* * *
فمنهم:
أبو عبد الله: مالك بن أنس الأصبحي: إمام أهل الحرمين، رحمة الله عليه.
أخبرنا أبو عبد الله: محمد بن عبد الله الحافظ قال: حدثنا أبو العباس: محمد ابن يعقوب الأموي قال: سمعت عبد الله بن أحمد بن حنبل يقول: سمعت أبي يقول: قال الشافعي: أنا قرأتُ على مالك فكان يعجبه قراءتي. قال أبي: لأنه كان فصيحا.
وذكرنا في باب رحلته إلى مالك: أنه لما سمع مالك كلام الشافعي نظر إليه ساعة - وكانت لمالك فراسة - فقال له: ما اسمك؟ قال: محمد. قال: يا محمد، اتق الله، واجتنب المعاصي؛ فإنه سيكون لك شأن. فقال: نعم وكرامة. وحين قرأ عليه «الموطأ» ظاهرا - كلما أراد أن يقطع أعجبه حُسن قراءته وإعرابه فيقول: يا فتى: زد. حتى قرأه عليه في أيام يسيرة.
وأخبرنا محمد بن عبد الله الحافظ قال: قرأت في كتاب بعض فقهائنا بنيسابور: حدثنا العباس بن عبد الله الحيري قال: حدثنا أبو جعفر: محمد بن جرير الطبري قال: حدثنا الربيع بن سليمان قال:
[ ٢ / ٢٣٧ ]
كان الشافعي جالسا يوما بين يدي مالك بن أنس، فجاء رجل إلى مالك فقال: يا أبا عبد الله، إني رجل أبيع القُمْرِيّ، وإني بعت يومي هذا قُمْرِيًّا. فلما كان العشي أتاني صاحب القمري فقال: إن قمريّك لا يصيح، فتشاجرت أنا وهو إلى أن حلفت بالطلاق أن قمريّ ما يهدأ من الصياح. فقال مالك: طلقت امرأتك ولا سبيل لك عليها، فانصرف الرجل مغموما، فقام إليه الشافعي - وهو يومئذ ابن أربع عشرة سنة - فقال: أعد مسألتك - رحمك الله - فأعاد عليه فقال: أيّما أكثر: صياح قمريك أم سكوته؟ قال: فقال: صياحه. قال: امض فلا شيء عليك. ورجع الشافعي إلى الحلقة، ورجع (١) الرجل إلى مالك، لِصيته (٢) في البلاد، وكبر اسمه فقال: يا أبا عبد الله، انظر لي في مسألتي يكن لك فيها أجزل الثواب. فقال: ما أعرف لمسألتك جوابا غير ما أخبرتك. قال: فإن في حلقتك من أفتاني (٣) بأن لا شيء عليك. قال: مَنْ المفتي لك، رحمك الله؟ قال: هذا الغلام، وأومأ إلى الشافعي، فَزَبَرَهُ مالك وأخْجَله وقال: يا غلام:، بلغني عنك غير فتواي، فمن أين لك هذا؟ قال: لأني سألته (٤): أيّما أكثر صياح قمريك أم سكوته؟ فأخبرني بصياحه. فقال مالك: وهذا أعظم، أيّ شيء في سكوته وصياحه مما يكون مخرجا للفتوى؟ قال: لأنك حدثتني - يعني عن عبد الله بن يزيد، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن فاطمة بنت قيس: أنها أتت النبي، ﷺ، فقالت: يا رسول الله، إن أبا جَهْم ومعاوية خطباني، فأيّهما أتزوج؟ فقال النبي، ﷺ:
أما «معاوية» فصعلوك لا مال له، واما «أبو جهم» فرجل لا يضع
_________________
(١) في ا: «ودخل».
(٢) في ح: «لصوته».
(٣) في ا: «قد أفتاني».
(٤) في ا: «سألت ذا».
[ ٢ / ٢٣٨ ]
عصاه عن عاتقه. (١) وقد علم النبي، ﷺ، أن أبا جَهْم يأكل وينام ويستريح، فقال لها: لا يضع سوطه على المجاز، والعرب تجعل أغلب الفعلين كمداومته. فلما أن سألتُه: أيّما أكثر: صياح قمريك أو سكوته؟ فأخبرني بصياحه. فقسته على قول النبي، ﷺ: «لا يضع سوطه» وعلمت أن النبي، ﷺ، خاطب العرب على قدر عقولهم، وجعلوا أكثر الفعلين كمداومته. قال: فتعجب مالك بن أنس من قوله، ولم يقدح فيه بشيء فضرب مسلم بن خالد الزّنجي بين كَتِفي الشافعي وقال: أفتِ فقد والله آن لك أن تفتي.
قلت: كان قد وقع غلط في هذه الحكاية في إسناد الحديث فقال: عن الزهري، عن أبي سلمة، عن أم سلمة، في قصة فاطمة بنت قيس. والصحيح ما ذكرناه.
ورواه الشافعي في مواضع من كتبه على الصحة (٢).
* * *
ومنهم: أبو محمد: سفيان بن عُيَيْنَة الهِلَالي،، رحمة الله عليه.
حدثنا أبو محمد: عبد الله بن يوسف بن أحمد الأصبهاني، قال: حدثنا أبو سعيد: أحمد بن محمد بن زياد قال: حدثنا تميم بن عبد الله: أبو محمد، قال: سمعت سويد (٣) بن سعيد يقول:
_________________
(١) الحديث أخرجه مالك بسياقه في الموطأ: كتاب الطلاق: باب ما جاء في نفقة المطلقة ٢/ ٥٨٠ - ٥٨١. والشافعي في الرسالة ص ٣٠٦، ٣١٠، ومسلم في كتاب الطلاق: باب المطلقة ثلاثا لا نفقة لها ٢/ ١١١٤.
(٢) راجع اختلاف الحديث ٧/ ٢٧٩ بهامش الأم.
(٣) في ا: «تزيد».
[ ٢ / ٢٣٩ ]
كنا عند سفيان بن عُيَيْنَة بمكة، فجاء الشافعي فسلّم وجلس، فروى ابن عيينة حديثا رقيقا فغشى على الشافعي فقيل: يا أبا محمد، مات محمد بن إدريس وقال ابن عيينة: إن كان مات محمد فقد مات أفضل زمانه (١).
أخبرنا أبو عبد الرحمن: محمد بن الحسين السلمي قال: أخبرنا عباس ابن الحسين (٢) قال: حدثنا محمد بن الحسين بن سعيد قال: حدثنا زكريا بن يحيى قال: حدثنا عمرو بن سفيان بن محمد الثّغري (٣) قال: سمعت أبي يقول:
رأيت محمد بن إدريس الشافعي جالسا عند ابن عُيَيْنَة، وكان إذا جلس عنده جلس متربعا كجلسة القضاة، فقال رجل لابن عيينة: إنّ هاهنا قوما (٤) يرون كذا - - بُعَرِّضُ بالشافعي ومالك - فقال ابن عُيَيْنَةَ: ما أُحِبُّ أن يأتيني من يقول بهذا القول:
فقال الشافعي لابن عيينة: يا أبا محمد، ليس هذا من صنعتك؛ إنما صنعتك الحديث، وإنما هذا لأهل النظر. فسكت سفيان، وطأطأ رأسه، فما رأيت ابن عيينة بعد ذلك إلا معظِّمًا له ومكرما.
وقرأت في كتاب أبي يحيى: زكريا بن يحيى الساجي روايته عن أحمد ابن محمد ابن بنت الشافعي قال: سمعت أبي وعمي يقولان:
كان سفيان بن عيينة إذا جاءه شيء من التفسير والفُتْيا يُسأَل عنها التفت إلى الشافعي فقال: سلوا هذا الفتى.
_________________
(١) توالي التأسيس ٥٤ والمناقب للرازي ١٧ - ١٨.
(٢) في ح: «الحسن».
(٣) في ا: «المسعدي».
(٤) في ا: «ههنا قوم».
[ ٢ / ٢٤٠ ]
أخبر أبو عبد الله الحافظ قال: أخبرنا عبد الله بن محمد القاضي قال: حدثنا أبو جعفر - يعني الحافظ - قال: حدثنا أحمد بن روح قال: (١) حدثنا زكريا. فذكره مختصرا.
وقرأت في كتاب أبي الحسن العاصمي: عن الزبير بن عبد الواحد قال: أخبرني القزويني: محمد بن عبد الله قال: سمعت محمد بن يعقوب بن الفرجي يقول: إن علي بن المديني قال (٢): كان الشافعي لي صديقا، وكان سبب معرفتي إياه عند ابن عيينة، وكان ابن عيينة يجله ويعظمه.
أخبرنا محمد بن عبد الله الحافظ قال: سمعت أبا الفضل: الحسن بن يعقوب العدل يقول: سمعت أبا أحمد: محمد بن روح الأُسْتواي يقول: سمعت عبدان الأهوازي الحافظ يذكر عن بعض شيوخه، عن إبراهيم بن محمد الشافعي قال:
كنا في مجلس ابن عيينة وعنده الشافعي، فحدث ابن عيينة عن الزهري، عن علي بن الحسين: أن النبي، ﷺ، مرَّ به رجل ومعه امرأته صفية فقال: تعال، هذه امرأتي صفية. الحديث (٣) قال: قال ابن عيينة للشافعي: ما فقه هذا الحديث؟ فقال الشافعي: إن كان القوم اتهموا النبي، ﷺ، كانوا بتهمتهم إياه كفارا لكن النبي، ﷺ، أدب من بعده فقال:
_________________
(١) في ح، هـ: «أخبرناه أبو عبد الله الحافظ قال: حدثنا أحمد بن روح قال: حدثنا زكريا. فذكره مختصرا».
(٢) في ا: « بن الفرجي قال: قال علي بن المديني. كان الشافعي ».
(٣) تمامه: «فقالا: سبحان الله يا رسول الله. قال: إن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم، وإني خشيت أن يلقي الشيطان في أنفسكما شيئا». والحديث أخرجه البخاري في أبواب الاعتكاف: باب زيارة المرأة زوجها في اعتكافه ٤/ ٢٤٣ وباب هل يدرأ المعتكف على نفسه ٤/ ٢٤٤. (م ١٦ - مناقب جـ ٢)
[ ٢ / ٢٤١ ]
إذا كنتم هكذا فافعلوا هكذا لكيلا يظن بكم الظن السوء فقال ابن عيينة: جزاك الله خيرا، ما يجيئنا منك إلا كلُّ ما نحب (١).
ورواه زكريا بن يحي السّاجي، عن عبد الله بن أحمد الأهْوَازي، وهو عبدان، عن أحمد بن عمرو - يعني ابن أبي عاصم - قال:
سمعت إبراهيم بن محمد الشافعي، وقد مضى رجوع سفيان إلى قوله في تفسير حديث أقروا الطير.
