* * *
وذلك لانفراده من بين فُقَهاء الأمصار بحسن التأليف؛ فإن حسن التصنيف يكون بثلاثة أشياء:
أحدها: حسن النظم والترتيب.
والثاني: ذكر الحجج في المسائل، مع مراعاة الأصول.
والثالث: تَحَرِّي الإيجاز والاختصار فيما يؤلِّفه.
وكان قد خُصّ بجميع ذلك، رحمة الله عليه ورضوانه.
أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، قال: سمعت أبا محمد: الحسن بن محمد بن إسحاق الإسفراييني، يقول: سمعت العُمَرِيّ، يقول: سمعت «الجاحظ» يقول: نظرت في كتب هؤلاء النَّابِغَة فلم أر أحسن تأليفًا من المُطَّلبي، كان فوه ينظم دُرًّا إلى دُرّ، ونظرت في كتب فلان فما شبهته إلا بكلام الرَّقَّائين (١) وأصحاب الحَيَّات.
_________________
(١) في ا: «الرقويين».
[ ١ / ٢٦٠ ]
وأخبرنا أبو سعد: أحمد بن محمد المَالِيني، قال: أخبرنا أبو أحمد: عبد الله بن عدي الحافظ، قال: حدثني محمد بن القاسم بن سريج (١)، قال: سمعت محمد بن عبد العزيز (٢) العمري، يقول:
سمعت «الجاحظ» يقول: نظرت في كتب هؤلاء النَّبَغَة الذين نبغوا فلم أر أحسن تأليفًا من المُطَّلِبِي، كأن فاه نظم درًّا إلى درّ.
أخبرنا محمد بن عبد الله الحافظ، قال: أخبرني أحمد بن الحسين بن محمد الدّارمي، قال: حدثنا عبد الرحمن بن محمد، قال: حدثنا عبد الملك – يعني ابن عبد الحميد المَيْمُونِي (٣) – قال:
قال لي أحمد بن حنبل: مالك لا تنظر في كتب الشافعي؟ فما من أحد وضع الكتب حتى ظهرت (٤) أتبعُ للسنّة من الشافعي.
أخبرنا أبو عبد الرحمن السُّلَمي، قال: حدثنا عياش بن الحسن، قال: حدثنا محمد بن الحسين، حدثنا زكريا بن يحيى، قال: حدثنا إسحاق بن إبراهيم قال: سمعت محمد بن زَنْجَوَيْه، يقول:
سمعت أحمد بن حنبل، يقول: ما سبق أحد الشافعيّ إلى «كتاب الجزية».
أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، قال: حدثنا أبو محمد: الحسن
_________________
(١) في هـ: «شريح».
(٢) في ا: «عبد الله».
(٣) سقطت من ح.
(٤) في هـ، ح: «حتى ظهرت كتب الشافعي، ﵁، ولا أحد أتبع للسنة ..» وهو في آداب الشافعي ٦١.
[ ١ / ٢٦١ ]
ابن محمد بن إسحاق الإسفرابيني. قال: حدثنا إسحاق بن إبراهيم ابن هانئ، قال:
سألت أحمد بن حنبل عن كتب مالك والشافعي، هي أحب إليك أم كتب أبي حنيفة وأبي يوسف؟ فقال: الشافعيّ أحبّ إليّ. هو وإن وضع كتابًا فهو يفتي بالحديث. وهؤلاء يفتون بالرأي. فكيف بين هذين؟!
أخبرنا محمد بن عبد الله الحافظ، قال: حدثني عبد العزيز بن عبد الملك ابن نصر الأموي، قال: حدثنا أبو بكر بن العطار (١) النحوي. قال: حدثنا عبد الله بن محمد: مولى بني هاشم، قال: حدثني محمد بن مسلم بن وَارَةَ الرّازِي، قال:
قدمت من مصر، فدخلت على أحمد بن حنبل، فقال لي: من أين جئت؟ قلت: جئت من مصر. قال: أكتبت كُتُبَ الشافعي؟ قلت: لا. قال: فلم؟ ما عرفنا نَاسِخَ سُنَنِ رسول الله، ﷺ، من مَنْسُوخِها. ولا خاصَّها من عامِّها ولا مَجْمَلَها من مُفَسَّرِها حتى جَالَسْنَا الشافعي.
