وفي قوله «علّم القرآن» الحذف فقد حذف المفعول الأول لدلالة المعنى عليه لأن النعمة في التعليم لا في تعليم شخص دون شخص كما يقال فلان يطعم الطعام إشارة إلى كرمه ولا يبيّن من أطعمه.
٣- في قوله «والشمس والقمر بحسبان والنجم والشجر يسجدان» فن التوهيم وقد تقدمت الإشارة إليه وأنه عبارة عن إتيان المتكلم بكلمة يوهم باقي الكلام قبلها أو بعدها أن المتكلم أراد اشتراك لغتها بأخرى أو أراد تصحيفها أو تحريفها أو اختلاف إعرابها أو اختلاف معناها أو وجها من وجوه الاختلاف والأمر بضد ذلك، فإن ذكر الشمس والقمر يوهم السامع أن النجم أحد نجوم السماء وإنما المراد النبت الذي لا ساق له ومنه قول أبي تمام:
من كل أبيض يجلو منه سائله خدا أسيلا به خد من الأسل
فإن ذكر الخد الأسيل أي الناعم المشرق يوهم أن المراد بخد من الأسل أي الرماح مثله مع أن المراد الجرح ومنه توهيم التصحيف ومثاله قول أبي الطيب:
[ ٩ / ٣٩٩ ]
وإن الفئام التي حوله لتحسد أرجلها الأرؤس
فإن لفظة الأرجل أوهمت السامع أن المتنبي أراد القيام ومراده الفئام بالفاء الموحدة وهي الجماعات لأن القيام يصدق على أقل الجمع فتفوت المبالغة منه.
٤- في قوله «والأرض وضعها للأنام» إلى آخر الآيات التي عدد فيها سبحانه آلاءه دليل على أن التشدد وسلوك الطريق الأصعب الذي يشقّ على المكلف ليسا محمودين لأن الشرع لم يقصد إلى تعذيب النفس، وقد روي عن الربيع بن زياد الحارثي أنه قال لعلي بن أبي طالب ﵁: أعدني على أخي عاصم قال: فما باله؟ قال لبس العباءة يريد النسك فقال علي ﵁: عليّ به فأتي به مؤتزرا بعباءة مرتديا لأخرى شعث الرأس واللحية فعبس في وجهه وقال:
ويحك أما استحييت من أهلك؟ أما رحمت ولدك؟ أترى الله أباح لك الطيبات وهو يكره أن تنال منها شيئا؟ بل أنت أهون على الله من ذلك، أما سمعت الله يقول في كتابه: «والأرض وضعها للأنام» إلى قوله «يخرج منهما اللؤلؤ والمرجان» أفترى الله أباح هذه لعباده إلا ليبتذلوه ويحمدوا الله عليه فيثيبهم عليه وإن ابتذالك نعم الله بالفعل خير منه بالقول، قال عاصم فما بالك في خشونة مآكلك وخشونة ملبسك؟ قال ويحك إن الله فرض على أئمة الحق أن يقدروا أنفسهم بصفة الناس.
هذا وقد كان النبي ﷺ يأكل الطيب إذا وجده وكان يحبّ الحلواء والعسل ويعجبه لحم الذراع ويستعذب له الماء فأين التشديد من هذا وإذن فالاقتصار على البشع في المأكول من غير عذر تنطّع.