ذَكَرَهُ الْحَافِظُ أَبُو مُحَمَّدٍ الْبِرْزَالِيُّ فِي «مُعْجَمِهِ»، فَقَالَ: رجلٌ صالحٌ عالمٌ، متعففٌ، منقطعٌ، مِنْ خِيَارِ النَّاسِ، يَعْرِفُ النَّحْوَ، وَالْقِرَاءَاتِ مَعْرِفَةً جَيِّدَةً، وَاشْتَغَلَ بِالْفِقْهِ والأصول، وجاور بمكة مدة، ورحل في طَلَبِ الْعِلْمِ، وَلَهُ تَصَانِيفُ فِي الْقِرَاءَاتِ وَغَيْرِهَا، مِنْ ذَلِكَ «شَرْحُ الشَّاطِبِيَّةِ»، وَقَرَأَ الأُصُولَ عَلَى الشِّهَابِ الْقَرَافِيِّ، وَسَمِعَ مِنْ خَطِيبِ مَرْدَا، وَابْنِ عَبْدِ الدَّائِمِ، وَعُمَرَ الْكِرْمَانِيِّ، وَالشَّيْخِ شَمْسِ الدِّينِ، وَابْنِ أَخِيهِ الْعِزِّ، وَابْنِ الْبُخَارِيِّ، وَابْنِ الْكَمَالِ، وَجَمَاعَةٍ مِنْ شُيُوخِ الْمَقَادِسَةِ، وَغَيْرِهِمْ. وَمِنْ سَمَاعَاتِهِ
[ ١٢٩ ]
«السِّيرَةُ» لابْنِ إِسْحَاقَ بِكَمَالِهَا مَعَ وَالِدِهِ وَهُوَ حاضرٌ فِي الرَّابِعَةِ مِنْ جُمَادَى الآخِرَةِ سَنَةَ ثلاث وخمسين وست مئة بِالْجَامِعِ الْمُظَفَّرِيِّ بِقِرَاءَةِ الشَّرَفِ حَسَنٍ ابْنِ الْحَافِظِ. وهو ابن عم التقي عبد الله ابن الفقيه عبد الولي ابن جُبَارَةَ، وَذَكَرَ لِي أَنَّهُ سَافَرَ مِنْ دِمَشْقَ سنة ثلاثٍ وسبعين وست مئة أَوْ نَحْوِهَا إِلَى القاهرة.
مَوْلِدُهُ سَنَةَ سَبْعٍ وأربعين وست مئة، كَذَا كَتَبَهُ لِي بِخَطِّهِ، وَكَانَ يَشُكُّ هَلْ هُوَ سَنَةَ سَبْعٍ أَوْ تِسْعٍ وَأَرْبَعِينَ وَسِتِّ مئة، وَكُتِبَ لَهُ فِي طبقةٍ عَلَى خَطِيبِ مَرْدَا سَنَةَ ثلاثٍ وَخَمْسِينَ أَنَّهُ حَضَرَ فِي الرَّابِعَةِ، وَكُتِبَ فِي نَسَبِهِ: أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ جُبَارَةَ بْنِ عَبْدِ الْوَلِيِّ، بِتَقْدِيمِ جُبَارَةَ، وَهُوَ الصَّحِيحُ. وَتُوُفِّيَ صُبْحَ يَوْمِ الأَحَدِ رَابِعِ رَجَبٍ سنة ثمانٍ وعشرين وسبع مئة بِالْقُدْسِ، وَدُفِنَ بِمَقْبَرَةِ مَامِلا فِي يَوْمِ الأَحَدِ الْمَذْكُورِ، وَصَلَّيْنَا عَلَيْهِ بِدِمَشْقَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ سَادِسَ عَشَرَ رَجَبٍ. انْتَهَى كَلامُهُ.
أَجَازَ لَنَا فِي جمادى الآخرة سنة ثمانٍ وعشرين وسبع مئة مِنَ الْقُدْسِ الشَّرِيفِ.
