وقوله ﷿ ﴿إنما يخشى الله من عباده العلماء﴾ وقد قيل لعبد الله بن المبارك كيف لا تستوحش وحدك في المقام فقال كيف يستوحش من يجالس النبي ﵇ والصحابة والتابعين ﵃ أجمعين يعني الكتب لان فيها الأخبار والآثار رواه الحاكم فى تاريخه عن نعيم ابن حماد
الإمام الأعظم والهمام الأقدم تاج الأئمة وسراج الأمة أبو حنيفة نعمان ابن ثابت الكوفي رحمة الله عليه
وهو ابن زوطا بفتح الزاي والطاء المهملة ابن ماه الكوفي هكذا رفع نسبه رضي الدين الصغاني الحنفي فى العباب ذكره مجد الدين الفيروز أبادي في طبقات الحنفية وقال النووي في تهذيب الأسماء والصفات ابن زوطا بضم الزاي وفتح الطاء وذكر صاحب الكافي أنه نعمان بن ثابت بن طاوس ابن هرمز بن ملك بن شيبان وذكر الإمام أبو مطيع البلخي أنه من العرب من قبيلة الأنصار وذكر نصر بن محمد بن نصر المروزي ان ثابتا كان من قرية نسا من خراسان وذكر حارث بن إدريس أنه كان من مدينة الرجال ثرمذ ورفع نسبه أبو إسحاق الصريفني إلى هود ابن النبي يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم بن آزر وعدد من جملة آبائه الملك إسفنديار وكيقباد وقيل أنه من أبناء أفريدون من نسل ملوك العجم وبعضهم رفعه إلى هود النبي من أولاد سام بن نوح منتهيا إلى شيث بن آدم ﵈ لكن في تفسير البغوي في قوله تعالى ﴿ألم يأتكم نبأ الذين من قبلكم قوم نوح وعاد وثمود والذين من بعدهم لا يعلمهم إلا الله﴾ يعني من كان بعد نوح وعاد وثمود وروى عن عبد الله بن مسعود أنه قرأ هذه الآية ثم قال كذب النسابون وعن عبد الله بن عباس قال بين إبراهيم وبين عدنان ثلاثون قرنا
[ ٢ / ٤٥١ ]
لا يعلمهم إلا الله وكان مالك بن أنس يكره أن ينسب الإنسان نسبه أبا أبا إلى آدم وكذلك في حق النبي ﷺ لأنه لا يعلم أولئك الأباء أحد إلا الله هذا وقيل كان جده زوطا من أهل كابل أو بابل مملوكا لبني تيم الله ابن ثعلبة فاعتق فولد أبوه ثابت على الإسلام وإلا صح أنه من الأحرار ما وقع عليه الرق قط في جميع الأعصار كما هو منقول عن إسمعيل بن حماد ابن الإمام والله اعلم بحقيقة المرام
ثم اعلم أن التوفيق بين الروايات المذكورة في نسب الإمام ممكن لجواز أن يكون مولده ببلدة وتوطنه بأخرى ونشاؤه بغيرها وكذا بأهله بإحداها على أنه لا يلزم أن يكون كله موجودا في حق الإمام بل إذا وجد كل واحد في حق واحد من آبائه صح أن ينسب إليه فان الإمام أبا بكر الخوارزمي أمه خوارزمية وأبوه طبري وعن إسمعيل بن حماد بن أبي حنيفة أن ثابت بن النعمان بن المرزبان من أبناء فارس الأحرار والله ما وقع علينا رق قط ولد جدي في سنة ثمانين وذهب ثابت إلى علي بن أبي طالب كرم الله وجهه وهو صغير فدعا له بالبركة فيه وفى ذريته قيل هو يمي من رهط حمزة الزيات فيكون من قبيلة الصديق وكان خزازا يبيع الخز والصحيح أن الإمام ولد سنة ثمانين وقيل إحدى وستين وقيل ثلاث وستين وأجمعوا على إنه مات سنة مائة وخمسين ببغداد في رجب أو شعبان وقيل في شوال وروى عنه ﷺ أنه قال ترفع زينة الدنيا سنة خمسين ومائة وقد قيل مات في السجن ليلى القضاء فلم يفعل وقيل توفى في اليوم الذي ولد فيه الشافعي وقد ثبت رويته لبعض الصحابة واختلف في روايته عنهم والمعتمد ثبوتها كما بينته في = مسند الإمام حال إسناده إلى بعض الأصحاب الكرام فهو من التابعين