قال ابن وَارَة (٢): فحملني ذلك على أن رجعت إلى مصر فكتبتها (٣).
أخبرنا أبو عبد الله الحافظ قال: أخبرني الحسين بن أحمد الدارمي، قال: حدثنا عبد الرحمن – يعني ابن محمد الحنْظَلِيّ – قال: حدثنا محمد بن مسلم بن وَارَة، قال:
_________________
(١) في ا: «القطان».
(٢) في هـ: «وابرة» وهو تصحيف.
(٣) راجع آداب الشافعي ٦٠.
[ ١ / ٢٦٢ ]
سألت أحمد بن حنبل، قلت: ما ترى لي من الكتب أنْ أنظر فيه لتفتح لي الآثار: رأى مالك؟ أو الثوري؟ أو الأوزاعي؟ فقال لي قولا أُجِلُّهم أنْ أَذْكُرَ لك (١). وقال: عليك بالشافعي؛ فإنه أكثرهم صوابًا أو أتبعُهم للآثار - الشكُّ (٢) مني.
قلت لأحمد بن حنبل: فما ترى في كتب الشافعي التي عند العراقيين، أحب إليك؟ أم (٣) التي عندهم بمصر؟ قال: عليك بالكتب التي (٤) وضعها بمصر؛ فإنه وضع هذه الكتب بالعراق ولم يُحْكِمْهَا. ثم رجع إلى مصر فَأحْكَمَ ذلك (٥). فلما سمعت ذلك من أحمد، وكنت قبل ذلك عزمت على الرجوع إلى البلد، وتحدّث بذلك الناس - تركت ذلك، وعزمت على الرجوع إلى مصر (٦).
أخبرنا محمد بن عبد الله، قال: حدثنا أبو الوليد الفقيه، قال: حدثنا إبراهيم بن محمود، قال: حدثنا أبو سليمان، قال: حدثنا أحمد بن القاسم: صاحب أبي عُبَيْد، قال:
أردت الخروج إلى مصر، فأتيت أحمد بن حنبل، فقلت: يا أبا عبد الله، إني أريد الخروج إلى مصر فما تأمرني أن أكتب؟ قال: اكتب كتب الشافعي.
_________________
(١) في ح: «ذان» وفي هـ: «ذلك».
(٢) آداب الشافعي ٥٩ - ٦٠.
(٣) في ا: «أو».
(٤) في ا: «الذي».
(٥) في ا: «ذاك».
(٦) آداب الشافعي ٦٠.
[ ١ / ٢٦٣ ]
أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، قال: وقال أبو نعيم فيما بلغني عنه: سمعت إسحاق بن أبي عمران، يقول: سمعت أبا بكر الصيرفيّ (١)، يقول:
سمعت «أحمد بن حنبل» يقول: صاحب حديث لا يشبع – أو قال: لا يستغنى – عن كتب الشافعي.
أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، قال: أخبرني أبو أحمد بن أبي الحسن، قال: حدثنا عبد الرحمن – يعني بن أبي حاتم الرازي – قال: سمعت «أبي»، يقول: قال لي «أحمد بن صالح»: تريد أن نكتب كتب الشافعي؟ قلت: نعم، لا بد من أن أكتبها (٢).
أخبرنا محمد بن عبد الله، قال: أخبرني الحسين بن محمد الدارمي، قال: حدثنا عبد الرحمن بن محمد، قال: سمعت أبا زرعة، يقول:
سمعت كتب الشافعي أيام يحيى بن عبد الله بن بكير، سنة ثمان وعشرين ومائتين، وعندما عزمت على سماع كتب الشافعي بِعْتُ ثوبين رقيقين كنت حملتهما (٣) لأُقَطِّعَهُمَا، فبعتها وأعطيت الوَرَّاق (٤).
وبهذا الإسناد قال: حدثنا أبو زرعة، قال: بلغني أن «إسحاق بن راهويه» كتب له كتب الشافعي فتبين (٥) في كتبه أشياء قد أخذها
_________________
(١) في ا: «الصومعي» وفي هـ: «الصوفي».
(٢) راجع آداب الشافعي وهامشه ٧٥ – ٧٦.
(٣) في هـ: «عملتهما».
(٤) آداب الشافعي ومناقبه ٧٥.
