* * *
أخبرنا أبو عثمان: سعيد بن محمد بن عبدان قال: سمعت أبا العباس: محمد ابن يعقوب الأصم يقول: سمعت الربيع بن سليمان يقول:
سمعت الشافعي يقول (٢) لأن يلقى الله العبدُ بكل ذنب ما خلا الشرك بالله (٣) خير من أن يلقاه بشيء من الهوى.
وفي رواية: بشيء من الأهواء.
زاد فيه غير الربيع: وذلك أنه رأى قومًا يتجادلون في القدر بين يديه فقال الشافعي: في كتاب الله المشيئة له دون خلقه. والمشيئة [إثبات] إرادة الله، يقول الله ﷿: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ (٤)﴾ فأَعْلَمَ خَلْقَه أنّ المشيئة له.
_________________
(١) في هامش ا: «أول الجزء الثامن من أصل المصنف. سمعناه على القاضي أبي عبد الله: الحسين بن أحمد بن علي البيهقي بسماعه من المصنف ﵀».
(٢) راجع آداب الشافعي ١٨٢ و١٨٧.
(٣) ليست في ا.
(٤) سورة الإنسان:. ٣٠
[ ١ / ٤٥٢ ]
وكان يثبت القدر.
أخبرنا أبو عبد الله الحافظ قال: أخبرنا عبد الله بن محمد القاضي، قال: حدثنا محمد بن عبد الرحمن بن زياد، قال: حدثنا أبو يحيى السّاجِي – أو فيما أجاز لي مُشَافَهَةً – قال: أخبرنا الربيع. فذكره وقال: بشيء من هذه الأهواء.
أخبرنا أبو عبد الرحمن السلمي، قال: حدثنا أبو الوليد يقول: سمعت إبراهيم بن محمد يقول. ح.
وأخبرنا محمد بن عبد الله الحافظ قال: حدثنا أبو الوليد الفقيه قال: حدثنا إبراهيم بن محمود قال:
حدثنا يونس بن عبد الأعلى قال: قلت لمحمد بن إدريس الشافعي: قال صاحبنا الليث بن سعد: لو رأيتُ صاحب هوى يمشي على الماء ما قبلته (١). فقال الشافعي: أما إنه قصَّر، لو رأيتُه يمشي في الهواء ما قبلتُه (٢).
أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، قال: أخبرني أبو الحسن: محمد بن عبد الله ابن محمد العمري، قال: حدثنا أبو بكر: محمد بن إسحاق قال:
سمعت يونس بن عبد الأعلى يقول: أتيت الشافعي بعد ما كلم حفص الفرد فقال: غبت عنا يا أبا موسى، لقد اطلعت من أهل الكلام (٣) على شيء
_________________
(١) في ا: «ما قبلت»
(٢) آداب الشافعي ومناقبه: ١٨٤
(٣) في ح: «أهل الإسلام».
[ ١ / ٤٥٣ ]
والله ما توهمته قط، ولأن يُبْتَلَى المرءُ بجميع ما نهى الله عنه خلا الشرك بالله، خير من أن يبتليه الله بالكلام (١).
قلت: إنما أراد الشافعي، ﵀، بهذا الكلام حفصًا وأمثاله من أهل البدع (٢). وهذا مراده بكل ما حكى عنه في ذمّ الكلام وذم أهله، غير أن بعض الرواة أطلقه، وبعضهم قيده، وفي تقييد من قيده دليل على مراده:
أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، قال: حدثنا عبد الله بن محمد بن حبان، قال: حدثنا محمد بن عبد الرحمن بن زياد، قال: سمعت أبا الوليد بن الجارود يقول:
دخل «حفص الفرد» على «الشافعي» فكلمه، ثم خرج إلينا الشافعي (٣) فقال لنا: لأن يلقى اللهَ العبدُ بذنوب مثل جبال تِهَامَة خير له من أن يلقاه باعتقاد حرف مما عليه هذا الرجل وأصحابه. وكان يقول بخلق القرآن.
وهذه الروايات تدل على مراده بما أطلق عنه فيما تقدم [(٤ وفيما لم يذكر هاهنا ٤)].
وكيف يكون كلام أهل السنة والجماعة مذمومًا عنده وقد تكلم فيه،
_________________
(١) آداب الشافعي ومناقبه: ١٨٢.
