رجل حل المشيدات والبلاقع، وحكى النسرين الطائر والواقع، واسيتمدر خلفي البوس والنهعيم، وقعد مقعد البائس والزعيم، فأونة في سماط، واخرى بين دارنك، وأنماط، ويمًا في ناوس، وأخر في مجلس مانوس، رحل إلى المشرق فلم يحمد رحلته، ولم يعلق بأمل نحلته، فأرتد على عقبه، ورد من حباله الفوت إلى منتظره ومرتقبه، ومع هذا فله تحقق بالدب، وتدفق طبع إذا مدح أو نسب، وقد أثبت له ما تعلم به حقيقة نفاذه، وترى سرعة وخده في طرق الإحسان وأغذاذه، فمن ذلك ما كتب به إلي يستدعيني بفاس: طويل
أيا موضع الشكوى أراح نجيها غوارب آمالي عليّ شوارد
وروضة آداب تعهدها النهى فأزهارها تجنى تواما فواحدا
تهيم بعلياك النفوس جلالة فتحسد من حبّ عليك الحواسدا
تناهبن الأفكار انسى ولايد اذود بها فكرا عن النس ذائدا
يطارحني الوسواس حتى كأنما أساور منها كلّ حين أساودا
سوى أنّ قربا منك أن سمحت به ليالٍ ضنينات وسمنَ مجاودا
فأجلو بمرأك البهيّ نواظرًا تبيت برغم المجد رمدا سواهدا
هلم إلى ورد من الأنس سائغ تظلّله الآداب هدلا موائدا
يرق جناها حكمة وبلاغة فتنظم مقطوعاتها والقصائدا
إذا أنتديت كابت قنا وقنابلا وأن عزلت كانت طلى وقلائدا
تثير على الأيّام حربا لعلّها تفيد لنا يوما إلى البين فائدا
تتوج بالمدكسات منك أناملا يظل لها تاج ابن ساسان ساجدا
وان أنا واقعت الجفاء فمغرم قد أورده حبّ المعالي المواردا
وأخبرني أنه دخل مصر وهو سار في ظلم البوس، عار من كل لبوس، قد خلا من
[ ٢٨٦ ]
النقد كيسه، وتخلى عنه إلا تقديره وتنكيسه، فنزل بأحد شوارعها، لا يفترش إلا نكده، ولا يتوسد إلا عضده، وبات بليلة ابن عندل، تهب عليه صرصر لا ينفح منها عنبر ولا صندل، فلما كان من السحر دخل عليه ابن الطوفان فأشفق لحاله، وفرط أمحاله، وأعليه أن الأفضل استدعاه، ولو أرتاد بقطعة يغنيها له لاخصب مرعاه فصنه له في حينه. بسيط
قل للملوك وأن كانت لهم همم تأوي إليها الأماني غير متّئدِ
إذا وصلت بشاه شاه لي سببا فلن أبالي بمن منهم نفضت يدي
من اوجه الشمس لم يعدجل بها قمرا يعشو إلى ضوءه لو كان ذا رمدِ
فلما كان من الغد وافاه فدفع إليه خمسين مثقالا مصرية وكسوة وأعلمه انه غناه، وجود الإظهار لفظه ومعناه، وكرره حتى أثبته في سمعه وقرره، فسأله عن قائله فأعلمه يقتله، وكلمه في رفع خلته، فأمر له بذلك وكتب إلي يستعتبني: طويل
كتب ولو وفّيت برّك حقّه لما اقتصرت كفّي على رقم قرطاسِ
ونابت عن الخطّ الخطا وتبادرت فطورا على عيني وطورا على راسي
سل الكاس عنّي هل أديرت فلم أصغ مديحك ألحانا يسوغ بها كاسي
وهل نافح الآس الندامى فلم أدع ثناءك أذكى من منافحة الآسِ
وله: طويل
قصدت على أن الزيارة سنّة يؤكّدها قرض من الودّ واجبُ
فألفيت باب سهّل الله فتحه ولكن عليه من عبوسك حاجبُ
موضت ومرّضت الكلام تثاقلا إليّ إلى أن خلت أنّك عايبُ
فلا تتكلّف للعبوس مشقّةً سأرضيك بالهجرانٍ إذ أنت غاضبُ
فما الأرض تدمير ولا أنت أهلها ولا الرزق أن أعرضت عنّي حاجبُ
وأرى علي غفارة وخاتما كلاهما مستغرب فوجه إلي في الغفارة فبعثتها غليه فكتب إلي: طويل
نشقنا من المجد الموثلّ نفحة تزيد على الندّ المثلّث والمسكِ
وما ذاك إلاّ أن سالت فجاد لي أبو نصر الأعلى ببرنسه المسكِ
ينظم في جيد المعالي قلائد هي الدرّ للجدوى وعلياه للسلكِ
إذا ختمت يمناه منّي عاطلا خلعت على اليسرى به خاتم الملكِ
[ ٢٨٧ ]
وأن محكت أيدي اللئام بشكرها محكت فلم اجعل بلأي ولا محكم