وقرأت في كتاب أبي الحسن العاصمي: عن الزبير بن عبد الواحد، عن محمد بن عبد الله بن جعفر، عن أبي بكر: محمد بن إدريس كاتب الحميدي [قال: سمعت الحميدي] (٢) يقول: مرض الشافعي فعاده ابن عيينة ثلاث مرات.
* * *
ومنهم مع ابن عيينة جماعة من فقهاء مكة: مسلم بن خالد، وسعيد بن سالم، وعبد المجيد بن عبد العزيز بن أبي روَّاد، وغيرهم، ﵏.
أخبرنا أبو عبد الرحمن السلمي قال: أخبرنا محمد بن عبد العزيز - إجازة - قال: حدثنا الزبير بن عبد الواحد قال: حدثنا محمد بن عبد الله القزويني - قاضي مصر - أظنه عن الربيع (بن خالد) (٣) قال: أخبرني أبو يعقوب البويطي، عن الحميدي قال:
كان سفيان بن عيينة، ومسلم بن خالد، وسعيد بن سالم، وعبد المجيد
_________________
(١) آداب الشافعي ٦٨ - ٧٠. وتوالي التأسيس ٥٤.
(٢) ما بين القوسين من ا.
(٣) ليست في ح.
[ ٢ / ٢٤٢ ]
ابن عبد العزيز، وشيوخ أهل مكة يصفون الشافعي ويعرفونه من صغره مقدَّمًا عندهم (١) بالذكاء والعقل والصيانة، ويقولون: لم نعرف له صبوة (٢).
وقرأته في كتاب العاصمي عن الزبير وقال في إسناده: حدثنا الربيع.
أخبرنا أبو عبد الرحمن: محمد بن الحسين الصوفي قال: سمعت أبا إسحاق: إبراهيم [(٣ بن محمد بن يحيى يقول: سمعت أبا نعيم الفقيه يقول: سمعت الربيع ٣)] بن سليمان يقول: سمعت الحميدي يقول: سمعت مسلم بن خالد يقول للشافعي: قد والله آن لك أن تفتي - وهو ابن خمس عشرة سنة (٤).
* * *
ومنهم [أبو سعيد:] (٥) يحيى بن سعيد بن فَرّوخ القطان: إمام أهل العلم بالحديث في زمانه، ﵀.
أخبرنا أبو عبد الله الحافظ قال: أخبرني الزبير بن بعد الواحد قال: سمعت الحسن بن سفيان يقول: سمعت الحارث بن سريج النَّقَّال (٦) يقول: [(٥ سمعت يحيى بن سعيد يقول (٧)]: أنا أدعو الله للشافعي أخصه (٨)
وحكاه أيضا داود بن علي الأصبهاني عن الحارث، وقد ذكرنا فيما تقدم قوله حين عرض عليه كتاب «الرسالة» للشافعي، ﵁: ما رأيت أعقل
_________________
(١) في ا: «عليهم».
(٢) توالي التأسيس ٥٤ - ٥٥ والمناقب للرازي ٢٠.
(٣) ما بين الرقمين ليس في ح.
(٤) توالي التأسيس ٥٤.
(٥) من ح.
(٦) في ح: «البقال».
(٧) ما بين الرقمين سقط من ح.
(٨) ليست في ح.
[ ٢ / ٢٤٣ ]
أو أفقه منه (١).
أخبرنا محمد بن عبد الله الحافظ قال: أخبرني أبو بكر: محمد بن المقري قال: أخبرنا أبو القاسم: جعفر بن الحسين الرندي (٢) بأصبهان، حدثنا أبي قال: سمعت يحيى بن معين يقول: سمعت يحيى بن سعيد يقول: أنا أدعو الله للشافعي في صلاتي من أربعين سنة، وأخبرني الثقة من أصحابنا عن أبي النعيم الأصبهاني قال: حدثنا عبد الله بن محمد قال: حدثني عمرو بن عثمان المكي، عن الزَّعْفَرَاني قال: سمعت يحيى بن سعيد يقول: أنا أدعو الله للشافعي في صلاتي منذ أربع سنين. هذا هو الصحيح والأول وهم.
* * *
ومنهم أبو سعيد: عند الرحمن بن مَهْدِي بن حسّان العَنْبَرِي، المقدم في عصره في علم الحديث والفقه. كتب إلى الشافعي، ﵀، ليضع له كتابا فيه معاني القرآن، ويجمع فنون الأخبار فيه، وصحة الإجماع، وبيان الناسخ والمنسوخ من القرآن والسنة، فوضع له كتاب «الرسالة» قال عبد الرحمن: ما أصلي صلاة إلا وأدعو للشافعي فيها (٣).
أخبرنا علي بن بشران قال: أخبرنا دعلج بن أحمد قال: سمعت جعفر بن أحمد السَّامَاني يقول: سمعت جعفر ابن أخي أبي ثَوْر يقول: سمعت عمي يقول: كتب عبد الرحمن بن مهدي إلى الشافعي. فذكره غير أنه قال: قبول الأخبار.
وأخبرنا أبو عبد الله الحافظ قال: أخبرنا أبو الوليد الفقيه قال: أخبرنا
_________________
(١) توالي التاسيس ٥٥.
(٢) في ح: «الديريني» وفي هـ: «الزندي».
(٣) توالي التأسيس ٥٥.
[ ٢ / ٢٤٤ ]
إبراهيم بن محمود قال: حدثني أبو سليمان قال:
حدثني الحارث بن سريج قال: أنا حملت كتاب الرسالة للشافعي إلى عبد الرحمن بن مهدي وجه بها معي إليه.
قد ذكرنا فيما تقدم سائر الحكايات عنه وإعجابه (١) بكتاب الرسالة.
وقرأت في كتاب زكريا الساجي: حدثني [بشر بن] (٢) مجاهد: أبو العلاء عن أبي عبد الرحمن القطان قال: حضرت عبد الرحمن بن مهدي لما جاءته رسالة الشافعي فقرأها فقال: هذا كلام رجل فَهِم.
وأخبرنا أبو سعد: أحمد بن محمد المَالِينِي قال: أخبرنا أبو أحمد: عبد الله ابن عَدِي الحافظ قال: سمعت عبدان يقول:
سمعت عمرو بن العباس قال: قلت لعبد الرحمن بن مهدي: إن الشافعي لا يوّرث من المرتد؟ فقال عبد الرحمن: إن الشافعي شاب مفهم؛ لأن النبي ﷺ قال: لا يتوارث أهل ملتين (٣).
* * *
ومنهم أبو عبد الله: محمد بن الحسن الشَّيْبَاني، ﵀.
قرأت في كتاب زكريا بن يحيى الساجي: حدثني محمد بن إسماعيل قال: سمعت مصعب الزبيري يقول: قال لي محمد بن الحسن: إن كان أحد يخالفنا
_________________
(١) في ا: «في إعجابه».
(٢) ليست في ا.
(٣) أخرجه ابن ماجه في السنن: كتاب الفرائض: باب ميراث أهل الإسلام من أهل الشرك ٢/ ٩١٢ وانظر الخبر في التوالي ٥٥.
[ ٢ / ٢٤٥ ]
يومًا فيثبت خلافه علينا فالشافعي. فقيل له: لم؟ قال: لتأتّيه ولتثبُّته في السؤال والاستماع (١).
وقد ذكرنا قبل هذا تعظيم كل واحد منهما صاحبه وتوقيره إياه. وحكينا عن أبي يوسف القاضي، ﵀، حين خرج الشافعي من عند الرشيد بعث إليه يُقريه السلام ويقول: صنّف الكتب؛ فإنك أولى (٢) من يصنّف الكتب في زمانك هذا.
* * *
ومنهم يحيى بن حسان التنيسي، وأيوب بن سُوَيد الرَّمْلِي، رحمهما الله.
أخبرنا أبو عبد الله الحافظ قال: أخبرني أبو الفضل بن أبي نصر قال: حدثنا أبو عبد الله بن مهدي قال: حدثنا محمد بن سعيد قال: سمعت الربيع ابن سليمان يقول:
هيّأ ابن هرم للشافعي ولأيوب بن سويد المحدث، فانتخب الشافعي عليه أحاديث، قرأها عليه أيوب بن سويد المحدث وأنا أسمع، فسمعت أيوب بن سويد يقول:
ما ظننت أني أعيش حتى أرى مثل هذا الرجل - يعني الشافعي.
وأما يحيى بن حسان فجاء إلى الشافعي بيته حتى قرأ عليه بحضرتي، وسمعت الذي انتخب عليه الشافعي.
وأخبرنا محمد بن عبد الله الحافظ قال: سمعت أبا العباس: محمد بن
_________________
(١) المناقب للرازي ١٨
(٢) في ا: «فيقول: صنف الكتاب فإن أول. . .».
[ ٢ / ٢٤٦ ]
يعقوب يقول: سمعت الربيع بن سليمان يقول:
سمعت أيوب بن سويد يقول: ما ظننت أني أعيش حتى أرى مثل الشافعي.
وأخبرنا أبو عبد الله الحافظ قال: حدثني أبو العباس: الوليد بن بكر المالكي قال: حدثنا أحمد بن محمد بن علي بن جابر التِّنِّيسي عن شيوخه:
أنّ الشافعي لما رود تنِّيس نزل على ابن يحيى بن حسّان، وكان من المياسير، وكان طبّاخُه لا يعيد اللون في الأسبوع إلا مرة، فأمر الشافعي الطباخَ بإعادة لونٍ استطابه، فلما وُضِعَ على المائدة تغيَّرَ يحيى بن حسّان، فقال الشافعي: أنا أمرته بهذا، فَسُرِّي عنه، ثم قال للغلام الطباخ: أنت حر لوجه الله تعالى، شكرًا لانبساط أبي عبد الله الشافعي في رحلنا.
وفي حديث أبي الحسن العاصمي: عن الزبير بن عبد الواحد قال: أخبرني القزويني - وهو محمد بن عبد الله - قاضي أهل مصر، عن الربيع قال: أخبرني البويطي أن يحيى بن حسّان كان يقول: ما رأيت مثل الشافعي.
وكان شديد المحبة للشافعي، قدم الفسطاط وقال: إنما جئت للسلام على الشافعي، ﵁ وأرضاه.
* * *
ومنهم أبو الحسن: علي بن عبد الله بن جعفر بن المديني، أحد أئمة أهل العلم بالحديث.
أخبرنا أبو عبد الله الحافظ قال: أخبرنا نصر بن محمد بن أحمد (١) قال:
_________________
(١) في ح: «نصر بن أحمد بن محمد».