(٢) في ح: «الأهواء».
(٣) في ا: « على الشافعي. فقال له ».
(٤) ما بين الرقمين ساقط من ح.
[ ١ / ٤٥٤ ]
وناظر من ناظره فيه، وكشف عن تمويه من ألقى إلى سمع بعض أصحابه من أهل الأهواء شيئًا مما هم فيه؟
أخبرنا بصحة ذلك أبو عبد الله الحافظ، قال: أخبرني أبو أحمد ابن أبي الحسن، قال: حدثنا عبد الرحمن – يعني ابن محمد – قال في كتابي عن الربيع بن سليمان قال:
حضرت الشافعي – أو حدثني أبو شعيب (١) إلا أني أعلم أنه حضر عبد الله بن عبد الحكم ويوسف بن عمرو بن يزيد وحفص الفرد – وكان الشافعي يسميه المنفرد – فسأل حفص عبد الله بن عبد الحكم فقال: ما تقول في القرآن؟ فأبى أن يجيبه، فسأل يوسف بن عمرو فلم يجبه. وكلاهما أشار إلى الشافعي. فسأل الشافعيَّ، فاحتج الشافعيَّ، وطالت المناظرة، وغلب الشافعي بالحجة عليه: بأن القرآن كلام الله تعالى غير مخلوق، وكفّر حفصًا الفرد.
قال الربيع: فلقيت حفصًا الفرد فقال: أراد الشافعي قتلي (٢).
وقرأت في كتاب أبي يحيى: زكريا بن يحيى الساجي، فيما رواه الشيخ أبو الفضل الجارودي الحافظ، عن أبي إسحاق القزّاز (٣)، قال: حدثنا زكريا، قال: سمعت أبا شعيب المصري – شيخ من أصحاب الحديث – يقول:
_________________
(١) في ا: «أبو سعيد» وهو تصحيف.
(٢) آداب الشافعي ومناقبه ١٩٤ – ١٩٥.
(٣) في ح: «القرار».
[ ١ / ٤٥٥ ]
حضرت الشافعي: محمد بن إدريس، وعنده يوسف بن عمرو بن يزيد، وعبد الله بن عبد الحكم، في منزله فدخل عليهم حفصٌ الفرد، وكان متكلمًا مناظرًا، فقال ليوسف: ما تقول في القرآن؟ فقال (١): كلام الله، ليس عندي غير هذا. وجعلوا يحيلون على الشافعي فأقبل حفص الفرد على الشافعي فقال: إنهم يحيلون عليك. فقال له الشافعي: [(٢ دع هذا عنك. فلم يزل به، فقال له الشافعي: ٢)] ما تقول أنت في القرآن؟
قال: أقول: إنه مخلوق.
قال: من أين قُلْتَ؟
قال: فلم يزل يحتج عليه حفصٌ الفرد بأنه مخلوق، ويحتج الشافعي، ﵁، بأنه كلام الله غير مخلوق، حتى كَفَّره الشافعي وقطعه.
قال أبو شعيب: وحججهما عندي في كتاب (٣). قال أبو شعيب: فلما كان من الغد لقيني حفصٌ الفرد في سوق الزّجاج فقال: أما رأيت ما صنع بي الشافعي؟ أحب أن يريهم أنه عالم. ثم أقبل عليَّ فقال: مع أنه ما تكلم أحد في هذا مثله ولا أقدر منه على هذا.
وقد ذكرنا قبل هذا مناظرته مع حفص في زيادة الإيمان ونقصانه، وذكر
_________________
(١) في ح: «فقال] أبو يوسف».
(٢) ما بين الرقمين ساقط من ح.
(٣) في ا: «وحجتهما عندي في شيء في كتاب» وفي ح: «وحجبهما عندي مرسم في كتاب».
[ ١ / ٤٥٦ ]
للحميدي أحسن ما يحتج به على أهل الأرجاء، وذكر (١) لابن هَرِم ما يحتج على من أنكر الرؤية.