أَخْبَرَنَا الشَّيْخُ الإِمَامُ الْعَالِمُ الْمُقْرِئُ الزَّاهِدُ شِهَابُ الدِّينِ أَبُو الْعَبَّاسِ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ جُبَارَةَ بْنِ عَبْدِ الْوَلِيِّ الْمَرْدَاوِيُّ إِجَازَةً مِنَ الْقُدْسِ الشَّرِيفِ، وأَخْبَرَنَا الْمَلِكُ أَسَدُ الدِّينِ أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ الْقَادِرِ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ ابْنِ السُّلْطَانِ الْمَلِكِ الْمُعَظَّمِ شَرَفِ الدِّينِ عِيسَى ابْنِ السُّلْطَانِ الْكَبِيرِ الْمَلِكِ الْعَادِلِ سَيْفِ الدِّينِ أَبِي بَكْرٍ مُحَمَّدِ بْنِ أَيُّوبَ قِرَاءَةً عَلَيْهِ وَأَنَا حاضرٌ فِي الثَّالِثَةِ؛ قَالا: أَخْبَرَنَا الْخَطِيبُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ أَبِي الْفَتْحِ خَطِيبُ مَرْدَا قِرَاءَةً عَلَيْهِ وَنَحْنُ نَسْمَعُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا الْقَاضِي صَنِيعَةُ الْمُلْكِ أَبُو مُحَمَّدٍ هِبَةُ اللَّهِ بْنُ يَحْيَى بْنِ عَلِيِّ بْنِ حَيْدَرَةَ قِرَاءَةً عَلَيْهِ وَأَنَا أَسْمَعُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا الْفَقِيهُ أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رِفَاعَةَ بْنِ غُدَيْرِ بْنِ عَلِيٍّ السَّعْدِيُّ، قَالَ: أَخْبَرَنَا الْقَاضِي أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ الْحُسَيْنِ الْخِلَعِيُّ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عمر بن محمد بن سعيد ابن النَّحَّاسِ التُّجِيبِيُّ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ الله بن جعفر ابن الْوَرْدِ الْبَغْدَادِيُّ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو سَعِيدٍ عَبْدُ الرَّحِيمِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ
[ ١٣٠ ]
عَبْدِ الرَّحِيمِ بْنِ أَبِي زُرْعَةَ الْبَرْقِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ هِشَامٍ النَّحْوِيُّ، قَالَ: أَخْبَرَنَا زِيَادُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْبَكَّائِيُّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، قَالَ: وَحَدَّثَنِي عُتْبَةُ بْنُ مُسْلِمٍ مَوْلَى بَنِي تَيْمٍ، عَنْ نافع بن جبير ابن مُطْعِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: لَمَّا افْتُرِضَتِ الصَّلاةُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ أَتَاهُ جِبْرِيلُ فَصَلَّى بِهِ الظُّهْرَ حِينَ مَالَتِ الشمس، ثم صلى به العشاء الآخرة حتى ذَهَبَ الشَّفَقُ، ثُمَّ صَلَّى بِهِ الصُّبْحَ حِينَ طَلَعَ الْفَجْرُ، ثُمَّ صَلَّى بِهِ الظُّهْرَ حِينَ كَانَ ظِلُّهُ مِثْلَهُ، ثُمَّ صَلَّى بِهِ الْعَصْرَ حِينَ كَانَ ظِلُّهُ مِثْلَيْهِ، ثُمَّ صَلَّى بِهِ الْمَغْرِبَ حِينَ غَابَتِ الشَّمْسُ لِوَقْتِهَا بِالأَمْسِ، ثُمَّ صَلَّى بِهِ الْعِشَاءَ الآخِرَةَ حِينَ ذَهَبَ ثُلُثُ اللَّيْلِ الأَوَّلُ، ثُمَّ صَلَّى بِهِ الصُّبْحَ مُسْفِرًا غَيْرَ مشرقٍ، ثُمَّ قَالَ: «يَا مُحَمَّدُ، الصَّلاةُ فِيمَا بَيْنَ صَلاتِكَ الْيَوْمَ وَصَلاتِكَ بِالأَمْسِ» .
أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ فِي الصَّلاةِ عَنْ مُسَدَّدٍ، عَنْ يَحْيَى، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ فُلانِ بْنِ أَبِي رَبِيعَةَ، قَالَ أَبُو دَاوُدَ: هُوَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْحَارِثِ بْنِ عَيَّاشِ بْنِ أَبِي رَبِيعَةَ، عَنْ حَكِيمِ بْنِ حَكِيمٍ، عَنْهُ، بِهِ. وَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ فِيهِ عَنْ هَنَّادٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي الزِّنَادِ، عَنْ عبد الرحمن ابن الْحَارِثِ بْنِ عَيَّاشٍ، بِهِ، وَقَالَ: حسنٌ.
