[ ١ / ٣٢ ]
الْبَاب الأول من الْقسم الأول فِي فضل شعراء الشَّام على شعراء سَائِر الْبلدَانِ وَذكر السَّبَب فِي ذَلِك
لم يزل شعراء عرب الشَّام وَمَا يقاربها أشعر من شعراء عرب الْعرَاق وَمَا يجاورها فِي الْجَاهِلِيَّة وَالْإِسْلَام وَالْكَلَام يطول فِي ذكر الْمُتَقَدِّمين مِنْهُم فَأَما المحدثون فَخذ إِلَيْك مِنْهُم العتابي ومنصورا النمري والأشجع السّلمِيّ وَمُحَمّد بن زرْعَة الدِّمَشْقِي وَرَبِيعَة الرقي على أَن فِي الطائيين اللَّذين انْتَهَت إِلَيْهِمَا الرِّئَاسَة فِي هَذِه الصِّنَاعَة كِفَايَة وَهَا هما
وَمن مولدِي أهل الشَّام المعوج الرقي والمريمي والعباسي المصِّيصِي وَأَبُو الْفَتْح كشاجم والصنوبري وَأَبُو المعتصم الْأَنْطَاكِي وَهَؤُلَاء رياض الشّعْر وَحَدَائِق الظّرْف
فَأَما العصريون فَفِيمَا أسوقه من غرر أشعارهم أعدل الشَّهَادَات على تقدم أَقْدَامهم
وَالسَّبَب فِي تبريز الْقَوْم قَدِيما وحديثا على من سواهُم فِي الشّعْر قربهم من خطط الْعَرَب وَلَا سِيمَا أهل الْحجاز وبعدهم عَن بِلَاد الْعَجم وسلامة ألسنتهم
[ ١ / ٣٣ ]
من الْفساد الْعَارِض لألسنة أهل الْعرَاق لمجاورة الْفرس والنبط ومداخلتهم إيَّاهُم وَلما جمع شعراء الْعَصْر من أهل الشَّام بَين فصاحة البداوة وحلاوة الحضارة ورزقوا ملوكا وأمراء من آل حمدَان وَبني وَرْقَاء هم بَقِيَّة الْعَرَب والمشغوفون بالأدب والمشهورون بالمجد وَالْكَرم وَالْجمع بَين أدوات السَّيْف والقلم وَمَا مِنْهُم إِلَّا أديب جواد يحب الشّعْر وينتقده ويثيب على الْجيد مِنْهُ فيجزل ويفضل انبعثت قرائحهم فِي الإجادة فقادوا محَاسِن الْكَلَام بألين زِمَام وأحسنوا وأبدعوا مَا شَاءُوا
وَأَخْبرنِي جمَاعَة من أَصْحَاب الصاحب أبي الْقَاسِم إِسْمَاعِيل بن عباد أَنه كَانَ يعجب بطريقتهم المثلى الَّتِي هِيَ طَريقَة البحتري فِي الجزالة والعذوبة والفصاحة والسلاسة ويحرص على تَحْصِيل الْجَدِيد من أشعارهم ويستملي الطارئين عَلَيْهِ من تِلْكَ الْبِلَاد مَا يَحْفَظُونَهُ من تِلْكَ الْبَدَائِع واللطائف حَتَّى كسر دفترا ضخم الحجم عَلَيْهَا وَكَانَ لَا يُفَارق مَجْلِسه وَلَا يمْلَأ أحد مِنْهُ عينه غَيره وَصَارَ مَا جمعه فِيهِ على طرف لِسَانه وَفِي سنّ قلمه فطورا يحاضر بِهِ فِي مخاطباته ومحاوراته وَتارَة يحله أَو يُورِدهُ كَمَا هُوَ فِي رسائله فَمن ذَلِك قَول الْقَائِل // من الطَّوِيل //
(سَلام على تِلْكَ الْمعَاهد إِنَّهَا شَرِيعَة وردي أَو مهب شمَالي)
(ليَالِي لم نحذر حزون قطيعة وَلم نمش إِلَّا فِي سهول وصال)
