شافع بن علي
بن عباس بن اسمعيل بن عساكر. الكناني العسقلاني، ثم المصري. سبط القاضي رشيد الدين بن عبد الظاهر. الإمام الكاتب ناصر الدين. ولد سنة تسع وأربعين وستمائة. وتوفي رحمه الله تعالى سنة ثلاثين وسبعمائة. باشر الإنشاء بمصر زمانًا إلى أن أضر لأنه أصابه سهم في نوبة حمص الكبرى، سنة ثمانين وستمائة في صدغه، فعمى بعد ذلك. فلازم بيته إلى أن توفي رحمه الله تعالى. روى عن الشيخ جمال الدين بن مالك وغيره. وروى عنه الشيخ أثير الدين أبو حيان، والشيخ علم الدين البرزالي وجمال الدين إبراهيم الغانمي وغيره من الطلبة. وله النظم الكثير والنثر الكبير، وكتب المنسوب. وكان جماعةً للكتب. اخبرني الشهاب البوتيجي الكتبي المعروف بزحل. قال: خلف ثمانية عشر خزانة كتبًا نفائس أدبية. وكانت زوجته تعرف ثمن كل كتاب. وبقيت تبيع منها إلى أن خرجت أنا من القاهرة سنة تسع وثلاثين وسبعمائة. وأخبرني المذكور أيضًا قال كا إذا لمس الكتاب وجسه. قال: ها الكتاب الفلاني ملكته في الوقت الفلاني. وكان إذا أراد أي مجلد كان، قام إلى الخزانة التي هو فيها وتناوله منها، كأنه الآن وضعه فيها. كتب إليه السراج الوراق يستشفع به عند فتح الدين بن عبد الظاهر:
أيا ناصر الدين اتنصر لي فطالما ظفرت بنصر منك بالجاه والمال
وكن شافعًا فالله سماك شافعًا وطابقت أسماءً بأحسن أفعال
وقدرك لم يجهله عند محمد لأن ابن عباس من الصحب والآل
اجتمعت به في داره غير مرة. وكتبت إليه وأنا بالقاهرة سنة ثمان وعرين وسبعمائة. استدعاء أثبته بكماله في ترجمته في التاريخ الكبير. وكتب لي الجواب إجازة، وهو أيضًا نظم ونثر، وأثبته هناك أيضًا. وكان من جملة النظم في الاستدعاء:
لا زال في هذا الورى فضله يسير سير القمر الطالع
حتى يقول الناس إذ أجمعوا ما مالك الإنشاء سوى شافع
وكان من جملة الجواب له:
[ ١٤٣ ]
وحسبي بع غرسًا تسامى أصالةً إلى أن سما السماء علاؤها
حوى من بديع النظم والنثر ما رقى إلى درجات لا يرام انتهاؤها
وذكر لي تصانيفه التي أجازني روايتها عنه. وهي: ديوان شعره. مناظرة القبح بن خاقان المسى: شنف الآذان، في مماثلة تراجم قلائد العقيان. وسيرة السلطان الملك الناصر محمد بن قلاون. وسيرة السلطان الملك المنصور قلاون. وسيرة الملك الأشرف خليل. ونظم الجواهر، في سيرة الملك الناصر، نظم. وما شرح الصدور، من أخبار عكا وصور. والإعراب، عما اشتمل عليه البناء الملكي الناصري بسرياقوس من الإعراب. وإفاضة أبهى الحلل، على جامع قلعة الجبل. وقلائد الفرائد وفرائد القلائد، فيما للشعراء العصريين من الأماجد. ومناظرة ابن زيدون في رسالته. وقراضات الذهب المصرية في تقريظ الحماسة البصرية. والمقامات الناصرية. ومماثلة سائر ما حل من الشعر وتضمن الآية الشريفة والأحاديث النبوية من المثل السائر. والمساعي المرضية، في الغزوة الحمصية. وما ظهر من الدلائل، في الحوادث والزلازل. والمناقب السرية، المنتزعة من السيرة الظاهرية. والدر المنتظم، في مفاخرة السيف والقلم. والأحكام العادلة، فيما جرى من المنظوم والمنثور من المفاضلة. والرأي الصائب، فيما لا بد منه للكاتب. والإشعار، بما للمتنبي من الأشعار. وتجربة الخاطر، في مماثلة فصوص الفصول، وعقود العقول مما كتب به القاضي الفاضل في معنى السعيد بن سنا الملك. وعدة الكاتب، وعمدة المخاطب. وشوارد المصائد، فيما لحل الشعر من الفوائد. ومخالفة المرسوم، في الوشي المرقوم. وأنشدني لنفسه إجازة:
قال لي من رأى صباح مشيبي عن شمال من لمتي ويمين
أي شيء هذا فقلت مجيبًا ليل شك محاه صبح يقين
وأنشدني له ايضًا:
تعجبت من أمر القرافة إذ غدت على وحشة الموتى لها قلبنا يصبو
فألفيتها مأوى الأحبة كلهم ومستوطن الأحباب يصبو له القلب
وله وقد احترقت خزائن الكتب في أيام الأشرف:
لا تحسبوا كتب الخزانة عن سدىً هذا الذي قد تم من إحراقها
لما تشتت شملها وتفرقت أسفت فتلك النار من زفراتها
[ ١٤٤ ]
وأنشدني له:
شكا لي صديق حب سوداء أغريت بمص لسان لا تمل له وردا
فقلت له دعها تلازم مصه فإن لسان الثور يصلح للسودا
وأنشدني له في شبابة:
سلبتنا شبابة بهواها كلما ينسب اللبيب إليه
كيف لا والمحسن القول فيها آخذ أمره بكلتا يديه
وأنشدني له أيضًا:
لقد فاز بالأموال قوم تحكموا ودان لهم مأمورها وأميرها
نقاسمهم أكياسها شر قسمة ففينا غواشيها وفيهم صدورها
وأنشدني له في ممسحة القلم:
ومسحة تناهى الحسن فيها فأضحت في الملاحة لا تبارى
ولا نكر على القلم الموافي إذا في ضمنها خلع العذارا
وأنشدني له:
ومن عجب أن السيوف لديهم تكلم من تاتمه وهي صامته
وأعجب من ذا أنها أكفهم تحيد عن الكف المدى وهي ثابته
وأنشدني لنفسه في سجادة خضراء:
عجبوا إذا رأوا بديع إخضرار ضمن سجادة بظل مديد
ثم قالوا من أي ماء تروى قلت ماء الوجوه عند السجود
وأنشدني له أيضًا:
قل لمن أطرا أباد بألف بمديح زاد في عرره
كم رأينا من أبي دلف خبره يربى على خبره
ثم ولى بالممات وما ولتالدنيا على أثره
وأنشدني له في البند الأحمر:
وبي قامة كالغصن حين تمايلت وكالرمح في طعن يقدوفي قد
جرى من دمي بحر بسهم فراقه فخضب منه ما على الخضر من بند
وكان ناصر الدين شافع، قد وقف على شيء من خط بان الوحيد فكتب إليه:
أرانا يراع ابن الوحيد بدائعًا تشوق بما قد أنهجبته من الطرق
[ ١٤٥ ]
بها فات كل الناس فحبذا يمين له قد أحرزت قصب السبق
فقال شرف الدين بن الوحيد:
يا شافعًا شفع العليا بحكمته فساد من راح ذا علم وذا حسب
بانت زيادة خطى بالسماع له وكان يحكيه في الأوضاع والنسب
فجاءني منه مدح صيغ من ذهب مرصعًا بل أتى أبهى من الذهب
فكدت أنشد لولا نور باطنه أنا الذي نظر الأعمى إلى أدبي
فلما بغلت هذه الأبيات ناصر الدين شافعًا. قال:
نعم نظرت ولكن لم أجد أدبًا يا من عدا واحدًا في قلة الأدب
جاريت مدحي وتقر يظى بمعيرة والعيب في الرأس دون العيب في الذنب
وزدت في الفخر حتى قلت منتسبًا بخطك اليابس المرئي كالحطب
بانت زيادة خطة بالسماع له وكان يحكيه في الأوضاع والنسب
كذبت والله لن أرضاه في عمري يا بان الوحيد وكم صنفت من كذب
جازيت درى وقد نظمته كلمًا يروق سمع الورى درًا بمخشللب
وما فهمت مرادي في المديح ولو فهمته لم توجهه إلى الأدب
سأتبع القاف إذ جاوبت مفتخرًا بالراء يا غافلًا عن سورة الغضب
خالفت وزني عجزًا والروى معًا وذاك أقبح ما يروى عن العرب