وقرأت في كتاب الساجي عن أحمد بن مدرك الرازي قال:
سمعت عبد الله بن صالح: كاتب الليث يقول: كنا عند الشافعي في مجلسه فجعل يتكلم في «تثبيت خبر الواحد» عن النبي ﷺ، فكتبناه، وذهبنا به إلى إبراهيم بن إسماعيل بن عُلَيَّة، وكان من غلمان أبي بكر الأصم، وكان مجلسه بمصر عند باب الضَّوالّ، فلما قرأناه عليه جعل يحتج بإبطاله، فكتبنا ما قال ابن عُلَيَّة، وذهبنا به إلى الشافعي، فنقضه الشافعي، وتكلم بإبطال ما قاله ابن علية، وقال: ابن عُلية ضالّ قد جلس عند باب الضَّوالّ، يضل الناس.
وبلغني عن يعقوب بن سفيان أنه حكى عن إبراهيم بن عُلَيّة هذا أنه تكلم في القرآن بما لا أستجيز حكايته.
وقرأت في كتاب أبي نعيم الأصبهاني حكاية عن «الصاحب بن عباد» أنه ذكر في كتابه بإسناده عن إسحاق أنه قال:
قال لي أبي: كلّم الشافعي يومًا بعض الفقهاء؛ فدقَّق عليه وحقَّق، وطالب وضيَّق، فقلت له: يا أبا عبد الله. هذا لأهل الكلام، لا لأهل الحلال والحرام. فقال: أحكمنا ذاك قبل هذا.
_________________
(١) في ح: «وذكر». [أثبتت أولًا في المطبوع لفظة «فذكر»، ثم صححت في فهرس التصويبات ٢/ ٤٦٨ إلى: «وذكره» كما في ح]
[ ١ / ٤٥٧ ]
وأخبرنا أبو عبد الله الحافظ قال: أخبرني نصر بن محمد الصوفي قال: سمعت عبد الرحمن (١) بن حفص الصوفي يقول: سمعت أبا علي الروذباري يقول: سمعت ابن بحر يقول:
سمعت المزني يقول: دار بيني وبين رجل مناظرة فسألني عن كلام كاد أن يشكِّكَني في ديني؛ فجئت إلى الشافعي، فقلت له: كان من الأمر كيت وكيت. قال: فقال لي: أين أنت؟ فقلت: أنا في المسجد، فقال لي: أنت في مثل «تاران (٢)» تلطمك أمواجه. هذه مسألة الملحدين والجواب فيها كيت وكيت، ولَأَن يبتلي العبد بكل ما خلق الله من مضارّه (٣) خير له من أن يبتلى بالكلام.
قلت: «تاران» في بحر القلزم يقال: فيها غرق فرعون وقومه، فشبه الشافعي المزني فيما أورد عليه بعضُ أهل الإلحاد ولم يكن عنده جواب، بمن ركب البحر في الموضع الذي أغرق الله فيه فرعونَ وقومه وأشرف على الهلاك، ثم علّمه جواب ما أُورد عليه حتى زالت عنه تلك الشبهة، وفي تلك دلالة على حسن معرفته بذلك، وأنه يجب الكشف عن تمويهات أهل الإلحاد عند الحاجة إليه، وأراد بالكلام: ما وقع فيه أهل الإلحاد من الإلحاد، وأهل البدع من البدع. والله أعلم.
_________________
(١) في ا: «سمعت قسم عبد الرحمن».
(٢) «تاران» جزيرة في بحر القلزم بين القلزم وأيلة وهو أخبث مكان في هذا البحر. فيه دوران ماء في سفح جبل إذا وقع الريح على ذروته انقطع الريح قسمين فيلقي المركب بين شعبتين من هذا الجبل متقابلتين. فتخرج الريح من كليهما فيثور البحر على كل سفينة تقع في ذلك الدوران. راجع معجم البلدان ٢/ ٣٥٢ – ٣٥٣.
(٣) في ا: «من مضرّه».
[ ١ / ٤٥٨ ]
فأما استحبابه ترك الخوض فيه، والإعراض عن المناظرة فيه [(١ عند الاستغناء عنها فقد كان ﵀ يميل إليه ١)] مع معرفته به.
أخبرنا أبو عبد الله الحافظ قال: أخبرني أبو أحمد بن أبي الحسن قال: أخبرنا عبد الرحمن - يعني ابن محمد.
أخبرنا الربيع قال: رأيت الشافعي وهو نازل من الدرجة وقوم في المجلس يتكلمون في شيء من الكلام فصاح وقال: إما أن تجاورونا بخير وإما أن تقوموا عنا (٢).
