بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد للّه الذي راض لنا البيان حتّى انقاد في أعنّتنا. وشاد مثواه في أجنّتنا. وذلّل لنا من الفصاحة ما تصعّب فملكناه. وأوضح لنا من مشكلاتها ما تشعّب فسلكناه. فصار لنا الكلام عبدا يجيب إذا ناديناه. وسهما يصيب الغرض إذا رميناه. وصلّى اللّه على سيدنا محمّد الذي بعثه بشيرا ونذيرا وَداعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِراجًا مُنِيرًا
(وبعد) فإنّ الأدب أجمل ما التحفته الهمّة. وعرفته هذه الأمّة. فإنّه مطلق اللّسان من عقال، ومنطق الإنسان بصواب المقال. وله من النثر والنظم نجمان، صارت القلوب لهما فلكا. والخواطر مسلكا. وما زالت صدور الملوك لهما محلا، ولبّاتهم بهما تتحلّى. ومجتمعاتهم ميدان مجالهما. ومكان رويتهما وارتجالهما. ترتشف فيها ثغورهما. ويقطف لديها نورهما. وكان النّدى يسقيهما فيثمران بالإبداع. ويسفران عن محاسن كالصّبح عند الانصداع. ثمّ تقلّص ذاك البرد الضّافي. وتكدّر ورد الأمل الصّافي. وزهد
[ ٢ ]
في اقتناء المعارف. وعريت الهمم من تلك المطارف. ورمت المحاسن أغراض المطالب فما أصابت. وهمت البدائع فلم توقع لها الرّغائب حين صابت. وكلّت الخواطر، وأقشعت سحائبها المواطر، فأصبح الأدب قد دجت مطالعه، وخوى طالعه.
(ولمّا) رأيت عنانه في يد الامتهان، وميدانه قد عطل من الرّهان، وبواتره قد صدئت في أغمادها، وشعله قد قذيت برمادها، تداركت منه الذّماء الباقي، وتلافيت له نفسا بلغت التّراقي، وانتخبت منه لمعا كالسّيوف المرهفة، والشّفوف المفوّفة قد ثقفت تثقيف القداح، وأبرزت كالنّاهد الرّداح. وانتقيت من توليده المخترع، وتجويده المبتدع، لمحا يهزّ لها الزّمان عطفه انتشاء، وتروق كالنّجوم طلعت عشاء، وضممتها إلى صوان يحفظها، وديوان يبديها للعيون فتلحظها، ليعلم أنّ بالأوان افتنانا، جرّت له العوائق بنانا وبيانا فأبقت منه أثرا لا عيانا، ورجالا لم يفصح لإبداعهم مجالا، فتلفّعت محاسنم بنقابها، وتوارت كالأراقم في أنقابها، فأظهرت ما خفي من فخارهم، ودلّلت على مراتبهم في المعارف وأقدارهم، واستثبتّ في انتقاء من أثبتّ، وانتخبت ما جلبت، وشنّفت ما صنّفت، حتّى أتى وكأنّ البدر في لبّته، ونسيم المسك من هبّته، تجنح إليه الأفكار جنوح الطّير إلى الأوكار، وتكلف به الخواطر كلف المعطس بالنّسيم العاطر. ولم يزل شخص الأدب وهو متوار وزنده غير وار، وجدّه عاثر، ومنهجه داثر. إلى أن أراد اللّه اعتلاء اسمه وإحياء رسمه، وإنارة أفقه، وإعادة رونقه، فبعث من الأمير الأجلّ أبي إسحاق إبراهيم بن يوسف بن تاشفين، ملكا عليّا، غدا للبّة المجد حليّا، وهمى على الأمّة وسميّا دوليّا، ألبس الدّنيا جمالا، جدّد لأهلها آمالا ناهيك به من ملك عالي، ناظم لأشتات المعالي. فأصبح الدّين منبسطا في نواحيه، مغتبطا بمناحيه، واليم فرقا من جوده، مفترقا في أغواره ونجوده، والبأس مزدهيا بمضائه، مكتفيا بانتضائه، والحزم مستبصرا بمنازعه، مقتصرا على أجازعه، يحمي الحقيقة، ويرمي إلى أغراض النّعمان بن الشقيقة، لو جاوره كليب ما طرق حماه، أو استجار به أحد من الدّهر لحماه، أو كان بحفر الهباءة، ما انتضى قيس سيفه، ولا قضى وطرا من خمل وحذيفة. أو كان بوادي الأخرم لطاف به ربيعة وأحرم، أو استنجده الكنديّ ما كسي الملاءة، أو كان حاضر
[ ٣ ]
بسطام ما توسّد على الألاءة، تهابه النّفوس إذا رمقته أبصارها، وتلجأ إليه الرّياح إذا أرهقها إعصارها. لو دعا الأسد الورد لأجاب، أو أومأ إلى اللّيل البهيم لانجاب. ولو قعدت بين يديه الأطواد لتحرّك سكونها، أو عصته الطّير ما آوتها وكونها، مع عفاف كفّ حتّى عن الطّيف، وحكى المحرمين بالخيف، وندى خرق العوائد. وأورق عوده في يد الرائد. وسجايا تنجلّى بها الظّلماء، كأنّ مزاجها عسل وماء.
(ولمّا) أنارت به تلك الآفاق، وعاد به كساد الفضل إلى النّفاق، رأيت أن أخدم مجلسه العالي بزفّ الكتاب إليه، وأشرّف محاسنه بمثوله بين يديه. فوسمته باسمه، وكسوته نور وسمه، وجلبت العلق إلى مميّزه، وأجريت الجواد في ميدان محرزه، وأطلعت شمس النّبل في أفقها، وأتيت ببضاعة الفضل إلى منفّقها، واللّه وليّ التوفيق في ما قصدت، والكافي من الخطأ في الذي سردت، فعليه كان معوّلي وبه حسن تأوّلي لا إله إلّا هو، ربّ العرش العظيم.