وَكَانَ قبل ولَايَته الْبَصْرَة سلفة الأهواز فصرف عَنْهَا وَكَانَ عَمْرو بن مسْعدَة يتقلد ديوَان الرسائل فَكَانَ الْمَأْمُون لعلمه بقدم أَحْمد فِي صناعته إِذا حضر أَمر يحْتَاج فِيهِ إِلَى كتاب يشهر وَيذكر أَمر أَحْمد فَكتب. مثل كتاب الخميسين، وَهدم الْبَيْت الْمُشبه بِالْكَعْبَةِ، وَسَائِر كتبه بليغة.
قَالَ أَحْمد بن أبي طَاهِر: دخل أَحْمد بن يُوسُف يَوْمًا على الْمَأْمُون فَأمره فَكتب بَين يَدَيْهِ والمأمون يملى عَلَيْهِ. قَالَ: وَكَانَ أَحْمد بن يُوسُف مَعَ لِسَانه حُلْو الْخط جدا. فَنظر الْمَأْمُون إِلَى خطه. فَقَالَ يَا أَحْمد:: لَوَدِدْت أَنِّي أخط مثل خطك وعَلى صَدَقَة ألف ألف دِرْهَم. قَالَ: فَقَالَ أَحْمد بن يُوسُف: لَا يسوؤك اللَّهِ يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ فَإِن اللَّهِ ﷿ لَو ارتضى الْخط لأحد من خلقه لعلمه نبيه - ﷺ َ - قَالَ: فَقَالَ الْمَأْمُون سريتها عني يَا أَحْمد. وَأمر لَهُ بِخَمْسِمِائَة ألف دِرْهَم. وحَدثني عَن أَحْمد بن يُوسُف بن الْقَاسِم الْكَاتِب قَالَ أَمرنِي الْمَأْمُون أَن أكتب إِلَى جَمِيع الْعمَّال فِي اخذ النَّاس بالاستكثار من المصابيح فِي شهر رَمَضَان وتعريفهم مَا فِي ذَلِك من الْفضل فَمَا دَريت مَا أكتب وَلَا مَا أَقُول فِي ذَلِك إِذْ لم يسبقني إِلَيْهِ أحد فأسلك طَرِيقه ومذهبه فَقلت فِي وَقت نصف النَّهَار - فَأَتَانِي آتٍ فَقَالَ: قل: فَإِن فِي ذَلِك أنسأ للسائلة، وإضآءة للمجتهدين، ونفيا لمظان الريب، وتنزيها لبيوت اللَّهِ من وَحْشَة الظلمَة فَكتبت هَذَا الْكَلَام وَغَيره مِمَّا هُوَ فِي مَعْنَاهُ. قَالَ: وَدخل أَحْمد بن يُوسُف على الْمَأْمُون فَقَالَ لَهُ: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ مَا رضى أهل الصَّدقَات عَن رَسُول - ﷺ َ - حَتَّى أنزل اللَّهِ ﷿ فيهم: ﴿وَمِنْهُم من يَلْمِزك فِي الصَّدقَات فَإِن أعْطوا مِنْهَا رَضوا وَإِن لم يُعْطوا مِنْهَا أذاهم يسخطون﴾ فَكيف يرضون عني.
حَدثنِي أَحْمد بن الْقَاسِم الْكَاتِب. قَالَ: حَدثنِي نصر الْخَادِم مولى أَحْمد بن يُوسُف قَالَ: كَانَ أَحْمد بن يُوسُف يتبني مؤنسة جَارِيَة أَمِير الْمُؤمنِينَ الْمَأْمُون،
[ ١٢٩ ]
وَجرى بَينهَا وَبَين الْمَأْمُون بعض مَا يجرى. قَالَ: وَخرج الْمَأْمُون إِلَى الشماسية وَخَلفهَا فجَاء رسولها إِلَى أَحْمد بن يُوسُف تستغيث بِهِ فوجهني أَحْمد إِلَيْهَا فَعرفت الْخَبَر ثمَّ رجعت فَأَخْبَرته. قَالَ: فَقَالَ: دَابَّتي. ثمَّ مضى فلحق أَمِير الْمُؤمنِينَ بالشماسية فَقَالَ للحاجب: اعْلَم أَمِير الْمُؤمنِينَ أَن أَحْمد بن يُوسُف بِالْبَابِ وَهُوَ رَسُول فَأذن لَهُ فَدخل فَسَأَلَهُ عَن الرسَالَة مَا هِيَ؟ فَانْدفع ينشده: -
(قد كَانَ عتبك مرّة مكتوما فاليوم أصبح ظَاهرا مَعْلُوما)
(نَالَ الأعادي سؤلهم لاهنئوا لما رأوني ظَاعِنًا ومقيا)
(هبني أَسَأْت فعادة لَك أَن ترى متفضلا متجاوزا مَظْلُوما)
قَالَ: قد فهمت الرسَالَة. كن الرَّسُول بالرضاء. يَا يَاسر: امْضِ مَعَه. قَالَ: فَحملت الرسَالَة وَحملهَا يَاسر.