[ ٢ / ٢٤٧ ]
حدثني محمد بن عمرو البصري قال: حدثنا محمد بن عاصم قال: أخبرني أبو عبد الله: محمد بن يوسف بن النضر قال: حدثنا محمد بن يعقوب بن الفرجي قال:
سمعت محمد بن علي بن المديني قال: قال أبي: لا تترك للشافعي حرفًا واحدًا إلا كتبته؛ فإنّ فيه معرفة.
ورواه أبو الحسن: محمد بن الحسين بن إبراهيم بن عاصم في كتابه، عن أبي عبد الله بن يوسف هكذا.
وأخبرنا أبو عبد الرحمن السلمي قال: أخبرني علي بن عمر الحافظ قال: حدثني أبو بكر: محمد بن أحمد بن سهل النابلسي الشهيد قال: سمعت أبا بكر: أحمد بن عمرو بن جابر يقول: سمعت محمد بن يعقوب بن الفرجي يقول:
سمعت علي بن المديني يقول: كتبت عن الشافعي كتاب «الرسالة» وجئت بها إلى أبي، فقال لي أبي: لا تترك عند هذا الرجل شيئا من الأسْفَاط (١) إلا كتبته. ثم جئتُ بها عبد الرحمن بن مهدي فأعجب بها، ثم كتبها الشافعي وأهداها إلى عبد الرحمن بن مهدي.
كذا وجدته وكأنه سقط من إسناده ذكر محمد بن علي المديني (٢).
* * *
ومنهم أبو زكريا: يحيى بن معين البغدادي، إمام أهل العلم بالحديث، ﵀.
أخبرنا محمد بن عبد الله الحافظ قال: أخبرني أبو الفضل بن أبي نصر
_________________
(١) في ح، هـ: «الاستنباط».
(٢) في ح: «الترمذي».
[ ٢ / ٢٤٨ ]
المعدِّل قال: حدثني محمد بن عمرو البصري قال: حدثنا محمد بن عاصم قال: سمعت حامد بن محمد الحافظ، بمصر، يقول: سمعت أبا يحيى البلخي يقول: سمعت محمد بن إبراهيم البوشنجي يقول:
سألت يحيى بن معين عمن أكتب كتب الشافعي؟ فقال: عن الربيع وذلك قبل خروجي إلى مصر.
وهكذا قرأته في كتاب أبي الحسن العاصمي هذا عن أبي أحمد: حامد ابن محمد الحافظ.
أخبرنا أبو عبد الرحمن السلمي قال: سمعت محمد بن عبد الله بن شاذان يقول: سمعت محمد بن موسى بمصر يقول: سمعت هاشم بن مرثد الطبراني يقول:
سمعت يحيى بن معين يقول: الشافعي صدوق.
وكذلك حكاه محمد بن محمد بن عبد الله بن جعفر الرازي، عن أبي بكر: محمد بن موسى بن عيسى المصري.
وكذلك حكاه يحيى بن زكريا المصري، عن هاشم بن مرثد.
وأخبرنا أبو عبد الرحمن السلمي قال: أخبرنا محمد بن علي [بن طلحة (١)] المروروذي قال: حدثنا محمد (٢) بن علي الأصبهاني قال: حدثنا زكريا بن يحيى الساجي قال: حدثنا أحمد بن روح البغدادي قال:
سمعت الزَّعْفَرَاني يقول: كنت مع يحيى بن معين في جنازة فقلت له:
_________________
(١) ليست في ح.
(٢) في ا: «أحمد».
[ ٢ / ٢٤٩ ]
يا أبا زكريا، ما تقول في الشافعي؟ قال: دعنا لو كان الكذب له مطلقا لكانت مروءته تمنعه من الكذب.
* * *
ومنهم أبو رجاء: قتيبة بن سعيد البَغْلَاني، ﵀.
أخبرنا أبو عبد الله الحافظ قال: أخبرني القاسم بن غانم بن حمَّويه قال: سمعت أبا عبد الله البوشنجي قال:
سمعت أبا رجاء: قتيبة بن سعيد يقول: الشافعي إمام.
أخبرنا محمد بن عبد الله الحافظ قال: أخبرني أبو الفضل بن أبي نصر قال: أخبرني أبو سعيد المكي - وهو ابن الأعرابي، إجازة - قال: حدثنا تميم بن عبد الله الرازي قال:
سمعت قتيبة بن سعيد يقول: مات الثوري ومات الورع، ومات الشافعي وماتت السنن! ويموت أحمد بن حنبل وتظهر البدع.
وقرأت في كتاب زكريا السّاجِي: حدثني أحمد بن مردك الرازي قال:
حدثنا قتيبة بن سعيد قال: رأيت الشافعي بمكة. فذكر قصة في مناظرته، ثم قال قتيبة: لو وصل إليّ كلامه (١) لكتبته: ما رأت عيناي أكيس منه.
* * *
ومنهم أبو عبيد: القاسم بن سلاَّم، إمام أهل اللغة مع معرفته بعلوم الشريعة، ﵁.
أخبرنا القاضي الإمام أبو عمر: محمد بن الحسين بن محمد البسطامي قال:
_________________
(١) في ا: «لو وصلت إلى كلامه».
[ ٢ / ٢٥٠ ]
حدثنا أحمد بن عبد الرحمن قال: سمعت علي بن عبد العزيز البَغَوِي بمكة يقول:
سمعت «أبا عبيد: القاسم بن سلام» يقول: ما رأيت رجلا قط أعقل (١) ولا أورع ولا أفصح ولا أنبل رأيا من الشافعي، ﵁ وأرضاه.
وروينا عن علي بن عثمان وحفص الوراق عن أبي عبيد أنه قال: ما رأيت رجلا قطّ أعقل من الشافعي.
ورواه زكريا الساجي في كتابه عن أحمد بن العباس (النسائي عنهما) (٢)
وقرأت في كتاب زكريا بن يحيى الساجي، عن عبد الله بن أحمد الأهْوَازي قال حدثني الحسن بن أسد قال:
سمعت الربيع بن سليمان يقول: جاءني «أبو عبيد: القاسم بن سلام» فأخذ مني كتب الشافعي، ﵁.
* * *
ومنهم أبو عبد الله: أحمد بن محمد بن حنبل بن هلال الشَّيْبَاني، الإمام المقدم، ﵁.
أخبرنا أبو سعد: أحمد بن محمد بن الخليل الماليني قال: أخبرنا أبو أحمد: عبد الله بن عدي الحافظ قال: حدثنا زكريا السّاجِي قال: حدثني داود الأصبهاني قال:
سمعت إسحاق بن رَاهَوَيْه يقول: لقيني أحمد بن حنبل بمكة فقال: تعالى حتى أريك رجلا لم تر عيناك مثله. قال: فجاء، فأقامني على الشافعي.
_________________
(١) في ا: «أفضل».
(٢) من ح. وموضع القوسين بياض في ا.
[ ٢ / ٢٥١ ]
وأخبرنا أبو عبد الله الحافظ قال: حدثنا أبو الوليد: حسّان بن محمد الفقيه قال: حدثنا أبو جعفر: محمد بن علي العمري قال: حدثنا أبو إسماعيل: محمد بن إسماعيل قال: حدثنا إبراهيم بن محمد الكوفي - وكان من الإسلام بمكان - قال:
رأيت الشافعي بمكة يفتي الناس، ورأيت إسحاق بن إبراهيم الحَنْظَلي، وأحمد بن حنبل حاضرين. قال أحمد بن حنبل لإسحاق: يا أبا يعقوب، تعال حتى أريك رجلا لم تر عيناك مثله. فقال له إسحاق: لم تر عيناي مثله؟ قال: نعم. فجاء به فأوقفه على الشافعي، ﵁، ثم قال: اسمع ما يقول، فلما تفرّق الناس عنه قال أحمد لإسحاق: كيف رأيت؟ قال: نعم هذا الرجل كما وصفت لكنه أخطأ في خمسة أحصيت عليه، وقد أفتى أكثر من مائتي مسألة أخطأ في خمس. فقال له أحمد بن حنبل: ألا تشكر الله؟ رجل يفتي فيما ذكرت يخطئ في خمس عندك، وهذا رجل حجازي لو أوردت عليه: سفيان، عن منصور، عن إبراهيم، عن علقمة، عن عبد الله - لم يحتج به ما لم يكن عندهم بالحجاز له أصل. ثم ذكر الحكاية في مناظرة الشافعي وإسحاق في سكنى بيوت مكة. وقد ذكرناه في «كتاب المعرفة».
وقرأت في كتاب زكريا السّاجِي: حدثني جعفر بن أحمد قال: سمعت محمد ابن جبريل يقول: إن يحيى بن معين قال: لما قدم الشافعي كان أحمد بن حنبل ينهى عنه قال: فاستقبله يوما والشافعي راكب بغلة وهو يمشي خلفه قال: فقلت له: يا أبا عبد الله، أنت تنهانا عنه فكيف تتبعه؟ فقال: اسكت، لو (١) لزمت البغلة انتفعت.
أخبرنا محمد بن عبد الله الحافظ قال: أخبرني أبو الفضل بن أبي نصر المعدل
_________________
(١) في ا: «إن»
[ ٢ / ٢٥٢ ]
قال: وجدت عن أبي القاسم بن منيع: قال لي صالح (١) بن أحمد بن حنبل:
ركب الشافعي حماره فجعل أبي يَسارَه، يمشي والشافعي راكب وهو بذاكره، فبلغ ذلك يحيى بن معين فبعث إلى أبي في ذلك فبعث إليه: إنّك لو كنت في الجانب الآخر من الحمار كان خيرًا لك. هذا أو معناه.
أخبرنا أبو عبد الرحمن السلمي قال وذكر محمد بن عبيد الله بن صالح بن أحمد بن حنبل.
ح. وقرأتُ في كتاب أبي الحسن العاصمي: عن أبي إسحاق: إبراهيم ابن محمد الرقي قال: حدثنا عبد الواحد بن معبد، عن صالح بن أحمد قال:
جاء الشافعي يوما إلى أبي يعوده، وكان عليلا، فوثب إليه أبي فقبّل ما بين عينيه، ثم أجلسه في مكان وجلس بين يديه، فجعل (٢) يسائله ساعة. قال: فلما قام الشافعي ليركب وثب أبي فأخذ بركابه ومشى معه. فبلغ يحيى بن معين، فوجه إلى أبي: يا سبحان الله! اضطرك الأمر إلى أن تمشي إلى جانب بغلة الشافعي؟ فقال له أبي: وأنت لو مشيت من الجانب الآخر لانتفعت. ثم قال أبي: من أراد الفقه فليشم ذنب هذه البغلة.
قال أبو الحسن: وسمعت دعلج بن أحمد يحكي، عن ابن منيع، عن صالح ابن أحمد، عن أبيه، بهذه الحكاية أو قريبا منها.
