قال الشيخ عبد الله بن يوسف الجديع حفظه الله: والمذاهب المعتبرة لأهل العلم في حديث المدلس الذى لا يذكر فيه السماع تُحصر في الأربعة التالية:
المذهب الأول: قبول روايته مطلقًا ما دام ثقة، ولم يتبين فيها علة قادحة، وإن لم يبين سماعه.
وهذا يمكن أن تنزل عليه مذاهب من رأى قبول المراسيل، لأنه في التحقيق أولى بالقبول من المرسل، فالمرسل قد عُلم فيه الانقطاع جزمًا، والمُدلس انقطاعه على سبيل المظنة الواردة بسبب العنعنة.
وممن ذهب إلى هذا أبو محمد بن حزم، فقال: "نترك من حديثه ما علمنا يقينًا أنه أرسله، وما علمنا أسقط بعض من في إسناده، ونأخذ من حديثه مالم نوقن فيه شيئًا من ذلك، وسواء قال: (أخبرنا فلان)، أو قال: (عن فلان)، أو قال: (فلان عن فلان)، كل ذلك واجب قبوله، مالم يُتيقن أنه أورد حديثًا بعينه إيرادًا غير مسند، فإن أيقنا ذلك تركنا ذلك الحديث وحده فقط، وأخذنا سائر رواياته (^١).
والمذهب الثاني: منع قبول رواية من عُرف بالتدليس ولو مرة واحدة، إلا فيما بيّن سماعه صريحًا، ورد ما رواه بصيغة احتمال السماع واحتمال التدليس كالعنعنة. وهذا هو مذهب الشافعي، فإنه قال: "ومن عرفناه دلس مرة فقد أبان لنا عورته في روايته، وليست تلك العورة بالكذب فنرد بها حديثه، ولا النصيحة في الصدق فنقبل منه ما قبلنا من أهل النصيحة في الصدق، فقلنا: لا نقبل من مدلس حديثًا حتى يقول فيه: حدثني، أو: سمعت" (^٢).
_________________
(١) "الإحكام في أصول الأحكام" (٢/ ١٤٢).
(٢) "الرسالة" (الفقرات ١٠٣٣ - ١٠٣٥).
[ ٣٦ ]
وقال ابن حبان: "المدلس ما لم يبين سماع خبره عمن كتب عنه، لا يجوز الاحتجاج بذلك الخبر، لأنه لا يُدرى لعله سمعه من إنسان ضعيف يبطل الخبر بذكره إذا وُقف عليه وعُرف الخبر به، فما لم يقل المدلس في خبره وإن كان ثقة: (سمعت)، أو: (حدثني)، فلا يجوز الاحتجاج بخبره" (^١).
وقال: "وهذا أصل أبي عبد الله الشافعي ﵀، ومن تبعه من شيوخنا" (^٢).
قال الخطيب: "وهذا هو الصحيح عندنا" (^٣).
وقال الخطيب: "فإن قيل: لِمَ إذا عُرف تدليسه في بعض حديثه وجب حمل جميع حديثه على ذلك، مع جواز أن لا يكون كذلك؟
قلنا: لأن تدليسه الذى بان لنا صَيَّرَ ذلك هو الظاهر من حاله، كما أن من عُرف بالكذب في حديث واحد صار الكذب هو الظاهر من حاله، وسقط العمل بجميع أحاديثه، مع جواز كونه صادقًا في بعضها، فكذلك حال من عُرف بالتدليس، ولو بحديث واحد، فإن وافقه ثقة على روايته وجب العمل به، لأجل رواية الثقة له خاصة دون غيره" (^٤).
والمذهب الثالث: ردُّ رواية من شاع عنه التدليس واشتهر به وكثر منه، حتى يبين سماعه صريحًا، دون من ذُكر به، ولم يُعرف له كبير أثر على صحة حديثه وروايته في الجملة، فهذا يُقبل حديثه ولو عنعن فيه، من أجل ضعف مظنة التدليس، خصوصًا وأن حديث الراوي معروض في العادة على المعروف من حديث الثقات المتقنين، فلدينا بهذا الاعتبار ميزان لكشف أثر تدليسه إن وجد.
_________________
(١) "الثقات" (١/ ١٢)، ومعنى ذلك له أيضًا في "المجروحين" (١/ ٩٢)، و"صحيحه" (١/ ١٦١).
