وأما الإمام شيخ الإسلام حافظ المغرب أبو عمر يوسف بن عبد البر النمري القرطبي - ﵀ - فقد صدع بالحق وكشف القناع عن وجوه الطاعنين في الإمام في كتابيه " الانتقاء في فضائل الثلاثة الأئمة الفقهاء "، و" جامع بيان العلم وفضله وما ينبغي في روايته وحمله " حيث قال في ترجمة الإمام أبي يوسف من " الانتقاء " ما لفظه: «كَانَ يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ يُثْنِي عَلَيْهِ، وَيُوَثِّقُهُ، وَأَمَّا سَائِرُ أَهْلِ الحَدِيثِ فَهُمْ كَالأَعْدَاءِ لأَبِي حَنِيفَةَ وَأَصْحَابِهِ».
فنسألك أيها الألباني هل يُقْبَلُ قَوْلُ الأعداء من غير إقامة برهان على دعواهم في حق إمام قد خضعت الأمة لجلالته وعلمه وورعه، وَتَبِعَهُ شطر أهل البسيطة على توالي القرون إلى يومنا هذا؟ أفما لك عقل يمنعك من الخوض في مثل تلك الوَرَطَاتِ؟
[ ١٢٩ ]
وقال الإمام ابن عبد البر في " جامع بيان العلم: (١)
«وَأَفْرَطَ أَصْحَابُ الحَدِيثِ فِي ذَمِّ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ وَتَجَاوَزُوا الحَدَّ فِي ذَلِكَ، وَالسَّبَبُ المُوجِبُ لِذَلِكَ عِنْدَهُمْ إِدْخَالُهُ الرَّأْيَ وَالقِيَاسَ عَلَى الآثَارِ وَاعْتِبَارُهُمَا، وَأَكْثَرُ أَهْلِ العِلْمِ يَقُولُونَ: إِذَا صَحَّ الأَثَرُ مِنْ جِهَةِ الإِسْنَادِ بَطَلَ القِيَاسُ وَالنَّظَرُ.
وَكَانَ رَدُّهُ لِمَا رَدَّ مِنَ الأَحَادِيثِ بِتَأْوِيلٍ مُحْتَمَلٍ، وَكَثِيرٌ مِنْهُ قَدْ تَقَدَّمَهُ إِلَيْهِ غَيْرُهُ وَتَابَعَهُ عَلَيْهِ مِثْلُهُ مِمَّنْ قَالَ بِالرَّأْيِ، وَجُلُّ مَا يُوجَدُ لَهُ مِنْ ذَلِكَ مَا كَانَ مِنْهُ اتِّبَاعًا لأَهْلِ بَلَدِهِ كَإِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ وَأَصْحَابِ ابْنِ مَسْعُودٍ إِلاَّ أَنَّهُ أَغْرَقَ وَأَفْرَطَ فِي تَنْزِيلِ النَّوَازِلِ هُوَ وَأَصْحَابُهُ وَالجَوَابِ فِيهَا بِرَأْيِهِمْ وَاسْتِحْسَانِهِمْ، [فَيَأْتِي مِنْهُمْ] مِنْ ذَلِكَ خِلاَفٌ [كَثِيرٌ] لِلسَّلَفِ وَشُنَعٌ هِيَ عِنْدَ مُخَالِفِيهِمْ بِدَعٌ.
وَمَا أَعْلَمُ أَحَدًا مِنْ أَهْلِ العِلْمِ إِلاَّ وَلَهُ تَأْوِيلٌ فِي آيَةٍ أَوْ مَذْهَبٌ فِي سُنَّةٍ رَدَّ مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ المَذْهَبِ بِسُنَّةٍ أُخْرَى بِتَأْوِيلٍ سَائِغٍ أَوِ ادِّعَاءِ نَسْخٍ، إِلاَّ أَنَّ لأَبِي حَنِيفَةَ مِنْ ذَلِكَ كَثِيرًا وَهُوَ يُوجَدُ لِغَيْرِهِ قَلِيلًا.