قال أبو الحسن: حدثني محمد بن عبد الله الرازي قال: حدثني إبراهيم بن محمد بن صالح بن سنان، عن صالح بن أحمد قال: سمعت أبي في مسألة ذكرها فقال: قد قال بهذه غير واحد من الأئمة منهم الشافعي، ﵀.
_________________
(١) في ح: «أنت صالح. . . قال له».
(٢) في ا: «فقال فجعل».
[ ٢ / ٢٥٣ ]
وأخبرنا أبو عبد الرحمن السلمي قال: حدثنا عباس بن الحسن قال: حدثنا محمد بن الحسين بن سعيد الزَّعْفَرَانِي، قال: حدثنا زكريا بن يحيى قال: حدثني محمد بن مخلد، أو ابن خالد، البغدادي قال: حدثنا الفضل بن زياد قال: قال أحمد بن حنبل:
هذا الذي ترون كله أو عامته من الشافعي، ما بت منذ أربعين سنة - أو قال ثلاثين سنة - إلا وأنا أدعو الله للشافعي وأستغفر له.
أخبرنا أبو عبد الله الحافظ قال: أخبرني الزبير بن عبد الواحد، بأسداباذ، قال: سمعت عبيد (١) الله بن محمد بن زياد يقول: سمعت الميموني - يعني عبد الملك ابن عبد الحميد - يقول: سمعت محمد بن محمد بن إدريس الشافعي يقول:
سمعت أحمد بن حنبل يقول: ستة ممن أدعو الله لهم: أحدهم محمد بن إدريس الشافعي، ﵁.
وأخبرنا محمد بن عبد الله الحافظ قال: أخبرنا عبد الله بن محمد الحيَّانِي قال: حدثنا محمد بن عبد الرحمن الأصبهاني قال: سمعت زكريا بن يحيى السّاجِي يقول: سمعت ابن مجاهد يقول: سمعت أحمد بن الليث يقول:
سمعت أحمد بن حنبل يقول: إني لأدعو الله للشافعي في صلاتي منذ أربعين سنة، أقول (٢): اللهم اغفر لي ولوالديّ ولمحمد بن إدريس الشافعي (٣)؛ فما كان منهم أتبع لحديث (٤) رسول الله، ﷺ، منه.
_________________
(١) في ح: «عبد الله».
(٢) ليست في ا.
(٣) ليست في ا.
(٤) في ا: «أتبع منه لحديث».
[ ٢ / ٢٥٤ ]
ورأيت في كتاب زكريا: عن بدر بن مجاهد، عن محمد بن الليث. ورواه حميد بن الربيع، عن أحمد بن حنبل، وزاد فيه: ما أعلم أحدًا أعظم منَّةً على الإسلام في زمن الشافعي من الشافعي. ثم ذكر دعاءه له في أدبار صلواته.
أخبرنا أبو عبد الله الحافظ قال: حدثني أبو الحسن: أحمد بن محمد المقري بأَبيوَرْد قال: حدثنا جعفر بن (١) محمد بن عبد الرحمن.
ح. قال: وأخبرنا عبد الله بن محمد بن حيَّان قال: حدثنا محمد بن عبد الرحمن.
ح. وأخبرنا أبو عبد الرحمن السلمي قال: سمعت أحمد بن محمد بن محمد بن العمركي السّرخسي - بها - قال: حدثنا أبو جعفر الأصبهاني قال: حدثنا أبو القاسم: عبد الله بن محمد الأشقر قال: سمعت الفضل بن زياد القطان يقول:
سمعت أحمد بن حنبل يقول: ما أحد مس بيده محبرة وقلمًا إلا وللشافعي في عنقه منة.
أخبرنا محمد بن عبد الله الحافظ قال: حدثنا أبو الوليد الفقيه، قال: حدثنا إبراهيم (بن محمود) (٢) قال حدثني أبو سليمان: داود قال: حدثني أبو جعفر المعروف بخياط السنَّة قال: قال لي أحمد بن حنبل: جاءني الحميدي فقال لي: يا أبا عبد الله، تجالس الشافعي؟ فقلت له: وماله لا أجالسه؟ أجالسته؟ فقال: لا. قال: فقلت له: اذهب حتى تجالسه حتى إذا تكلمت تفهم. قال: فعاد إليّ بعد مجالسته فقال: يا أبا عبد الله، فرّطنا في هذا الرجل.
_________________
(١) في ا: «أبو جعفر: محمد بن عبد الرحمن».
(٢) سقطت من ح.
[ ٢ / ٢٥٥ ]
أخبرنا أبو عبد الله الحافظ قال: أخبرنا أبو الوليد قال: حدثنا إبراهيم بن محمود قال: حدثني أبو سليمان قال: حدثني محفوظ بن أبي توبة قال:
كنا بمكة وأحمد بن حنبل جالس عند الشافعي وحدّث ابن عيينة، فقلت لأحمد: يا أبا عبد الله، قد حدّث ابن عيينة. فقال لي أحمد: هذا يفوت وذاك لا يفوت، وجلس عند الشافعي.
أخبرنا أبو عبد الله الحافظ قال: أخبرني الحسين بن محمد قال: حدثنا عبد الرحمن بن محمد قال: أخبرني أبو عثمان الخوارزمي - نزيل مكة فيما كتب إليّ - قال: سمعت محمد بن الفضل البزاز يقول: سمعت أبي يقول:
حججت مع أحمد بن حنبل، فنزلنا في مكان واحد (١)، أو في دار - يعني بمكة - وخرج أبو عبد الله - يعني أحمد بن حنبل - باكرًا، وخرجت أنا معه، فلما صلينا (٢) الصبح درت المجلس فجئت مجلس سفيان بن عيينة، وكنت أدور مجلسًا مجلسًا طلبا لأبي عبد الله حتى وجدته عند شاب أعرابي وعليه ثياب مصبوغة، وعلى رأسه جُمَّة، فزاحمته حتى قعدت عند أحمد بن حنبل فقلت: يا أبا عبد الله، تركتَ ابن عُيَيْنَة وعنده الزُّهْرِي، وعمرو بن دينار، وزياد بن علاقة ومن التابعين (٣) ما الله به عليم؟ فقال: اسكت، فإن فاتك حديث بعلو تجده (٤) بنزول، فلا يضرك في دينك ولا في عقلك أو في فقهك. وإن فاتك عقل هذا الفتى أخاف أن لا تجده إلى يوم القيامة، ما رأيت أحدا أفقه في كتاب الله تعالى من هذا الفتى القرشي. قلت: من هذا؟ قال: محمد بن إدريس
_________________
(١) في ا: «واحد معه».
(٢) في ح: «صليت».
(٣) في ح، ا: «والتابعين» والتصويب في الحلية.
(٤) في ا: «فخذه».
[ ٢ / ٢٥٦ ]
الشافعي، ﵀ (١).
أخبرنا أبو عبد الرحمن: محمد بن الحسين السلمي قال: أخبرنا أبو عبد الله: محمد (٢) بن عبد الرحمن الرّازي الصّوفي قال: أخبرنا عبد الله بن محمد بن ناجية قال: سمعت محمد بن مسلم بن وَارَة يقول:
لما قدمت من مصر أتيت أبا عبد الله: أحمد بن حنبل لأسلم عليه فقال لي: كتبت كتب الشافعي؟ فقلت: لا، فقال لي: فرّطت. ما عرفنا العموم من الخصوص، وناسخ حديث رسول الله، ﷺ، من المنسوخ حتى جالسنا الشافعي، ﵀. قال ابن وارة: فحملني ذلك أن رجعت إلى مصر وكتبتها.
أخبرنا محمد بن الحسين السلمي قال: سمعت محمد بن عبد الله بن شاذان يقول: سمعت أبا القاسم بن مَنِيع يقول:
سمعت أحمد بن حنبل يقول: كان الفقه قفلا على أهله حتى فتحه الله بالشافعي.
أخبرنا أبو عبد الله الحافظ قال: أخبرني أبو تراب: أحمد بن محمد المذكر قال: سمعت محمد بن المنذر يقول: سمعت الحسن بن عامر - وهو ابن (٣) سفيان - يقول: سمعت حميد بن زنجويه يقول:
قلت لأحمد بن حنبل: ما تقول في قول الشافعي، ﵁،
_________________
(١) حلية الأولياء ٩/ ٩٨ - ٩٩.
(٢) في ا: «أخبرنا عبد الله بن محمد بن عبد الرحمن ».
(٣) في ح: «أبو سفيان». (م ١٧ - مناقب الشافعي جـ ٢)
[ ٢ / ٢٥٧ ]
«في الرَّهن» (١)؟ فقال: إني لأعجب ممن يخالفه.
وأخبرني أبو نعيم، إجازة، قال: أخبرنا موسى بن العباس قال: سمعت أبا العباس: محمد بن الحكم الرملي يقول: سمعت حميد بن زَنْجَوَيْه يقول:
سمعت أحمد بن حنبل يقول: إني لعجب ممن يخالف قول الشافعي في الرهن.
أخبرنا محمد بن عبد الله بن محمد قال: أخبرني أبو الفضل بن أبي نصر قال: حكى لنا عن أبي بكر المروروذي قال:
قال لي أحمد بن حنبل: إذا جاءت مسألة ليس فيها أثر فأفتِ فيها بقول الشافعي، ﵁.
أخبرنا أبو عبد الله الحافظ قال: أخبرني الزبير بن عبد الواحد الأسَدَابَاذِي قال: حدثني أبو عمران: موسى بن القاسم بن الأشيب قال: حدثنا إبراهيم ابن محمد: أبو إسحاق الشهرزوري قال: حدثني أبو صالح: [محمد بن صالح] (٢) قال: سمعت أيوب بن إسحاق يقول:
سمعت أحمد بن حنبل يقول: ما تكلم في العلم رجل أقل خَطاءً، ولا آخَذَ بسنة النبي، ﷺ، من الشافعي، ﵁ وأرضاه.
وقرأت في كتاب أبي بكر: محمد بن عبد الله بن محمد بن زكريا: قرئ على مكي بن عبدان أنه سمع «مسلم بن الحجاج» يقول: قال أحمد بن حنبل: كان الشافعي، ﵀، من أفصح الناس. قلت له: كان له سنّ؟ قال:
_________________
(١) راجع الأم ٣/ ١٦٦.
(٢) ما بين القوسين من ح.
[ ٢ / ٢٥٨ ]
لم يكن بالكبير. قلت له: إن مصعب الزبيري قال: هو أسن مني بأربع أو خمس سنين (١) قال: كذا (٢) كان. لم يكن بالكبير.
قال أحمد: قال الشافعي، ﵁، أنا قرأت على مالك فكان يعجبه قراءتي. قال أحمد: لأنه كان فصيحا.