(٥) في هـ «فنسى».
[ ١ / ٢٦٤ ]
عن الشافعي جعلها لنفسه (١)!
وقرأت في كتاب أبي الحسن العاصمي، فيما بلغه، عن أبي علي: محمد بن إبراهيم القُهُسْتَانِي (٢)، قال:
كتبت عن «إسحاق بن راهويه» في حياة «يحيى بن يحيى)، وكان ربما يملي علينا الباب، فيتبعه كلام الشافعي، فيجعله من كلامه، فربما تَنَحْنَحْتُ، فإذا فرغ من المجلس التفت وقال: نعم، هذا كلام الرجل. وحكى مناظرته مع الشافعي، وقال: ثم نظرنا بَعْدُ في كتبه، فوجدنا الرجل من علماء هذه الأمة (٣).
وهذا فيما رواه العاصمي، عن الزبير بن عبد الواحد، مُنَاولَةً، عن أبي القاسم: محمد بن عبد الله القَزْوِينِي، قاضي مصر، عن القُهُسْتَانِي، فذكر الحكايتين.
وبهذا الإسناد عن أبي علي القُهُسْتَاني، قال:
دخلت يومًا على «إسحاق بن إبراهيم» فأذن لي وليس عنده أحد، فوجدت كتب الشافعي حواليه، فقلت: ﴿مَعَاذَ اللَّهِ أَنْ نَاخُذَ إِلَّا مَنْ وَجَدْنَا مَتَاعَنَا عِنْدَهُ (٤)﴾ فقال لي: والله ما كنت أعلم أن «محمد ابن إدريس» في هذا المحل الذي هو محله، ولو علمت لم أفارقه.
_________________
(١) آداب الشافعي ٦٣.
(٢) في هـ: «القهماني» وهو خطأ، فهو نسبة إلى قهستان، وهي ناحية بخراسان، كما في اللباب ٣/ ١٢.
(٣) نقلها ابن حجر في توالي التأسيس ٥٨ عن الآبري
(٤) سورة يوسف ٧٩.
[ ١ / ٢٦٥ ]
وأخبرنا أبو عبد الله الحافظ، قال: سمعت أبا الحسن: علي بن بندار الصيرفي، يقول: سمعت عمر بن محمد بن يحيى، يقول: سمعت «داود بن علي الأصبهاني» الفقيه، يقول:
دخلت على إسحاق بن راهويه وهو يَحْتَجِمُ، فأشار إليَّ فجلست، فرأيت كتب الشافعي، فتناولتها، فجعلت أنظر فيها، فصاح بي إسحاق إيش تنظر؟
فقلت: ﴿مَعَاذَ اللَّهِ أَنْ نَاخُذَ إِلَّا مَنْ وَجَدْنَا مَتَاعَنَا عِنْدَهُ﴾.
وقد مضى كتاب إسحاق إلى أحمد بن حنبل في إنفاذ ما يعلمه يحتاج إليه من كتب الشافعي إليه، فبعث إليه بكتاب «الرسالة (١)».
أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، قال: أخبرني أبو أحمد بن أبي الحسن، قال: حدثنا عبد الرحمن – يعني ابن أبي حاتم.
وأخبرنا أبو عبد الرحمن: محمد بن الحسين (٢) السلمي، قال: حدثنا علي بن محمد بن عمر، الفقيه، قال: حدثنا عبد الرحمن بن محمد بن إدريس، قال: حدثنا أحمد بن سلمة بن عبد الله النيسابوري، قال:
تزوج إسحاق بن راهويه، بِمرو، بامرأة كان عند زوجها كتب الشافعي، فتوفى، ولم يتزوج بها إلا لحال كتب الشافعي، فوضع جامعه الكبير على كتاب الشافعي، ووضع جامعه الصغير على «جامع الثوري» الصغير (٣).
_________________
(١) في ح: «من كتب الشافعي ﵁ فبعث إليه الرسالة» وانظر ما مضى ص ٢٣٤
(٢) في هـ: «الحسن».
