(الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَل لَّهُ عِوَجًا (١» الكهف: ١
(تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا (١» الفرقان: ١
والصلاة والسلام على من أرسله الله رحمةً للعالمين، وهدايةً للناس أجمعين، وسيدِ ولدِ آدم محمد ﷺ وبعد
فإن الله تعالى امتنَّ على عباده أن أرسل إليهم خَليلَهُ ورسُولَه ﷺ بشيرًا ونذيرًا، وأنزل عليه أَجَلَّ وأَفْضلَ كُتُبِه، مصدقًا لما بين يديه من الكتب مهيمنًا عليها.
وجعل هذا الكتاب نورًا للناس، وبركةً، وهدىً ورحمةً،
ودليلًا يأخذ بأيديهم إلى طرق الحق،
وحَكَمًا يفصل بينهم فيما اختلفوا فيه،
ومِنْهاجًا مَنِ الْتزَمَه نال السعادة في
الدنيا والآخرة، ومن أعرض عنه ضاقت
عليه نَفْسُه، وشقي في الدنيا والآخرة.
(فما أكرم هذه الأمة على الله سبحانه)!
[ ١١ ]
وقد كان الصحابة (رضوان الله عليهم) يَعُّدون القرآن الكريم رسائل من الله تعالى يقرأونها في صلاتهم بالليل ويطبقونها بالنهار.
وكانوا لا يتعدّون (عشر آيات) حتى يتعلَّموها، ويفهموا ما فيها، ثم يعملوا بها، فأوتوا العلم والعمل معًا فصاروا بذلك أفضل الأمم.
ومِنْ تمام نعمة الله على هذه الأمة، أنه لم يعهد حِفْظَ كتابها إلى أحدٍ منها، كحالِ مَنْ سَبقَنا مِن الأمم (إِنَّا أَنزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِن كِتَابِ اللَّهِ وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ ) (المائدة: ٤٤)
فحرفوا كتابهم، وخانوا عهد ربهم، وضيعوا أماناتهم (فَبِمَا نَقْضِهِم مِّيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِ ) (المائدة: ١٣)
مِنْ أجل ذلك تولَّى ربُّنا ﷻ حِفْظ القرآن بنفسه (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (٩» (الحجر: ٩)
فهو الكتاب الأوحد من بين الكتب المنزلة من السماء، الذي لم يُحرَّف ولم يُبدَّل، وهو الوحي الحق الوحيد الموجود الآن على الأرض (لَّا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِّنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ (٤٢» (سورة فصلت) وما سواه كذبٌ وتلفيقٌ وباطلٌ.
[ ١٢ ]
- وقد تسابق العلماءُ قديمًا وحديثًا في نَيْل شرف الخدمة هذا الكتاب الجليل، فجزاهم الله عنا خير الجزاء، ورفع مقامهم في الدارين.
والمتأمل في حال الأمة اليوم، يجد إقبالًا على سماع القرآن، وتلاوته وحفظه، وهذا لا شك مما يُرجى نَفْعه وبركته، لكن بقدر محدودٍ؛ لأن المقصود الأكبر من إنزال القرآن هو فَهْمُه وتدبُّره (كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ (٢٩» (سورة ص)
- وهذا يجيب على تساؤلات الكثيرين ممن يحبون القرآن، حول عدم وضوح إعجازه، وعدم تأثرهم به، وعدم تمتُّعِهم، وتلذُّذِهم بِمعانيه.
- مَنْ هُنا نَشَأت فكرةُ كتابٍ يكسر هذا الحاجز، ويزيل هذه العقبة، فاستقر في وجداني أن أسجِّل تأمُّلاتي، وأجمع خلاصة قراءاتي، لما كَتَبه المفسِّرون، والمختصون، حول كتاب الله، وأعيد صياغتها في منهج واضح الخطوات، لا يتعثَّر فيه المبتدئ، ولا يستغني عن فوائده المتمرِّس المختص.
- فهذا الكتاب بمثابة المفتاح، الذي يفتح لك الباب، الذي تَلِجُ منه إلى كتب التفاسير دون رهبة، وبمثابة أو خطوة على طريق تدبر القرآن الكريم، وإن شئت فقل هو بداية لنبدأ علاقة جديدة مع القرآن.
[ ١٣ ]
أخي القارئ:
هذه بضاعتي - وإن كنت قليل البضاعة - تُعرض عليك، وهذه بُناتُ أفكاري أهديتُها إليك، فإن صادفت قبولًا فإمساك بمعروف، وإن لم يكن فتسريح بإحسان، وما كان فيه من صوابٍ فَمِن الله وحده، وما كان من خطأ فمني ومن الشيطان والله ورسوله منه براء والله المستعان.
واللَّهَ أسأل أن يجعل هذا العمل خالصًا لوجهه الكريم وأن يجعله لبنة صالحة في صَرْح التناولات القرآنية المشرقة في غرة الأمة الإسلامية العريقة.
عادل محمد خليل
[ ١٤ ]