أخبرنا أبو عبد الله الحافظ «في الأمالي» قال: سمعت أبا أحمد: علي (٣) بن عبد الله المروزي يقول: سمعت أبا غالب: علي بن أحمد بن النضر الأزدي يقول:
سمعت أبا عبد الله: أحمد بن محمد بن حنبل، وسئل عن محمد بن إدريس الشافعي، قال أحمد: لقد مَنّ الله علينا به. لقد كنا تعلّمنا كلام القوم وكتبنا كتبهم حتى قدم علينا الشافعي، فلما سمعنا كلامه علمنا أنه أعلم من غيره، وقد جالسناه الأيام والليالي فما رأينا منه إلا كلَّ خير، رحمة الله عليه.
قال أبو غالب: فقال له رجل: يا أبا عبد الله، فإن يحيى بن معين وأبا عبيد الله لا يرضيانه: يعني في نسبتهما إياه إلى التشيع. فقال أحمد: ما أدري ما يقولان؟ والله ما رأينا منه إلا خيرا ولا سمعنا منه إلا خيرا، ثم قال أحمد لمن حوله: اعلموا رحمكم الله، أن الرجل من أهل العلم إذا منحه الله شيئا من العلم وحُرِمَه قرناؤه وأشكاله حسدوه فرموه بما ليس فيه. وبئست الخصلة في أهل العلم!
قلت: قد ذكرنا فيما مضى مناظرة أحمد مع يحيى بن معين حين نسب
_________________
(١) في ا: «وسنين».
(٢) ليست في ح.
(٣) في ا: «محمد».
[ ٢ / ٢٥٩ ]
الشافعي إلى التشيع باحتجاجه في قتال أهل البغي بفعل علي بن أبي طالب، ﵁، وجواب أحمد عنه.
وقرأت في كتاب زكريا بن يحيى السّاجِي: سمعت الحسن بن محمد الزَّعْفَرَاني يقول: ما ذهبت إلى الشافعي مجلسًا قط إلا وجدت أحمد بن حنبل فيه، ولقد كان أحمد بن حنبل ألزم للشافعي منك لي (١) فبم (٢) أشبهك إلا بضبَّة الباب (٣).
* * *
ومنهم أبو يعقوب: إسحاق بن إبراهيم الحَنْظَلي، أحد أئمة أهل الحديث في عصره، ﵀.
أخبرنا أبو عبد الرحمن: محمد بن الحسين السلمي قال: أخبرنا علي بن محمد بن عمر الفقيه قال: حدثنا ابن أبي حاتم قال: حدثنا علي بن الحسن الهَسِنْجاني (٤) قال: سمعت أبا إسماعيل الترمذي يقول:
سمعت إسحاق بن راهويه يقول: ما تكلم أحد بالرأي - وذكر الثوري والأوزاعي وأبا حنيفة ومالكا - إلا والشافعي أكثر اتباعًا وأقلُّ خطاءً منه (٥).
_________________
(١) ليست في ا.
(٢) في ا: «ما أشبهك».
(٣) بلغ مقابلة في الرابع والعشرين.
(٤) نسبة إلى قرية من قرى الري يقال لها هسنكان فعرب فقيل «هسنجان» وهو بكسر أوله وفتح السين المهملة ثم نون ساكنة بعدها جيم وآخره نون. وعلي بن الحسن الرازي الهسنجاني سمع هشام بن عمار، وسعيد بن أبي مريم، ونعيم بن حماد، وأحمد بن حنبل، ويحيى ابن معين وغيرهم. وروى عنه عبد الرحمن بن أبي حاتم وغيره وتوفى سنة ٢٧٥ كما في معجم البلدان ٨/ ٤٦٥ - ٤٦٦.
(٥) آداب الشافعي ص ٨٩ - ٩٠.
[ ٢ / ٢٦٠ ]
وأخبرنا أبو عبد الله الحافظ قال: أخبرني الحسين بن محمد الدارمي قال: حدثنا عبد الرحمن بن محمد. فذكره، غير أنه لم يذكر الثوري.
أخبرنا محمد بن عبد الله الحافظ قال: أخبرني أبو محمد الصيدلاني قال: سمعت أبا عبد الله البُوْشَنْجِي يقول: سمعت إسحاق بن رَاهَوَيْه يقول وقد ذاكرني قوله - يعني قول الشافعي - قال: هو متين القول.
أخبرنا أبو سعد: أحمد بن محمد المَالِينِي قال: أخبرنا أبو أحمد بن عدي الحافظ قال: سمعت منصور بن إسماعيل الفقيه، ويحيى بن زكريا يقولان: سمعنا أبا عبد الرحمن النّسائي يقول: سمعت عبيد الله بن فضالة النسائي الثقة المأمون يقول:
سمعت إسحاق بن راهويه يقول: الشافعي إمام.
وأخبرنا محمد بن الحسين السلمي قال: أخبرنا علي بن عمر الحافظ قال: حدثنا أبو العباس: عبيد الله بن محمد المطلبي قال: حدثنا عمر بن الربيع أبو طالب قال: سمعت أبا عبد الرحمن النّسائي يقول: سمعت عبيد الله بن فضالة بن إبراهيم النسائي الثقة. فذكره.
وأخبرنا أبو عبد الرحمن السلمي قال: أخبرنا علي قال: حدثنا عبيد الله ابن محمد الشافعي قال: سمعت أبا الحسن: علي بن زريق الآدمي قال: سمعت أبا عبد الرحمن النسائي يقول:
قال إسحاق بن راهويه: الشافعي خطيب العلماء. فقلت: سمعتَه من
[ ٢ / ٢٦١ ]
إسحاق؟ فقال: لا. عبيد الله بن فضالة عنه (١).
* * *
ومنهم يحيى بن أَكْثَم القاضي.
أخبرنا محمد بن عبد الله الحافظ قال: أخبرني أبو الفضل بن أبي نصر قال: حكى لنا عن يحيى بن أكثم أنه سئل.
ح. وقرأت في كتاب زكريا بن يحيى السّاجي قال: حدثني جعفر بن محمد قال: سأل «ابن إدريس»: «يحيى بن أكثم» عن «أبي بكر الأصم» قال: ذاك معلم كتَّاب: يقول الشيء ويرجع عنه.
وسأله عن «بشر المريسي» قال: ذاك شَغّاب.
وسأله عن «الشافعي» فقال: ما رأيت رجلا أعقل من الشافعي، كان كبير الدّماغ.
* * *
ومنهم أبو إسحاق: إبراهيم بن محمد الشافعي، رحمة الله عليه.
أخبرنا محمد بن عبد الله الحافظ، قال: أخبرني الحسين بن محمد الدّارمي، قال: حدثنا عبد الرحمن - يعني ابن محمد الحَنْظلي - قال: حدثنا أحمد بن عمرو بن أبي عاصم النَّبِيل قال:
سمعت أبا إسحاق: إبراهيم بن محمد، وذكر «محمد بن إدريس الشافعي» فقال: هو ابن عمي فعظمه وذكر من قدره وجلاله (٢) يعني في العلم.
* * *
_________________
(١) ليست في ا.
(٢) في ا: «وجلالته».
[ ٢ / ٢٦٢ ]
ومنهم سليمان بن داود الشَّاذكُوني.
قرأت في كتاب زكريا السّاجي: سمعت بدر بن مجاهد يقول:
قال لي سليمان الشَّاذَكُوني: اكتب رأي «الشافعي» واخرج إلى «أبي ثَوْر» فاكتب عنه؛ فإنه مذهب أصحابنا الذي نعرفه، وامِض إلى أبي ثور لا يفوتك بنفسه.
* * *
ومنهم:
عبد الله بن عبد الحكم المصري.
قرأت في كتاب أبي الحسن العاصمي: أنبأنا محمد بن عبد الله بن عبد السلام: مكحول ببيروت، قال: سمعت عبد الرحمن بن عبد الله بن عبد الحكم، وذكر الشافعي فقال: قال أبي: عبد الله بن عبد الحكم: ما رأيت مثل هذا الرجل.
وقرأت في كتابه: عن الزبير بن عبد الواحد، عن محمد بن أحمد بن موران، عن محمد بن عبد الله بن عبد الحكم قال:
قدم (١) الشافعي مصر وكان صنَّف الكتب، فأعطاني أبي شيئا من الورَق فقال: مُرّ به إلى القرشيين، وسلهم أن يكتبوا لك شيئًا من كلامه في أحكام القرآن؛ فإني ما رأيت رجلا أحسن استنباطا منه. قال: فأعطيته الورق، فجعل يكتب فمات الشافعي فأوصى (٢) أن يُرَدَّ الورق إلينا. قال: فَرُدَّ إلينا قال محمد: فإذا قد كتب بعضُه بخطه من أحكام القرآن، وهي عندنا إلى الآن.
* * *
_________________
(١) في ح: «لما قدم».
(٢) في ح: «وأوصى».
[ ٢ / ٢٦٣ ]
ومنهم من أصحابه العراقيين:
أبو ثور: إبراهيم بن خالد الكلبي، ﵁.
أخبرنا أبو عبد الله الحافظ قال: أخبرني أبو أحمد أبي الحسن قال: حدثنا عبد الرحمن - يعني ابن محمد الحَنْظلي - قال: أخبرني أبو عثمان، نزيل مكة، من كتابه (١) قال:
قال أبو ثور: كنت وإسحاق بن راهويه، وحسين الكرابيسي، وذكر جماعة من العراقيين، ما تركنا بِدْعَتَنَا حتى رأينا الشافعي (٢)، ﵁.
أخبرنا محمد بن عبد الله بن محمد في «التاريخ» قال: سمعت إسحاق ابن سعد (٣) بن الحسن بن سفيان يقول: سمعت جدي يقول:
سمعت «أبا ثور» يقول: ما رأيت مثل الشافعي، ﵁، ولا (٤) رأى الشافعي مثل نفسه.
أخبرنا أبو عبد الله الحافظ قال: أخبرني أبو الفضل بن أبي نصر قال: سمعت أبا سعيد: محمد بن إبراهيم المذكّر يقول:
قلت للحسن بن سفيان: سمعتَ «أبا ثور» يقول: كثيرا ما كان يمازحني الشافعي، ﵁: يا أبا البقر؟ فأقرَّ به وقال: (٥) نعم.
* * *
_________________
(١) في ا: «مكة كتابة».
(٢) آداب الشافعي ومناقبه ٦٥.
(٣) في ح: «ابن سعيد».
(٤) في ا: «فلا».
(٥) في ا: «ويقول».
[ ٢ / ٢٦٤ ]
ومنهم أبو علي: الحسن بن محمد الصباح الزَّعْفَرَاني، ﵀، راوي كتب الشافعي في القديم.