[ ٢ / ٤٥٢ ]
الأعلام كما صرح به العلماء الأعيان داخل تحت قوله تعالى ﴿والذين اتبعوهم بإحسان﴾ في عموم قوله ﵇ خير القرون قرني ثم الذين يلونهم رواه الشيخان وغيرهما وفي خصوص حديثه لو كان العلم في الثريا لنا له رجال من فارس على ما في الصحيحين وكثرة مناقبه تدل على رفعة مراتبه فلا يحتاج إلى الإستدال بأحاديث ذكرها العلامة الكردري وغيره بأسانيد في حقه ومنها أبو حنيفة سراج أمتي ونحوه مما قال المحققون من أهل الحديث أنه لا أصل له
ثم علم أن جمهور العلماء من أهل الحديث على أن الرجل بمجرد اللقي للصحابي يصير تابعيا ولا يشترط أن يصحبه مدة ولا ان ينقل عنه رواية بخلاف الصحابي فان بعض الفقهاء شرطوا فيه طول الصحبة أو المرافقة في الغزوة أو الموافقة في الرواية قال البخاري من صحبة أو رآه ﷺ من المسلمين فهو صحابي ويدل عليه ما ذكر ابن الصلاح عن أبي زرعة أنه سئل عن عدة من روى عنه ﷺ قال ومن يضبط هذا شهد معه فى حجة الوداع أربعون ألفا وفى تبوك سبعون ألفا ونقل عنه أيضًا قبض ﷺ عن مائة وأربعة عشر ألفا من الصحابة ممن روى وفي رواية ممن رآه وسمع منه فقيل هؤلاء أين كانوا وأين سمعوا قال أهل المدينة وأهل مكة ومن بينهما من الأعراب فهذا الذي نقله ابن الصلاح نص منه لا يشترط الصحبة الطويلة واستدل أيضا على بطلانه بما روى شعبة عن موسى السبلاني وأثنى عليه خيرا قال أتيت أنس بن مالك فقلت هل بقى من أصحاب النبي ﷺ أحد غيرك قال بقى ناس من الأعراب رأوه فإما من صحبه فلا إسناده جيد حدث به مسلم بحضرة أبي زرعة فأطلق اسم الأصحاب على كل من رآه وقد حققنا هذه المسئلة فى شرح شرح النخبة وقيل يطلق اسم التابعي
[ ٢ / ٤٥٣ ]
على من اسلم من الصحابة بعد الحديبية كخالد ابن الوليد وعمرو بن العاص وأمثالها من مسلمة الفتح لما ثبت أن عبد الرحمن بن عوف شكا إليه ﷺ خالد بن الوليد فقال ﵇ دعو إلى أصحابي فوالذي نفسي بيده لو انفق أحدكم مثل أحد ذهبا ما بلغ مدا أحدهم ولا نصيفه أطلق اسم الصحابة على من تقدم صحبته قبل الحديبية في مقام المقابلة وقد ذكر ابن عبد البر في الإستيعاب تراجم بعض الأصحاب والواقدي خص مقاما التابعين ﵃ أجميعن وبعض مشايخ إمامنا وهم أربعة آلاف
