قال أبو طالب المكِّي في "قوت القلوب" في ذكر طريقة السَّلف: قيل للحسن
_________________
(١) رواه البخاري (١١٥٤).
(٢) ساقطة من: ع.
(٣) ساقطة من: ع.
(٤) ساقطة من: ض.
(٥) ساقطة من: ع.
(٦) ساقطة من: ع.
(٧) انظر ترجمته في "معرفة الصحابة" لأبي نعيم الأصبهاني (٢/ ٦٨٦ - ٦٨٨)، و"الاستيعاب" لابن عبد البر (١/ ٣٣٤ - ٣٣٥)، و"أسد الغابة" لابن الأثير (٢٤٧)، و"سير أعلام النبلاء" للذهبي (٢/ ٣٦١ - ٣٦٩)، و"الإصابة" لابن حجر (٢/ ٣٩ - ٤٠).
[ ١ / ٢١٨ ]
البصري: يا أبا سعيد، إنك تتكلم في هذا العلم (^١) ما لم نسمعه من أحد غيرك، فممَّن أخذت هذا العلم؟ فقال: من حذيفة اليماني. قيل: فقالوا لحذيفة: نراك تتكلَّم في هذا العلم بكلام لم نسمعه من أحد من أصحاب رسول الله ﷺ، فمن أين أخذته؟ قال: خصَّني به رسول الله ﷺ، كان الناس يسألونه عن الخير وكنت أسأله عن الشر مخافة أن أقع فيه (^٢)، وعلمت أنَّ من لا يعرف الشرَّ لا يعرف الخير، وكان الناس يقولون: ما لمن عمل كذا وكذا؟ يسألونه عن فضائل الأعمال، وكنت أقول: يا رسول الله ما يفسد كذا وكذا، فلمَّا رآني أسأل عن آفات الأعمال خصّني بهذا العلم (^٣).
[وكان حذيفة ﵁ قد خصَّ بعلم المنافقين، وأُفرد بمعرفة علم النفاق، وسرائر العلم ودقائق الفهم وخفايا اليقين من بين الصحابة. وكان عمر وعُثمان وأكابر الصحابة يسألونه عن الفتن العامة والفتن الخاصة، ويرجعون إليه في العلم الذي خُصَّ به، ويسألون عن المنافقين، وهل بقي منهم ممن ذكر الله تعالى عنهم أحد، فكان يُخبر بأعدادهم ولا يذكر أسماءهم، وكان عمر ﵁ يكتشفه عن نفسه، وكان إذا دعي إلى جنازة ليصلِّي عليها، [نظر] فإن حضر حذيفة صلى عليها] (^٤).
وكان حذيفة يسمى صاحب السرِّ [إلى هنا من "قوت القلوب".
ذكر الكَرْدَري حافظ الدِّين بن البَزَّازي في "كتاب مناقب أبي حنيفة ﵀":
_________________
(١) ساقطة من: ع.
(٢) ض: عليه.
(٣) انظر: "قوت القلوب" للمكي (١/ ٢٥٨). وروى البخاري (٣٦٠٦)، ومسلم (١٨٤٧) عن حذيفة ﵁ قوله: "كان الناس يسألون رسول الله ﷺ عن الخير، وكنت أسأله عن الشر مخافة أن يدركني".
(٤) ساقطة من: ع.
[ ١ / ٢١٩ ]
جميع الناس كانوا يستفتون في الحوادث ويرجعون إلى أبي موسى الأشعري، وحذيفة اليماني بالعراق.
وفي "المعارف" ذكر ابن قتيبة: روى أشعث عن الحسن أنّه قال: كان حذيفة رجلًا من عبس، وهو أبو قبيلة من اليمن، فخيَّره رسول الله ﷺ فقال: "إنْ شئْتَ كنْتَ من المهاجرين، وإن شئْتَ كنْتَ من الأنصار"، (فقال: من الأنصار) (^١)، فقال "فأنت منهم" (^٢).
هلك حذيفة بالكوفة بعد قتل عُثمان وأوّل خلافة علي ﵃] (^٣).
وفي "ثمرات الأوراق" لابن حِجَّة الحَمَوي الحنفي قال: ومن لطائف ما نقله القُرْطبي في الأعلام: أنَّ الأنصار الذين نصروا النبيَّ ﷺ كانوا من أولاد العلماء الذين كانوا مع تُبَّع الأوَّل فيما ذكر ابن إسحاق، وكان تُبَّع من الخمسة الذين كانت لهم الدنيا بأسرها، وكان كثير الوزراء، فاختار منهم واحدًا وأخرجه معه لينظر في ملكه.
وكان إذا دخل بلدة اختار من حكمائها عشرة رجال، وكان معه من العلماء والحكماء مئة ألف رجل هم الذين اختارهم من البلدان، وهذا القدر (ليس محسوبا من الجيش) (^٤)، فلما انتهى إلى مكة لم تخضع له أهل مكة كخضوع أهل سائر البلاد، ولم تعظِّمه، فغضب لذلك، ودعا وزيره، وكان اسمه عماريا، فقال له: كيف شاهدت هذه البلدة، فإنهم لم يهابوني ولم يخشوا عسكري؟
_________________
(١) ساقطة من: أ.
(٢) المعارف، ١: ٢٦٣.
(٣) ساقطة من: ع.
(٤) ض، ع: (غير محسوب من الحسن).
