثر العذب فألهنا … بخير أناس قد سقوا خير أكؤس
_________________
(١) في تونس «الحورا حوراء» وفي السليمانية «الحورا حورا».
(٢) البيت في الأصول مضطرب.
(٣) ضبطها تونس بضم الزاء وكسر الهاء وتشديد الياء.
(٤) «السقيط» في اللغة ما سقط من الندى على الأرض.
(٥) وأورس أي اخضر وأورق.
(٦) في تونس والسليمانية «باب أكرام». وأما «الفوغة» في الشطر الأول من البيت فهي من الطيب رائحته.
(٧) في تونس والسليمانية «فزنت».
[ ١ / ٢٣١ ]
نبي بإكليل الجمال متوج … ومن حلل التشريف والمجد مكتس
ودوحة فخر قد تفيأ ظلها … وطاب الشذا منها بأطيب مغرس
وكم لرسول الله معجزة سمت … سمو جوار في السموات (^٥٨٦) كنس
كإبصار أعمى واستقامة أعوج … وإحياء أموات، وإنطاق أخرس
إلهي بجاه المصطفى أصلح قلوبنا … بفضلك وا كلأنا بعينك واحرس
وسامح، وجد، واغفر لعبدك كل ما … تذكر من ذنب جناه وما نسي
فاسمك بر، فيه إرشاد حيرتى … وعفوك بحر منه طهر تدنسى
فلا رب إلا أنت يدعى فنجنى … من الغم يا مولاي إنجاد يونس
وصلّى على الداعي إليك وآله … ليوث الوغى، من كل أروع أشوس
وأصحابه ما سحّ وبل بروضة … فماست من الأزهار في خير ملبس