(٣) آداب الشافعي ٦٤
[ ١ / ٢٦٦ ]
[قال الإمام البيهقي ﵀ (١)] وقدم أبو إسماعيل الترمذي بنيسابور (٢) وكان عنده كتب الشافعي عن البُوَيْطِي، فقال له إسحاق بن راهوية: لي إليك حاجة: ألاّ تحدث بكتب الشافعي ما دمت بنيسابور. فأجابه إلى ذلك، ولم يحدّث حتى خرج (٣).
قلت: أراد إسحاق – مع عظم محله من العلم – أن يرتفع اسمه فيما وضع من الكتب في (٤) الفقه دون الشافعي، وأراد الله تعالى أن ترتفع (٥) كتب من كان يقول: «ما أبالي لو أن الناس كتبوا كتبي هذه ونظروا فيها وتفقهوا ثم لم ينسبوها إلي أبدًا» فكان ما أراد الله، ﷿، دون ما أراد غيره.
وهذه الحكاية عن الشافعي [قد تقدمت (٦)] فيما أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، قال: حدثنا أبو الطيب: عبد الله بن محمد الفقيه، قال: حدثنا محمد ابن عبد الرحمن الأصبهاني، قال: حدثنا أبو جعفر: أحمد بن علي بن عيسى الرازي، قال: سمعت الربيع بن سليمان، يقول: سمعت محمد بن إدريس الشافعي، يقول. فذكرها.
أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، قال: أخبرني نصر بن محمد بن أحمد العطار، قال: أخبرني محمد بن عمرو، قال: أخبرني الزبير بن عبد الواحد، قال:
_________________
(١) ما بين القوسين من ح.
(٢) كذا في الأصول وفي أصل آداب الشافعي ٦٤ والصواب «نيسابور».
(٣) آداب الشافعي ومناقبه ٦٤ – ٦٥.
(٤) في هـ: «من».
(٥) في هـ: «يرفع».
(٦) من ح.
[ ١ / ٢٦٧ ]
أخبرني أبو القاسم القزويني. وقرأت في كتاب (١ أبي الحسن ١) العاصمي: أخبرني الزبير بن عبد الواحد بالشام، قال: حدثني أبو القاسم محمد بن عبد الله القزويني، قال:
سمعت «داود بن علي» وذكر عنده «أبو عبيد القاسم بن سلام» فقال: هو رجل له عناية، يصنّف من العلم، وكان ينحو نحو المعلمين. قال: فبلغني أنه كان يحضر مجلس المُطّلبي، ﵀، فيجلس من وراء الناس قريبًا، فربما يسأل الحرف بعد الحرف فيستفهم من الشافعي.
قال: وكان الشافعي مكرمًا لجلسائه، فكان إذا حضر ربما أَوْمَاَ (٢) إليه وكان أبو عبيد يحب أن يسمع من وراء. قال: فسأل يومًا بعضَ من هو أمامه فقال: سل أبا عبد الله عن كذا وكذا يُخْفيه عن (٣) الشافعي. فقال له الشافعي: «ادن يا أبا تراب». يعني أن الناس يقعدون على الثياب ويستفتونه (٤) وهو يقعد على التراب.
وفي رواية العاصمي: لأن الناس كانوا يستفتونه فيجلسون على الثياب فيجيء هو فيجلس على التراب.
وسقط قوله «وكان الشافعي مكرمًا لجلسائه» من رواية شيخنا أبي عبد الله.
_________________
(١) ما بين الرقمين ليس في ح، ولا في هـ.
(٢) في هـ: «أوصى» وهو خطأ.
(٣) في ا: «يجيبه الشافعي» وهو تحريف.
(٤) في ا: «ويستفيق به» وهو تحريف.
[ ١ / ٢٦٨ ]
قال أبو الحسن: قال (١): أخبرني الزبير بن عبد الواحد، عن القزويني: قال:
قال رجل لمحمد بن إسحاق الصاغاني: يا أبا بكر، بلغنا أن «أبا عبيد» كتب كتب الشافعي بمصر، فقال: قد رأيت بعضها معه بمصر.
قال أبو الحسن: سمعت ابن نافع يقول: سمعت محمد بن إبراهيم، يقول:
سمعت «الربيع بن سليمان» يقول: جاءني «القاسم بن سلام» فأخذ مني كتب الشافعي فنسخها.
