ذكر الحافظ ابن حجر زيد بن أسلم في المرتبة الأولى من المدلسين وقال: روى عن ابن عمر ﵄ في رد السلام بالإشارة، قال ابن عيينة: قلت لإنسان: سله أسمعه من ابن عمر، فساله فقال: أما أنا فكلمنى وكلمته، أخرجه البيهقي، وفى هذا الجواب إشعار بأنه لم يسمع هذا بخصوصه منه، مع أنه مكثر عنه، فيكون دلسه (^١).
وقال الحافظ في "تقريب التهذيب": زيد بن أسلم العدوي المدني، ثقة عالم، وكان يرسل.
قال الإمام أحمد في "مسنده" (٢/ ١٠): حدثنا سفيان، عن زيد بن أسلم، عن عبد الله بن عمر: دخل رسول الله -ﷺ- مسجد بنى عمرو بن عون، مسجد قباء يصلي فيه، فدخلت عليه رجال الأنصار يسلمون عليه، ودخل معه صهيب، فسألت صهيبًا: كيف كان رسول الله -ﷺ- يصنع إذا سُلم عليه؟ قال: يُشير بيده. قال سفيان: قلت لرجل: سل زيدًا: أسمعته من عبد الله، وهبت أن أسأله، فقال: يا أبا أسامة، سمعته من عبد الله بن عمر؟ قال: أما أنا، فقد رأيته فكلمته.
ومن طريق ابن عيينة أخرجه الشافعي في مسنده (ح ٣٥٢)، وعبد الرزاق (٣٥٩٧)، والحميدي (١٤٨)، وابن أبي شيبة (١٤/ ٢٨١)، والدارمي (١/ ٣١٦)، والنسائي في "المجتبى" (٣/ ٥)، وابن ماجه (١٠١٧)، وابن خزيمة (٨٨٨)، وابن حبان (٢٢٥٨)، والطبراني في "الكبير" (٧٢٩١)، والحاكم (٣/ ١٢)، والبيهقي في "السنن" (٢/ ٢٥٩)، وابن عبد البر في "التمهيد" (١/ ٣٢ - ٣٣).
وعند الحميدي: قال زيد بن أسلم: أما أنا فقد كلمته وكلمنى، ولم يقل سمعت منه.
_________________
(١) "تعريف أهل التقديس" (صـ ٨١).
[ ١٨٥ ]
وعند ابن خزيمة عن عبد الجبار بن العلاء عن سفيان قال: قلت لزيد: سمعت هذا من ابن عمر؟ قال: نعم.
وعبد الجبار بن العلاء ترجم له ابن حجر في "تهذيب التهذيب"، فقال: "قال سلمة بن شبيب عن أحمد: رأيته عند ابن عيينة حسن الأخذ. وقال أبو حاتم: صالح الحديث. وقال مرة: شيخ. وقال النسائي: ثقة. وقال مرة: لا بأس به. وذكره ابن حبان في الثقات وقال: كان متقنًا، سمعت ابن خزيمة يقول: ما رأيت أسرع قراءة منه ومن بندار. وقال العجلي: بصري ثقة سكن مكة". اهـ
وأخرجه البيهقي وابن عبد البر من طريق الحميدي وأبي يعقوب إسحاق بن إسماعيل الأيلي. وقال زيد بن أسلم في طريق إسحاق بن إسماعيل: أما أنا فقد رأيته.
أما الباقون فرووا الحديث من طريق ابن عيينة، ولم يذكروا سؤال سفيان بن عيينة لزيد بن أسلم.
قال ابن عبد البر: جواب زيد هذا جواب حيدة عما سُئل عنه، وفيه دليل والله أعلم على أنه لم يسمع هذا الحديث من ابن عمر، ولو سمعه منه لأجاب بأنه سمعه، ولم يجب بأنه رآه، وليست الرؤية دليلًا على صحة السماع، وقد صح سماعه من ابن عمر لأحاديث، وقد ذكرنا ذلك في أول باب من هذا الكتاب، والحمد لله. اهـ
وقال ابن رجب في "فتح الباري" (٦/ ٤١٩ - ٤٢٠) (ح ١٢١٧): وخرج الإمام أحمد والنسائي وابن ماجة من رواية زيد بن أسلم، عن ابن عمر، قال: دخل النبي -ﷺ- مسجد قباء ليصلي فيه … الحديث.
وقد قيل: إن زيدًا لم يسمعه من ابن عمر، وقد سُئل عن ذلك، فقال: أما أنا فقد كلمته وكلمني، ولم يقل: سمعته.
وممن قال لم يسمعه من ابن عمر: ابن المديني ويعقوب بن شيبة.
[ ١٨٦ ]
قلت: وسماع زيد بن أسلم من ابن عمر مختلف فيه.
قال ابن معين: قد سمع زيد بن أسلم من ابن عمر. "تاريخ الدوري" (٣/ ٢١٩).
وقال العلائي في "جامع التحصيل" (صـ ١٧٨): قال علي بن المديني: سُئل سفيان بن عيينة عن زيد بن أسلم فقال: ما سمع من ابن عمر إلا حديثان.
وقال البخاري في "التاريخ الكبير" (٣/ ٣٨٧): زيد بن أسلم سمع من ابن عمر.
وقال أبو أحمد الحاكم في "الأسامى والكنى" (٢/ ٢١): أبو أسامة زيد بن أسلم القرشي العدوي سمع أبا عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن الخطاب العدوي وأبا حمزة أنس بن مالك الأنصاري.
وقال مسلم بن الحجاج في "الكنى والأسماء" (١/ ١٥٤): أبو أسامة زيد ابن أسلم مولى عمر بن الخطاب سمع ابن عمر وأباه.
وقال ابن عبد البر في "التمهيد" (١٥/ ١٢٥): ومما يدل على أن جر الإزار مذموم على كل حال ما ذكره أبو زرعة، قال: حدثنا محمد بن أبي عمر، عن سفيان بن عيينة، أنه أخبرهم عن زيد بن أسلم، قال: سمعت عبد الله بن عمر يقول لابن ابنه عبد الله بن واقد: يا بني، ارفع إزارك فإني سمعت رسول الله -ﷺ- يقول: "لا ينظر الله يوم القيامة إلى من جر ثوبه خيلاء".
وقد زعم أبو جعفر الطحاوي أن زيد بن أسلم لم يسمع من ابن عمر، وهذا غلط، وقد بان لك في حديث ابن عيينة هذا سماعه، ومما يدل على ذلك أيضًا ما ذكره ابن وهب في كتاب المجالس، قال: أخبرنا ابن زيد عن أبيه أنا أباه أسلم أرسله إلى ابن عمر الحديث. اهـ
قلت: الذى يظهر لي أن زيد بن أسلم سمع من ابن عمر، إلا أن بعض العلماء قد وصفه بأنه لم يسمع من ابن عمر حديث رد السلام بالإشارة، ودلسه. فلو سلمنا أنه لم يسمع من ابن عمر هذا الحديث، فيقال: إنه لم
[ ١٨٧ ]
يسمع من ابن عمر هذا الحديث خاصة، وباقي حديثه عن ابن عمر قد سمعه منه. والتدليس الموصوف به زيد بن أسلم خاص بحديث رد السلام بالإشارة فلا ينبغي التوقف في عنعنته عن ابن عمر إلا في حديث رد السلام بالإشارة، أو في حديث آخر قد ثبت أنه دلسه عن ابن عمر والله أعلم.
* * *
[ ١٨٨ ]