منهم من ذكرنا مناقب بعضم في مسند الإمام وذكر الكردري أنه أدرك الإمام محمد بن علي بن حسين بن علي بن أبي طالب ﵃ ويسمى الباقر لأنه بقر العلم أي شقه بجودة ذهنه وحدة فهمه وكذا أدرك جعفر بن محمد ابن علي وهو الصادق وأمه أم فروة بنت القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق ﵁ ولد سنة الثمانين في السنة التي ولد فيها الإمام ومات سنة ثمان وأربعين ومائة ومنهم ربيعة الرأي تابعي مشهور من فقهاء المدينة من شيوخ الإمام مالك وزيد بن اسلم مولى أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ ومنهم شعبة بن الحجاج الذي يقال له أمير المؤمنين في الحديث ومنهم أبو محمد عبد الله بن حسن بن حسن بن علي بن أبي طالب من سادات بني هاشم وأمه فاطمة ابنة الحسين بن علي مات في حبس المنصور بالكوفة ومنهم الأوزاعي إمام أهل الشام ومنهم عطاء بن أبي رباح المكي كان جعد الشعر اسود افطس امثل اعور ثم عمي بعد ذلك قال أبو حنيفة ما رأيت افقه من حماد ولا اجمع من عطاء ومنهم أبو بكر عاصم بن أبي النجود بفتح النون وضم الجيم الإمام فى القرأة تابعي جليل القدر ومنهم عامر بن شراحيل بن عبد الله
[ ٢ / ٤٥٤ ]
الشعبي قال أدركت خمس مائة من أصحاب النبي ﷺ وكان يعجبه هذا البيت شعر … ليست الأحلام في حين النهي … إنما الأحلام في حال الغضب …
قلت قد ورد الصبر عند الصدمة الأولى وذكر بعضهم أنه أدرك بهلول بن حمزة الصوفي المجنون فان كان هذا بهلول الذي لقي الرشيد فلا يبعد لجوازان يكون طويل العمر وقصته أن الرشيد حج سنة ثمان وثمانين ومائة وكان بهلول حج في تلك السنة فلما لقيه قال يا أمير المؤمنين حدثني عمرو بن عبد الله العامري وقال رأيته ﷺ حج على جمل وتحته رحل رث ولم يكن بين يديه ضرب ولا طرد ولا إليك ثم أنشا يقول شعر … هب انك قد ملكت الأرض طرا … ودان لك العباد فكان ماذا
أليس غدًا مصيرك جوف قبر … ويحثوك التراب هذا ثم هذا
قال أحديث يا بهلول هل غير هذا قال نعم من رزقه الله مالا وجمالا فعف فى جماله وواسى فى ماله كتب في ديوان الأبرار فظن الرشيد أنه يستجدي فأمر له بمال وقال تقضي به دينك فقال لا يقضي دين بدين أن الذي أعطاك لا ينساني ثم قال توكلت على الحي الذي لا يموت وما أرجو سوى الله وما الرزق من الناس بل من الله وقد نظم بعضهم شعر غدا مذهب النعمان خير المذاهب … كذا القمر الوضاح خير الكواكب
تفقه في خير القرون مع الثقة … فمذهبه لا شك خير المذاهب
[ ٢ / ٤٥٥ ]
ثلاثة آلاف وألف شيوخه … وأصحابه مثل النجوم الثواقب …
وذكر الإمام النسفي صاحب = المنظومة عن عبد العزيز بن أبي رزمة أن توبة ابن سعد كان جالسه وأخذ صفو علمه وكان لا يجاوز فى القضاء أقوال أبي حنيفة ويقول حسبي هو بيني وبين ربي وقيل يوخذ بقول أبي يوسف في مسائل القضاء لأنه ابتلي بهذا البلاء والمذكور في = الفتاوي أنه إذا كان مع صاحبيه في طرف نأخذ به وان كان وحده في طرف متميز وقال ابن المبارك نأخذ بقوله لا غير