(فقد صرت أرْضى من سواكن أرْضهَا بخلب برق أَو بطيف خيال)
[ ١ / ٣٤ ]
وَقَول الآخر // من الوافر //
(إِذا دنت الْمنَازل زَاد شوقي وَلَا سِيمَا إِذا بَدَت الْخيام)
(فلمح الْعين دون الْحَيّ شهر وَرجع الطّرف دون السّير عَام)
وَقَول الآخر من // الْخَفِيف //
(فسقى الله بَلْدَة أَنْت فِيهَا كدموعي عِنْد اعْتِرَاض الْفِرَاق)
(وأرانيك فالصبا قد ترقت يَا بروحي إِلَى أعالي التراقي)
وَقَول الآخر // من الطَّوِيل //
(وَوَاللَّه لَا فَارَقت عقدَة وده وَلَا حلت مَا عمرت عَن حفظ عَهده)
(وَلَا بُد أَن الدَّهْر كاشف أَهله وَيظْهر للْمولى مُوالَاة عَبده)
وَكَانَ أَبُو بكر الْخَوَارِزْمِيّ فِي ريعان عمره وعنفوان أمره قد دوخ بِلَاد الشَّام وَحصل من حَضْرَة سيف الدولة بحلب فِي مجمع الروَاة وَالشعرَاء ومطرح الغرباء الْفُضَلَاء فَأَقَامَ مَا أَقَامَ بهَا مَعَ أبي عبد الله بن خالويه وَأبي الْحسن الشمشاطي وَغَيرهمَا من أَئِمَّة الأدباء وَأبي الطّيب المتنبي وَأبي الْعَبَّاس النامي وَغَيرهمَا من فحول الشُّعَرَاء بَين علم يدرسه وأدب يقتبسه ومحاسن أَلْفَاظ يستفيدها وشوارد أشعار يصيدها وانقلب عَنْهَا وَهُوَ أحد أَفْرَاد الدَّهْر وأمراء النّظم والنثر وَكَانَ يَقُول مَا فتق قلبِي وشحذ فهمي وصقل ذهني وأرهف حد لساني وَبلغ هَذَا الْمبلغ بِي إِلَّا تِلْكَ الطوائف
[ ١ / ٣٥ ]
الشامية واللطائف الحلبية الَّتِي علقت بحفظي وامتزجت بأجزاء نَفسِي وغصن الشَّبَاب رطيب ورداء الحداثة قشيب وَمَا كَانَ أَكثر مَا ينشدني ويكتبني مِمَّا يضن بِهِ على غَيْرِي من تِلْكَ الْغرَر الَّتِي تجْرِي مجْرى السحر وَالْملح الَّتِي يقطر مِنْهَا مَاء الظّرْف وَأَنا أَكتبهَا فِي أماكنها من أَبْوَاب هَذَا الْقسم الأول بِمَشِيئَة الله تَعَالَى
وَمِمَّنْ خرجته تِلْكَ الْبِلَاد وأخرجته وَكَلَامه مَقْبُول مَحْبُوب آخذ بِمَجَامِع الْقُلُوب القَاضِي أَبُو الْحسن عَليّ بن عبد الْعَزِيز الْجِرْجَانِيّ فَإِنَّهُ جنى ثمارها واستصحب أنوارها حَتَّى ارْتقى إِلَى الْمحل الْعلي وتطبع بطبع البحتري
[ ١ / ٣٦ ]
الْبَاب الثَّانِي ١ فِي ذكر سيف الدولة أبي الْحسن عَليّ بن عبد الله بن حمدَان وَسِيَاق قِطْعَة من أخباره وملح من أشعاره
