توران شاه بن الملك الصالح نجم الدين أيوب بن الكامل محمد بن العادل الكبير، الملك المعظم غياث الدين؛ لما توفي الملك الصالح والده جمع فخر الدين ابن الشيخ الأمراء وحلفوا له، وكان بحصن كيفا، وسيروا إليه الفارس أقطاي (٢) فساق على البريه لا يعترض عليه أحد من الملوك، فكاد يهلك عطشًا، حتى قدم دمشق ودخل بأبهة السلطنة في أواخر رمضان، ونزل القلعة وأنفق الأموال، وأحبه الناس، ثم سار إلى مصر بعد عيد الأضحى، فاتفق كسرة الإفرنج خذلهم الله تعالى عند قدومه، ففرح الناس وتيمنوا بوجهه، لكن بدت منه أمور نفرت الناس عنه:
منها أنه كان فيه خفة وطيش، وكان والده الصالح يقول: ولدي ما يصلح للملك، وألح عليه يومًا الأمير حسام الدين ابن أبو علي، وطلب إحضاره من حصن كيفا، فقال: أجيبه لكم حتى تقتلوه؟ فكان الأمر كما قال أبوه. وقال سعد الدين بن حيمويه: لما قدم المعظم طال لسان كل من كان خاملًا في أيام أبيه، ووجدوه مختل العقل سيء التدبير، دفع خبز فخر الدين شيخ الشيوخ بحواصله إلى جوهر الخادم، وانتظر الأمراء أن يعطيهم كما أعطى أمرا دمشق فلم يكن لذلك أثر، وكان لا يزال يحرك كتفه الأيمن مع نصف وجهه، وكثيرًا ما يولع بلحيته، ومتى سكر ضرب الشمع بالسيف وقال: هكذا أفعل بمماليك أبي، ويتهدد الأمرا بالقتل، فشوش قلوب الجميع ومقتوه، وصادف بخله.
_________________
(١) الوافي ومرآة الزمان: ٧٨١ والنجوم الزاهرة ٦: ٣٦٤ والعبر ٥: ١٩٩ وذيل الروضتين: ١٨٥ والشذرات ٥: ٢٤١.
(٢) ص: أقطايا (في هذا الموضع وحده) .
[ ١ / ٢٦٣ ]
قال سبط ابن الجوزي: بلغني أنه كان يكون على السماط بدمشق، فإذا سمع فقيهًا يقول مسألة يقول: لا نسلم، ويصيح بها.
ومنها أنه احتجب عن أمر الناس وانهمك على اللذات والفساد مع الغلمان، على ما قيل، ويقال إنه تعرض لحظايا أبيه.
ومنها أنه قدم الأراذل وأخر خواص أبيه، وكان قد وعد الفارس أقطاي لما جاء إليه إلى حصن كيفا أن يؤمره، فما وفى له فغضب.
وكانت شجر الدر زوجة أبيه قد ذهبت من المنصورة إلى القاهرة، فجاء هو إلى المنصورة وأرسل إليها يتهددها ويطالبها بالأموال، فعاملت عليه، فلما كان اليوم السابع من المحرم سنة ثمان وأربعين وستمائة ضربه بعض البحرية وهو على السماط، فتلقى الضربة بيده فذهبت بعض أصابعه، فقام ودخل البرج الخشب الذي هناك وصاح: من جرحني؟ فقالوا: بعض الحشيشية، قال: لا والله إلا البحرية، والله لأفنينهم، وخاط المزين جرحه وهو يتهددهم، فقالوا: تمموه وإلا أبادنا، فدخلوا عليه فهرب إلى أعلى البرج، فرموا النار في البرج، ورموه بالنشاب، فرمى بنفسه وهرب إلى النيل وهو يقول: ما أريد ملكًا، دعوني أرجع إلى حصن كيفا، يا مسلمين ما فيكم من يصطنعني؟ فما أجابه أحد، فتعلق بذيل الفارس أقطاي فما أجاره، ونزل في البحر إلى حلقه، فقتلوه وبقي ملقىً على جانب النيل ثلاثة أيام حتى شفع فيه رسول الخليفة فواروه. وكان الذي باشر قتله أربعة، فلما قتل خطب على منابر الشام ومصر لأم خليل شجر الدر. ثم تسلطن الملك المعز أيبك التركماني.
وكان المعظم توران شاه قوي المشاركة في العلوم حسن البحث ذكيًا. قال ابن واصل: لما دخل المعظم دمشق قام الشعراء، فابتدأ العدل تاج الدين ابن الدجاجية فقال:
كيف كان القدوم من حصن كيفا حين أرغمت للأعادي أنوفا فأجابه المعظم في الوقت:
[ ١ / ٢٦٤ ]
الطريق الطريق يا ألف نحس تارة آمنا وطورًا (١) مخوفا وقال الصاحب جمال الدين ابن مطروح يرثيه:
يا بعيد الليل من سحره دائمًا يبكي على قمره
خلّ ذا واندب معي ملكًا ولت الدنيا على أثره
كانت الدنيا تطيب لنا بين باديه ومحتضره
سلبته الملك أسرته واستووا غدرًا على سرره
حسدوه حين فاتهم في الشباب الغضّ من عمره وفيه يقول نور الدين ابن سعيد:
ليت المعظّم لم يسر من حصنه يومًا ولا وافى إلى أملاكه
إن العناصر إذ رأته مكملًا حسدته فاجتمعت على إهلاكه واتفق يوم خروجه من دمشق مطر عظيم، فقال نور الدين ابن سعيد:
إنّ المعظّم خير أملاك الورى سرّت به الدّنيا وتعذر فيه
أوما رأيت دمشق يوم قدومه ضحكت ويوم وداعه تبكيه ٩٢ (٢)