وَقَدْ ذَكَرَ يَحْيَى بْنُ سَلاَّمٍ، قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ غَانِمٍ فِي مَجْلِسِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ الأَغْلَبِ يُحَدِّثِ عَنِ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ، أَنَّهُ قَالَ: " أَحْصَيْتُ عَلَى مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ سَبْعِينَ مَسْأَلَةً، كُلُّهَا مُخَالِفَةٌ لِسُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِمَّا قَالَ فِيهَا بِرَأْيِهِ قَالَ: وَلَقَدْ كَتَبْتُ إِلَيْهِ [أَعِظُهُ] فِي ذَلِكَ».
_________________
(١) ٢/ ١٤٨ - ١٥٠ طبع المنيرية بمصر.
[ ١٣٠ ]
قَالَ أَبُو عُمَرَ- ابن عبد البر -: «لَيْسَ أَحَدٌ مِنْ عُلَمَاءِ الأُمَّةِ يُثْبِتُ حَدِيثًا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ثُمَّ يَرُدُّهُ دُونَ ادِّعَاءِ نَسْخِ ذَلِكَ بِأَثَرٍ مِثْلِهِ أَوْ بِإِجْمَاعٍ أَوْ بِعَمَلٍ يَجِبُ عَلَى أَصْلِهِ الانْقِيَادُ إِلَيْهِ أَوْ طَعْنٍ فِي سَنَدِهِ، وَلَوْ فَعَلَ ذَلِكَ أَحَدٌ سَقَطَتْ عَدَالَتُهُ فَضْلًا عَنْ أَنْ يُتَّخَذَ إِمَامًا وَلَزِمَهُ [اسْمُ] الفِسْقِ
وَنَقَمُوا أَيْضًا عَلَى أَبِي حَنِيفَةَ الإِرْجَاءَ، وَمِنْ أَهْلِ العِلْمِ مَنْ يُنْسَبُ إِلَى الإِرْجَاءِ كَثِيرٌ لَمْ يُعْنَ أَحَدٌ بِنَقْلِ قَبِيحِ مَا قِيلَ فِيهِ كَمَا عُنُوا بِذَلِكَ فِي أَبِي حَنِيفَةَ لإِمَامَتِهِ، وَكَانَ أَيْضًا مَعَ هَذَا يُحْسَدُ وَيُنْسَبُ إِلَيْهِ مَا لَيْسَ فِيهِ، وَيُخْتَلَقُ عَلَيْهِ مَا لاَ يَلِيقُ بِهِ.
وَقَدْ أَثْنَى عَلَيْهِ جَمَاعَةٌ مِنَ العُلَمَاءِ وَفَضَّلُوهُ وَلَعَلَّنَا إِنْ وَجَدْنَا نُشْطَةً نَجْمَعُ مِنْ فَضَائِلِهِ وَفَضَائِلِ مَالِكٍ، وَالشَّافِعِيِّ، وَالثَّوْرِيِّ، وَالأَوْزَاعِيِّ ﵏ كِتَابًا، أَمَّلْنَا جَمْعَهُ قَدِيمًا فِي أَخْبَارِ أَئِمَّةِ الأَمْصَارِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى» (١).
وَحَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنُ بْنُ يَحْيَى، قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ سَعِيدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو سَعِيدِ بْنُ الأَعْرَابِيِّ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبَّاسُ بْنُ مُحَمَّدٍ الدُّورِيُّ قَالَ: سَمِعْتُ يَحْيَى بْنَ مَعِينٍ يَقُولُ: «أَصْحَابُنَا يُفْرِطُونَ فِي أَبِي حَنِيفَةَ
_________________
(١) ثم جمع في ذلك كتابه " الانتقاء في فضائل الثلاثة الفقهاء، مالك، والشافعي وأبي حنيفة ".
[ ١٣١ ]
وَأَصْحَابِهِ» فَقِيلَ لَهُ: أَكَانَ أَبُو حَنِيفَةَ يَكْذِبُ؟ فَقَالَ: «كَانَ أَنْبَلَ مِنْ ذَلِكَ».