وأخبرنا أبو عبد الله قال: سمعت أبا الفضل: الحسن بن يعقوب العدل يقول: سمعت أبا أحمد: محمد بن رَوْح يقول:
[سمعت المزني يقول (٣):] كنا على باب الشافعي نتناظر في الكلام، فخرج إلينا الشافعي وسمع بعض ما كنا فيه، فرجع عنا فما خرج إلينا إلا بعد سبعة أيام، ثم خرج فقال: ما منعني من الخروج إليكم علة عرضت، ولكن لما سمعتكم تتناظرون فيه أتظنون أني لا أحسنه؟ لقد دخلت فيه حتى بلغت منه مبلغًا وما تعاطيت شيئًا إلا وبلغت فيه مبلغًا حتى الرّمي: كنت أرمي بين الغرضين فأصيب من العشرة تسعة ولكن الكلام لا غاية له؛ تناظَرُوا في شيء إن أخطأتم فيه يقال لكم: أخطأتم. ولا تناظروا في شيء إن أخطأتم فيه يقال لكم: كفرتم.
_________________
(١) ما بين الرقمين سقط من ا.
(٢) آداب الشافعي ومناقبه ١٨٤
(٣) ما بين القوسين سقط من ا.
[ ١ / ٤٥٩ ]
أخبرنا أبو عبد الله قال: أخبرني أبو عبد الله محمد بن إبراهيم المؤذن، عن أبي العباس: محمد بن عبد الرحمن يعني الدغولي قال: سمعت زكريا بن يحيى يقول:
سمعت محمد بن عبد الله بن عبد الحكم يقول: قال الشافعي: يا محمد، إن سألك رجل عن شيء من الكلام، فلا تجبه، فإنه إن سألك عن دية فقلت (١): درهما أو دانقًا قال لك: أخطأت، وإن سألك عن شيء من الكلام فزللت قال: كفرت.
وفي حكاية المزني عن الشافعي، ﵀، دلالة على أنه كان قد تعلم الكلام وبالغ فيه ثم استحب ترك المناظرة فيه عند الاستغناء عنها.
وفي رواية زكريا بن يحيى الساجي عن الربيع في هذه الحكاية بعينها قال:
انحدر علينا الشافعي من درجته يومًا وهم يتجادلون في القدر، فقال: إما أن تقوموا عنا أو تجاورونا بخير؛ فلأن يلقى الله العبد بكل ذنب ما خلا الشرك بالله خير من أن يلقاه بشيء من هذه الأهواء.
فإنما أراد (٢) ذمّ مذهب القدرية؛ ألا تراه قال بشيء من هذه الأهواء واستحب ترك الجدال فيه.
_________________
(١) في ا: «فقلت».
(٢) ليست في ا.
[ ١ / ٤٦٠ ]
وكأنه تبع فيه ما رويناه عن عمر بن الخطاب، ﵁، عن النبي، ﷺ أنه قال:
«لا تجالسوا أهل القدر ولا تفاتحوهم الحديث (١)» وغير ذلك من الأخبار الواردة في معناه.
وعلى مثل هذا جرى أئمتنا في قديم الدهر عند (٢) الاستغناء عن الكلام فيه، فإذا احتاجوا إليه أجابوا بما في كتاب الله ﷿، ثم في سنة رسول الله، ﷺ، من الدلالة على إثبات القدر لله ﷿، وأنه لا يجري في ملكوت السموات والأرض شيء إلا بحكم الله وتقديره وإرادته. وكذلك في سائر مسائل الكلام اكتفوا بما فيها من الدلالة على صحة قولهم، حتى حدثت «طائفة» سمّوا ما في كتاب الله ﷿ من الحجة عليهم متشابها، وقالوا بترك القول بالأخبار أصلا، وزعموا أن الأخبار التي حملت إليهم (٣) لا تصح في عقولهم فقام جماعة من أئمتنا، ﵏، بهذا العلم وبَيَّنُوا لمن وُفِّق للصواب، ورزق الفهم، أَنَّ جميع ما ورد في تلك الأخبار صحيح في العقول، وما ادعوه في الكتاب من التَّشابه باطل في المعقول.
