قال ابن الخطيب في عائد الصلة: من صدور القضاة بالأندلس في الاطلاع بالمسائل ومعرفة الأحكام، كثير المطالعة والاجتهاد، مشاركًا في فنون من فقه وعربية وقراءة وفرائض، طيب النغمة حسن التلاوة، عظيم الوقار، فائق الأبهة، مسترسلًا عنان النادرة الحارة في مجالس الحكم وغيرها، فيغض منه بسببها من يحمل عليه، ولي قضاءَ رُنْدَة وغرناطة في أكمل جاه وحرمة، ذُكر أنه كان في صغره يقرأ على أبي عبد اللَّه بن سمعون، وكان صالحًا، فوجهه في حاجة في يوم مطر شديد فرجع بحاجته بعد عناء، فعاتبه أخوه الكبير فقال: صبي ضعيف يأتيك لفائدة تعرّضه في مصلحتك لهذه المشقة ما هذا من شيم الصالحين فقال له: دعه لا بد أن يكون قاضي الجماعة بغرناطة فقال: فتذكرت لما توليت صحة فراسته، ولد عام تسعة وأربعين وستمائة- اهـ.
وقال الحضرمي في فهرسته: شيخنا الجليل قاضي القضاة العدل النزيه العارف الصدر الشهير الفضائل، كان بقية الفقهاء المحصلين ذا نظر وبحث، نزيه النفس عالي الهمة، متسع الصدر حسن اللقاء، سهل الأخلاق مليح البادرة، ثاقب الذهن جيد النظر، حافظًا نكت الفقه عارفًا بالأحكام، صدرًا
_________________
(١) كذا، ولعلها: أنه كان. وفي عنوان الدراية: لأنه رأى أن كل جواب بني على أصول مذهب مالك وطريقته، فإنه من مذهبه.
(٢) ألف سنة من الوفيات، ص ١٨٤، تاريخ قضاة الأندلس ١٣٨ - ١٣٩، الكتيبة الكامنة ١٠١، الإحاطة ١/ ١٥٣ - ١٥٧.
[ ٨٢ ]
من صدور قضاة الأندلس، متضلعًا بالمسائل كثير المطالعة والدؤوب عليها، حسن القراءة فائق الأنبهة (١)، عظيم الوقار، ولي قضاء الربذة (٢) ومالقة، ثم قضاء الجماعة بغرناطة عام أربعة وسبعمائة، ثم صُرِف عام ثلاثة عشر عند تَغَلّب السلطان أبي الوليد لكلامٍ نُهي عنه أيام الفتنة نصح به السلطان قبله فناله خمول والتزم داره لمطالعة العلمَ أزيد من عشر سنين، ثم راجع أبو الوليد فيه رأيه فقدمه قاضيًا بالمرية، ثم صرف عنه آخر صفر عام تسعة وعشرين، فعاد لانقباضه وتعففه حتى قبض عن نيّفٍ وثمانين عامًا في ذي القعدة عام تسعة وعشرين وسبعمائة. كتبت من خطه: إذا اجتمعت ثلاثة أمور في هدية القاضي فلا كراهة فيها أن يكون من أهل ولايته وأن تكون من عادته قبل القضاء وعدم الخصومة- اهـ.
وهو على حالته واشتهاره من المقلّين في النظم، ومن شعره بعد عزله عن قضاء الجماعة:
أنَا من الحُكْمِ تَائِبْ وعن دَوَاعِيهِ رَاكِبْ (*)
بعدَ التَّفَقُّهِ عُمْري ونيلِ أَسْمَى المرَاتِبْ
وبعدَ أَنْ كنتُ أرقى على المنابرِ خَاطبْ
أصبَحتُ أُرْمَى بعارٍ لِلْحَالِ غير مناسبْ
ما إنْ يليقُ بمثلي لأنني غيرُ راقبْ
أشْكُو إلى اللَّه حَالي فهو المثيب المعاقبْ
قد آن لي بيعُ كتبي أَو اجْعَلَنْهَا السوائبْ