وَذَكَرَ مُحَمَّدُ بْنُ الحُسَيْنِ الأَزْدِيُّ الحَافِظُ المَوْصِلِيُّ فِي الأَخْبَارِ التِي فِي آخِرِ كِتَابِهِ فِي " الضُّعَفَاءِ " قَالَ: يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ: «مَا رَأَيْتُ أَحَدًا أُقَدِّمُهُ عَلَى وَكِيعٍ» وَكَانَ يُفْتِي بِرَأْيِ أَبِي حَنِيفَةَ وَكَانَ يَحْفَظُ حَدِيثَهُ كُلَّهُ، وَكَانَ قَدْ سَمِعَ مِنَ أَبِي حَنِيفَةَ حَدِيثًا كَثِيرًا.
وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ الْمَدِينِيِّ: «أَبُو حَنِيفَةَ رَوَى عَنْهُ الثَّوْرِيُّ، وَابْنُ المُبَارَكِ، وَحَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، وَهُشَيْمٌ، وَوَكِيعُ بْنُ الجَرَّاحِ، وَعَبَّادُ بْنُ العَوَّامِ، وَجَعْفَرُ بْنُ عَوْنٍ، وَهُوَ ثِقَةٌ لاَ بَأْسَ بِهِ، وَقَالَ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ: رُبَّمَا اسْتَحْسَنَّا الشَّيْءَ مِنْ قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ فَنَأْخُذُ بِهِ.
قَالَ يَحْيَى: وَقَدْ سَمِعْتُ مِنَ أَبِي يُوسُفَ " الجَامِعَ الصَّغِيرَ "، ذَكَرَهُ الأَزْدِيُّ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حَرْبٍ، سَمِعْتُ عَلِيَّ بْنَ المَدِينِيِّ، فَذَكَرَهُ مِنْ أَوَّلِهِ إِلَى آخِرِهِ حَرْفًا بِحَرْفٍ.
قَالَ أَبُو عُمَرَ (ابن عبد البر): «الذِينَ رَوَوْا عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ وَوَثَّقُوهُ وَأَثْنَوْا عَلَيْهِ أَكْثَرَ مِنَ الذِينَ تَكَلَّمُوا فِيهِ، وَالذِينَ تَكَلَّمُوا فِيهِ مِنْ أَهْلِ الحَدِيثِ، أَكْثَرُ مَا عَابُوا عَلَيْهِ الإِغْرَاقَ فِي الرَّأْيِ وَالقِيَاسِ وَالإِرْجَاءَ.
وَكَانَ يُقَالُ: يُسْتَدَلُّ عَلَى نَبَاهَةِ الرَّجُلِ مِنَ المَاضِينَ بِتَبَايُنِ النَّاسِ فِيهِ قَالُوا: أَلاَ تَرَى إِلَى عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ أَنَّهُ قَدْ هَلَكَ فِيهِ [فَتَيَانِ] مُحِبٌّ مُفْرِطٌ وَمُبْغِضٌ [مُفَرِّطٌ]. وَقَدْ جَاءَ فِي الحَدِيثِ أَنَّهُ يَهْلِكُ فِيهِ رَجُلاَنِ مُحِبٌّ مُطْرٍ وَمُبْغِضٌ مُفْتَرٍ، وَهَذِهِ صِفَةُ أَهْلِ النَّبَاهَةِ وَمَنْ بَلَغَ فِي الدِّينِ وَالْفَضْلِ الغَايَةَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ».