أخبرنا محمد بن عبد الله الحافظ قال: حدثنا أبو الوليد الفقيه قال: حدثنا إبراهيم بن محمود.
وأخبرنا أبو عبد الرحمن السلمي قال: حدثنا أبو بكر: محمد بن أحمد بن هارون قال: سمعت إبراهيم بن محمود يقول (١):
سمعت «الزعفراني» يقول: ما رأيتُ مثل الشافعي أفضل ولا أكرم ولا أسخى ولا أتقى ولا أعلم منه.
وأخبرنا أبو عبد الله الحافظ قال: وفيما كتب إليّ أبو سعيد بن الأعرابي: أنه سمع «الزعفراني» يقول:
ما حمل أحد مِحْبَرَةً إلا وللشافعي (٢) عليه مِنَّة.
وأخبرنا أبو عبد الله الحافظ قال: أخبرنا عبد الله بن محمد بن حيان القاضي، قال: حدثنا محمد بن عبد الرحمن الأصبهاني قال: أنبأنا أحمد بن روح البغدادي قال:
حدثنا «الزَّعْفَرَاني» قال: ما رأيت الشافعي لحن قط، وكان يُقْرَاَ عليه من كل الشعر فيعرفه.
قلت: وكان الحسن بن محمد الزعفراني من أهل اللغة.
وقرأت في كتاب زكريا السّاجِي، عن جعفر بن أحمد، عن الزعفراني قال:
_________________
(١) في ا: «قال».
(٢) في ا: «والشافعي».
[ ٢ / ٢٦٥ ]
ما كان الشافعي إلا بحرا، (١ وكان يبتدئ فلو كان من يسائله لانفجر بحرًا ١).
* * *
ومنهم أبو علي: الحسين بن علي الكَرَابيسي، رحمة الله عليه.
أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، قال: أنبأني أبو القاسم الأسدي، شِفَاهًا: أنّ زكريا بن يحيى حدّثهم قال: حدثنا محمد بن هارون بن عبد الخالق قال:
سمعت «الحسين بن علي الكرابيسي» يقول: ما رأيت مثل الشافعي، ولا رأى الشافعي مثل نفسه.
أخبرنا محمد بن الحسين السلمي قال: أنبأنا علي بن محمد بن عمر الفقيه قال: حدثنا عبد الرحمن بن أبي حاتم قال: (٢) سمعت دُبَيْسًا يقول:
كنت عند أحمد بن حنبل في الجامع فمر الحسين الكرابيسي فجئته فقلت: ما تقول في الشافعي؟ فقال: ما كنا ندري ما الكتاب ولا السنة والإجماع حتى سمعنا (٣) من الشافعي.
وقرأت في كتاب زكريا بن يحيى السّاجِي: عن محمد بن إسماعيل قال: حدثنا حسين بن علي قال:
جاء مصعب الزبيري إلى الشافعي فقال: أقرأ عليك «أشعار الهذليين»؟ فكلما (٤) ذهب مصعب ينشده من عذوبة لسان الشافعي قال حسين: ما رأيت
_________________
(١) ما بين الرقمين ساقط من ح.
(٢) آداب الشافعي ومناقبه ٥٦ - ٥٧.
(٣) في ا: «سمعناه».
(٤) في ح: «فلما ذهب مصعب ينشده مصعب».
[ ٢ / ٢٦٦ ]
أفصح من الشافعي ولا أعذب لسانا (١).
وقال أهل الصناعة في النحو: ما رأينا الشافعي لحن قط.
وقرأت في كتابه: حدثني محمد بن (٢) إسماعيل قال: سمعت حسين بن علي [الكرابيسي] يقول:
كنا نسأل الشافعي عن الشيء فيقول: لا أدري. الله أعلم، ثم يجيبنا وهو أعلم الناس به، واحتج لنفسه ولمخالفه ثم يقول: لا يسألكم أحد إلا أجبتموه على حسب ما أقول لكم.
* * *
ومن أصحابه المكيين والمصريين، منهم: أبو بكر: عند الله بن الزّبير القرشي الحُمَيْدي.
أخبرنا أبو عبد الله الحافظ قال: أخبرني الحسين بن محمد الدارمي قال: حدثنا عبد الرحمن - يعني ابن محمد بن إدريس - قال: حدثني أبو بشر بن أحمد الدُّولاَبِي، في طريق مكة، قال: حدثنا أبو بكر بن إدريس قال:
سمعت الحميدي يقول: (٣) كان أحمد بن حنبل قد أقام عندنا بمكة على سفيان بن عُيَيْنَة فقال لي ذات يوم، أو ذات ليلة: هاهنا رجل من قريش له بيان ومعرفة. قلت: فمن هو؟ قال: محمد بن إدريس الشافعي. وكان أحمد بن حنبل قد جالسه بالعراق. فلم يزل بي حتى أخذني إليه. وكان الشافعي يجلس قُبَالَة المِيْزَاب، فجلسنا إليه ودارت مسائل، فلما قمنا قال لي أحمد بن
_________________
(١) في ا: «من لسانه».
(٢) ليست في ح وهـ.
(٣) آداب الشافعي ومناقبه ٤٣ - ٤٥.
[ ٢ / ٢٦٧ ]
حنبل: كيف رأيت؟ فجعلت أتتبع ما أخطأ فيه، وكان ذلك مني بالقُرَشِيَّة - يعني الحسد - فقال لي أحمد بن حنبل: فأنت لا ترضى أن يكون رجل من قريش تكون له هذه المعرفة وهذا البيان - أو (١) نحو هذا من القول - يخطئ خمسًا أو عشْرًا، اترك ما أخطأ وخذ ما أصاب. قال: فكأن كلامه وقع (٢) في قلبي فجالسته فغلبتهم عليه، فلم يزل يقدم مجلس الشافعي.
ورواه غيره عن ورّاق أبي بكر بن إدريس، عن الحميدي فزاد فيه: فلزمته حتى خرجت معه إلى مصر. وزاد غيره عنه فيه: قال أحمد: وإيش هو من الخطأ الذي تنكره؟ لعلّه لو سألته لخرج منها، الزمه. فلزمناه (٣).
وأخبرنا أبو عبد الله الحافظ قال: أخبرني أبو أحمد بن أبي الحسن قال: حدثنا عبد الرحمن - يعني ابن حاتم - قال: حدثنا أبو بكر بن إدريس، وراق الحميدي قال:
قال الحميدي: كنا نريد أن نَرُدَّ على أصحاب الرأي فلم نحسن كيف نرد عليهم حتى جاءنا الشافعي ففتح علينا (٤).
قال: وحدثنا عبد الرحمن قال: أخبرني أبو بشر بن أحمد بن حماد قال: حدثنا أبو بكر بن إدريس قال:
سمعت الحميدي يقول: كان الشافعي ربما ألقى عليّ وعلى ابنه أبي عثمان المسألةَ فيقول: أيّكما أصاب فله دينار (٥).
_________________
(١) في ا: «ونحو».
(٢) في ا: «وجع».
(٣) في ح: «فلزمناه فلزمته حتى خرجت معه إلى مصر».
(٤) آداب الشافعي ومناقبه ٤١ - ٤٢.
(٥) آداب الشافعي ومناقبه ٩٧ وحلية الأولياء ٩/ ١١٩.
[ ٢ / ٢٦٨ ]
أخبرنا أبو سعد: أحمد بن محمد المَالِينِي، أخبرنا أبو أحمد بن عدي الحافظ قال: حدثنا علي بن أحمد بن علي بن عمران - يعني الجُرْجَانِي - عن أبيه:
عن الحُمَيْدي قال: حدثنا سيّد علماءِ أهلِ زمانه: محمد بن إدريس الشافعي.
وأخبرنا أبو عبد الرحمن السّلمي، وأبو حازم (١): عمر بن أحمد العَبْدَوِي الحافظ. قال أبو عبد الرحمن: أخبرنا، وقال أبو حازم: سمعت أبا محمد بن أبي حامد الشيباني يقول: سمعت أبا العباس: الفضل بن محمد بن الفضل الحافظ يقول: سمعت أبا الحسن: علي بن أحمد بن الجُرْجَاني يقول: سمعت أبي يقول:
سمعت الحميدي يقول: سيد علماء أهل زمانه: محمد بن إدريس الشافعي.
ورواه أيضا محمد بن داود، عن أحمد بن علي الجرجاني قال: كان الحميدي إذا جرى عنده ذكر الشافعي يقول (٢): حدثنا سيد الفقهاء الشافعي.
أخبرنا أبو عبد الله الحافظ قال: أخبرني محمد بن يوسف الدَّقيقي قال: حدثنا أبو نعيم الفقيه قال: حدثنا محمد بن داود. فذكره.
* * *
_________________
(١) في ح: «أبو حاتم» وهو تحريف. وفي هـ: «العبدي» وهو أبو حازم: عمر بن أحمد ابن إبراهيم بن عبدويه العبدوي. كان إماما رحل في طلب الحديث، فسمع أبا بكر الإسماعيلي وخلقا كثيرا. وروى عنه الخطيب أبو بكر. وتوفى يوم عيد الفطر سنة ٤١٧ كما في اللباب ٢/ ١١٣.
(٢) سقطت من ح.
[ ٢ / ٢٦٩ ]
ومنهم أبو عبد الله: أحمد بن صالح المصري، ﵀.
أخبرنا أبو عبد الرحمن: محمد بن الحسين السلمي، قال: أنبأنا علي ابن عمر الدَّارَقطْنِي قال: حدثنا إبراهيم بن محمد بن إبراهيم قال: حدثنا عبد الله بن محمد بن جعفر قال: حدثنا موسى بن سهل الرَّمْلِي قال: قلت لأحمد بن صالح: جالستَ أبا عبد الله: محمد بن إدريس الشافعي؟ فقال: سبحان الله! مثله كنت أُقصِّر في مجالسته.؟!
* * *
ومنهم علي بن معبد (١) المصري، ﵀.
أخبرنا أبو عبد الله الحافظ قال: قال أبو الوليد الفقيه: سمعت مَكّي ابن عبدان يقول: سمعت جعفر بن محمد بن موسى يقول: سمعت الربيع بن سليمان يقول: سمعت علي بن معبد (٢) يقول: ما عرفنا الحديث حقا (٣) حتى جاءنا الشافعي، ﵁.
* * *
ومنهم عبد الملك بن هشام النحوي، رحمة الله عليه.
أخبرنا أبو عبد الرحمن السلمي قال: حدثنا علي بن عمر الحافظ، ببغداد، قال: حدثنا أبو العباس: عبيد الله بن محمد المطّلبي، عن يحيى بن زكريا ابن حيويه قال:
سمعت المزني يقول: قدم علينا الشافعي، وكان بمصر عبد الملك بن هشام،
_________________
(١) في ح: «بن سعيد» وهو تحريف.