وأخبرنا أبو عبد الله الحافظ، قال: قرأت في كتاب بعض فقهائنا يحكي، عن «أبي بكر الصيرفي» في ر [ده على ابن أبي طالب (٢)] قال: قال الربيع ابن سليمان: جاءني «أبو عبيد» إلى مصر، فكتب كتب الشافعي.
أخبرنا أبو عبد الرحمن السلمي، قال: حدثنا الحسن بن رشيق، إجازة، قال: ذكر زكريا بن يحيى، عن جعفر بن أحمد، قال:
لما وضع «أبو عبيد» كتب الفقه والرد بلغ «الحسين بن علي الكرابيسي» أنه يذكر في كتبه الفقهاء ويمسك عن ذكر الشافعي، فأخذ بعض كتبه فنظر فيها، فإذا هو يحتج عليهم بحجج الشافعي ولفظه قد انتزعه من كتابه، فغضب الحسين، فلقيه، فقال: يا أبا عبد الله، تقول في كتابك: قال ابن الحسن، وقال فلان،
_________________
(١) ليست في ح، ولا في هـ.
(٢) ما بين القوسين بياض في ا.
[ ١ / ٢٦٩ ]
وتدع ذكر الشافعي، وقد سرقت (١) من كتبه احتجاجًا به، إنما أنت راوية لا تحسن شيئًا. ثم سأله عن رجل ضرب صدر رجل فكسر ضلعًا من أضلاعه؟ فأجابه بالخطأ، فقال: أنت لا تحسن مسألة، تضع الكتب؟ فلم يقم حتى بيّن (٢) عليه.
قلت: أبو عبد الله كان كبيرًا في صنعته، غير أنّ الحسد من جِبِلَّة بعض الناس، وربما يكون (٣) غالبًا فيمنعه من الإنصاف بالاعتراف لذي الفضل بفضله (٤). والله يعصمنا من أمثاله.
أخبرنا أبو عبد الرحمن السلمي، قال: حدثنا أبو محمد: عبد الله بن سعيد ابن عبد الرحمن البُسْتِي، بهمذان، قال. حدثنا أحمد بن محمد بن يوسف، قال: حدثنا أبو الحسين: محمد بن عبد الله بن جعفر الرازي، بدمشق، قال: حدثنا أبو عبد الله: محمد بن يوسف الهروي، قال: حدثنا محمد بن يعقوب الفَرَجِي. قال:
سمعت «محمد بن علي المديني» قال: قال «أبي»: إني لا أترك للشافعي (٥) حرفًا واحدًا إلا كتبته، فإن فيه معرفة.
_________________
(١) في ا: «توفرت» وفي هـ: «شرفت».
(٢) في ا: «تبين».
(٣) في ح: «كان».
(٤) في هـ، ا: «لفضله».
(٥) في ا: «لا يترك الشافعي» وفي ح: «لا نترك للشافعي» وفي تهذيب الأسماء ١/ ٦٠ «لا تترك حرفًا للشافعي إلا كتبته» وفي تهذيب التهذيب ٩/ ٣٠: «قال علي بن المديني لابنه: لا تدع للشافعي حرفًا إلا كتبته فان فيه معرفة».
[ ١ / ٢٧٠ ]
ورواه أيضًا أبو الحسن العاصمي، عن أبي عبد الله: محمد بن يوسف ابن النضر.
قال أبو الحسن: وأخبرنا أبو عبد الله بن محمد يوسف، بالشام، قال: حدثنا محمد بن يعقوب الفَرَجِي (١)، قال: سمعت عبدوس العطار، قال:
سمعت «علي بن المديني» يقول للشافعي في غرفتي هذه: اكتب (٢) كتاب خبر (٣) الواحد إلى عبد الرحمن بن مهدي فإنه يسر بذلك.
أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، قال: حدثنا عبد الله بن محمد القاضي، قال: حدثنا محمد – يعني [ابن (٤)] عبد الرحمن بن زياد – قال: أنبأنا أبو يحيى السّاجي – أو فيما (٥) أجازه لي مشافهة – قال:
حدثنا حَوْثَرَةُ بن محمد، قال: تتبين السنة في الرجل بشيئين: حبّ (٦) أحمد ابن حنبل، وكَتْبُ كُتبِ الشافعي.
أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، قال: سمعت أبا الوليد: حسان بن محمد الفقيه، يقول: سمعت القاضي أبا العباس بن سريج (٧) يقول: سمعت «زياد بن الخليل
_________________
(١) في هـ: «أبن الفرج».