[ ١٣٢ ]
وقال ابن عبد البر في (باب حكم قول العلماء بعضهم في بعض) من " جامع بيان العلم " (١) أيضًا، ما نصه:
«قَدْ غَلَطَ فِيهِ كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ وَضَلَّتْ فِيهِ نَابِتَةٌ جَاهِلَةٌ لاَ تَدْرِي مَا عَلَيْهَا فِي ذَلِكَ، وَالصَّحِيحُ فِي هَذَا البَابِ أَنَّ مَنَ صَحَّتْ عَدَالَتُهُ وَثَبَتَتْ فِي العِلْمِ إِمَامَتُهُ وَبَانَتْ ثِقَتُهُ وَبِالعِلْمِ عِنَايَتُهُ لَمْ يُلْتَفَتْ فِيهِ إِلَى قَوْلِ أَحَدٍ إِلاَّ أَنْ يَأْتِيَ فِي جَرْحَتِهِ بِبَيِّنَةٍ عَادِلَةٍ يَصِحُّ بِهَا جَرْحَتُهُ عَلَى طَرِيقِ الشَّهَادَاتِ وَالعَمَلِ فِيهَا مِنَ المُشَاهَدَةِ وَالمُعَايَنَةِ لِذَلِكَ بِمَا يُوجِبُ تَصْدِيقَهُ فِيمَا قَالَهُ لِبَرَاءَتِهِ مِنَ الغِلِّ وَالحَسَدِ وَالعَدَاوَةِ وَالمُنَافَسَةِ وَسَلاَمَتِهِ مِنْ ذَلَكَ كُلِّهِ، فَذَلَكَ كُلُّهُ يُوجِبُ قَبُولَ قَوْلِهِ مِنْ جِهَةِ الفِقْهِ وَالنَّظَرِ.
وَأَمَّا مَنْ لَمْ تَثْبُتُ إِمَامَتُهُ وَلاَ عُرِفَتْ عَدَالَتُهُ وَلاَ صَحَّتْ لِعَدَمِ الحِفْظِ وَالإِتْقَانِ رِوَايَتُهُ، فَإِنَّهُ يُنْظَرُ فِيهِ إِلَى مَا اتَّفَقَ أَهْلُ الْعِلْمِ عَلَيْهِ وَيُجْتَهَدُ فِي قَبُولِ مَا جَاءَ بِهِ عَلَى حَسَبِ مَا يُؤَدِّي النَّظَرُ إِلَيْهِ.
وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّهُ لاَ يُقْبَلُ فِيمَنِ اتَّخَذَهُ جُمْهُورٌ مِنْ جَمَاهِيرِ الْمُسْلِمِينَ إِمَامًا فِي الدِّينِ قَوْلُ أَحَدٍ مِنَ الطَّاعِنِينَ: إِنَّ السَّلَفَ ﵃ قَدْ سَبَقَ مِنْ بَعْضِهِمْ فِي بَعْضٍ كَلاَمٌ كَثِيرٌ، مِنْهُ فِي حَالِ الغَضَبِ وَمِنْهُ مَا حُمِلَ عَلَيْهِ الحَسَدُ، كَمَا قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَمَالِكُ بْنُ دِينَارٍ، وَأَبُو حَازِمٍ (٢)،
_________________
(١) ٢/ ١٥٢ - ١٦٣.
(٢) قال ابن عباس - رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُمَا -: «اسْتَمِعُوا عِلْمَ العُلَمَاءِ وَلاَ تُصَدِّقُوا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ، فَوَالذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَهُمْ أَشَدُّ تَغَايُرًا مِنَ التِّيُوسِ فِي زُرُوبِهَا». وقال مالك بن دينار: «يُؤْخَذُ بِقَوْلِ العُلَمَاءِ وَالقُرَّاءِ فِي كُلِّ شَيْءٍ إِلاَّ قَوْلَ بَعْضِهِمْ فِي بَعْضٍ؛ فَلَهُمْ أَشَدُّ تَحَاسُدًا مِنَ التِّيُوسِ». وقال أبو حازم: «العُلَمَاءُ كَانُوا فِيمَا مَضَى مِنَ الزَّمَانِ إِذَا لَقِيَ =
[ ١٣٣ ]
