كاتب مجيد، وفاضل مجيد، انخفض عن الارتفاع، ونفض يده من الانتفاع، فلم يلح في سماء، ولم يرد مورد ماء، وكانت له نفس عليه، تزهو بها الجوانح والضلوع، وسجية سنية، يعبق منها الفضل ويضوع، وما زال يغص بالأيام وحالها، ويتنغص بباطلها ومحالها، حتى أضله الحمام وغشاه، وأجنه التراب في حشاه، وقد أثبت من كلامه ما تنشرح له النفوس، ويلذ بسماعه الجلوس، دخلت حمة بجانة ليلًا وجفونها بالظلام مكتحلة، ومتونها من الأنس ممحلة، فتشوفت مستوحشًا، ووقفت منككشا، لا أجد أين أريح، ولا أرى مع من استريح، فبعد ونية، لقيني من أنزلني بها في منية، نائية عن الديار، خالية من العمار، فما حططت حتى وافاني رسوله يتحمل رغبته في الانتقال إليه، والنزول عليه، فاعتذرت له، وشكرت تطوله وتفضله، فما كان غير بعيد حتى وافاني مسليًا لي ومونسًا، وأعاد لي المكان مكنسا، وبتنا بلية لم أجد للدهر غيرها، ولم أحمد إلا طيرها، ولما كان الغلس تركني مزمعًا، وانفصل عني مودعا، فلما حل بموضعه كتب إلي، استكمل الله تعالى لثمني الوزارة سعادة، واستوصله من سموها عادة، وأسأله المسرة بدنوها معادة، كيف لا أراقب مراقي النجوم، وأطالب مأقي العين
[ ١٦٤ ]
بالسجوم، وقد أذنر بالفراق منذر، وحذر من لحاق البين محذر، ويا ليت ليلنا غير محجوب وشمسنا لا تطلع بعد وجوب، فلا نروع بانصداع ولا نفجع بوداع، حسبنا الله كذا بنيت هذه الدار، وابني سبحانه أن تصل شمس أنسنا الأقدار ولعلها تجود بعد لأي، وتعود إلى احسن رأي، فتنطر رحيلا، وتعمر ربعا محيلا، وكنت كثيرًا ما أخاطبه على البعد، وأواصله بتجديد العهد، فوافى بلنسية فلم يمكن لقاؤه، ولم يتمكن بقاؤه، فارتحل وكتب إلي، يا سيدي المخول كريم الصفاء، المفضل في زمرة ذوي الخاء، الموهل للمحافظة على الوفاء، ومن لا عدمت من أمره أنصافًا، ومن بره أسعافا، ودنا كالسراب بعده أنس، وقربه يأس، وعهدنا كالشباب حظه مبخوس، وفقده تتوجع منه النفوس، فنحن نتجمع بالسؤال، ونتمتع بالخيال، ونلتقي على الناي تمثلًا، ولا نبتغي في الحي تأملا، وما كذا الفت الحميم، ولا على هذا خلفت الرأي الكريم، ولا ادري لعل الأقطار خواص تغير، وللأحرار أخلاق تسير، فيجب أن أعد لكل خلق خلقا، واسلك في معاشرة الناس طرقا، مقال لو كان حقا، وألفي من قائله صدقا، وأنا وهو بالاحتمال قمين، وبحسن التأويل ضمين، ولكنها زفرة شوق لعج، وضجرة توق هأيج، تثور ثم تسكن، وتتأمل عينها فتحسن، وحبذا فعل الصديق كيف تقلب، ومذهبة حيث ذهب، وأكرم بقدره ما انجب، وبذكره ما أطيب وأعذب، لازلت أمتع ببقائه، ولا أمنع من لقائه، بمنه، وكتب إلى الرئيس أبي عبد الرحمن بن طاهر وقد وصل بلنسية ليلًا، لا اشتكي من اليل طولا، ولا أذم جنحه موصولا، وقد زادت بي حال صباحه، وكافحني أشد كفاحه، ووصلت البارحة على حين هجع السمير، وامتنع إلى حذرة المجد المسير، وفي يومنا للرجاء امتداد، وللوفاء ميعاد، ولدي شوق يطير بي إليه مطارا، ولا يوجد ما دونه استقرار، فسكنت من استطارته قليلًا، وبردت من برحائه غليلا، وعبرت في مبادرة الحق ومواصلة البرسبيلا، والله عز وجهه يعيد إلى أفقنا حسن ضيائه، ويعين في المتعين على قضائه، لا شريك له والسلام الأتم يتردد على الولي الوفي ورحمة الله تعالى وبكاته، وكتب إلى القاضي أبي الحسن بن واجب، أينقضي يوم الصب وقد عذبنا ليلة أرقا، وفرق القلب فرقا، ويقبل جنحه وقد حجب عنا فلقا، واجرى العيون علقا، فسال منها ماء دفقا، وتعسا للمطي وان جد بنا الماما، حين أوردنا ظلاما،
[ ١٦٥ ]
ووافى بنا الحي نياما، وكنت احببت مصابحة مجده فعاجلني مباكرة الغمام، وفاجأني غيثه مبادرة بالانسجام، فلم يمكني أن ابلغ من ذلك أملا، ولا أن أرد به منهلا، ولا عتب إلا على الزمان فيما أذنب، ولو شاء لرضى وأعتب، واتخذته تحية مشتاق، ورائد تلاق، وبدي أن ينجلي الغمام منجابا، ويكتسي غدنا من الصحو جلبابا، فأنال فيه من هذا الحظ وفورا، وأمل به جذلا وحبورا، أن شاء الله تعالى، وكتب وقد أهدى إليه مشموم ورد، زارنا الورد بأنفاسك، وسقانا مدامة الأنس من كاسك، وأعاد لنا معاهد الأنس جديدة، وزق إلينا من فتيات البر خريدة، فأحمر حتى خلته شفقا، وأبيض حتى أبصرته من النور فلقا، وارج حتى كان المسك من ذكائه، وتضاعف حتى قلت من حيائه، فليتصور شكري في مرءاه،
وليتخيله في نفحته ورياه، أن شاء الله تعالى.