كَانَ بَنو حمدَان ملوكا وأمراء أوجههم للصباحة وألسنتهم للفصاحة وأيديهم للسماحة وعقولهم للرجاحة وَسيف الدولة مَشْهُور بسيادتهم وواسطة قلادتهم وَكَانَ ﵁ وأرضاه وَجعل الْجنَّة مَأْوَاه غرَّة الزَّمَان وعماد الْإِسْلَام وَمن بِهِ سداد الثغور وسداد الْأُمُور وَكَانَت وقائعه فِي عصاة الْعَرَب تكف بأسها وتنزع لباسها وتفل أنيابها وتذل صعابها وتكفي الرّعية سوء آدابها وغزواته تدْرك من طاغية الرّوم الثار وتحسم شرهم المثار وتحسن فِي الْإِسْلَام الْآثَار وحضرته مقصد الْوُفُود ومطلع الْجُود وقبلة الآمال ومحط الرّحال وموسم الأدباء وحلبة الشُّعَرَاء وَيُقَال إِنَّه لم يجْتَمع قطّ بِبَاب أحد من الْمُلُوك بعد الْخُلَفَاء مَا اجْتمع بِبَابِهِ من شُيُوخ الشّعْر ونجوم الدَّهْر وَإِنَّمَا السُّلْطَان سوق يجلب إِلَيْهَا مَا ينْفق لَدَيْهَا وَكَانَ أديبا شَاعِرًا محبا لجيد الشّعْر شَدِيد الاهتزاز لما يمدح بِهِ
[ ١ / ٣٧ ]
فَلَو أدْرك ابْن الرُّومِي زَمَانه لما احْتَاجَ إِلَى أَن يَقُول // من الْكَامِل //
(ذهب الَّذين تهزهم مداحهم هز الكماة عوالي المران)
(كَانُوا إِذا امتدحوا رَأَوْا مَا فيهم ملأريحية مِنْهُم بمَكَان)
وَكَانَ كل من أبي مُحَمَّد عبد الله بن مُحَمَّد الْفَيَّاض الْكَاتِب وَأبي الْحسن عَليّ بن مُحَمَّد الشمشاطي قد اخْتَار من مدائح الشُّعَرَاء لسيف الدولة عشرَة آلَاف بَيت كَقَوْل أبي الطّيب المتنبي // من الطَّوِيل //
(خليلي إِنِّي لَا أرى غير شَاعِر فَلم مِنْهُم الدَّعْوَى ومني القصائد)
(فَلَا تَعَجبا إِن السيوف كَثِيرَة وَلَكِن سيف الدولة الْيَوْم وَاحِد)
(لَهُ من كريم الطَّبْع فِي الْحَرْب منتض وَمن عَادَة الْإِحْسَان والصفح عَامِد)
(وَلما رَأَيْت النَّاس دون مَحَله تيقنت أَن الدَّهْر للنَّاس ناقد)
وَمن القصيدة المرقومة
(فَلم يبْق إِلَّا من حماها من الظبا لمى شفتيها والثدي النواهد)
(تبْكي عَلَيْهِنَّ الباطريق فِي الدجى وَهن لدينا ملقيات كواسد)
(بذا قَضَت الْأَيَّام مَا بَين أَهلهَا مصائب قوم عِنْد قوم فَوَائِد)
[ ١ / ٣٨ ]
(وَمن شرف الْإِقْدَام أَنَّك فيهم على الْقَتْل مرموق كَأَنَّك شاكد)
(وَأَن دَمًا أجريته بك فاخر وَأَن فؤادا رعته لَك حَامِد)
(وكل يرى طرق الشجَاعَة والندى وَلَكِن طبع النَّفس للنَّفس قَائِد)
(نهبت من الْأَعْمَار مَا لَو حويته لهنئت الدُّنْيَا بأنك خَالِد)
(فَأَنت حسام الْملك وَالله ضَارب وَأَنت لِوَاء الدّين وَالله عَاقد)
(أحبك يَا شمس الزَّمَان وبدره وَإِن لامني فِيك السهى والفراقد)
(وَذَاكَ لِأَن الْفضل عنْدك باهر وَلَيْسَ لِأَن الْعَيْش عنْدك بَارِد)
وكقول السّري بن أَحْمد الْموصِلِي // من الوافر //
(أعزمتك الشهَاب أم النَّهَار أراحتك السَّحَاب أم الْبحار)
(خلقت منية وَمنى فأضحت تمور بك البسيطة أَو تمار)
(تحلي الدّين أَو تَحْمِي حماه فَأَنت عَلَيْهِ سور أَو سوار)
(سيوفك من شكاة الثغر برْء وَلَكِن للعدى فِيهَا بوار)