وَمِنْهُ عَلَى جِهَةِ التَّأْوِيلِ مِمَّا لاَ يَلْزَمُ المَقُولُ فِيهِ مَا قَالَهُ القَائِلُ فِيهِ، وَقَدْ حَمَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ بِالسَّيْفِ تَأْوِيلًا وَاجْتِهَادًا لاَ يَلْزَمُ تَقْلِيدُهُمْ فِي شَيْءٍ مِنْهُ دُونَ بُرْهَانٍ وَحُجَّةٍ تُوجِبُهُ، وَنَحْنُ نُورِدُ فِي هَذَا البَابِ مِنْ قَوْلِ الأَئِمَّةِ الجِلَّةِ الثِّقَاتِ السَّادَّةِ، بَعْضُهُمْ فِي بَعْضٍ مِمَّا لاَ يَجِبُ أَنْ يُلْتَفَتَ فِيهِمْ إِلَيْهِ وَلاَ يُعْرَجُ عَلَيْهِ، وَمَا يُوَضِّحُ صِحَّةَ مَا ذَكَرْنَا، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ» ثم سرد ابن عبد البر من قول بعضهم في بعض ممن لا يلتفت إليهم أمثلة كثيرة، ثم قال:
«وَقَدْ كَانَ بَيْنَ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَجِلَّةِ العُلَمَاءِ عِنْدَ الغَضَبِ كَلاَمٌ هُوَ أَكْثَرُ مِنْ هَذَا، وَلَكِنَّ أَهْلَ العِلْمِ وَالفَهْمِ وَالفِقْهِ لاَ [يَتَلَفَّتُونَ] إِلَى ذَلِكَ لأَنَّهُمْ بَشَرٌ يَغْضَبُونَ وَيَرْضَوْنَ، وَالقَوْلُ فِي الرِّضَا غَيْرُ القَوْلِ فِي الغَضَبِ.
ولقد أحسن القائل: «لاَ يُعْرَفُ الحِلْمُ إِلاَّ سَاعَةَ الغَضَبِ».
وَمَا مَثَلُ مَنْ تَكَلَّمَ فِي مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ وَنُظَرَائِهِمَا مِنَ الأَئِمَّةِ إِلاَّ كَمَا قَالَ الأَعْشَى:
كَنَاطِحٍ صَخْرَةً يَوْمًا لِيُوهِنَهَا فَلَمْ يَضِرْهَا وَأْوَهَى قَرْنَهُ الوَعِلُ
_________________
(١) العَالِمُ مَنْ هُوَ فَوْقَهُ فِي العِلْمِ كَانَ ذَلِكَ يَوْمَ غَنِيمَةٍ، وَإِذَا لَقِيَ مَنْ هُوَ مِثْلُهُ ذَاكَرَهُ، وَإِذَا لَقِيَ مَنْ هُوَ دُونَهُ لَمْ يَزْهُ عَلَيْهِ، حَتَّى كَانَ هَذَا الزَّمَانُ فَصَارَ الرَّجُلُ يَعِيبُ مَنْ هُوَ فَوْقَهُ ابْتِغَاءَ أَنْ يَنْقَطِعَ مِنْهُ حَتَّى يَرَى النَّاسُ أَنَّهُ لَيْسَ بِهِ حَاجَةٌ إِلَيْهِ وَلاَ يُذَاكِرُ مَنْ هُوَ مِثْلُهُ [وَيُزْهَى] عَلَى مَنْ هُوَ دُونَهُ فَهَلَكَ النَّاسُ». أسند كل ذلك ابن عبد البر - رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى - في أول (باب حكم قول العلماء بعضهم على بعض).
[ ١٣٤ ]
أو كما قال الحسين بن حُمَيْدٍ:
يَا نَاطِحَ الجَبَلِ العَالِي لِيُكْلِمَهُ أَشْفِقْ عَلَى الرَّأْسِ لاَ تُشْفِقْ عَلَى الجَبَلِ
ولقد أحسن أبو العتاهية حيث يقول:
وَمَن ذَا الذِي يَنْجُو مِنَ النَّاسِ سَالِمًا وَلِلْنَّاسِ قَالٌ بِالظُّنُونِ وَقِيلُ
وهذا خير من قول القائل:
وَمَا اعْتِذَارُكَ مِنْ قَوْلٍ إِذَا قِيلاَ؟!
