أحمد بن محمد بن عبيد الله المدبر الكاتب أبو الحسن؛ كان أسن من أخيه إبراهيم - وقد تقدم ذكره (٢) -؛ تقلد أحمد ديوان الخراج والضياع للمتوكل ثم تمالأ عليه الكتاب فأخرجوه إلى الشام واليًا فكسب بها مالًا عظيمًا، ثم قتله أحمد ابن طولون في سنة سبعين ومائتين (٣) . وكان فاضلًا يصلح للقضاء، وللبحتري فيه مدائح. مات تحت العذاب، رحمه الله تعالى؛ وهو القائل:
أتصبر للدهر أم تجزع وماذا عسى جزعٌ ينفع
فأمّا تصابيك بالغانيات فولّى به الفاحم الأفرغ
_________________
(١) الوافي ٨: ٣٨ وتهذيب ابن عساكر ٢: ٥٩ والمغرب (قسم مصر) ١: ١٢٣ وخطط المقريزي ١: ٣١٤ وابن خلكان ٧: ٥٦ ولم ترد هذه الترجمة في المطبوعة.
(٢) انظر الترجمة رقم: ١٥.
(٣) الوافي: فيما قبل سبعين ومائتين تقريبًا، ثم ذكر ثلاثة تواريخ لمقتله.
[ ١ / ١٣٢ ]
غداة ابتدلت به حلةً من الشيب ناصعها يلمع
وقد كنت أزمان شرخ الشباب تصول مدلًاّ ولا تخشع
تطاع ويعصى لديك العذول ويصفو لك العيش والمربع (١) وكتب إليه أخوه إبراهيم يشكو حاله وهو محبوس (٢) فكتب إليه:
أبا إسحاق إن تكن اللّيالي عطفن عليك بالخطب الجسيم
فلم أر صرف هذا الدهر يجني بمكروهٍ على غير الكريم وقال أيضًا:
صباح الحبّ ليس له مساء وداء الحبّ ليس له دواء
ولي نفس تنفّسها اشتياق وعينٌ فيض عبرتها الدماء
وليلي والنّهار عليّ ممّا أقاسي فيهما أبدًا سواء وقال المعتصم يومًا للفضل بن مروان، وقد أراد الخروج إلى القاطول: غلماني تحت السماء ما لهم شيء يكنهم، فابن لهم غدًا أربعة آلاف بيت؛ فخرج مفكرًا، فلقيه أحمد بن المدبر فسأله عن غمه فأخبره بقول المعتصم فقال: إنما أمرك أن تشتري لهم أربعة آلاف لباد (٣) ليستكنوا فيها، فاشترى لهم ما وجد وتقدم في عمل الباقي لمن بقي، فلما أصبح المعتصم ورآها على غلمانه قال للفضل: أحسنت، بهذا أمرتك.
وقيل إن أحمد بن المدبر قال: حبست في حبس لابن طولون ضيق، وفيه خلق وبعضنا على بعض، فحبس معنا أعرابي فلم يجد مكانًا يقعد فيه، فقال: يا قوم، لقد خفتت من كل شيء إلا أني ما خفت قط ألا يكون لي موضع في الأرض في الحبس أقعد فيه، ولا خطر ذلك ببال، فاستعيذوا بالله من حالنا.
_________________
(١) الوافي: والمرتع.
(٢) ص: محبوسًا.
(٣) الوافي: لبادة.
[ ١ / ١٣٣ ]
وقال يموت بن المزرع: كان أحمد بن المدبر إذا مدحه شاعر لم يرضه شعره قال لغلامه: امض به إلى الجامع ولا تفارقه حتى يصلي مائة ركعة، ثم خله؛ فتحاماه الشعراء إلا الأفراد المجيدون، فجاءه الجمل المصري واسمه حسين (١) فاستأذنه في النشيد فقال له: قد عرفت الشرط؟ قال: نعم، قال: فهات إذن؛ فأنشده:
أردنا في أبي حسنٍ مديحًا كما بالمدح تنتجع الولاة
فقلنا أكرم الثقلين طرًا ومن كفّاه دجلة والفرات
فقالوا يقبل المدحات لكن جوائزه عليهنّ الصلاة
فقلت لهم وما يغني عيالي صلاتي إنما الشأن الزكاة
فيأمر لي بكسر الصاد منها فتضحي لي الصلاة هي الصِّلات فضحك ابن المدبر وقال: من أين لك هذا؟ قال: من قول أبي تمام الطائي:
هن الحمام فإن كسرت عيافةً من حائهنّ فإنهنّ حِمامُ فأعطاه مائة دينار، رحمهما الله تعالى، وعفا عنهم.
٥٢ - (٢)