وذكر الإمام الإسفرايني بإسناده إلى علي بن المديني وهو من أساتذة البخاري وهو الذي طعن في حديث القلتين سمعت عبد الرزاق يقول قال معمر ما أعرف أحد بعد الحسن يتكلم في الفقه احسن معرفة منه وناهيك به أن الشافعي قال في حقه الخلق كلهم عيال أبي حنيفة فى الفقه وفى رواية من أراد أن يتبحر فى الفقه فهو عيال على أبي حنيفة وقال الشافعي قيل لمالك هل رأيت أبا حنيفة قال نعم رأيت رجلا لو كلمك في هذه السارية أن يجعلها ذهبا لقام بحجته وهذا من كمال إنصاف مالك مع علو مقامه هنالك وغاية مبالغة في بلاغة الإمام وبيان المرام في جميع المقام وقال ابن المبارك رأيت أورع الناس فضيل بن عياض وأعلم الناس الثوري وأفقه الناس أبا حنيفة وقال أعلم الناس أي بالأحاديث والآثار وأفقه الناس أي أعلمهم بمعانيها والعلم بمعانيها يستلزم العلم بمبانيها وذكر الإمام الغزنوي أن الإمام الأديب أبا يوسف يعقوب بن أحمد بن محمد أنشد لنفسه
شعر
… حسبي من الخيرات ما أعددته … يوم القيامة في رضى الرحمن
دين النبي محمد خير الورى … ثم إعتقادي مذهب النعمان …
[ ٢ / ٤٥٦ ]
ومما يدل على فضيلة المتقدمين قوله تعالى أو لم يروا أنا نأتي الأرض ننقصها من أطرافها وفسر أنه يموت علمائها وقرائها وحديث أن الله لا يقبض العلم انتزاعا ولكن يقبض العلم بقبض العلماء حتى إذا مات العلماء اتخذ الناس رؤسا جهالا فأفتوا بغير علم فضلوا وأضلوا ومن هنا لما كان الإمام في القرن المشهور اكتفى بظاهر عدالة الشهود إلا في باب الحدود وصاحباه لما كانا فى عصر غلبة الهوى فاشترطا تزكية أرباب الهدى وقد جاء فى الآثار والإخبار أن أولي الأمر هم العلماء الأخيار وقوله ﵇ في صحيح مسلم من مات ولم يعرف إمام زمانه مات ميتة جاهلية معناه لم يعرف من يجب عليه الاقتداء والاهتداء به في أوانه
وقد قال بعضهم في تعريف المجتهد هو الذي يكون صوابه أكثر من خطائه أو العكس فإن المجتهد يخطئ ويصيب وثبوت لا ادري لا ينافي كونه مجتهدا فان مالكا سئل عن أربعين حديثا فقال في ست وثلاثين لا ادري وسئل على ﵁ عن مسئلة فقال سلوا مولاي الحسن وذكر الكردري أن الإمام حين فر من بني أمية جاور بالحرمين مدة كثيرة وإنما لزم الإمام من بين مشايخه الكرام حماد ابن أبي سليمان الكوفي الأشعري الفقيه لأنه كان افقه من غيره كما صرح الإمام بنفسه وذكر الإمام النيسابوري أن حمادا كان يفطر عنده في كل ليلة من ليالي رمضان خمسون إنسانا فإذا كان ليلة الفطر كساهم وأعطاهم كل واحد مائةٍ مائة وذكر أيضًا أن رجلا كلم حمادا أن يحول ابنه من معلم إلى معلم آخر لان المعلم الأول يقال ما يجري عليه كل شهر فقال كما يجري عليه كل شهر قال ثلاثون فقال دع الولد عنده فإنا نجري عليه في كل شهر من عندنا مائة وذكر أيضًا أنه جاء أبو الزناد جابيا للخراج إلى الكوفة
[ ٢ / ٤٥٧ ]
فقال رجل لحماد أشفع لي إليه في جباية ألف درهم فقال أنا أعطي لك من مالي خمسة آلاف درهم ولا ابذل وجهي له في ألف فدعا له الرجل بالخير