فَقَدْ رَأَيْنَا [البَاطِلَ] وَالبَغْيَ وَالحَسَدَ [أَسْرَعَ النَّاسُ إِلَيْهِ] قَدِيمًا أَلاَ تَرَى إِلَى قَوْلِ الكُوفِيِّ فِي سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ: إِنَّهُ لاَ يَعْدِلُ فِي الرَّعِيَّةِ وَلاَ يَغْزُو فِي السَّرِيَّةِ، وَلاَ يَقْسِمُ بِالسَّوِيَّةِ، وَسَعْدٌ بَدْرِيُّ وَأَحَدُ العَشَرَةِ المَشْهُودِ لَهُمْ بِالْجَنَّةِ وَأَحَدُ السِّتَّةِ الذِينَ جَعَلَ عُمَرُ بْنُ الخَطَّابِ الشُّورَى فِيهِمْ، وَقَالَ: تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ عَنْهُمْ رَاضٍ.
وُقَدْ رُوِيَ أَنَّ مُوسَى - عَلَيْهِ السَّلاَمُ - قَالَ: «يَا رَبِّ اقْطَعْ عَنِّي أَلْسُنَ بَنِي إِسْرَائِيلَ، فَأَوْحَى اللَّهُ تَعَالَى إِلَيْهِ: يَا مُوسَى لَمْ أَقْطَعْهَا عَنْ نَفْسِي فَكَيْفَ أَقْطَعُهَا عَنْكَ؟».
قَالَ أَبُو عُمَرَ: «وَاللَّهِ لَقَدْ تَجَاوَزَ النَّاسُ الحَدَّ فِي الغِيبَةِ وَالذَّمِّ، فَلَمْ يَقْنَعُوا بِذَمِّ العَامَّةِ دُونَ الخَاصَّةِ وَلاَ بِذَمِّ الجُهَّالِ دُونَ العُلَمَاءِ، وَهَذَا كُلُّهُ يَحْمِلُ عَلَيْهِ الجَهْلُ وَالحَسَدُ، وَقِيلَ لابْنِ المُبَارَكِ: فُلاَنٌ يَتَكَلَّمُ فِي أَبِي حَنِيفَةَ فَأَنْشَدَ بَيْتَ ابْنِ الرُّقَيَّاتِ:
[ ١٣٥ ]
حَسَدُوكَ أَنْ رَأَوْكَ فَضَّلَكَ اللَّـ ـهُ بِمَا فُضِّلَتْ بِهِ النُّجَبَاءُ
وَقِيلَ لأَبِي عَاصِمٍ النَّبِيلِ: فُلاَنٌ يَتَكَلَّمُ فِي أَبِي حَنِيفَةَ فَقَالَ: هُوَ كَمَا قَالَ نُصَيْبٌ:
سَلِمْتِ وَهَلْ حَيٌّ عَلَى النَّاسِ يَسْلَمُ (*)
وَقَالَ أَبُو الأَسْوَدِ الدُّؤَلِيُّ:
حَسَدُوا الْفَتَى إِذْ لَمْ يَنَالُوا سَعْيَهُ فَالنَّاسُ أَعْدَاءٌ لَهُ وَخُصُومُ
فَمَنْ أَرَادَ أَنْ يَقْبَلَ قَوْلَ العُلَمَاءِ الثِّقَاتِ الأَئِمَّةِ الأَثْبَاتِ بَعْضِهِمْ فِي بَعْضٍ، فَلْيَقْبَلْ قَوْلَ مَنْ ذَكَرْنَا قَوْلَهُ مِنَ الصَّحَابَةِ رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ بَعْضِهِمْ فِي بَعْضٍ، فَإِنْ فَعَلَ ذَلِكَ ضَلَّ ضَلاَلًا بَعِيدًا وَخَسِرَ خُسْرَانًا، وَكَذَلِكَ إِنْ قَبِلَ فِي سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ قَوْلَ عِكْرِمَةَ، وَفِي الشَّعْبِيِّ وَأَهْلِ الْحِجَازِ وَأَهْلِ مَكَّةَ وَأَهْلِ الكُوفَةِ وَأَهْلِ الشَّامِ عَلَى الجُمْلَةِ وَفِي مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ وَسَائِرِ مَنْ ذَكَرْنَاهُ فِي هَذَا البَابِ مَا ذَكَرْنَا عَنْ بَعْضِهِمْ فِي بَعْضٍ.
فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ وَلَنْ يَفْعَلَ إِنْ هَدَاهُ اللَّهُ وَأَلْهَمَهُ رُشْدَهُ فَلْيَقِفْ عِنْدَ مَا شَرَطْنَا فِي أَنْ لاَ يَقْبَلَ فِيمَنْ صَحَّتْ عَدَالَتُهُ وَعَلِمْتَ بِالعِلْمِ عِنَايَتَهُ، وَسَلِمَ مِنَ الكَبَائِرِ وَلَزِمَ المُرُوءَةَ [وَالتَّصَاوُنَ] وَكَانَ خَيْرُهُ غَالِبًا وَشَرُّهُ أَقَلُّ عَمَلِهِ فَهَذَا لاَ يُقْبَلُ فِيهِ قَوْلُ قَائِلٍ لاَ بُرْهَانَ لَهُ بِهِ، وَهَذَا هُوَ الحَقُّ الذِي لاَ يَصِحُّ غَيْرُهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ.
قَالَ أَبُو الْعَتَاهِيَةِ:
بَكَى شَجْوَهُ الإِسْلاَمُ مِنْ عُلَمَائِهِ فَمَا اكْتَرَثُوا لَمَّا رَأَوْا مِنْ بُكَائِهِ
فَأَكْثَرُهُمْ مُسْتَقْبِحٌ لِصَوَابِ مَنْ يُخَالِفُهُ مُسْتَحْسِنٌ لِخَطَائِهِ
فَأَيُّهُمُ المَرْجُوُّ فِينَا لِدِينِهِ وَأَيُّهُمُ المَوْثُوقُ فِينَا بِرَأْيِهِ
_________________
(١) [تَعْلِيقُ مُعِدِّ الكِتَابِ لِلْمَكْتَبَةِ الشَّامِلَةِ]: (*) هو كما أثبته، البيت الأول لنصيب، والثاني لأبي الأسود الدؤلي، انظر " جامع بيان العلم وفضله "، تحقيق: أبي الأشبال الزهيري: ٢/ ١١١٣ رقم ٢١٩٢، ٢١٩٣، الطبعة الأولى: ١٤١٤ هـ - ١٩٩٤ م، نشر دار ابن الجوزي، المملكة العربية السعودية.
[ ١٣٦ ]
وَالذِينَ أَثْنَوْا عَلَى سَعِيدِ بْنِ المُسَيِّبِ وَعَلَى سَائِرِ مَنْ ذَكَرْنَا مِنَ التَّابِعِينَ وَأَئِمَّةِ المُسْلِمِينَ أَكْثَرُ مِنْ أَنْ يُحْصَوْا وَقَدْ جَمَعَ النَّاسُ فَضَائِلَهُمْ وَعُنُوا بِسِيَرِهِمْ وَأَخَبَارِهِمْ، فَمَنْ قَرَأَ [فَضَائِلَهُمْ] وَفَضَائِلَ مَالِكٍ وَفَضَائِلَ الشَّافِعِيِّ وَفَضَائِلَ أَبِي حَنِيفَةَ بَعْدَ فَضَائِلِ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ ﵃ وَعُنِيَ بِهَا، وَوَقَفَ عَلَى كَرِيمِ سِيَرِهِمْ وَسَعَى فِي الإِقْتِدَاءِ بِهِمْ، وَسَلَكَ سَبِيلِهِمْ فِي عِلْمِهِمْ وَفِي سَمْتِهِمْ وَهَدْيِهِمْ كَانَ ذَلِكَ لَهُ عَمَلًا زَاكِيًا نَفَعَنَا اللَّهُ ﷿ بِحُبِّهِمْ جَمِيعِهِمْ.