(٢) في هـ: سمعت علي بن المديني يقول: «عرفني هذه الكتب».
(٣) في هـ: «غير» وهو تصحيف.
(٤) من هـ، ح.
(٥) في ح: «مما».
(٦) في هـ: حرب وهو تحريف
(٧) في هـ: «شريح».
[ ١ / ٢٧١ ]
التستري (١)» يقول:
كنت بمصر، فكنت أرى كل ليلة في المنام تُدْفَعُ إليّ درّة، وكنت أكتب كتب الشافعي، ﵀، حتى فرغت من كتابته فنقص ذلك.
قرأت في كتاب أبي يحيى: زكريا بن يحيى السّاجي: أنّ عيسى بن إبراهيم حدثهم، قال: سمعت «محمد بن نصر الترمذي (٢)» يقول:
كتبت الحديث سبعًا وعشرين سنة.
وسمعت قول مالك ومسائله، ولم يكن لي حُسْنُ رَايٍ في الشافعي، فبينا أنا قاعد في مسجد رسول الله، ﷺ، بالمدينة [فأغفيت إغفاءة (٣)] فرأيت النبي، ﷺ، في المنام، فقلت: يا رسول الله، أكتب رأي «أبي فلان» قال: لا. قلت: رأي مالك؟ قال: اكتب منه ما وافق حديثي. قلت له: أكتب رأي الشافعي؟ فطأطأ رأسه شبيهًا بالغضبان، ثم رفع رأسه إليّ فقال: هذا رأي؟ ليس هذا بالرأي، هذا رَدٌّ على من خالف سنتي. قال: فخرجت في اثر هذه الرؤيا إلى مصر فكتبت كتب الشافعي.
_________________
(١) في هـ «النضري» وهو خطأ. وزياد بن الخليلي التستري، يكنى أبا سهل، قدم بغداد، وحدث بها عن إبراهيم بن المنذر الحزامي ومسددين بن مسرهد وهارون الأيلي، وذكره الدارقطني فقال: لا بأس به، ومات بعسقلان في طريق المدينة قبل أن يدخل مكة في سنة ٢٩٠ كما في الأنساب للسمعاني ٣/ ٥٣.
(٢) في ا: «الدهري» وهو تحريف. فهو محمد بن أحمد بن نصر الترمذي، يكنى أبا جعفر روى ببغداد عن يحيى بن بكير المصري وغيره، روى عنه عبد الباقي بن قانع، وكان ثقة زاهدا. ومات في المحرم سنة خمسين ومائتين، ومولده سنة مائتين، كما في اللباب /١٧٤.
(٣) من هـ، ح.
[ ١ / ٢٧٢ ]
وقد أخبرنا أبو عبد الرحمن السلمي، فيما أخبرهم الحسن بن رشيق، إجازة، أظنه عن زكريا، وزاد في آخره: وكنت قبل ذلك دخلت مصر ثلاث دخلات، ولم أكن كتبت كتب الشافعي.
وأخبرنا أبو عبد الله الحافظ، قال: سمعت أبا الوليد الفقيه يقول: سمعت أبا العباس بن سريح وأبا علي الثقفي يقولان:
سمعنا «أبا جعفر محمد بن نصر الترمذي (١)» يقول: كنت بالمدينة - مدينة الرسول، ﷺ - وكنت مغمومًا لضيق الحال، فرقدت بين العمودين، فرأيت النبي، ﷺ، فيما يرى النائم، فقمت إليه أشكو إليه بعض ما بي، فكأنّي دخلت معه بيت أُمّ سَلَمَة، وأومأ إلى ما في البيت، كأنه يريني أنّ بيتي هكذا ليس فيه شيء، وكأنه عرف حالي، فقلت: يا رسول الله، أكتب رأي «أبي فلان» فقال: لا. فقلت (٢): فرأي «مالك»؟ فقال: [لا (٣)]: إلا ما وافق حديثي. قلت: فرأي الشافعي؟ قال: ذاك ليس برأي، ولكنه رّدٌّ على من خالفني - أو كما (٤) قال - وألفاظها متقاربة. هذه رواية قد رواها جماعة عن أبي جعفر الترمذي «وأبو جعفر» كان من أكابر أهل العلم ومن ثقاتهم.