[ ١ / ٢٢٠ ]
فنزل بعسكره ببطحاء مكة، وعزم على هدم البيت وقتل الرِّجال وسبيهم، فأخذه الصُّداع (^١)، وتفجّر من عينيه (وأذنيه، وفمه) (^٢) ماء نتن، فلم يصبر أحد عنده ساعة واحدة من (نتن الريح) (^٣)، وقال لوزيره: اجمع العلماء والحكماء والأطباء، فلم يقدروا على الجلوس عنده، وعجزوا من مداواته، وقالوا: نحن نقدر على مداواة ما يعرض من أمور (^٤) الأرض، وهذه من السماء، فلا نستطيع له.
ثم اشتدّ أمره وتفرَّق النَّاس عنه، ولم يزل أمره في شدَّة، فلما أقبل الليل جاء أحد العلماء إليه وخلا (بمجلس الملك) (^٥)، فقال له (^٦): أيها الملك أنت نويت لهذا البيت سوءًا؟ قال: نعم، نويْتُ خرابه، وقتل رجاله، فقال له العالم: هذه النيَّة أحدثت لك هذا الدَّاء، وربُّ هذا البيت قادر يعلم الأسرار، فبادر وأخرج من قلبك ما نويْتَ، قال الملك: قد أخرجْتُ ذلك من قلبي ونويْتُ لهذا البيت ولأهله كلَّ خير، فلم يخرج العالم من عنده إلا وقد عافاه الله تعالى من علَّته، فآمن بالله من ساعته، وخلع على الكعبة سبعة أثواب، وهو أوَّل من كسا البيت.
ثم خرج إلى يثرب، وهي يومئذ بقعة فيها عين ماء ليس فيها بيت، فنزل على رأس العين هو وعسكره وجميع العلماء الذين كانوا (^٧) معه، ومعهم رئيسهم عماريا
_________________
(١) ض، أ: بالصداع.
(٢) ع: ومناخره.
(٣) ع: (شدة النتن).
(٤) ساقطة من: ع.
(٥) ع: به.
(٦) ساقطة من: ع.
(٧) ساقطة من: ع.
[ ١ / ٢٢١ ]
الذي يرى الملك برأيه، ثم (^١) إنَّ العلماء والحكماء (^٢) خرجوا من بينهم أربعمئة وهم أعلمهم، وبايع كلٌّ منهم صاحبه أن لا يخرجوا من ذلك المقام وإنْ قتلهم، فلما علم الملك بما عزموا عليه قال للوزير: ما شأنهم يمتنعون من الخروج معي؟ قالوا: إنَّ ذاك البيت وهذه البقعة تشرفان برجل يُبْعَث في آخر الزَّمان اسمه محمَّد ووصفوه، ثم قالوا: طوبى لمن أدركه، ونحن على رجاء أن ندركه أو يدركه أولادنا.
فتفكَّر الملك، وهمَّ أن يقيم معهم رجاء أن يدرك محمدًا ﷺ، فلما لم يتيسَّر له المقام، أمر الناس أن يبنوا أربعمئة دار على عدد العلماء والحكماء، وأعطى كل واحد (^٣) منهم جارية، فأعتقها وزوَّجه بها، وأعطى كلَّ واحد منهم (^٤) مالًا جزيلًا، وأمرهم أن يقيموا في ذلك المقام (^٥) إلى أن يجيء زمان النبيّ ﷺ، ثم كتب كتابًا وختمه بخاتمه (من ذهب) (^٦)، ودفعه إلى عالمهم الكبير، وأمره أن يدفع الكتاب إلى محمَّد ﷺ إن أدركه، وإلَّا يوصي أولاده [(بعلم ما) (^٧) أوصاه به] (^٨)، وكذلك أولاد الأولاد حتى يتَّصل بمحمَّد ﷺ.
وكان في الكتاب: إلى محمَّد بن عبد الله نبيِّ الله ورسوله، وخاتم النَّبيين، من تُبَّع الأوَّل حِمْيَر بن وردع؛ أما بعد: فإني آمنت بك وبكتابك الذي أُنزل عليك، وأنا على
_________________
(١) ساقطة من: أ.
(٢) ساقطة من: ع.
(٣) ساقطة في ض، أ.
(٤) ساقطة من: ع.
(٥) ع: المكان.
(٦) ساقطة من: ع.
(٧) أ: (معلمًا بما).
(٨) ساقطة من: ع.
[ ١ / ٢٢٢ ]
دينك وسُنَّتك، وآمنت بربك وبكلِّ ما جاء من ربك من شرائع الإسلام، فإن أدركتُكَ فبها ونعمت، وإلَّا فاشفع لي ولا تنسَني يوم القيامة، فإني من أمَّتك الأولين، وقد بايعتُكَ قبل مجيئِكَ، وأنا على ملَّتك وملَّة إبراهيم أبيك ﵇.
ثم ختم الكتاب ونقّش عليه: لله الأمرُ من قبلُ ومن بعدُ، ودفع الكتاب إلى الرجل العالم الذي أبرأه من علَّته، وسار من يثرب حتى وصل إلى بلاد الهند فمات بها، وكان من اليوم الذي مات فيه تُبَّع إلى اليوم الذي بُعث فيه النبيّ ﷺ ألف سنة (لا تزيد ولا تنقص، وكان الأنصار الذين ينصروا النبيّ ﷺ من أولاد أولئك العلماء الحكماء) (^١).
* * *