(٢) في ح: «بن سعيد».
(٣) سقطت من ح.
[ ٢ / ٢٧٠ ]
صاحب المغازي، وكان علامة أهل مصر في العربية والشعر، فقيل له في المَصِيرِ إلى الشافعي، فَتَثَاقَلَ ثمّ ذهب إليه فقال: ما ظننتُ أنّ الله خلق مثل الشافعي. وكان ابن هشام بعد ذلك قد اتخذ قول الشافعي حجّة في اللغة.
* * *
ومنهم أبو يعقوب: يوسف بن يحيى البُوَيْطِي، ﵀.
أخبرنا أبو عبد الرحمن السلمي قال: أنبأنا الحسن بن رشيق، إجَازَةَ، قال: حدثنا محمد بن سفيان قال: حدثنا الربيع قال:
قال البويطي: الرَّادَّ على الشافعي مَتْعُوب.
وقرأت في كتاب أبي الحسن العاصمي: عن الزبير بن عبد الواحد قال: حدثنا محمد بن عبد الله القَزْويني، قاضي أهل مصر، قال: حدثنا الربيع قال:
قال أبو يعقوب: ما عرفنا نحن مقدار الشافعي [حتى رأيت أهل العراق يذكرون الشافعي] (١) ويصفونه بوصف ما نحسن نحن نصفه، فقد كان حُذَّاق العراق بالفقه والنّظر، وكلّ صنف أهل الحديث وأهل العربية والنُّظّار، يقولون إنهم لم يَرَوْا مثل الشافعي، ﵁.
قال الربيع: وكان البُوَيْطي يقول: قد رأيت الناس، والله ما رأيت أحدًا يشبه الشافعي، ﵁، ولا يقاربه في صِنْف من العلم، ووالله إنّ الشافعي كان أوْرَع عندي من كل من رأيتُه يُنْسَبُ إلى الورع. قال الربيع: ومن كثرة ما كنتُ أرى أبا يعقوب البويطي يتأسف على الشافعي وما فاته، قلت له: يا أبا يعقوب: قد كان الشافعي لك محبًّا يقدّمك على أصحابه، وكنت
_________________
(١) الزيادة من ح.
[ ٢ / ٢٧١ ]
أراك شديد الهيبة له، فما منعك أن تسأله عن كل ما كنت تريد؟
فقال لي: قد رأيت الشافعي ولينه وتواضعه، والله ما كلمته في شيء قطّ إلا وأنا كالمُقْشَعِرّ من هيبته. ثم قال: قد رأيت «ابن هرم» وكلَ من كان في زمان الشافعي كيف كانوا يهابونه، وقد رأيت هيبة السلاطين عند الشافعي، ﵁.
* * *
ومنهم أبو عبد الله: محمد بن عبد الله بن عبد الحكم المصري، ﵀.
أخبرنا محمد بن الحسين السلمي قال: سمعت أبا القاسم: إبراهيم بن محمد (١) النَّصْرَابَاذِي يقول: حدثنا أبو بكر: محمد بن علي بن الحسين الفقيه المصري، بها: قال:
سمعت محمد بن عبد الله بن عبد الحكم يقول: ما رأيت مثل الشافعي، ولا رأى الشافعي بعينه مثله.
وقرأت في كتاب أبي الحسن العاصمي: عن أبي الحسن: علي بن محمد ابن قدامة قال: سمعت سعيد بن عمرو البّرْذَعِي يقول:
سمعت محمد بن عبد الله بن عبد الحكم يقول: ليس «أبو عُبَيْد» عندنا بفقيه. قلت: لم؟ قال: لأنه يجمع أقاويل الناس ويختار لنفسه منها قولا. قلت: فمن الفقيه؟ قال: الذي يستنبط أصلا من كتاب أو سنة لم يسبق إليه، ثم يُشَعِّبُ من ذلك الأصل مائة شعبة. قلت: ومن يقوى على هذا؟ قال: محمد بن إدريس الشافعي، ﵁.
* * *
_________________
(١) في ح: «بن محمد بن النصراباذي».
[ ٢ / ٢٧٢ ]
ومنهم أبو إبراهيم: إسماعيل بن يحيى المزني.
وأبو محمد: الربيع بن سليمان بن كامل المُرَادِي، ﵄.
أخبرنا أبو عبد الرحمن السلمي قال: قال أبو أحمد الترمذي، عن زكريا ابن أحمد.
وقرأت في كتاب أبي الحسن العاصمي، سماعه من أبي يحيى: زكريا بن أحمد بن يحيى بن موسى البَلْخي، قال: سمعت عثمان بن سعيد يقول:
سمعت المزني يقول: أَحْذَقُنا أحذقنا سرقة من الشافعي.
وقرأت في كتابه: عن الزبير بن عبد الواحد قال: وحدثنا القزويني قال: سمعت أبا إبراهيم المزني يقول:
لو كنا نفهم عن الشافعي كل ما يقول لأتيناكم عنه بِصنُوف العلم، ولكنا لم نكن نفهم.
قال: وقال له رجل: يا أبا إبراهيم، أمْلَى عليك الشافعي «كتاب السبق والرمي»؟ أظنه قال: نعم، ولا نعلم أحدًا سبقه [إليه] (١) قال المزني: وأيّ علم كان يذهب على الشافعي؟
[ولكن لم نكن نفهم فقصّرنا وعاجله الموت] (٢)
وأخبرنا أبو عبد الرحمن السلمي الصّوفي قال: سمعت أبا الحسن: أحمد بن محمد بن عبد الله بن حمزة الطّرْسُوسِي يقول: سمعت أحمد بن عبد الرحمن يقول:
قال المزني: لو وُزِنَ عقل الشافعي بنصف عقل أهل الأرض لَرَجَحَ بهم.
_________________
(١) الزيادة من ح.
(٢) الزيادة من ح. (م ١٨ - مناقب جـ ٢)
[ ٢ / ٢٧٣ ]
قال: وقال المزني. لو كان الشافعي في بني إسرائيل لاحتاجوا إليه.
أخبرنا أبو عبد الله الحافظ قال: سمعت أبا محمد بن علي بن زياد العدل يقول: سمعت أبا بكر: محمد بن إسحاق يقول:
سمعت الربيع بن سليمان يقول:، وذكر الشافعي، فقال: لو رأيتموه لقلتم: إن هذه ليست كتبه كان والله لسانُه أكثر من كتبه.
وقرأت في كتاب العاصمي بإسناده: عن حرملة بن يحيى قال: كان أبي يقول: كل ما تكلم به الشافعي فاكتبه. قال: وكان معي كاتب قد رَتَّبَهً أبي معي، فكان أبي يقول للكاتب: اكتب كل ما تكلم به.
(١ قلت: وقد ذكرنا فيما تقدم من هذا الكتاب عن كل واحد ممن سمّينا هاهنا، أو عن أكثرهم، وعن غيرهم، ما بلغنا من أقَاوِيلهم في مدح الشافعي، ﵁، وحسن الثناء عليه، وإعادةُ ذلك هاهنا مما يطولُ به الكتاب، واقتصرنا على هذا، وبالله التوفيق ١).
* * *
أخبرنا أبو عبد الله الحافظ قال: أخبرني محمد بن إبراهيم المؤذن، عن أبي نعيم الفقيه قال:
وقال داود بن علي الأصبهاني: الرَّادُّ على الشافعي مَتْعُوب أبدًا.
قال أبو نعيم: لم يقصد داود بالردّ على الشافعي، إنما رَدَّ ابنُه على الشافعي فأخطأ.
أخبرنا أبو عبد الرحمن السلمي قال: حدثنا العباس بن الحسن قال: حدثنا
_________________
(١) ما بين الرقمين ليس في هـ.
[ ٢ / ٢٧٤ ]
محمد بن الحسين قال: حدثنا أبو يحيى السّاجِي قال: حدثنا أبو العباس: أحمد ابن الحسين قال:
حدثنا «داود بن علي» قال: كنت يومًا أقلب كتب إسحاق بن إبراهيم الحَنْظَليّ، فرأيتُ من كُتبِ الشافعي، فجعل يخفيها عني فاجْتَذَبْتُها (١) فقلت: معاذ الله أَنْ نأخُذَ إلا مَنْ وَجَدْنا مَتَاعَنا عندَه.
أخبرنا أبو عبد الرحمن السلمي قال: سمعت عمر بن أحمد بن شاهين يقول: سمعت عبد الله بن سليمان يقول:
قال «داود بن علي الأصبهاني»: كان الشافعي سِرَاجًا منيرًا لحملة الآثار ونقلة الأخبار، مَنْ تعلَّق بشيء من بيانه صار مِحْجَاجًا.
قال: وسمعت عبد الله يقول: قال الحسن بن محمد الزَّعْفَرَانِي، وسئل في مجلسه عن مسألة فقال: معضِلَة (٢) نبلغ بها إلى أبي سليمان - يعني داود - فنسأله فقال له بعض من في المجلس: لو أَفْتَيْتَهُ فقال: إني أعلم الظاهر من قول الشافعي، ﵁، وهو يعلم الظاهر والباطن.
أخبرنا أبو عبد الله الحافظ قال: أنبأنا أبو الوليد قال: حدثنا إبراهيم ابن محمود بن حمزة قال:
قال داود بن علي في ذكر صفة الشافعي، ﵀: شرفُه ومَنْصِبُه ونسبُه الذي لا يُجهل في عبد مناف، ومنها: ما مَنَّ الله عليه من دينه وجميل سَتْرِهِ وورعه.
_________________
(١) في هـ: «فاخذتها».
(٢) في ا: «معظه» وفي ح: «مفصلة».
[ ٢ / ٢٧٥ ]
وأخبرنا أبو عبد الله قال: قال أبو الوليد فيما أخبرت (١) عنه: سمعت إبراهيم بن محمود يقول:
سمعت «داود بن علي» يقول في ذكر الشافعي: ومن فضائله حفظُه لكتاب ربّه، ومعرفته به، وجمعه لسنن النبي، ﷺ، ومعرفته بالواجب منها من النَّدْب، ومعرفته بناسخ القرآن من منسوخه، و(٢) العامّ منه والخاصّ، ثم معرفته بسيرة هدى نبيه، ﷺ، وأئمة الهدى بعده، ومغازي رسول الله، ﷺ، وخلفائه بعده، وتركه تقليد أهل بلده، وإيثاره ما دلّ عليه كتابُ ربّه، وثبت عن نبيه، ﷺ، ثم ما كشف من تَمْوِيه المخالفين، وما أبطل من زخْرفِتهم (٣) بالحقّ الذي قَذَفَ به على باطلهم فَيْدْمَغُه، ثم ما بَيَّن من الحق الذي سهَّل - بتوفيق خالقه - مَعْرِفَته حتى استطال به من لم يكن يميز بين ظلام وضياء مثلا، وألفوا الكتب وناظروا المخالفين.