(٢) "المجروحين" (١/ ٩٢).
(٣) "الكفاية" (صـ ٥١٥).
(٤) "الكفاية" (صـ ٥١٨).
[ ٣٧ ]
كذلك يُقال كما سبق: التدليس قدح نسبي في الراوي، مظنة فيمن استقرت ثقته ولم يكثر منه شبيهةٌ بمظنة خطئه، فمع احتمال وقوع ذلك منه، إلا أن روايته مقبولة مالم يثبت خطؤه فيها.
وعلى هذا المذهب في التحقيق عمل الشيخين، وعليه دلت عبارات كبار أئمة الحديث:
قال يعقوب بن شيبة: سألت يحيى بن معين عن التدليس، فكرهه وعابه، قلت له: أفيكون المدلس حجة فيما روى؟ أو حتى يقول: (حدثنا) و(أخبرنا)؟ فقال: "لا يكون حجة فيما دلس" (^١).
قلت: فابن معين هنا لا يشترط بيان السماع لقبول حديث المدلس، وإنما هو لديه مقبول، إلا فيما ثبت أنه دلس فيه.
وقال يعقوب بن شيبة: سألت علي بن المديني عن الرجل يدلس، أيكون حجة فيما لم يقل: (حدثنا)؟ قال: "إن كان الغالب عليه التدليس فلا، حتى يقول: حدثنا" (^٢).
قلت: فجعل غلبة التدليس على الراوي هي السبب في رد مالم يبين فيه السماع دون من لم يغلب عليه وكان يُذكر به نادرًا.
وكأن من هذا صنيع أحمد بن حنبل في توقفه في قبول روايةٍ لهشيم بن بشير، وهو معروف بالتدليس مشهور به، فقد قال أبو داود: سمعت أحمد يقول: "حديث ابن شبرمة: قال رجل للشعبي: نذرت أن أطلق امرأتي، لم يقل فيه هشيم: أخبرنا، فلا أدري سمعه أم لا" (^٣).
_________________
(١) أخرجه ابن عدي في "الكامل" (١/ ١٠٧)، والخطيب في "الكفاية" (صـ ٥١٦) وإسناده صحيح.
(٢) أخرجه الخطيب في "الكفاية" (صـ ٥١٦ - ٥١٧) وإسناده صحيح.
(٣) "مسائل الإمام أحمد" رواية أبي داود (صـ ٣٢٢).
[ ٣٨ ]
كذلك قال أبو داود: سمعت أحمد سُئل عن الرجل يُعرف بالتدليس يُحتج فيما لم يقل (سمعت)؟ قال "لا أدري"، فقلت: الأعمش، متى تُصاد له الألفاظ؟ قال: "يضيق هذا، أي: أنك تحتج به" (^١).
قلت: فهذا دل على توقف أحمد في قبول عنعنة المدلس في حال، وقبولها دون توقف في حالٍ أخرى، فحال التوقف ينبغي أن تُحمل على عنعنة من اشتهر أمره بالتدليس وكثر ذلك منه، كهشيم، أما من ذُكر به، وكان كثير الحديث الصحيح المتصل، وشق تتبع ذكره للسماع في كثرة ما روى ونَذرَةِ أثَرِ ما ذُكر به من التدليس، كالأعمش، فهذا يحتج به.
لكن يجب أن يُقيد بالقول: ما لم يثبت أنه دلس فيه.
ومن ذلك قول البخاري: "لا أعرف لسفيان الثوري عن حبيب بن أبي ثابت، ولا عن سلمة بن كهيل، ولا عن منصور -وذكر مشايخ كثيرة- لا أعرف لسفيان عن هؤلاء تدليسًا، ما أقل تدليسه" (^٢).
وقال مسلم بن الحجاج: "وإنما كان تفقد من تفقد منهم سماع رواة الحديث ممن روى عنهم، إذا كان الراوي ممن عُرف بالتدليس في الحديث وشُهر به، فحينئذٍ يبحثون عن سماعه في روايته، ويتفقدون ذلك منه حتى تنزاح عنهم علة التدليس" (^٣).
وقال يعقوب بن سفيان: "حديث سفيان وأبي إسحاق والأعمش، ما لم يعلم أنه مدلس يقوم مقام الحجة" (^٤).
