نسب ما وراءه منتسب ولا مثله حسب شرف باذخ تعقد بالنجوم ذوائبه، وتحل في مفرق النسر ركائبه، استفتحت الأندلس وقومه أصحاب رايات، وأرباب أماد في السبق وغايات، واستوطنوها فغزوا بحور مواهبها، وبدور غيابها، وجاء أبو الحسن أخرهم، فجدد مفاخرهم، وأحيا الرفاة، وأغنى العفاة، فبماذا أصفه وقد بهر، وبدا فضله كالصبح إذا اشتهر، وبماذا أحليه وعنه تقصر الحلى، وبه يتزين الدهر ويتحلى، ولكني أقول هو بحر زاخر، وفضل سواء أوائله والأواخر، تفخر به الدنيا وتزهى، وهو للعليا سماك وسهى، إذا جاد همى غيثا، وان صال غدا ليثا، ولي القضاء فهيب أنكاره، وانجلى من أفق الدين غيمه وعتكاره، وحييب به الرعايا، ولويت السن البغي والسعايا، وله سجايا برئت من الزهو، وأحكام عوفيت من الغلط والسهو، سقته العلوم زلالها، ومدت عليه ظلالها، وأرقته الجلالة هضابها، وأرشفته الأصالة هضابها، فلا في سماء العلاء بدرا، وصار في فناء السناء صدرا، عدلا في أحكامه، خزلا في نقضه وأبرامه، وله نظم متع الصفات، أحلى من الرشفات، وقد أتت منه ضروبا، لا تجد لها ضريبا، أخبرني ذو الوزارتين أبو جعفر بن أبي ﵀ أنه كتب إليه شافعا لأحد الأعيان فلما وصل إليه بره وأنزله، وأعطاه عظاء استعظمه واستجزله، وخلع عليه خلعا، وأطلعه من الجلال بدرا لم يكن له متطلعا، ثم اعتقد أنه جاء مقصرا، فكتاب إليه معتذرا. طويل
[ ٢١٥ ]
ومستشفع عندي تجير الورى عندي وأولاهم بالشكر منّي وبالحمد
وصلت فلمّا لم أقم بجزائه لففت له راسي حياء من المجد
ومن باهر جلاله، وظاهر خلاله، انه أعف الناس بواطن، وأشرفهم في التقى مواطن، ما علمت له صبرة، ولا حلت له إلى مستفزة حبرة، مع عدل لا شيء يعدله، وتحجب عما يتقى ما يرسل عليه حجابه ويسدله، وكان لصاحب البلد الذي كان يتولى به القضاء ابن من أحسن الناس صورة، وكانت محاسن الأقوال والأفعال عليه مقصورة، ما شئت من لسن، وصوت حسن، وعفاف، واختلاط بالبهاء والتفاف، فحملنا إلى إحدى ضياعه بقرب من حضرة غرناطة فحللنا قرية على ضفة نهر، أحسن من شاذ مهر، تشقا جداول كالصلال، ولا ترمقها الشمس من تكاثف الظلال، ومعنا جملة من أعيانها فأحضرنا من أنواع الطعام وأرانا من فرط الأكرم والأنعام، ما لا يطاق ولا يحد، ويقصر عن بعضه العد، وفي أثناء مقامنا بدا لي من ذلك الفتى المذكور ما أنكرته فقابلته بكلام أحقده، وملام اعتقده، فلما كان من الغد لقيت منه اجتنابه، ولم أر منه ما عهدته من النابة، فكتبت إليه مداعبا فراجعني بهذه القطعة. طويل
أتتني أبا نصر نتيجة خاطر سريع كرجع الطرف في الخطراتِ
فأعرب عن وجد كمين طويته بأهيف طاو فاتر اللحظاتِ
غزال أحم الملقتين عرفته بخيف منى للحين أو عرفاتِ
رماك فاصمى والقلوب رميّة لكلّ كحيل الطرف ذي فتكاتِ
وظنّ بانّ القلب منك محصّب فلبّاك من عينيه بالجمرات
تقرّب بالنساك في كلّ منسك وضّحى غداة النحر بالمهجاتِ
وكانت له جيّان مثوى فأصبحت ضلوعك مثواه بكّل فلاةِ
يعزّ علينا أن تيهم فتنطوي كئيبا على الأشجان والزفراتِ
فلو قبلت للناس في الحبّ فدية فديناك بالأموال والبشراتِ
ومن غيثار ديانته، وعلامة حفظه للشرع وصيانته، وقصده مقصد المتورعين، وجريه جري المتشرعين، أن أحد أيعان بلده كان متصلا به اتصال الناظر بسواده، محتلا في عينه وفؤاده، ولا يسلمه إلى مكروه، ولا يفرده في حادث يعروه، وكان من الأدب في منزلة تقتضي أسعافه، وتورده من تشفيعه في مورد قد عافه، فكتب
[ ٢١٦ ]
إليه ضارعا في رجل من خواصه اختلط بمرآة طلقها، ثم تعلقها، وخاطبه في ذلك بشعر فلم يسعفه وكتب إليه مراجعا، متقارب.
