ثمَّ ولِيَها حَنْظَلة بْن صَفْوَان باستخلاف أخيه بِشْر لَهُ عليها، فأَقرّه يزيد بن عَبْد الملك فجعل عَلَى شُرَطه محمد بْن مطير البلَويّ، ثمَّ عزله فِي سنة ثلاث ومائة وجعل عَلَى شُرَطه القاسم بْن أَبِي القاسم بْن زر السَّبَائيّ مولًى لهم، وخرج حَنْظَلة إلى الإسكندريَّة فِي سنة ثلاث ومائة واستخلف عَلَى الفُسطاط عُقبة بْن مُسلم التُّجِيبيّ حليف بني الدعان بْن سعد بْن تُجيب، وكتب يزيد بْن عَبْد الملك فِي سنة أربع ومائة يأْمر بِكَسْر الأصنام، فكُسِرت كلّها ومُحِيَت التماثيل، وكُسِر فيها صَنم حمَّام زَبَّان بن عَبْد العزيز، الَّذِي يقال لَهُ: حمَّام أَبِي مُرَّة، وله بقول كُرَيب بْن مَخْلد الجَيْشانيّ:
مَنْ كَانَ فِي نَفْسِهِ للْبِيض مَنْزِلَةٌ … فَلْيَأْتِ أَبْيَضَ فِي حمَّامِ زَبَّانِ
عَبْلٌ لَطِيفٌ هَضِيمُ الكَشْحِ مُعْتَدِلٌ … عَلَى تَرَائِبِهِ فِي الصَّدْرِ ثَدْيَان
وقدِم بِشر بْن صَفْوان من إِفْريقيَّة وافدًا إلى أمير المؤمنين يزيد فِي سنة خمس ومائة، فلمَّا صار فِي أرض مصر بلغه أنَّ يزيد قد تُوُفّي، فرجع إلى إفريقيَّة.
وكانت وفاة يزيد بْن عَبْد الملك فِي شعبان سنة خمس ومائة، وبُويع هِشام بْن عَبْد الملك، فاستقبل بخلافته شهر رمضان، ثمَّ صرف حَنْظلة بْن صَفْوَان عَنْهَا فِي شوَّال سنة خمس ومائة، فكانت ولايته ثلاث سنين.
محمد بْن عَبْد الملك بْن مَرْوان بْن الحكَم بْن أَبِي العاصِ بْن أُمَيَّة بْن عَبْد
[ ٥٥ ]
شمس بْن عَبْد مَناف
ثمَّ ولِيَها محمد بْن عَبْد الملك من قِبَل أخيه هِشام عَلَى صلاتها، دخلها يوم الأربعاء لإحدى عشرة ليلة خلت من شوَّال سنة خمس ومائة فجعل عَلَى شُرَطه حَفص بْن الوليد بْن يوسف الحضْرَمي، ووقع بمصر وباء شديد، فترفّع محمد بْن عَبْد الملك إلى الصعيد هاربًا من الوباء أيَّامًا، ثمَّ قدِم من الصعيد وخرج عَنْ مِصر لم يلِها إلَّا نحوًا من شهر.
حَدَّثَنَا أَبُو بِشْر الدُّولابيّ، قَالَ: حَدَّثَنِي معاوية بْن صالح الأَشعريّ، قَالَ: أخبرني منصور بْن أَبِي مُزاحم، قَالَ: سمِعت أَبَا عُبَيْد اللَّه، يَقُولُ: " ولَّي هِشام أخاه محمدًا مِصر.
فقال لَهُ: أَنَا أَليها عَلَى أنك إن أمرتني بخلاف الحقّ تركتُها.
فقال: ذَلكَ لك.
فولِيَها شهرًا، فأتاه كتاب لم يُعجِبْه، فرفض العمَل وانصرف إلى الأُرْدُنّ، وكان منزِله بها فِي قَرْية، يُقال لها: ريسون، فكتب: أَتترك مِصر لريسون حسرة، ستعلَم يومًا أي بيعتك أَربح، قد أَدرك هِشام مثل هذا.
فأجابه محمد: إنِّي لست أشكّ فِي أن أربح البيعتين ما صنعتُ "
الحُرّ بْن يوسف بْن يحيى.
بْن الحكم بْن أَبِي العاص بْن أُمَيَّة بن عَبْد شمس بْن عَبْد مَناف ثمَّ ولِيَها الحُرّ بْن يوسف من قِبَل هشام عَلَى صلاتها، دخلها لثلاث خلونَ من ذي الحجَّة سنة خمس ومائة، فأَقرّ حَفْص بْن الوليد عَلَى شُرَطه، وفي إمرة الحُرّ كتب عُبَيْد اللَّه بْن الحَبْحاب صاحب خَراجها إلى هِشام بأن أرض مصر تحتمل الزيادة، فزاد عَلَى كلّ دينار قيراطًا، فانتقضت كُورة تنو، وتُمَيّ، وقُرْبَيْط، وطُرابِيَة، وعامَّة الحَوْف الشرقيّ،
[ ٥٦ ]
فبعث إليهم الحُرّ بأهل الديوان، فحاربوهم، فقُتل منهم بَشَر كثير، وذلك أوَّل انتقاض القِبط بِمصر، كَانَ انتقاضهم فِي سنة سبع ومائة، ورابط الحُرّ بْن يوسف بدِمْياط ثلاثة أشهُر من سنة سبع ومائة واستخلف عليها حَفْص بْن الوَليد، ثمَّ وفد الحُرّ إلى هِشام فِي شوَّال سنة سبع ومائة واستخلف على الفُسطاط حَفْص بْن الوليد، وقدِم فِي ذي القعدة، وكتب الحُرّ إلى هِشام يُعْلمه: أن النِّيل قد انكشف عَنْ أرض ليست لمُسلم ولا لِمُعاهد، فإن رَأَى أمير المؤمنين أن يأذَن بالبِناء فيها فإنَّ الناس مضطرّون إليها، فأَذِن لَهُ فِي بِنائها قيساريَّة، فابتدأ فِي بِنائها فِي رجب سنة سبع ومائة، وفرغ منها فِي سنة ثمان ومائة، وهي قيساريَّة هِشام التي عند الجِسر.
وفي سنة ثمان ومائة تباعد ما بين الحُرَّ بْن يوسف، وعبيد اللَّه بْن الحَبْحاب صاحب الخَراج، وكتب عُبَيْد اللَّه إلى هِشام يشتكي الحُرّ وكتب يستعفي من وِلايتها، فصرفه هِشام فِي ذي القعدة سنة ثمان ومائة، فكانت ولاية الحُرّ عليها ثلاث سنين سواء.