كان ﵀ حنفيًا، متقنًا للمذهب الحنفي الذي نشأ عليه ودرَسه على عدد من المشايخ ولا سيما الفقيهان الشيخ مصطفى الزرقا والشيخ المفتي أحمد الحجي الكردي الحنفي مفتي الأحناف في حلب، كما كانت له قراءات ومطالعات فردية كثيرة يغوص فيها في أعماق الكتب ويُوَشِّي على صفحاتها ملاحظاته وآراءه.
وكانت له مشاركة قوية واطلاع جيد على المذهب الشافعي، وهما المذهبان السائدان في بلاد الشام.
قال تلميذه الكبير الشيخ محمد عوَّامة حفظه الله في "الاثنينية" (^١): وأحفظ
_________________
(١) ١١: ٦٢٠. والاثنينية: نسبة إلى يوم الاثنين، حفلة تكريم يقيمها الوجيه الحجازي سعادة الشيخ عبد المقصود بن محمد سعيد خُوْجَه يوم الاثنين في قصره بمدينة جُدَّة، يكرِّم فيها علماء وأدباء وشخصيات هذه الأمة الذين لا يُحِسُّ كثير من الناس بمكانتهم إلَّا بعد أن يصبحوا جزءًا من التاريخ، وينتقلوا إلى الدار الآخرة. فقام الشيخ عبد المقصود أحسن الله إليه بفرض الكفاية هذا خير قيام، ثم إنه طبع وقائع حفلات الاثنينية في مجلدات أنيقة لتدوَّن في التاريخ. وعادته في تلك الحفلة أن يرحب بالضيف المكرَّم ويعرف به، ثم يدعو بعض أصدقاء الضيف ومعارفه للكلام عنه وذكر معرفتهم به، ومآثره وفضائله، ثم يلقي الضيف كلمته، ثم يترك المجال للأسئلة والأجوبة.
[ ١ / ١٨ ]
لفضيلته مواقف عديدة كان ينبه فيها السائل إلى فروع دقيقة في زوايا حواشي الفقه الشافعي.
ثم إنه شارك مشاركة قوية في الفقه الإسلامي عامة، ورفد ذلك منه اشتغاله الطويل بتدريس أحاديث الأحكام، ولذلك يرى القريب منه سعةَ صدر في الأحكام، وسماحة -لا تساهلًا- في الفتوى والتطبيق، لكنه يكره تتبع الرخص، والأخذ بشواذ الأقوال. اهـ.
قلت: كان الوالد ﵀ يكره تتبع الرخص والأخذ بشواذ الأقوال كما ذكر الشيخ محمد عوَّامة حفظه الله، كما أنه لم يكن حرفيًا متعصبًا للمذهب الحنفي، بل كان يكره ذلك جدًّا ويَعيبُه، وله في ذلك مواقف عديدة في خروجه عن المذهب الحنفي منها ما كان بيني وبينه، ومنها ما حصل أمامي، وقد أخرج ﵀ في ذلك رسالتين: "رسالة الألفة بين المسلمين" لابن تيمية، و"رسالة الإمامة" لابن حزم، في موضوع الاختلافات الفقهية.
وقد سُئِل ﵀ في "الاثنينية" (^١) السؤال التالي: إن هناك دائمًا خلافات بين العلماء على مسائل فقهية، وكل واحد منهم ينتمي إلى مذهب من
_________________
(١) = ثم يهدي الشيخ عبد المقصود الضيف لوحة تذكارية، وهي عبارة عن قطعة على حذو كسوة الكعبة الشريفة زادها الله شرفًا ورفعة، فيكون في ذلك إكرام بعد إكرام. جزاه الله خير الجزاء وأجزله. وقد كانت حفلة تكريم الوالد ﵀ في ١٥/ ١١/ ١٤١٤ هـ، وكانت الاثنينية الثانية والخمسين بعد المئة. وتكلم فيها عن الوالد المشايخ والأساتذة: علي الطنطاوي، مصطفى الزرقا، محمد علي الهاشمي، محمد عوَّامة، أحمد البراء الأميري، أمين عبد الله القرقوري، محمد ضياء الصابوني. وهي في الجزء الحادي عشر من مجلدات الاثنينية ص ٥٩٦، المطبوع بعد وفاة الوالد رحمه الله تعالى.