وحين أظهروا بدعهم، وذكروا ما اغتر به أهل الضّعف من شبههم –
_________________
(١) حديث عمر رواه الحاكم في المستدرك ١/ ٨٥ والبيهقي في السنن الكبرى ١٠/ ٢٠٤ وأحمد بن حنبل في مسنده ١/ ٢٤٣ – ٢٤٤ وأبو داود في سننه ٤/ ٣١٥ و٣١٨.
(٢) في ا: «عنه».
(٣) في ا: «عليهم».
[ ١ / ٤٦١ ]
أجابوهم وكشفوا عنها بما هو حجة [عليهم (١)] عندهم، كما فعل الشافعي فيما حكينا عنه؛ لوجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وما في ترك إنكار المنكر والسكوت عليه من الفساد والتعدي. وكانوا في القديم إنما يعرفون بالكلام أهل الأهواء.
فأما أهل السنة والجماعة فمعولهم فيما يعتقدون الكتاب والسنة، فكانوا لا يتسمون (٢) بتسميتهم.
ولهذا قال الشافعي ما أخبرنا أبو عبد الرحمن السلمي قال: حدثنا أبو نصر: محمد بن علي بن طلحة المروروذي قال: حدثنا أبو سعيد: أحمد بن علي الأصبهاني قال: حدثنا زكريا بن يحيى السّاجِي قال: حدثني محمد بن إسماعيل قال: سمعت أبا ثور [وحسينا يقولان: سمعنا (٣)] الشافعي يقول:
حكى في أهل الكلام أن يضربوا بالجريد (٤)، ويحملوا على الإبل، ويطاف بهم في العشائر والقبائل، وينادى عليهم: هذا جزاء من ترك الكتاب والسنة وأقبل على الكلام.
وأخبرنا أبو عبد الله: الحسين بن محمد بن الحسين الدّينوري قال: حدثنا الفضل بن الفضل الكندي قال: حدثنا زكريا بن يحيى السَّاجِي.
_________________
(١) الزيادة من ح.
(٢) في ا: «لا يسمون».
(٣) في ا: «حدثني محمد بن إسماعيل أبا ثور وحدثنا أنه سمع الشافعي يقول»!
(٤) في ا: «بالحديد».
[ ١ / ٤٦٢ ]
وأخبرنا أبو عبد الله الحافظ قال: حدثنا أبو الطيب الفقيه قال: حدثنا أبو جعفر الأصبهاني قال: حدثنا أبو يحيى: زكريا بن يحيى قال: حدثنا أبو داود - يعني السِّجْستاني - قال:
حدثنا أبو ثور قال: سمعت الشافعي يقول: من ارتدى بالكلام لم يفلح (١).
وإنما يعني - والله أعلم - كلام أهل الأهواء الذين تركوا الكتاب والسنة، وجعلوا مُعَوَّلهم عقولهم، وأخذوا في تَسْوِيَة الكتاب عليها. وحين حُمِلت إليهم (٢) السنة بزيادة بيان لنقض أقاويلهم - اتهموا رواتها، وأعرضوا عنها.
فأما أهل السنة فمذهبهم في الأصول مبني على الكتاب والسنة. وإنما أخذ من أخذ منهم في العقل إبطالا لمذهب من زعم أنه غير مستقيم على العقل. وبالله التوفيق.
ولاستحباب الشافعي ومن كان في عصره من أئمتنا تَرْكَ الخوض في الكلام، وترك الاشتهار به عند الاستغناء عنه - معنى آخر، وهو: أن الشافعي حين قدم العراق في خلافة «الرشيد» كان قد دخل على المأمون باستدعائه دخوله عليه، ورأى تقريبه (٣) بشر المريسي وأمثاله من أهل البدع. وحين عاد إلى العراق في خلافة «المأمون» شاهد غلبة أهل الأهواء على مجلسه، وأحس
_________________
(١) راجع آداب الشافعي ومناقبه ١٨٦.
(٢) في ا: «عليهم».
(٣) في ح: «بقربه».
[ ١ / ٤٦٣ ]
ببعض ما رأى أهل السنة من غلبة أهل الأهواء في عصره، ثم بما أصابهم من المحنة في أيام «المعتصم» و«الواثق».
وجرى بينه وبين بشر في مجلس «المأمون» أظنه قبل خلافته: ما أخبرنا أبو عبد الرحمن السلمي قال: حدثنا أبو سهل الإسفراييني قال: حدثنا داود ابن الحسين: أبو سليمان قال: سمعت قتيبة بن سعيد يقول:
دخل الشافعي يومًا على أمير المؤمنين المأمون.