وَبِهِ إِلَى ابْنِ إِسْحَاقَ، قَالَ: وحَدَّثَنِي هِشَامُ بْنُ عروة، عن عروة
[ ١٣١ ]
ابن الزُّبَيْرِ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: لَمَّا قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْمَدِينَةَ، قَدِمَهَا وَهِيَ أَوْبَأُ أَرْضِ اللَّهِ مِنَ الْحُمَّى، فَأَصَابَ أَصْحَابَهُ مِنْهَا بلاءٌ وسقمٌ وَصَرَفَ اللَّهُ ذَلِكَ عَنْ نَبِيِّهِ ﷺ، قَالَتْ: فَكَانَ أَبُو بَكْرٍ وَعَامِرُ بْنُ فُهَيْرَةَ وبلالٌ مَوْلَيَا أَبِي بكرٍ مَعَ أَبِي بَكْرٍ فِي بيتٍ واحدٍ، فَأَصَابَتْهُمُ الْحُمَّى فَدَخَلْتُ عَلَيْهِمْ أَعُودُهُمْ، وَذَلِكَ قَبْلَ أَنْ يُضْرَبَ عَلَيْنَا الْحِجَابُ، وَبِهِمْ مَا لا يَعْلَمُهُ إِلا اللَّهُ مِنْ شِدَّةِ الْوَعَكِ، فَدَنَوْتُ مِنْ أَبِي بكرٍ فَقُلْتُ: كَيْفَ تَجِدُكَ يَا أَبَهْ، فَقَالَ:
كُلُّ امرئٍ مصبحٌ في أهله والموت أدنى من شراك نعليه
قَالَتْ: فَقُلْتُ: وَاللَّهِ مَا يَدْرِي أَبِي مَا يَقُولُ، قَالَتْ: ثُمَّ دَنَوْتُ إِلَى عَامِرِ بْنِ فُهَيْرَةَ، فَقُلْتُ: كَيْفَ تَجِدُكَ يَا عَامِرُ فَقَالَ:
لَقَدْ وَجَدْتُ الْمَوْتَ قَبْلَ ذَوْقِهِ إِنَّ الْجَبَانَ حَتْفُهُ مِنْ فَوْقِهِ
كُلُّ امرئٍ مجاهدٍ بِطَوْقِهِ كَالثَّوْرِ يَحْمِي جِلْدَهُ بِرَوْقِهِ
قَالَتْ: فَقُلْتُ: وَاللَّهِ مَا يَدْرِي عامرٌ مَا يَقُولُ، قَالَتْ: وَكَانَ بلالٌ إِذَا تَرَكَتْهُ الْحُمَّى اضْطَجَعَ بِفِنَاءِ الْبَيْتِ ثُمَّ رَفَعَ عَقِيرَتَهُ، فَقَالَ:
أَلا لَيْتَ شِعْرِي هَلْ أَبِيتَنَّ لَيْلَةً بوادٍ وَحَوْلِي إذخرٌ وَجَلِيلُ
وَهَلْ أَرِدَنْ يَوْمًا مِيَاهَ مجنةٍ وَهَلْ تَبْدُوَنْ لِي شامةٌ وَطَفِيلُ
قَالَتْ عَائِشَةُ: فَذَكَرْتُ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ مَا سَمِعْتُ مِنْهُمْ، وَقُلْتُ: إِنَّهُمْ لَيَهْذُونَ وَمَا يَعْقِلُونَ مِنْ شِدَّةِ حَرِّ الْحُمَّى، قَالَتْ: فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «اللَّهُمَّ حَبِّبْ إِلَيْنَا الْمَدِينَةَ كَمَا حَبَّبْتَ إِلَيْنَا مَكَّةَ أَوْ أَشَدَّ، وَبَارِكْ لَنَا فِي مُدِّهَا وَصَاعِهَا، وَانْقِلْ وَبَاءَهَا إِلَى مَهْيَعَةَ» وَمَهْيَعَةُ الْجَحْفَةُ.
[ ١٣٢ ]
شيخُ آخَرُ