(وَكَفاك الْغَمَام الجون يسري وَفِي أحشائه مَاء ونار)
(يَمِين من سجيتها المنايا ويسري من عطيتها الْيَسَار)
(حَضَرنَا والملوك لَهُ قيام تغض نواظرا فِيهَا انكسار)
(وزرنا مِنْهُ لَيْث الغاب طلقا وَلم نر قبله ليثا يزار)
(فَكَانَ لجوهر الْمجد انتظام وَكَانَ لجوهر الْمَدْح انتثار)
[ ١ / ٣٩ ]
(فعشت مُخَيّرا لَك فِي الْأَمَانِي وَكَانَ على الْعَدو لَك الْخِيَار)
(فضيفك للحيا المنهل ضيف وجارك للربيع الطلق جَار)
وكقول أبي فراس الْحَارِث بن سعيد // الْبَسِيط //
(أشدة مَا أرَاهُ فِيك أم كرم تجود بِالنَّفسِ والأرواح تصطلم)
(يَا باذل النَّفس وَالْأَمْوَال مُبْتَسِمًا أما يهولك لَا موت وَلَا عدم)
(لقد ظننتك بَين الجحفلين ترى أَن السَّلامَة من وَقع القنا تصم)
(نشدتك الله لَا تسمح بِنَفس علا حَيَاة صَاحبهَا تحيا بهَا أُمَم)
(إِذا لقِيت رقاق الْبيض مُنْفَردا تَحت العجاج فَلم تستكثر الخدم)
(تفدي بِنَفْسِك أَقْوَامًا صنعتهمو وَكَانَ حَقهم أَن يفتدوك هم)
(من ذَا يُقَاتل من تلقى الْقِتَال بِهِ وَلَيْسَ يفضل عَنْك الْخَيل والبهم)
(تضن بالطعن عَنَّا ضن ذِي بخل ومنك فِي كل حَال يعرف الْكَرم)
(لَا تبخلن على قوم إِذا قتلوا أثنى عَلَيْك بَنو الهيجاء دونهم)
(ألبست مَا لبسوا أركبت مَا ركبُوا عرفت مَا عرفُوا علمت مَا علمُوا)
(هم الفوارس فِي أَيْديهم أسل فَإِن رأوك فأسد والقنا أجم)
وكقول أبي الْعَبَّاس بن مُحَمَّد النامي
(خلقت كَمَا أرادتك الْمَعَالِي فَأَنت لمن رجاك كَمَا يُرِيد)
[ ١ / ٤٠ ]
(عَجِيب أَن سَيْفك لَيْسَ يرْوى وسيفك فِي الوريد لَهُ وُرُود)
(وأعجب مِنْهُ رمحك حِين يسقى فيصحو وَهُوَ نشوان يميد) // من الوافر //
وكقول أبي الْفرج الببغاء
(نداك إِذا ضن الْغَمَام غمام وعزمك إِن فل الحسام حسام)
(فَهَذَا ينيل الرزق وَهُوَ ممنع وَذَاكَ يرد الْجَيْش وَهُوَ لهام)
(وَمن طلب الْأَعْدَاء بِالْمَالِ والظبا وبالسعد لم يبعد عَلَيْهِ مرام) // من الطَّوِيل //
وكقول أبي الْفرج الوأواء
(من قَاس جدواك بالسحاب فَمَا أنصف بالحكم بَين شكلين)
(أَنْت إِذا جدت ضَاحِك أبدا وَهُوَ إِذا جاد دامع الْعين) // من المنسرح //
وكقول أبي نصر بن نباتة وَهُوَ من شعراء الْعرَاق
(حاشاك أَن تدعيك الْعَرَب وَاحِدهَا يَا من ثرى قَدَمَيْهِ طِينَة الْعَرَب)
(فَإِن يكن لَك وَجه مثل أوجههم عِنْد العيان فَلَيْسَ الصفر كالذهب)
(وَإِن يكن لَك نطق مثل نطقهم فَلَيْسَ مثل كَلَام الله فِي الْكتب) // من الْبَسِيط //
وَكَانَت غمائم جوده تفيض ومآثر كرمه تستفيض فتؤرخ بهَا أَيَّام الْمجد وتخلد فِي صَحَائِف حسن الذّكر
[ ١ / ٤١ ]