وأخبرنا أبو عبد الله الحافظ قال: حدثني محمد بن صالح بن هانئ قال: حدثنا أبو سليمان دواد بن الحسن البيهقي قال: حدثنا قتيبة ابن سعيد قال:
دخل الشافعي على أمير المؤمنين – يعني المأمون – وعنده بشر المريسي فقال أمير المؤمنين للشافعي: أتدري من هذا؟ قال: لا يا أمير المؤمنين. قال: هذا بشر المريسي قال: فقال الشافعي لبشر: أدخلك الله أسفل السافلين مع فرعون وهارون وقارون. قال: فقال له بشر: أدخلك الله الجنة أعلى عليين مع محمد وإبراهيم وموسى. فقال أمير المؤمنين للشافعي هذا أحسن جوابًا منك.
قال أبو سليمان [الراوي عن قتيبة (١)]: فذكرت هذا عند أصحاب الحديث وعندهم رجل من أهل بغداد يقال له: أبو جعفر، متكلم يرد عليهم أبدًا فقال: يا أبا سليمان أتدري ما جوابه؟ طَنَزَ (٢) فيه بشر المريسي. أي ليس ثَمَّةَ
_________________
(١) الزيادة من ح.
(٢) في اللسان ٧/ ٢٣٦: «طنز يَطْنُزُ طنْزًا. كلمة استهزاء؛ فهو طنَّاز. قال الجوهري. أظنه مولدًا أو معربًا. والطنزُ: السخرية».
[ ١ / ٤٦٤ ]
جنة ولا نار. لفظ حديث أبي عبد الله
ورواه أبو سعيد محمد بن شاذان النيسابوري عن قتيبة، وزعم أن ذلك كان في مجلس «هارون الرشيد».
وأيّهما كان، فحين كان شاهد الشافعي هذا وأمثال ذلك، وأحس ببعض ما كان وراء ذلك، مع كراهيته (١) وكراهية أمثاله من أهل الورع الدخولَ على السلاطين والاختلاط بهم – استحب لأصحابه تَرْكَ الخوض فيه؛ لئلا يُدْعَوْا إلى مجالسهم للمناظرة فيه، ولكيلا يكون ذلك سببًا لمحبتهم؛ ولهذا قال لأبي يعقوب البويطي ﵀: «أما أنت يا أبا يعقوب فستموت في حديدك» فكان كما تفرّس؛ وذاك لأنه كان شديدًا على أهل البدع، ذابًّا بالكلام عن أهل السنة، فدعى في أيام «الواثق» إلى القول بخلق القرآن» فامتنع منه، فحمل من مصر إلى العراق حتى مات في أَقْيَادِه محبوسًا، ثابتًا على دينه، صابرًا على ما أصابه من الأذى. رحمة الله ورضوانه عليه.
ومشهور عند أهل العلم ما أصاب «أحمد بن حنبل» في أيام «المعتصم» من الحبس والضرب، وما أصاب «أحمد بن نصر الخُزَاعي» في أيام «الواثق» من القتل والصلب، وما أصاب غيرهما من المحنة العظيمة حتى أجاب بعضهم إلى ما دُعِيَ إليه؛ خوفًا على نفسه. أعاذنا الله من أمثالها.