إلا أيّها السّيد المجتبى ويا أيهّا الألمعيّ العلم
أتتني أبياتك المعجزات بما قد حوت من جميع الحكم
ولم أر من قبلها بابلا وقد نفثت سحرها في الكلم
ولكنّه الدين لا يشترى بنثر ولا بنظام نظم
وكيف أبيح حمى مانعا وكيف أحلّل ما قد حرم
الست أخاف عقاب الإله ونارا مؤججّة تضطرم
أأصرفها طالقة بتة على أنوك قد طغى وأجترم
ولو أن ذاك الغبي الجهول تثبّت في أمره ما ندم
ولكنه طاش مستعجلا فكان أحقّ الورى بالندم
وكتب في غرض عن له القول فيه: بسيط
يا ساكن القلب رفقاكم تقطعه الله في منزل قد ظلّ مثواكا
يشيّد الناس للتحصين منزلهم وأنت تهدمه بالعنف عيناكا
والله والله ما حبّى لفاحشة أعاذني الله من هذا وعافاكا
وله في مثل ذلك: بسيط
روحي لديك فردّيها إلى جسدي من لي على فقدها بالصبر والجلدِ
بالله زوري كئيبا لا عزاء له وشرفيه ومثواه غداة غدِ
لو تعلمين بما ألقاه يا أملي بايعتني الودّ تصفيه يدا بيدِ
عليك منّي سلام الله ما بقيت أثار عينك في قلبي وفي كبدي
وله يتوجع من الفراق. كامل
أزف الفراق وفي الفؤاد كلوم ودنا الترحل والحمام يحومُ
قل للأحبّة كيف أنعم بعدكم وأنا أسافر والفؤاد مقيمُ
قالوا الوداع يهيج منك صبابة ويثير ما هو في الهوى مكتومُ
فلت اسمحوا لي أن أفوز بنظرة ودعوا القيامة بعد ذاك تقومُ
ولما انتهز ابن رذمير في سرقسطة أعادها الله ووقمه، فرصة أسهرت العيون وأرقتها، وطرقت النفوس من ذلك بما طرقتها، انتدب الأمير عبد الله بن مزدلي
[ ٢١٧ ]
﵀ دون أن يندب، والمسلمون ينسلون معه غليها من كل حدب، وشمر تشمير البطل المغوار، وعمر عليها النجاد والأغوار، حتى دخلها والعدو صاغر، وأطل عليه منه أسد فاغر، وحصره في أخبيته ووقف له في ثنيته، لم ينله أنتهاب نعم ولا بهم، فاستبشر المسلمون بمضائه، واستظهر الدين بانتضائه، لولا ما عاجله الحمام، وساجله بيد أمضى من الحسام فخط الردى هناك موضعه، واثكل فيه الإسلام وفجعه، وعند أرغامه لابن رذمير، وإيغاله في شعابه بالخراب والتدمير، كتب غليه القاضي أبو الحسن يمدحه ويذكر منابه. بسيط
يا أيها الملك مضمون لك الظفر أبشر فمن جندك التأييد والقدرُ
وأب لنا سالما والسعد مقتبل والدين منتظم والكفر منتثر
وقد طلعت على البيضاء من كثب كما تطلّع في جنح الدجا القمرُ
حللت في أرضها في جحفل كما يحل بها في الأزمة المطرُ
وحولك الصيد من لمتونة وهم أبطال يوم الوغى والنجم الزهرُ
والعرب ترفل فوق الغرب سابحة كالسد ليس لها إلاّ القنا ظفرُ
من كلّ أروع وضّاح عمامته كالبدر نحو لقاء الجيش يبتدرُ
شعاره البرّ والتقوى ومونسه في ليلة رمحه والصارم الذكرُ
ذوابة المجد من قحطان كلّهم أبوهمُ حمير ذو المجد أو مضرُ
ومن زناتة أبطال غطارفة ذووا تجارب في يوم الوغى صبرُ
ولمطة وهمُ أهل الطعان لدى ال هيجاء في زمر تقتادها زمرُ
كأنّهم في جبين المجد إذا ركبوا مصممين إلى أعدائهم غررُ