قَالَ أَحْمد بن أبي طَاهِر: قَالَ الْمَأْمُون يَوْمًا لأَصْحَابه أخبروني عَن غَسَّان بن عباد قَالَ أريده لأمر جسيم وَكَانَ قد عزم أَن يوليه السَّنَد. فَقَالَ بشر ابْن دَاوُد بن يزِيد: قد خَالف واستبد بالفيء وَالْخَرَاج فَتكلم الْقَوْم وأطنبوا فِي مدحه فَنظر الْمَأْمُون إِلَى أَحْمد بن يُوسُف وَهُوَ سَاكِت. فَقَالَ لَهُ: مَا تَقول يَا أَحْمد؟ قَالَ يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ: ذَاك رجل محاسنه أَكثر من مساويه، لَا تصرف بِهِ طباقه إِلَّا انتصف مِنْهُم مهما تخوفت عَلَيْهِ فَإِنَّهُ لن يَأْتِي أمرا يعْتَذر مِنْهُ، لِأَنَّهُ قسم أَيَّامه بَين أَيَّام الْفضل فَجعل لكل خلق نوبَة إِذا نظرت فِي أمره لم تدر أَي حالاته أعجب أما هداه إِلَيْهِ عقله، أم مَا اكْتَسبهُ بالأدب. قَالَ: لقد مدحته على سوء رَأْيك فِيهِ. قَالَ: لِأَنَّهُ فِيمَا قلت كَمَا قَالَ الشَّاعِر: -
(كفى ثمنا لما أسديت أَنِّي مدحتك فِي الصّديق وَفِي عدائي)
(وَإنَّك حِين تنصبني لأمر يكون هَوَاك أغلب من هوائي)
قَالَ: فأعجب الْمَأْمُون كَلَامه واسترجح أدبه.
[ ١٣٠ ]
قَالَ عزى: أَحْمد بن يُوسُف ولد رجل من آل الرّبيع وَكَانَ لَهُ مواصلا فَقَالَ: عظم اللَّهِ أجركُم، وجبر مصابكم، وَوجه الرَّحْمَة إِلَى فقيدكم، وَجعل لكم من وَرَاء مصيبتكم حَالا تجمع كلمتكم، وتلم شعثكم، وَلَا تفرق ملأكم.
قَالَ أَحْمد بن أبي طَاهِر: وَلما حضر أَحْمد بن يُوسُف بالمأمون وَغلب عَلَيْهِ حسده المعتصم فاحتال لَهُ بِكُل حِيلَة فَلم يجد وَجها يسبعه بِهِ عِنْده، وَكَانَ الْمَأْمُون يُوَجه إِلَى أَحْمد بن يُوسُف فِي السحر ويحضر المعتصم وَأَصْحَابه فِي وَقت الْغَدَاء فَكَانَ ذَلِك مِمَّا أغتم لَهُ خَاصَّة الْمَأْمُون أجمع. فَشَكا ذَلِك المعتصم إِلَى مُحَمَّد بن الْخَلِيل بن هِشَام وَكَانَ خَاصّا بالمعتصم فَقَالَ: أَنا أحتال لَهُ. قَالَ: فَدس مُحَمَّد بن الْخَلِيل خَادِمًا مِمَّن يقوم على رَأس الْمَأْمُون فَقَالَ لَهُ: إِذا خص الْمَأْمُون أَحْمد بن يُوسُف بكرامة أَو لون من الألوان وَلم يكن لذَلِك أحد حَاضر فَأَعْلمنِي وَضمن لَهُ على ذَلِك ضمانا فَوجه الْمَأْمُون يَوْمًا فِي السحر كَمَا كَانَ يفعل إِلَى أَحْمد بن يُوسُف وَلَيْسَ عِنْده أحد، وَتَحْته مجمرة عَلَيْهَا بَيْضَة عنبر وَكَانَ أَمر بوضعها حِين دخل أَحْمد وَلم تكن النَّار علت فِيهَا إِلَّا أَخذ ذَلِك فَأَرَادَ أَمِير الْمُؤمنِينَ أَن يكرم أَحْمد بهَا ويؤثره فَقَالَ للخادم: خُذ المجمرة من تحتي وصيرها تَحت أَحْمد. ويحضر مُحَمَّد بن الْخَلِيل فيخبره الْخَادِم بذلك. وَكَانَ الْمَأْمُون يستطرف مُحَمَّد بن الْخَلِيل ويدعوه أَحْيَانًا فَيَقُول لَهُ: مَا تَقول الْعَامَّة، وَمَا يتحدث بِهِ النَّاس؟ فيخبره بذلك. فَدَعَاهُ بعد يَوْم المجمرة بأيام فَقَالَ لَهُ مَا تَقول النَّاس.؟ فَقَالَ يَا سَيِّدي شَيْء حدث مُنْذُ لَيَال من ذكرك أجل سَمعك مِنْهُ. فَقَالَ لَا بُد من أَن تُخبرنِي. فَقَالَ: انصرفت يَوْمًا فمررت بمشرعة وَأَنا فِي الزلَال فَسمِعت سقاء يَقُول لآخر مَعَه مَا رَأَيْت كَمَا يخبر ندماء هَذَا الرجل عَنهُ. فَقَالَ لَهُ وَمن تعنى؟ . قَالَ لَهُ أَمِير الْمُؤمنِينَ. فَقَالَ لَهُ وَمَا ذَاك؟ قَالَ: انْصَرف من عِنْده أَحْمد بن يُوسُف فَسَمعته يَقُول لغلامه: مَا رَأَيْت أحدا قطّ ابخل وَلَا أعجب من الْمَأْمُون. دخلت عَلَيْهِ الْيَوْم وَهُوَ يتبخر فَلم تتسع نَفسه أَن يَدْعُو لي بِقِطْعَة بخور حَتَّى أخرج القتار الَّذِي كَانَ تَحْتَهُ فبخرني بِهِ. فَعرف الْمَأْمُون الحَدِيث
[ ١٣١ ]
وَقَالَ فِي نَفسه. وَالله مَا حضر هَذَا الْيَوْم أحد فأتوهم فِيهِ ضربا من الضروب. وجفا أَحْمد بن يُوسُف وحجبه أَيَّامًا. وَأخْبر مُحَمَّد بن الْخَلِيل المعتصم فوفى لَهُ بِمَا كَانَ فَارقه عَلَيْهِ.