والذي بين هذا: ما أخبرنا أبو عبد الله الحافظ قال: سمعت عبد الله
_________________
(١) في ح: «مع كراهة وكراهة؟؟؟ [م ٣٠] مناقب
[ ١ / ٤٦٥ ]
ابن محمد الخواري يقول: سمعت أبا نعيم يقول: سمعت أبا القاسم الأَنْمَاطِي يقول:
جالست «المزني» عشر سنين فلما كان بأخرة اجتمعنا في جنازة بعض أصحابه فقلت (١): إن الناس يتحدثون بمذهب المزني فينسبونه إلى أنه يتكلم في القرآن ويقول بالمخلوق، فلو سألناه؟ قال: فتقدمنا إليه فقلنا: يا أبا إبراهيم، إنما (٢) نسمع منك هذا العلم، ونحب أن يؤخذ عنا ما نسمع منك، والناس يذكرون (٣) أنك سألت عن القول بما يقول أهل الحديث في القرآن، ونحن نعلم أنك تقول بالسنة وعلى مذهب أهل الحديث، فلو أظهرت لنا ما نعتقده؟ فأجابنا فقال: أنا لم أعتقد قطّ إلا أن القرآن كلام الله غير مخلوق، ولكني كرهت الخوض في هذا مخافة أن يكثر عليّ، وأطالب بالنظر في هذا، وأشتغل عن الفقه. فلما كان من الغد بعث إليه رئيس من رؤساء الجهمية بمصر يقال له ابن الأصبغ رسولا فقال: يا أبا إبراهيم، بعثني إليك فلان وهو يقول: لم تزل تُمْسِكُ عن الخوض في القرآن والكلام فيه، فما الذي بدا لك الآن؟ وقد بلغني أنك أجبت بكذا وكذا فما حجتك فيما أجبت: أن القرآن غير مخلوق؟ فنظر إلينا فقال: ألم أقل لكم: إني كنت أمتنع من أجل أني أطالب بمثل هذا؟!
قال أبو القاسم: فقلت أنا أتولّى عنك جوابه. قال: شأنك. فمضيت إليه فقلت له: إن رسولك جاء إلى أبي إبراهيم بكذا وكذا، فجئت لأتولى عنه الجواب وأنا أحد من يحمل عنه العلم. فقال: ما حجتك؟
_________________
(١) في ا «فقلت: أتتحدثون بمذهب المزني وتنسبونه».
(٢) في ح: «إنا».
(٣) في ا: «يذكرونك أنك».
[ ١ / ٤٦٦ ]
فقلت له: أقول: القرآن غير مخلوق، وأدلّ عليه بكتاب الله وسنة رسول الله، ﷺ، وإجماع أمته، ومن حجج العقول التي ركَّبها الله في عباده قال: فأوردت عليه ذلك فبقى متحيِّرًا.
فالمزني، ﵀، كان رجلا ورعًا وزاهدًا يتجنّب السلاطين، فامتنع من الكلام؛ مخافة أن يبتلى بالدخول عليهم، مع ما شاهد من محنة البويطي وأمثاله من أهل السنة في أيام المعتصم والواثق.
وفي كل ذلك دلالة على أن استحباب من استحب أئمتنا ترك الخوض في الكلام - إنما هو للمعنى الذي أشرنا إليه، وأن الكلام المذموم إنما هو كلام أهل البدع الذي يخالف الكتاب والسنة. فأما الكلام الذي يوافق الكتاب والسنة، وبُيِّنَ بالعقل والعبرة - فإنه محمود مرغوب فيه عند الحاجة، تكلم فيه الشافعي وغيره من أئمتنا، ﵃، عند الحاجة، كما سبق ذكرنا له.
وحدثنا أحمد بن عبد الملك الحافظ قال: حدثنا أبو عبد الله: الحسين بن محمد بن فنجويه (١) الدينوري قال: حدثنا ظفران بن الحسين، قال حدثنا أبو محمد: بن أبي حاتم الرازي قال: حدثنا أبي قال: حدثني أحمد بن خالد الخلال قال:
سمعت الشافعي يقول: ما كلمت رجلا في بدعة قطّ إلا كان يتشيع (٢) وهذا
_________________
(١) في ح: «ابن فتحون».
(٢) آداب الشافعي ومناقبه ١٨٦.
[ ١ / ٤٦٧ ]
يدل على كثرة مناظرته أهل البدع حتى عرف عادتهم في إظهار مذهب الشيعة، وإضمار ما وراءه من البدعة التي هي أقبح منه.
ثم ذكر من مذهب من يتشيع: ما أخبرنا أبو عبد الله بن فنجويه فيما قرأت عليه قال: حدثنا عبيد الله بن محمد بن شيبة قال: حدثنا أبو بكر: محمد بن أحمد ابن إبراهيم الكرابيسي، قال: حدثنا أبو بكر: محمد بن أحمد بن إبراهيم الكرابيسي قال: حدثنا أبو حاتم الرازي قال: سمعت يونس بن عبد الأعلى يقول:
سمعت الشافعي يقول: أُجيز شهادة أهل الأهواء كلّهم إلا الرَّافِضة؛ فإنهم يشهد بعضهم لبعض (١).