قلت: وقد جهدت لأقف لأبي حاتم الرازي أو صاحبه أبي زرعة على حديث
_________________
(١) "سؤالات أبي داود" لأحمد بن حنبل (النص: ١٣٨).
(٢) "العلل الكبير" للترمذي (٢/ ٩٦٦).
(٣) "مقدمة صحيح مسلم" (صـ ٣٣).
(٤) "المعرفة والتاريخ" (٢/ ٦٣٧).
[ ٣٩ ]
أعلَّاه بمجرد العنعنة من موصوف بالتدليس، فلم أجد، وإنما وجدتهما في شيء قليل يُحيلان التهمة بنكارة الحديث على عنعنة المدلس، حيث لم يبين السماع، ولا ريب أن هذا أولى من تخطئةِ الثقة أو الصدوق أو حمل النكارة في الرِّواية عليه.
وتارة لثبوت التدليس في الحديث المعين (^١)، كما رأيت أبا حاتم توقف في بعض الأسانيد خشية التدليس لغلبة المظنة (^٢).
وجائز حمل عبارة ابن عبد البر على هذا المذهب، حين قال بعد أن ذكر الاتفاق على قبول الإسناد المعنعن: "إلا أن يكون الرجل معروفًا بالتدليس، فلا يُقبل حديثه حتى يقول: حدثنا، أو: سمعت، فهذا مالا أعلم فيه خلافًا" (^٣).
ولما ذكر ابن رجب مذهب الشافعي في رد خبر المدلس بوقوعه في التدليس مرة، قال: "واعتبر غيره من أهل الحديث أن يغلب التدليس على حديث الرجل" وذكره عن علي بن المديني (^٤).
والمذهب الرابع: التفريق بين أصناف المدلسين من الثقات، بين من عُرف أنه لم يدلس إلا عن ثقة معروف عند أهل العلم بالحديث، وبين من عُرف بالتدليس عن المجروحين والضعفاء والمجهولين (^٥).
وهذا المذهب يجب اعتباره على تفصيل:
فمن قالوا فيه: (لا يدلس إلا عن ثقة) فيجب أن يكون ذلك الثقة معروفًا لأهل العلم، لا بناءً على مجرد قول الناقد: (فلان لا يدلس إلا عن ثقة)، فذلك الثقة
_________________
(١) انظر إن شئت: "علل الحديث" لابن أبي حاتم (الأرقام: ٦٠، ١٠٩، ٤٧٤، ٧٢٥، ١٢٢١، ٢٠٧٨، ٢٣٠٨، ٢٥٧٩).
(٢) "علل الحديث" (رقم: ٢١١٩، ٢٤٦٣).
(٣) "التمهيد" (١/ ١٣).
(٤) "شرح علل الترمذي" (١/ ٣٥٣ - ٣٥٤).
(٥) نقل ابن رجب هذا المذهب في "شرح العلل" (١/ ٣٥٤) عن الكرابيسي وأبي الفتح الأزدي وبعض فقهاء الحنابلة، وقال: "هذا بناءٌ على قولهم في قبول المرسل".
[ ٤٠ ]
عنده ربما كان مجروحًا عند غيره لو سمي.
ولو قيل: بل نقبل ذلك بإطلاق، ما دام قائله في الراوي من النقاد العارفين.
قلنا: إذًا يلزم أن نقبل بإطلاق كذلك خبر الحافظ الناقد المدلس إذا روى لنا عن شيخ له بالعنعنة، من أجل ما أحسناه فيه من الظن: أنه دلسه وهو عنده ثقة، لأنه لو كان يعده مجروحًا فدلسه كان ذلك مما يقدح فيه، لما فيه من ضد الأمانة في الدين، والصواب أن حُسن الظن هنا لا يعني شيئًا.
وقد بينا في (مباحث التعديل) أن قول الناقد: (حدثني الثقة) ولا يسميه لا يُعتمد عليه، بل هو منزل منزلة المجهول، وفى التدليس لم يقل شيئًا من ذلك، بل أسقطه جملة، فزاد في الريبة، خصوصًا مع استحضار أن المدلس قد يسقط واسطتين أو أكثر (^١).
وانظر كلام الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن السعد، وكلام الشيخ ناصر بن حمد الفهد الذي في ترجمة (سفيان الثوري) من هذا الكتاب.
* * *
_________________
(١) "تحرير علوم الحديث" (٢/ ٩٧١ - ٩٧٦).
[ ٤١ ]