أخبرنا محمد بن عبد الله الحافظ، قال: أخبرني أبو أحمد بن أبي الحسن، قال: حدثنا عبد الرحمن بن محمد، قال: أخبرني أبو عثمان الخوارزمي، نزيل مكة
_________________
(١) في حـ، هـ: «الزبيدي» وهو خطأ.
(٢) في هـ، ح: فقلت: رأي مالك.
(٣) من هـ.
(٤) في ا: «وكما». [م - ١٨] مناقب
[ ١ / ٢٧٣ ]
فيما كتب إليَّ، قال: حدثنا محمد بن رشيق (*)، قال: حدثني محمد بن الحسن البَلْخِي، قال:
رأيت رسول الله، ﷺ، في النوم، فقلت: يا رسول الله، ما تقول في قول مالك وأهل العراق؟ قال: ليس قَوْلٌ إلا قولي. قلت: ما تقول في قول أبي حنيفة وأصحابه؟ قال: ليس قول إلا قولي. قلت: ما تقول في قول الشافعي؟ قال: ليس قول إلا قولي، ولكنّ قولَه ضدُّ قولِ أهل البدع.
وأخبرنا أبو عبد الله الحافظ، قال: أخبرني أبو الفضل بن أبي نصر، قال: وجدت في كتابي: عن أبي القاسم القَزْوِيني، قال:
كان معنا ببغداد رجل من أهل المغرب كان يطعن على الشافعي ويميل إلى قول مالك. قال: فأصبحنا ذات يوم، فقال لنا: إنا على الرحيل إلى مصر. فقلنا له: وما شأنك؟ قال: أريد أن أكتب كتب الشافعي. قال: فقلنا له: إنك كنت تطعن على الشافعي. فقال:
إني رأيت في المنام البارحة. كأنّ طيرًا أخضر يطير وقوم يأخذون منها ما شاءوا، فذهبت لآخذ منها، فَمُنِعت، فقلت لهم: ما بالي (١) أمنع من بين الناس؟ فقيل لي: أنت تطعن على الشافعي. قال: فقلت له: فلست أطعن عليه. قال: فجئت وأخذت فلم أمنع. فخروجي لأجل هذا.
وقرأت في كتاب العاصمي، عن أبي يحيى: زكريا بن يحيى البلخي، عن عثمان بن سعيد، عن أبي القاسم القزويني، قال: كنا في سفر معنا رجل. فذكر معناه
_________________
(١) (*) صواب ما في الأصول: «أبو محمد بن رشيق»، كما في الأنساب ورقة ١٩١ - ا. [فهرس التصويبات ٢/ ٤٦٧]
(٢) في هـ: «مالي».
[ ١ / ٢٧٤ ]
أخبرنا محمد بن عبد الله الحافظ، قال: أخبرني أبو أحمد بن أبي الحسن، قال: حدثنا عبد الرحمن بن محمد، قال: حدثنا محمد بن الحسن بن الجنيد - وكان رفيق أبي في الرحلة - قال: سمعت «عمرو بن سَوَّاد السَّرْحي (١)» يقول:
قال لي الشافعي: مالك لا تكتب كتبي؟ فسكت. فقال له رجل: إنه يزعم أنَّكَ كتبتَ ثم غيرَّت ثم كتبتَ، ثم غيرت. فقال الشافعي: الآن حَمِيَ الوَطِيسُ. والوطيس: التَّنُّور (٢).
_________________
(١) هو عمرو بن سواد بن الأسود بن عمرو بن محمد بن عبد الله بن سعد بن أبي سرح العامري السرحي، أبو محمد المصري. روي عن ابن وهب والشافعي وأشهب وغيرهم، وروى عنه مسلم والنسائي وابن ماجه وأبو حاتم وبقى بن مخلد وغيرهم. قال عنه أبو حاتم: صدوق. وذكره ابن حبان في الثقات، وقال النسائي: لا بأس به، وقال الحاكم: ثقة مأمون. توفي سنة ٢٤٥. وترجمته في تهذيب التهذيب ٨/ ٤٥ - ٤٦.
(٢) آداب الشافعي ومناقبه ٦٦
[ ١ / ٢٧٥ ]
باب