وذكر الحافظ أبو الحسن السجستاني أن الإمام الشافعي كان يقول ما زلت احب حمادا مذ بلغني عنه أنه كان راكبا فانقطع زره فمر على خياط فأراد أن ينزل ليسويه فمنعه عن النزول وقام وسواه فأخرج صرة فأعطاه وحلف أنه لا يملك غيرها قال الكردري ومثله سمعت عن والدي ﵀ يحكي عن أستاذه الأمير مولانا همام الدين الخطيبي الخوارزمي أنه مر راكبا فسقط عن كمه صرة فيها خمسون دينارا فأخذها رجل وناوله فلم يأخذها وقال إن هذا رزق ساقه الله إليك وفضائله جمة وفيه كفاية وذكر الإمام أبو المعالي الأسفرايني عن نجيم بن إبراهيم عن ابن كدام قال قال رجل أخطأ أبو حنيفة قال كيف تقول هذا وعنده مثل أبي يوسف وزفر في قياسهما ومثل يحيى بن زكريا ابن أبي زائدة وحفص بن غياث وحبان ومندل ابنا علي في حفظهم الحديث والقاسم بن معن في معرفته بالفقه والعربية وداود الطائي وفضيل بن عياض في زهدهما لم يكن يخطئ ولو أخطاء ردوه إلى الحق
وعن سفيان بن عيينة قال شيئان ما كنت أرى أن قراءة حمزة ورأي الإمام يتجاوزان قنطرة الكوفة وقد بلغنا الآفاق وعن الأوزاعي يقول هو أعلم الناس بمعضلات المسائل وعن عبد المجيد بن عبد العزيز بن أبي رواد الأزدي المكي قال كنا مع جعفر بن محمد في الحجر فجاء الإمام فسلم وسلم عليه جعفر وعانقه وسايله حتى سأله عن الخدم فلما قام قال قائل يا ابن رسول الله هل تعرفه قال ما رأيت أحمق منك أسأله عن الخدم وتقول هل تعرفه هذا أبو حنيفة أفقه أهل بلده وعن الواقدي قال كان مالك كثيرا ما يقول بقوله
[ ٢ / ٤٥٨ ]
وإن كان لا يظهره وعن إسمعيل بن أبي فديك قال رأيت مالكا قابضا على يد الإمام وهما يمشيان فلما بلغا المسجد قدم الإمام فسمعته لما دخل المسجد قال بسم الله الرحمن الرحيم هذا موضع الأمان فأمني من عذابك ونجني من النار وعن ليث بن نضر قال لما اخرج عن القصر وطيف به حين امتنع من الولاية قال ابن شبرمة ما على هذا المسكين لو قبله قال ابن أبي ليلي هذا مسكين عندي وعندك وغدا يكون خيرا مني ومنك
وعن الحسن بن قتيبة قال مسعر ما أحسد إلا رجلين الإمام في فقهه والحسن بن صالح في زهده
وعن ابن المبارك كان مسعر إذا رآه قام له وإذا جلس جلس بين يديه وكان معظما له مائلا إليه ومثنيا عليه ومسعر من مفاخر الكوفة في زهده وحفظه وكان من شيوخه أكثر عنه الرواية في مسنده
وعن الاصمعي قلت لأبي يوسف لقد بلغ الله فيك الأماني هل وددت أكثر مما أنت فيه قال وددت أن لي زهد مسعر بن كدام وفقه الإمام وفي رواية قال وددت أن لي مجلسا من أبي حنيفة بنصف ما أملك وكان ماله أزيد من ألفي ألف قال الأصمعي ولم تتمنى هذا قال في النفس حزازات كنت أسألها عنه قلت وفيه رائحة تصف البخل وروى عن عاصم بن يوسف قال قلت لأبي يوسف اجتمع الناس على أنه لا يتقدمك في العلم أحد فقال ما علمي عند علم الإمام إلا كنهر صغير في جانب الفرات
وعن المعلي بن منصور قال أبو يوسف ما اتفق قولي وقوله إلا وجدت لها في قلبي قوة وما فارقته فى مسئلة إلا وفي قلبي أمثال الجبال من الضعف والريبة
