قال الخطيب البغدادي: وأما الضرب الثاني من التدليس فهو: أن يروي المحدث عن شيخ سمع منه حديثًا فغير اسمه أو كنيته أو نسبه أو حاله المشهور من أمره لئلا يُعرف، والعلة في فعله ذلك كون شيخه غير ثقة في اعتقاده، أو في أمانته، أو أن يكون متأخر الوفاة قد شارك الراوي عنه جماعة دونه في السماع منه أو يكون أصغر من الراوي عنه سنًا، أو تكون أحاديثه التى عنده عنه كثيرة فلا يحب تكرار الرِّواية عنه، فيغير حاله لبعض هذه الأمور.
ثم ذكر الخطيب من كان يصنع هذا النوع من التدليس كعطية العوفي وابن جريج ومروان بن معاوية الفزاري وغيرهم، ثم قال:
فمنهم: محمد بن محمد بن سليمان الباغندي كان يروي عن يحيى بن أبي طالب، فيقول: ثنا عبد الله بن الزبرقان، وعن محمد بن غالب التمتام، فيقول: ثنا عبد الله بن غالب التمار.
ومحمد بن المُظَفَّر الحافظ كان يروي عن أبي الحُسين عمر بن الحسن الأشناتي فيقول: ثنا عبد الله بن الحسن الشيباني، وعن عبد الباقي بن قانع القاضي، فيقول: ثنا عبد الله بن مرزوق.
وأبو بكر محمد بن القاسم الأنباري كان يروي عن محمد بن خلف بن الزبرقان
[ ٢٢ ]
فيقول: ثنا عبد الله بن خلف.
وأبو عبيد الله المرزباني كان يروي عن محمد بن يحيى الصولي فيقول: ثنا أبو بكر الجرجاني.
والحارث بن أبي أسامة حدث عن أبي بكر بن أبي الدنيا المُصَنِّف، وقال: ثنا أبو بكر الأموي، وقال في موضع آخر: ثنا عبد الله بن عبيد، وفى موضع آخر: ثنا عبد الله بن سفيان الأموي، وفى موضع آخر: ثنا أبو بكر بن سفيان الكوفي.
وإبراهيم الحربي حدث عن علي بن داود القنطري فقال: ثنا علي بن أبي سليمان.
وحدث الحارث بن أبي أسامة عن أخيه محمد فقال: ثنا محمد بن أبي سليمان.
وحدث أبو معاوية الضرير عن الحسن بن عمارة، فقال: ثنا عبد الله بن عبد الرحمن شيخ كان في بجيلة.
وبكار بن بشر الفزاري حدث عن علي بن غراب فقال: ثنا علي بن عبد العزيز وحدث عنه مروان بن معاوية فقال: ثنا علي بن أبي الوليد.
وحدث أبو بكر بن مجاهد عن أبي بكر بن أبي داود السجستياني، فقال: ثنا عبد الله بن أبي عبد الله، وحدث أيضًا عن محمد بن الحسن بن زياد النقاش فقال: ثنا محمد بن سند.
وروى أبو جعفر بن شاهين عن النقاش فقال: ثنا محمد بن أبي سعيد الموصلي.
وحدث أبو بكر بن أبي الدنيا عن إبراهيم بن سعيد الجوهري فقال: ثنا إبراهيم ابن أبي عثمان، وفى موضع آخر فقال: ثنا أبو إسحاق الجزري.
وحدث محمد بن محمد بن سليمان الباغندي عن إسحاق بن شاهين الواسطي فقال: ثنا إسحاق بن عمران.
وحدث عبد الله بن أحمد بن حنبل عن إسحاق بن منصور الكوسج فقال: حدثنا إسحاق بن أبي عيسى. وحدث أيضًا عن زهير بن محمد بن قمير فقال: ثنا زهير بن أبي زهير، وعن الحكم بن موسى فقال: ثنا الحكم بن أبي زهير.
[ ٢٣ ]
وحدث يعقوب بن شيبة عن أحمد بن حنبل فقال: ثنا أحمد بن هلال.
وروى قيس بن الربيع عن أبي خالد عمرو بن خالد الواسطي، فقال: ثنا عمير مولى عنبسة بن سعيد.
وروى عبد الله بن عمر المعروف بمشكدانة عن أسيد بن زيد الجمال عن عمرو ابن شمر فقال: ثنا أبو محمد مولى بني هاشم عن عمرو بن أبي عمرو.
واستيفاء ما ورد في هذا المعنى يطول، فمن أحب الوقوف عليه بكماله فلينظر في كتابنا الذى قدمنا ذكره (^١).
وفى الجملة فإن كل من روى عن شيخ شيئًا سمعه منه وعدل عن تعريفه بما اشتهر من أمره، فخفى ذلك على سامعه، لم يصح الاحتجاج بذلك الحديث للاسمع، لكون الذى حدث عنه في حله ثابت الجهالة، معدوم العدالة، ومن كان هذا صفته فحديثه ساقط، والعمل به غير لازم، على الأصل الذى ذكرناه فيما تقدم، والله أعلم (^٢).
قال السخاوي: تدليس الشيوخ هو أن يصف المدلس الشيخ الذى سمع ذاك الحديث منه بما لا يُعرف، أي يشتهر به من اسم، أو كنيه، أو نسبه إلى قبيلة، أو بلدة، أو صنعة، أو نحو ذلك، كي يوعر معرفة الطريق على السامع.
قال الخطيب: وذلك خلاف موجب العدالة ومقتضى الديانة من التواضع في طلب العلم، وترك الحمية في الأخبار بأخذ العلم عمن أخذه.