قال: ومنها مَا مَنَّ الله عليه من مَنْطِقِه الذي طُبِعَ عليه وكان يعترف (٤) له به كلّ من شاهده، ويقر بتقصيره عن بلوغ أدْنى ما مَنّ الله به عليه منه.
قال: ومنها ما وقاه الله من شُحّ نفسه المُوجِب له للفلاح؛ قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (٥) و[ما] (٦) من عليه به من سماحته وجوده.
_________________
(١) في ح: «فيما أخبرني».
(٢) في ا: «أو».
(٣) في ا: «من خرفهم».
(٤) في ا: «يعرف به له».
(٥) سورة الحشر: ٩.
(٦) الزيادة من ح.
[ ٢ / ٢٧٦ ]
ثم ساق الكلام إلى أن قال: وما علمت أحدًا في عصره كان أمّنَّ على أهل الإسلام منه؛ لما نشر من الحق، وقَمَعَ من الباطل، وأظهر من الحجج، وعلم من الخير (١)، رحمة الله ورضوانه عليه، وعَرَفَ الله جل ثناؤه ذلك له، وجمع بيننا وبين نبينا، ﷺ، والصالحين من عباده، وبينه في جنته مع جميع الأحبَّة؛ إنه لطيف خبير.
أخبرنا محمد بن عبد الله الحافظ قال: سمعت أبا محمد: جعفر بن محمد بن الحارث يقول: سمعت أبا الحسن: علي بن أبان الطبري يقول: سمعت أبا عبيد بن حربويه يقول:
سمعت «داود بن علي» يقول: كنت عند أبي ثَوْرٍ إذ دخل عليه رجل فقال: يا أبا ثور. أما ترى هذه المصيبة التي نزلت بالناس؟ قال: وما هي؟ قال: يقولون: إن «الثوري» أفقه من «الشافعي» فقال: يا سبحان الله، وقد قالوها! قال: نعم. قال: نحن نقول: إن الشافعي أفقه من إبراهيم النَّخَعِي وذَوِيه، وقد جاءنا هذا بالثوري (٢).
أخبرنا أبو عبد الله الحافظ قال: سمعت أبا عبد الله: الزبير بن عبد الواحد يقول: سمعت أبا زُرْعَة: أحمد بن موسى المكي يقول:
سمعت هلال بن العلاء الرَّقي يقول: مَنَّ الله ﵎ على الناس بأربعة في زمانهم: الشافعي، وأحمد بن حنبل، وأبي عبيد، ويحيى بن معين.
فأما الشافعي، ﵁، فبفقه حديث النبي، ﷺ.
_________________
(١) في ح: «من الخير. ومنها: نسبه الذي لا يجهل في عبد مناف. ومنها: ما من الله عليه من دينه وجميل سيره وورعه. رحمة الله ».
(٢) راجع توالي التأسيس ٥٩.
[ ٢ / ٢٧٧ ]
وأما أحمد بن حنبل فجعله للناس إمامًا في القرآن، ولولا ذلك لكفر الناس.
وأما أبو عبيد ففسَّر لهم غريب الحديث، ولولا ذلك لاقتحم الناس في الخطأ.
وأما يحيى بن معين فنفى الكذب عن رسول الله، ﷺ.
أخبرنا أبو عبد الرحمن السلمي قال: سمعت أبا العباس: الوليد بن محمد الواعظ يقول: سمعت محمد بن مخلد يقول:
قال «حجاج بن الشاعر»: مَنَّ الله على هذه الأمة بأربعة أئمة في وقتهم: بأحمد بن حنبل: ثبت في القرآن لولاه لهلك الناس. والشافعي بفقه حديث رسول الله، ﷺ، وأبو عبيد: فسّر غريب حديث رسول الله، ﷺ. ويحيى بن معين: نفى الكذب عن حديث رسول الله، ﷺ.
أخبرنا محمد بن عبد الله الحافظ قال: سمعت أبا عبد الله: الزبير بن عبد الواحد الحافظ يقول: سمعت أبا محمد: جعفر بن محمد بن علي الهمذاني يقول:
سمعت هلال بن العلاء يقول: الشافعيّ (١) أصحاب الحديث عيال عليه فتح لهم الأقْفَال.
وفيما قرأت في كتاب أبي الحسن العاصمي: سمعت أبا الحسن: علي بن محمد ابن قدامة الأرْدَبِيْلِي يقول: سمعت سعيد بن عمرو البرذعي يقول: وردت الرّيّ، فدخلت على أبي زُرْعَة فقلت (٢): سمعت حميد بن الربيع يقول:
_________________
(١) في ح: «للشافعي».
(٢) سقطت من ح.
[ ٢ / ٢٧٨ ]
سمعت أحمد بن حنبل يقول يعني (١) قوله: ما أعلم أحداَ أعظم مِنَّة على الإسلام في زمن الشافعي من الشافعي.
فقال أبو زرعة: صدَقَ أحمد بن حنبل، ما أعلم أحدًا أعظم مِنَّةً على الإسلام في زمن الشافعي من الشافعي، ولا أحد ذَبَّ عن سنن رسول الله، ﷺ، مثل ما ذبّ الشافعي، ولا أحد كشف عن سَوْءَاتِ القوم مثل ما كشفه.
أخبرنا أبو عبد الله الحافظ قال: أخبرني نصر بن محمد العطّار قال: أخبرني محمد بن عمرو البصري قال: حدثنا أبو إسحاق: إبراهيم بن محمد بن الحسين الأسَدَابَذِي قال: حدثنا أبو نصر: محمد بن حَمْدَوَيه المرْوَزِي قال:
سمعت أحمد بن سنان (٢) يقول: لولا الشافعي لدرس الإسلام.
أخبرنا أبو سعد: أحمد بن محمد المَالِينِي قال: أنبأنا أبو أحمد بن عدي الحافظ قال: أنبأنا عبد الله بن العباس الطَّيَالِسي قال:
سمعت هلال بن العَلاَء يقول: مَنَّ الله تعالى على هذه الأمة بأربعة لولاهم لهلك الناس.
مَنَّ الله تعالى عليهم بالشافعي حتى بَيَّنَ المُجْمَلَ من المُفسَّر، والخاصّ من العام، والناسخ من المنسوخ، ولولاه لهلك الناس.
ومَنَّ الله عليهم بأحمد بن حنبل حتى صبر في المحنة والضرب، فنظر غيره إليه فصبروا ولم يقولوا بخلق القرآن، ولولاه لهلك الناس.
_________________
(١) في ح: «يقول في قوله».
(٢) في ا: «بن سيار» وهو تحريف.
[ ٢ / ٢٧٩ ]
ومَنَّ الله عليهم بيحيى بن معين حتى بيّن الضعفاء من الثقات، ولولاه لهلك الناس
ومَنَّ الله عليهم بأبي عُبَيْد حتى فَسَّرَ غريب حديث رسول الله، ﷺ، ولولاه لهلك الناس.
أخبرنا محمد بن عبد الله قال: حدثني أبو الفضل بن أبي نصر قال: سمعت قاسم بن أبي صالح يقول:
سمعت أبا حاتم الرازي يقول: لولا الشافعي (١) سمى وأبو سمى: أي لكان أصحاب الحديث في عمي.
أخبرنا أبو عبد الله الحافظ قال: سمعت أبا الوليد يقول:
سمعت أبا بكر بن مجاهد يقول: من أراد الظَّرْفَ فعليه بفقه الشافعي، وقراءة أبي عمرو بن العلاء، فإن كان له بيع فالبُرّ.
أخبرنا أبو عبد الله الحافظ (٢) قال: سمعت أبا بكر بن مجاهد يقول: من قرأ بقراءة أبي عَمْرو بن العلاء وبفقه الشافعي كَمُل ظَرْفُه. وقال فيه غيره عن ابن مجاهد: وتعلّم النحو فقد أكمل الظَّرْف.
ورواه أبو الحسن العاصمي عن بعض أصحابه، عن ابن مجاهد قال: وكتب الحديث. ولم يذكر النحو.
أخبرنا أبو عبد الرحمن السّلمي قال: سمعت عبد الواحد بن محمد الأصبهاني
_________________
(١) كذا في ا. وفي ح: «سمى ملعوه سمر» وفي هـ: «سمى فأبوه سمر»!
(٢) كتب فوقها في ا: «سقط».
[ ٢ / ٢٨٠ ]
يقول: سمعت محمد بن الحسين (١) بن منصور يقول:
سمعت أبا العباس بن سريج يقول: من أراد أن يَتَظَرَّفَ فعليه بمذهب الشافعي، وقراءة أبي عمرو بن العلاء. وشعر ابن المعتز. فقيل له: قد عرفنا مذهب الشافعي، وقراءة أبي عمرو بن العلاء، فأنشدنا من شعر عبد الله بن المعتز ما يوجب الظرف فأنشد:
كنتُ صبَاحي قريرَ عَيْنِي فصرت أمسي صريعَ بَيْنِي
بعينِ نفْسي أصبتُ نَفْسِي فاللهُ بيني وبين عَيْنِي
وقد ذكرنا فيما تقدم أقَاوِيلَ أهلِ اللغة في معرفة الشافعي، ﵁ بها، فلا معنى للإعادة.
وأخبرنا محمد بن عبد الله الحافظ قال: أخبرني أبو عبد الله: محمد بن إبراهيم المؤذّن قال: سمعت أبا بكر: محمد بن الحسن الهاوندي يقول: سمعت أبا عبد الله: إبراهيم بن محمد بن عرفة النحوي - يعني نفطويه - ينشد:
مَثَلُ الشافعيّ في العلماءِ مَثَلُ البدر في نجوم السماء (٢)
كان والله معدِنا لعلومٍ سيّدَ الناس أفقهَ الفقهاءِ
راجحًا عالمًا كريمَ طباعٍ سيّد الناس أحلَم الحلماءِ (٣)
_________________
(١) في ح: «الحسن».
(٢) البيت الأول في تاريخ بغداد ٢/ ٦٩ لبعضهم، بعده: قل لمن قاسه بنعمان جهلا أيقاس الضياء بالظلماء والأول والثاني والرابع في مناقب الشافعي للرازي ٢٢.
(٣) في ح: «.. أحكم الحكماء».
[ ٢ / ٢٨١ ]
اقتدى بالنبي في حسن قول وأقام البَوَارَ للسفهاء
وقرأتُ في كتاب بعض أصحابنا لبعضهم في الشافعي، ﵀:
الفقه فيك طبيعةٌ مطبوعةٌ وَلِمَنْ سِواك تكلّفٌ وتَصنُّعُ
* * *
[ ٢ / ٢٨٢ ]
باب (١)