وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١٢٩)﴾
شرح الكلمات:
وإذ: ظرف لما مضى من الزمان ويعلق بمحذوف تقديره: أذكر وقت كذا وكذا.
القواعد: جمع قاعدة ما يبنى عليه الجدار من أساس ونحوه.
البيت: الكعبة حماها الله وطهرها.
إنك أنت السميع العليم: هذه الجملة وسيلة توسل بها إبراهيم وولده لقبول دعائهم.
مسلمين: منقادين لك خاضعين لأمرك ونهيك، راضين بحكمك، عابدين لك.
أرنا مناسكنا: علمنا كيف نحج بيتك، تمسكًا وتعبدًا لك.
تب علينا: وفقنا للتوبة إذا زللنا وأقبلها منا.
وابعث فيهم رسولًا: هذا الدعاء استجابه الله تعالى، ومحمد ﷺ هو ما طلباه.
الكتاب: القرآن.
الحكمة: السنة وأسرار الشرع والإصابة في الأمور كلها.
يزكيهم: يطهر أرواحهم ويكمل عقولهم، ويهذب أخلاقهم بما يعلمهم من الكتاب والحكمة، وما بينه لهم من ضروب الطاعات.
العزيز الحكيم: العزيز الغالب الذي لا يغلب. الحكيم في صنعه وتدبيره بوضع كل شيء في موضعه.
معنى الآيات:
ما زال السياق الكريم في ذكر مآثر إبراهيم ﵇ المنبئة عن مكانته السامية في كمال الإيمان والطاعة، وعظيم الرغبة في الخير والرحمة، فقد تضمنت الآيات الثلاث ذكر إبراهيم وإسماعيل وهما يبنيان البيت برفع قواعده وهما يدعوان الله تعالى بأن يتقبل١ منهما عملهما متوسلين إليه بأسمائه وصفاته: ﴿إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ .
_________________
(١) ١ هذه من كمال الحال إذ هو في حال البناء، والتعب، والعرق، ويسأل أن يتقبل منه عمله. هذا شأن الكمال من الرجال. قال تعالى عنهم: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ﴾ الآية.
[ ١ / ١١٤ ]
كما يسألانه ﷿ أن يجعلها مسلمين له، وأن يجعل من ذريتهما أمة مسلمة١ له مؤمنة به موحدة له ومنقادة لأمره ونهيه مطيعة، وأن يعلمهما مناسك٢ حج بيته العتيق ليحجاه على علم، ويتوب عليهما، كما سألاه ﷿ أن يبعث في ذريتهم رسولًا منهم يتلو عليهم آيات الله ويعلمهم الكتاب والحكمة ويزكيهم الإيمان وصالح الأعمال، وجميل الخلال وطيب الخصال.
وقد استجاب الله تعالى دعاؤهما فبعث في ذريتهما من أولاد إسماعيل إمام المسلمين وقائد الغر المحجلين نبينا محمد ﷺ، وقد قرر هذا ﷺ بقوله: "أنا دعوة٣ أبي إبراهيم وبشارة عيسى " عليهم جميعًا السلام.
هداية الآيات:
من هداية الآيات:
١- فضل الإسهام بالنفس في بناء المساجد٤.
٢- المؤمن البصير في دينه يفعل الخير وهو خائف ألا يقبل منه فيسأل الله تعالى ويتوسل إليه بأسمائه وصفاته أن يتقبله منه.
٣- مشروعية سؤال الله للنفس وللذرية الثبات على الإسلام حتى الموت عليه.
٤- وجوب تعلم مناسك الحج والعمرة على من أراد أن يحج أو يعتمر.
٥- وجوب طلب تزكية النفس بالإيمان والعمل الصالح، وتهذيب الأخلاق بالعلم والحكمة.
٦- مشروعية التوسل إلى الله تعالى في قبول الدعاء، وذلك بأسمائه تعالى وصفاته لا بحق فلان وجاه فلان، كما هو شأن المبتدعة والضلال. ففي هذه الآيات الثلاث توسل إبراهيم وإسماعيل بالجمل التالية:
١- ﴿إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾
_________________
(١) ١ هي أمة الإسلام التي أنشأها بعون الله تعالى محمد الذي بعثه الله رسولًا في ذرية إسماعيل للعالمين. ٢ النسك في اللغة: الغسل بالماء، يقال: نسك ثوبه إذا غسله، وهو في الشرع: اسم للعبادة، لأن العبادة تطهر النفس وتزكيها، يقال: رجل ناسك ومتنسك إذا لازم العبادة يغسل بها نفسه لتطهر وتزكو فيفلح بذلك ويفوز. ومناسك الحج: هي العبادات المشروعة فيه من إحرام وطواف وذبح الهدي وغير ذلك. ٣ رواه أحمد بلفظ: "إني عند الله لخاتم النبيين وإن آدم لمجندل في طينته وسأنبئكم بأول ذك. دعوة إبراهيم، وبشارة عيسى بي ورؤيا أمي التي رأت وكذلك أمهات النبيين يرين". ٤ وفي الحديث الصحيح: "من بنى لله مسجدًا بنى الله له قصرًا في الجنة".
[ ١ / ١١٥ ]