وعن عثمان المزني قال كان الإمام افقه من حماد وإبراهيم وعلقمة والأسود
[ ٢ / ٤٥٩ ]
وعن أحمد بن بديل قال أبو معاوية يا أهل الكوفة رفعكم الله بالأعمش وبأبي حنيفة يا أهل الكوفة شرفكم الله به وبالأعمش وأبو معاوية هذا هو العزيز من أيمة الكوفة وأجلتهم وفد على الرشيد فأكرمه وجيئ بالطعام فأكله بين يديه وصب الرشيد الماء على يديه حتى غسلهما وقال أتدري من يصب الماء على يديك قال لا قال أمير المؤمنين قال أكرمك الله كما أكرمت العلم قال ما أردت إلا هذا
وعن عبد الله بن لبيد قال كنا عند يزيد بن هارون فقال المغيرة عن إبراهيم فقال رجل حدثنا عنه ﷺ فقال يزيد يا أحمق هذا تفسير أحاديثه ﷺ وماذا تصنع بالحديث إذا لم تعلم معناه ولكن همتكم السماع ولو كانت همتكم العلم لنظرتم في كتب الإمام وأقاويله فزبر الرجل وأخرجه عن مجلسه
وعن سويد بن نصر عن ابن المبارك أنه قال لا تقولوا رأى أبي حنيفة رحمة الله ولكن قولوا إنه تفسير الحديث
وعن محمد بن يزيد قال كنت اختلف إلى عامر فقال لي أنظرت في كتبه قلت أنى أطلب الحديث فما أصنع به قال طلبت الآثار سبعين سنة فلم أحسن الاستنجاء حتى نظرت في كتبه
وعن ابن المبارك عليكم بالأثر ولا بد للأثر فأنه يعرف تأويل الحديث ومعناه
وسئل الإمام عن افقه من في خراسان فقال الزفر بن محمد ودعي الإمام إلى مجلس فلم يجد رداء فاخذ الإمام رداء نصر بن محمد وكان شراؤه بمأتي درهم فلما رجع قال شهرتني بردائك
[ ٢ / ٤٦٠ ]
وعن عطية بن أسباط ختن ابن المبارك على أخته قال كان إذا قدم الكوفة استعار من زفر كتبه فكتبه مرارا
وسئل أمالك أفقه أم هو قال هو أفقه من ملأ الأرض مثل مالك
وعن ابن المبارك قال أن الله خلقه رحمة لهذه الأمة وعنه لولاه لكنت ممن يبيع الفلوس أو من المبتدعة
قال الكردري فان قلت ليس لأبي حنيفة كتاب مصنف قلت هذا كلام المعتزلة ودعواهم أنه ليس له في علم الكلام تصنيف وغرضهم بذلك نفي أن يكون الفقه الأكبر وكتاب العالم والمتعلم له لأنه صرح فيه بأكثر قواعد أهل السنة والجماعة ودعواهم أنه كان من المعتزلة وذلك الكتاب لأبي حنيفة البخاري وهذا غلط صريح فإني رأيت بخط العلامة مولانا شمس الملة والدين الكردري البزاتقني العمادي هذين الكتابين وكتب فيهما أنهما لأبي حنيفة وقال تواطأ على ذلك جماعة كثير من المشائخ انتهى
ومن تصانيفه وصاياه لأصحابه وقد شرحت الفقه الأكبر وضمتنه وصاياه بحمد الله ولعلي إذا ظفرت بالعلم والمتعلم اشرحه بعون الله وتوفيقه ولم يكن الإمام قدريا ولا جبريا ولا مرجيا ولا معتزليا بل سنيا حنفيا وتابعه يكون حنفيا
وعن إبراهيم بن فيروز عن أبيه قال رأيته جالسا في المسجد يفتي أهل المشرق والمغرب والفقهاء الكبار وخيار الناس كلهم حضور في مجلسه
وعن أبي حيان التوحيدي الملوك عيال عمر إذا ساسوا والفقهاء عيال أبي حنيفة إذا قاسوا والمحدثون كلهم عيال علي أحمد بن حنبل إذا أسندوا