قلت: وقد يكون للخوف من عدم أخذه عنه وانتشاره مع الاحتياج إليه، أو يكون المدلس عنه حيًا وعدم التصريح به أبعد عن المحذور الذى نهى الشافعي عنه لأجله.
ومنه قول شيخنا (^٣): أبو العباس بن أبي الفرج بن أبي عبد الله الصحراوي
_________________
(١) هو كتاب "الموضح لأوهام الجمع والتفريق"، ذكر ذلك الخطيب في (صـ ٤٢٥).
(٢) "الكفاية" (٥٢٠ - ٥٢٧).
(٣) هو الحافظ ابن حجر ﵀.
[ ٢٤ ]
بقرأتي عليه بالصالحية، وعنى بذلك الولى أبا زرعة ابن شيخه الزين أبي الفضل العراقي، ولم يتنبه له إلا أفراد، مع تحديثه بذلك حتى لجماعة من خواص الولي وملازميه، وما علموه.
ويكون كفعل الخطيب الحافظ المكثر من الشيوخ والمسموع في تنويع الشيخ الواحد، حيث قال مرة: أخبرنا الحسن بن محمد الخلال، ومرة: أخبرنا الحسن بن أبي طالب، ومرة: أنا أبو محمد الخلال، والجميع واحد.
وقال مرة: عن أبي القاسم الأزهري، ومرة: عن عبيد الله بن أبي القاسم الفارسي، ومرة: عن عبيد الله بن أحمد بن عثمان الصيرفي، والجميع واحد.
وقال مرة: أنا علي بن أبي علي البصري، ومرة: أنا علي بن المحسن، ومرة: أنا أبو القاسم التنوخي، ومرة: أنا علي بن الحسن، ويصفه مرة: بالقاضي، ومرة بالمعتدل، إلى غيرها، ومراده بهذا كله أبو القاسم علي بن أبي علي المحسن بن علي التنوخي البصري الأصل القاضي، وهو مكثر في تصانيفه من ذلك جدًا.
ويقرب منه ما يقع للبخاري في شيخه الذهلي، فإنه تارة يقول: ثنا محمد ولا ينسبه، وتارة: محمد بن عبد الله فينسبه إلى جده، وتارة محمد بن خالد فينسبه إلى والد جده، ولم يقل في موضع محمد بن يحيى.
قلت: ولكن لا يلزم من كون الناظر قد يتوهم الإكثار أن يكون مقصودًا لفاعله، بل الظن بالأئمة خصوصًا من اشتهر إكثاره مع ورعه خلافه، لما يتضمن من التشبع والتزين الذي يراعى تجنبه أرباب الصلاح والقلوب، كما نبه عليه ياقوتة العُلماء المعافى بن عمران، وكان من أكابر العُلماء والصلحاء، ولا مانع من قصدهم الاختبار لليقظة، والإلفات إلى حسن النظر في الرواة وأحوالهم وأنسابهم إلى قبائلهم وبلدانهم وحرفهم وألقابهم وكناهم، وكذا الحال في آبائهم، فتدليس الشيوخ دائر بين ما وصفنا.
وقد ذكر الذهبي في فوائد رحلته أنه لما اجتمع بابن دقيق العيد سأله التقى: من
[ ٢٥ ]
أبو محمد الهلالي؟ فقال: سفيان بن عيينة. فأعجبه استحضاره.
وألطف منه قوله له: من أبو العباس الذهبي؟ فقال: أبو طاهر المخلص.
وكذا مر في صحيح ابن حبان وأنا بين يدي شيخنا قوله: ثنا أبو العباس الدمشقي، فقال: من هذا؟ فبادرته مع أنه لم يقصدني بذلك، وقلت: هو أبو الحسن أحمد بن عمير بن جوصاء، فأعجبه الجواب دون المبادرة لتفويتها غرضًا له.
ولذا قال ابن دقيق العيد: إن في تدليس الشيخ الثقة مصلحة، وهى امتحان الأذهان واستخراج ذلك وإلقاءه إلى من يُراد اختبار حفظه ومعرفته بالرجال.
على أنه قد قيل في فعل البخاري في الذهلي: إنه لما كان بينهما ما عُرف في محله، بحيث منع الذهلي أصحابه من الحضورعند البخاري، ولم يكن ذلك بمانع للبخاري من التخريج عنه لوفور ديانته وأمانته، وكونه عذره في نفسه بالتأويل، غير أنه خشي من التصريح به أن يكون كانه بتعديله له صدقه في نفسه فأخفى اسمه، والله أعلم بمراده.
والأكثر في هذا القسم وقوعه من الراوي، وقد يقع من الطالب بقصد التغطية على شيخه، ليتوفر عليه ما جرت عادته باخذه في حديث ذاك المدلس، كما سيأتي في الفصل الحادي عشر من معرفة من تُقبل روايته، وهو أخفها وأظرفها، ويجمع الكل مفسدة تضييع المروي عنه، كما قال ابن الصلاح، وذلك حيث جهل، إلا أنه نادر، فالحذاق لا يخفى ذلك عنهم غالبًا، فإن جهل كان من لازمه تضييع المروي أيضًا، بل قد يتفق أن يوافق ما دلس به شهرة راو ضعيف من أهل طبقته، ويكون المدلس ثقة، وكذا بالعكس، وهو فيه أشد (^١).
قلت: وقد سمى ابن الصلاح هذا النوع من التدليس بتدليس. الشيوخ، وتبعه على ذلك من جاء بعده.
وممن كان يدلس تدليس الشيوخ: بقية بن الوليد، وسفيان الثوري، وعطية بن
_________________
(١) "فتح المغيث" (١/ ٢٢٢ - ٢٢٥).
[ ٢٦ ]
سعد العوفي، ومروان بن معاوية الفزاري، والوليد بن مسلم.