وأخبرنا أبو عبد الله الحافظ قال: سمعت أبا تراب يقول: سمعت محمد بن المنذر يقول: سمعت أبا حاتم الرازي يقول: سمعت حرملة يقول:
سمعت الشافعي يقول: لم أر أحدًا أشهَد بالزور من الرافضة (٢).
وأخبرنا محمد بن عبد الله قال: أخبرني الزبير بن عبد الواحد قال: حدثني إبراهيم بن عبد الرحمن بن عبد الملك بن مروان بدمشق قال:
سمعت يونس بن عبد الأعلى يقول: سمعت الشافعي إذا ذكر الرافضة عابهم أشدّ العيب فيقول: شر عصابة.
قلت: والمحدثات من الأمور، على ما أخبرنا محمد بن موسى بن الفضل قال: حدثنا أبو العباس الأصم قال: حدثنا الربيع بن سليمان قال:
_________________
(١) آداب الشافعي ومناقبه ١٨٩ والسنن الكبرى ١٠/ ٢٠٩.
(٢) السنن الكبرى ١٠/ ٢٠٨ وآداب الشافعي ومناقبه ١٨٧.
[ ١ / ٤٦٨ ]
حدثنا الشافعي قال: المحدثات من الأمور ضربان.
أحدهما: ما أحدث يخالف كتابًا أو سنة أو أثرًا أو إجماعًا. فهذه البدعة الضلالة.
والثانية: ما أحدث من الخير لا خلاف فيه لواحد من هذا. وهذه محدثة غير مذمومة.
[وقد] قال عمر، ﵁، في قيام شهر رمضان: نعمت البدعة هذه يعني أنها محدثة لم تكن، وإذا كانت فليس فيها ردّ لما مضى.
قلت: فكذا مناظرة أهل البدع إذا أظهروها، وذكروا شبههم منها، وجوابهم عنها، وبيان بطلانهم فيها.
وإن كانت من المحدثات فهي محمودة ليس فيها ردَّ ما مضى. وقد سئل النبي، ﷺ، عن القدر، [فأجاب عنه (١)] وسئل عنه بعض الصحابة فأجابوا عنه بما روينا عنهم، غير أنهم (٢) إذ ذاك كانوا يكتفون بقول النبي، ﷺ، ثم بَعده بالخبر عنه.
وأهل البدع في زماننا لا يكتفون بالخبر ولا يقبلونه، فلا بدّ من ردّ شبهِهم إذا أظهروها بما هو حجة عندهم. وبالله التوفيق.
وكان الشافعي، ﵁، شديدًا على أهل الإلحاد وأهل البدع، مجاهرًا ببغضهم وهجرتهم.
قرأت في كتاب العاصمي، عن الزبير بن عبد الواحد، عن يوسف بن عبد الأحد، عمن حدثه، قال:
_________________
(١) الزيادة من ح.
(٢) في ا: «غير أنه».
[ ١ / ٤٦٩ ]
جاء رجل إلى الشافعي يملي عليه كتاب وصيته، فأراد الشافعي أن يكتب: بسم الله الرحمن الرحيم، فقال: ليس هكذا أريد ولكن اكتب: إن أتى عليّ ريب من الزمان. فلما (١) ابتدأ بالكلام رفسه الشافعي برجله فألقاه على ظهره ثم قال: قم يا زنديق.
قرأت في كتاب زكريا بن يحيى الساجي: حدثني محمد بن إسماعيل قال: سمعت أبا الوليد بن أبي الجارود يقول:
لما حضرت الشافعي الوفاة: فأغنى عليه ثم أفاق، فجعل يسأله رَجلٌ رَجلٌ فيقول: من أنا؟ فيقول: أنت فلان بن فلان. فقال له حفص الفرد: من أنا؟ فقال: أنت حفص، لا حفظك الله إلا أن تتوب.
قال: حدثني محمد بن إسماعيل قال: سمعت الحسين بن علي يقول:
قال الشافعي: كل متكلم على الكتاب والسنة فهو الحَدّ الذي يجب، وكل متكلم على غير أصل كتاب ولا سنة فهو هَذَيَان.
وفي هذه الحكاية كالدّالِّ على أنه إنما كره من الكلام ما ليس له أصل في الكتاب أو السنة. وبالله التوفيق.
_________________
(١) في ا: «فكما ابتدأ».
[ ١ / ٤٧٠ ]