قال ابن أبي خَيْثَمة: قلتُ لابن معين: إنك تقول: فلان ليس به بأس، وفلان ضعيف، قال: إذا قلتُ لك: ليس به بأس، فهو ثقة، وإذا قلتُ: هو ضعيف، فليس هو بثقة، ولا يُكتَبُ حديثه.
وقال حمزة السَّهْمِي: قلتُ للدارقُطني: إذا قلتَ: فلانٌ ليِّنٌ أَيْشٍ تريدُ به؟ قال: لا يكون ساقطًا متروكَ الحديث، ولكنْ مجروحًا بشيء لا يُسقطه عن العدالة (^٢).
٥ - فصل
قال ابن حبان: من كان منكَرَ الحديث على قلته، لا يجوزُ تعديلُه إلَّا بعدَ السَّبْر (^٣)، ولو كان ممن يروي المناكير ووافَقَ الثقاتِ في الأخبار، لكان عدلًا مقبول الرواية، إذ الناس في أقوالهم على الصلاح والعدالة، حتى يَتبيّن منهم ما يوجب القدح، هذا حُكمُ المشاهير من الرواة. فأما المجاهيل الذين لم يَرْوِ عنهم إلَّا الضعفاء، فهم متروكون على الأحوال كلها.
قلت: وهذا الذي ذهب إليه ابن حبان، من أن الرجل إذا انتفت جهالة
_________________
(١) وقال ابن قتيبة أيضًا: "وأما الوجه الثالث الذي يقع فيه فساد الحديث فأخبار متقادمة، كان الناس في الجاهلية يروونها تشبه أحاديث الخُرافة، كقولهم: إن الضبَّ كان يهوديًا عاقًا، فمسخه اللّه تعالى ضبًّا … ".
(٢) "سؤالات حمزة" ص ٧٢. وانظر حول ضبط (أَيْشٍ) وأصلها تعليقي على "جواب الحافظ المنذري عن أسئلة في الجرح والتعديل" ص ٦١.
(٣) في ص ك: "السَّتْر" بالفوقية المثناة.
[ ١ / ٢٠٨ ]
عينه، كان على العدالة إلى أن يتبين جَرحُه، مذهبٌ عجيب، والجمهور على خلافه.
وهذا هو مسلك ابن حبان في كتاب "الثقات" الذي ألَّفه، فإنه يَذكر خَلْقًا ممن ينصّ أبو حاتم وغيرُه على أنهم مجهولون، وكأنَّ عند ابن حبان: أن جهالةَ العين ترتفع برواية واحدٍ مشهور، وهو مذهب شيخه ابن خزيمة، ولكن جهالة حاله باقية عند غيره.
وقد أفصح ابن حبان بقاعدته فقال: العدل من لم يُعرف فيه الجرح، إذ التجريح ضد التعديل، فمن لم يُجرَح فهو عدل حتى يَتبين جَرحُه، إذ لم يُكلَّف الناسُ ما غاب عنهم (^١).
وقال في ضابط الحديث الذي يُحتَجّ به: إذا تعرَّى راويه من أن يكون مجروحًا، أو فوقه مجروح، أو دونه مجروح، أو كان سندُه مرسَلًا، أو منقطعًا، أو كان المتن منكرًا (^٢). هكذا نقله الحافظ شمس الدين بن عبد الهادي في "الصارم المُنْكِي" (^٣) من تصنيفه، وقد تصرَّف في عبارة ابن حبان، لكنه أتى بمقصده (^٤)،
_________________
(١) "الثقات" ١: ١٣
(٢) "الثقات" ١: ١٢.
(٣) ص ٩٥.
(٤) طالعتُ كتاب ابن عبد الهادي "الصارم المُنكي" فوجدتُه نَقَل كلام ابن حبان من كتابه "الثقات" ١: ١٢، بلفظه، ولم يتصرَّف فيه كما يقول المصنف هنا. وعبارة ابن حبان كما نقلها ابن عبد الهادي في "الصارم المنكي" ص ٩٥: "كل من أذكر في الكتاب فهو صدوق يجوز الاحتجاج بخبره إذا تعرَّى خبرُه عن خصالٍ خمس، فإذا وُجِدَ خبر منكر عن واحد ممن ذكرته في كتابي هذا، فإن ذلك الخبر لا ينفكّ من إحدى خمس خصال:
(٥) إما أن يكون فوق الشيخ الذي ذكرتُ اسمَه في كتابي، في الإِسناد رجل ضعيف لا يُحتج بخبره.
(٦) أو يكونَ دونه رجل واهٍ لا يحتج بخبره. =
[ ١ / ٢٠٩ ]
وسيأتي بعض كلامه في (أيوب)، آخِرَ مذكورٍ في حرف الألف [١٣٩٤].
قال الخطيب (^١): "أقلُّ ما ترتفع به الجهالة، أن يرويَ عن الرجل اثنان فصاعدًا من المشهورين بالعلم، إلَّا أنه لا يَثبُت له حكم العدالة بروايتهما، وقد زعم قوم أن عدالته تثبت بذلك، وهذا باطل، لأنه يجوز أن يكون العدل لا يَعْرف عدالتَه، فلا تكون روايته عنه تعديلًا له، ولا خبرًا عن صدقه.
كيف وقد وُجِدَ جماعة من العدول الثقات رووا عن قوم أحاديث، أمسكوا في بعضها عن ذكر أحوالهم، مع علمهم بأنهم غير مرضيين، وفي بعضها شهدوا عليهم بالكذب، مثلُ قولِ الشعبي: حدثنا الحارث، وكان كذابًا. وقولِ الثوري: حدثنا ثُوَير بن أبي فاخِتَة، وكان من أركان الكذب. وقولِ يزيد بن هارون: حدثنا أبو رَوْح وكان كذابًا. وقولِ أحمد بن مُلاعِب: حدثنا مُخوَّل بن إبراهيم، وكان رافضيًا. وقولِ أبي الأزهر: حدثنا بكر بن الشَّرُود، وكان قَدَريًا داعية.
قلتُ: وقد رَوَى هؤلاء كلهم في مواضعَ أخر عمن سُمِّي، ساكتين عن وصفهم بما وصفوهم به، فكيف تكون رواية العدل عن الرجل تعديلًا له، لكن مَنْ عُرِف من حاله أنه لا يروي إلَّا عن ثقة، فإنه إذا رَوى عن رجل: وُصِف بكونه ثقة عنده، كمالك، وشعبة، والقطان، وابن مهدي، وطائفة ممن بعدهم" (^٢).
_________________
(١) = ٣ - أو الخبرُ يكون مرسلًا، لا يلزمنا به الحجة.
(٢) أو يكون منقطعًا لا تقوم به الحجة.
(٣) أو يكون في الإِسناد رجل مدلس، لم يبين سماعَه في الخبر مِن الذي سمعه منه". انتهى.
(٤) في "الكفاية" ص ٨٨ - ٩٢.
(٥) وفي "قواعد في علوم الحديث" ص ٢١٦ لشيخنا العلامة ظَفَر أحمد التهانوي =
[ ١ / ٢١٠ ]