قَالَ الثَّوْرِيُّ ﵀: «عِنْدَ ذِكْرِ الصَّالِحِينَ تَنْزِلُ الرَّحْمَةُ» وَمَنْ لَمْ يَحْفَظْ مِنْ أَخْبَارِهِمْ إِلاَّ مَا نَذَرَ مِنْ بَعْضِهِمْ فِي بَعْضٍ عَلَى الحَسَدِ وَالهَفَوَاتِ وَالغَضَبِ وَالشَّهَوَاتِ دُونَ أَنْ يَعْنِيَ بِفَضَائِلِهِمْ وَيَرْوِي مَنَاقِبَهُمْ حُرِمَ التَّوْفِيقَ وَدَخَلَ فِي الغِيبَةِ وَحَادَ عَنِ الطَّرِيقِ جَعَلَنَا اللَّهُ وَإِيَّاكَ مِمَّنْ يَسْمَعُ القَوْلَ فَيَتَّبِعُ أَحْسَنَهُ.
وَقَدِ افْتَتَحْنَا هَذَا الْبَابَ بِقَوْلِهِ ﷺ: «دَبَّ إِلَيْكُمْ دَاءُ الأُمَمِ قَبْلَكُمُ الحَسَدُ وَالبَغْضَاءُ»، وَفِي ذَلِكَ كِفَايَةٌ وَمَنْ صَحِبَهُ التَّوْفِيقُ أَغْنَاهُ مِنَ الحِكْمَةِ يَسِيرُهَا وَمِنَ المَوَاعِظِ قَلِيلُهَا إِذَا فَهِمَ وَاسْتَعْمَلَ مَا عَلِمَ، وَمَا تَوْفِيقِي إِلاَّ بِاللَّهِ وَهُوَ حَسْبِي وَنِعْمَ الوَكِيلُ.
وَحَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ يُوسُفَ قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ رَحْمُونَ قَالَ: سَمِعْتُ مُحَمَّدَ بْنَ بَكْرِ بْنِ دَاسَهْ يَقُولُ: سَمِعْتُ أَبَا دَاوُدَ سُلَيْمَانَ بْنَ الأَشْعَثِ السِّجِسْتَانِيَّ يَقُولُ: «رَحِمَ اللَّهُ مَالِكًا كَانَ إِمَامًا، رَحِمَ اللَّهُ الشَّافِعِيَّ كَانَ إِمَامًا، رَحِمَ اللَّهُ أَبَا حَنِيفَةَ كَانَ إِمَامًا». انتهى باختصار.
[ ١٣٧ ]
وقال ابن عبد البر في " جامع بيان العلم " (١) أيضًا: حَدَّثَنَا خَلَفُ بْنُ القَاسِمِ، نا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مَحْمُودُ بْنُ مُحَمَّدِ الوَرَّاقُ، ثنا أَحْمَدُ بْنُ مَسْعَدَةَ، ثنا مُحَمَّدُ بْنُ حَمَّادٍ المِصِّيصِيُّ، نا أَحْمَدُ بْنُ القَاسِمِ، ثنا أَحْمَدُ بْنُ أَبِي رَجَاءٍ قَالَ: سَمِعْتُ أَبِي، يَقُولُ: «رَأَيْتُ مُحَمَّدَ بْنَ الحَسَنِ فِي المَنَامِ فَقُلْتُ: إِلاَمَ صِرْتَ؟ قَالَ: غُفِرَ لِي ثُمَّ قِيلَ لِي: لَمْ نَجْعَلْ هَذَا العِلْمَ فِيكَ إِلاَّ وَنَحْنُ نُرِيدُ أَنْ نَغْفِرَ لَكَ قَالَ: قُلْتُ: وَمَا فَعَلَ أَبُو يُوسُفَ؟ قَالَ: فَوْقَنَا بِدَرَجَةٍ قُلْتُ: وَأَبُو حَنِيفَةَ؟ قَالَ: فِي أَعْلَى عِلِّيِّينَ». انتهى.