(٢) ١١: ٦٣٩.
[ ١ / ١٩ ]
المذاهب الأربعة، ولا يريد أن يحيد عن فتوى مذهبه إلى درجة التشبث به، مما جعل الأمور الفقهية والفتاوى فيها أكثر تعقيدًا، فما رأي فضيلتكم في ذلك؟
فأجاب: أولًا التشبث بالمذاهب الفقهية والتعلق بها، هذا واجب على كل من لم يكن من أهل الاجتهاد والمعرفة التامة بحكم الشريعة وفروعها وأصولها، فهذا ما أوجبه الله ﷿: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾، أما التشبث والتيبس في أمر المذهب الواحد، فهذا ليس بواجب في الشرع، فيسوغ لِيَ أن أتعلم هذه المسألة أو أعمل في هذه المسألة بالمذهب الحنبلي، وإذا وجدت مسألة أخرى أعمل بالمذهب الشافعي، وإذا وجدت في هذه المسألة شدة أو صعوبة في المذهب الحنبلي أن أنتقل وأعمل بها في المذهب الحنفي، كل هذا معناه أَخْذُها بهدي الله ﷿ وبهدي نبيّه ﷺ وما كان هناك افتراق بين هؤلاء الأئمة، فكل واحد من هؤلاء الأئمة حرص كل الحرص أن يكون اجتهاده أقرب إلى كلام الله وكلام رسوله ما قَدِروا على ذلك، فلذلك نجدهم إذا وصل الواحد منهم إلى حكم من الأحكام في هذا اليوم، ثم وجد الحكم بعد أيام أو شهور أو سنين، ولاح له وجه آخرُ في المسألة ووجد المسألة على وجه آخرَ، يتحول عنها ولا غَضَاضة، وإذا لم يعلمها يقول: لا أعلمها ولا غضاضة، لماذا؟ لأن الشريعة عنده أغلى من وجوده.
فالإمام مالك ﵁ جاء إليه رجل من العراق بأربعين مسألة، فقدَّمَها إليه وسأله عنها، فأجابه الإمام مالك ﵁ بست مسائل، فقال له الرجل: يا أبا عبد الله أنا طويت الأرض ومشيتُ الفَيَافيَ والقِفَارَ إليك وأنت عالم المدينة، أريد أن أعرف هذه المسائل كلها، فبماذا أرجع للناس وأقول لهم؟ قال: قل لهم قال مالك: لا أدري! لا يضيره أن يقال عنه: قال: لا أدري، لأن الدين عنده أغلى من أن يخجل في سبيله.
[ ١ / ٢٠ ]
فالتمسك بالمذهب من حيث هو إذا كان على عصبية أو غيرِ معرفة، فهذا من النقص في الإنسان، ولا يصح للإنسان أن يعتقد أنه إذا كان والده حنبليًا ينبغي أن يكون حنبليًا، أو شافعيًا أن يكون شافعيًا، يمكن أن يكون هكذا وهكذا وهكذا، وهذا من سِعَة الإسلام، لأن اتباع أي مذهب هو اتّباع للكتاب والسنَّة، وهذا الاجتهاد ظني، فيجوز للإنسان أن يأخذ به من قول هذا العالم أو قول هذا العالم، أما التعصب والتحزب فهذا ليس من مبدأ المسلمين، ليس من مبدأ الإسلام وليس من مبدأ الفقه، لذلك الإمام أبو حنيفة ﵀ خالفه أصحابه ودونوا خلافاتهم بوجوده ولا حرج، لأن هذا دين الله ينبغي الاجتهاد في تحصيل الأصح منه، فلذلك هذا الَّذي يقال فيه تعصب أوتحزب، أو تمسُّك ببعض المذاهب ولا يحيد الإنسان عنها، هذا من النقص النفسي، فينبغي للإنسان أن يعدِل عنه ويكون واسع الصدر، واسع الرأي، واسع القلب، يقدِّر كل إمام بفضله وكرمه وعلمه ومقامه العظيم …، فليس أحد من الأئمة أفضل من الآخر، وكلهم من رسول الله ﷺ مقتبس وملتمس، والله أعلم. اهـ كلامه رحمه الله تعالى.