عن مقاتل بن حيان أدركت التابعين ومن بعدهم فما رأيت أحدا مثله
[ ٢ / ٤٦١ ]
قال العلماء أدرك مقاتل عمر بن عبد العزيز والحسن البصري ونافعا وجماعة من التابعين وروي عنهم وكان جليلا وروي عنه واخذ منه وهو شريكه في السماع عن التابعين مثل نافع وعطاء ومحمد بن المنكدر وابن سيرين وغيرهم
قال مقاتل وفدت إلى عمر بن عبد العزيز فأنزلني دار الضيافة وكان أصابه جنابة فأمر بتسخين الماء فقال الغلام ليس هنا حطب قال اشتر بالنسية إذا وجدته تقضي فجاء به فقال أين سخنته قال في دار الضيافة فرده فقال هات ماء من البئر فجاء به فصبه عليه فقال هذا أهون من زمهرير جهنم
وعن أبي معاذ البلخي أنه قال ما رأيت أحد أفضل منه وهو خالد ابن سليمان حافظ الحديث أخذ الحديث عن الثوري والحديث والفقه عن الإمام وكان زاهدا صلبا في دين الله وحين حج سفيان كان أبو معاذ عديله
وعن شقيق بن إبراهيم البلخي أن ذكر مناقبه من أفضل الأعمال وهو من الزهاد والعلماء العباد حتى قيل ما أخرجت بلخ مثله وقد دخل بغداد في زي الفقراء وعليه مدرعة صوف فرآه أبو يوسف من بعيد وهو في موكبه وجلالته فقال وجعلنا بعضكم لبعض فتنة أتصبرون قال نعم ثم رآه من بعيد قال يا أبا إسحاق أنت في كسوتك ما غيرتها قال لا لأني ما وجدت ما طلبتها يعني الجنة وأنت وجدت ما طلبت أي الدنيا فغيرت كسوتك
وعن شداد بن حكيم لولا هو وأصحابه لم نكن ندري ما نختار ونأخذ وكان شداد من أزهد أهل زمانه من أئمة بلخ صلى بوضوء ظهر اليوم ظهر الغد ستين سنة روي عن زفر وأصحابه مات شداد سنة ثلاث عشرة ومائتين
وعن ابن المبارك ذكر الإمام عند داود الطائي فقال ذاك نجم يهتدي به الساري وعلم تقبله قلوب المؤمنين وكل علم ليس بعلمه فهو بلاء على حامله والله
[ ٢ / ٤٦٢ ]
عالم بالحلال والحرام والنجاة من النار مع ورع مستكمل وخدمة دائمة
وعن أبي يوسف أن الإمام كان يفتي في المسجد الحرام إذ وقف عليه الإمام جعفر الصادق بن محمد الباقر الإمام ﵄ وعن آبائهما الكرام فقطن الإمام فقام فقال يا بن رسول الله لو علمت أول ما وقفت لما قعدت وأنت قائم فقال اجلس وافت الناس على هذا أدركت آبائي فان قلت هل لشهادة هؤلاء تأثير في الترجيح قلت نعم وأي تأثير عند أرباب الفطنة وذلك ثابت بالكتاب والسنة أما الكتاب فقوله تعالى ﴿وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس﴾ قالت طائفة من المفسرين أنه شهادة البعض في الدينا وأما السنة فما في صحيح مسلم عن أنس عنه ﷺ أنه قال حين مرت به جنازة فأثنوا عليها خيرا فقال وجبت ثلاثا ثم مروا بأخرى فأثنوا عليها شرا فقال وجبت ثلاثا فقال عمر ﵁ فداك أبي وأمي ما وجبت قال ﷺ من أثنيتم عليه خيرا أوجبت له الجنة ومن أثنيتم عليه شرا وجبت له النار أنتم شهداء الله في أرضه ثلاثا ولا ينافي هذا ما في البخاري وغيره أنه الشهادة على الأمم بتبليغ رسلهم إليهم