قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انْظُرْنَا وَاسْمَعُوا وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ (١٠٤)﴾ (البقرة: ١٠٤).
١٨ - قال السعدي - ﵀ -: (كان المسلمون يقولون حين خطابهم للرسول عند تعلمهم أمر الدين: ﴿رَاعِنَا﴾ أي: راع أحوالنا، فيقصدون بها معنى صحيحًا، وكان اليهود يريدون بها معنى فاسدًا (^٢)، فانتهزوا الفرصة، فصاروا يخاطبون الرسول بذلك، ويقصدون المعنى الفاسد، فنهى الله المؤمنين عن هذه الكلمة، سدًا لهذا الباب، ففيه النهي عن الجائز، إذا كان وسيلة إلى محرم (^٣» ا. هـ (^٤).
_________________
(١) انظر: الجامع لأحكام القرآن (١/ ٤٧٠).
(٢) "راعنا": كلمة كانت اليهود تقولها لرسول الله ﷺ على وجه الاستهزاء والسب، هذا قول ابن عباس وقتادة، وجاء عن ابن عباس - ﵄ - أن معناها: اسمع لا سمعت. انظر: جامع البيان (١/ ٥١٨)، والنكت والعيون (١/ ١٦٩)، والجامع لأحكام القرآن (٢/ ٥٦).
(٣) وهو ما يسمى عند الفقهاء بسد الذرائع، والذرائع: جمع ذريعة، والذريعة: الوسيلة إلى الشئ. ومعنى هذه القاعدة: أن الفعل السالم من المفسدة - في ظاهره - إذا كان وسيلة إليها مُنع منه سدًا لباب الفساد، فهو عمل مباح في أصله لكنه يكون وسيلة إلى محظور فيُمنع منه حتى لا يقع المحظور. انظر: إرشاد الفحول إلى تحقيق الحق من علم الأصول (٢/ ٢٧٩)، وموسوعة القواعد الفقهية للبورنو (٦/ ٣٠).
(٤) انظر: تفسير السعدي (٦١).
[ ١٥٨ ]
الدراسة:
استنبط السعدي من هذه الآية قاعدة أصولية وهي قاعدة سد الذرائع، ووجه ذلك أن الله نهى المؤمنين عن قول كلمة "راعنا" مع جوازها في الأصل ولكن مُنع المؤمنون من هذه الكلمة لأن فيها تشابهًا مع المعنى الفاسد الذي يقصده اليهود.
الموافقون:
وقد وافق السعدي على هذا الاستنباط بعض المفسرين، قال ابن عاشور: (وقد دلت هذه الآية على مشروعية أصل من أصول الفقه وهو من أصول المذهب المالكي يلقب بسد الذرائع
وهي الوسائل التي يتوسل بها إلى أمر محظور) (^١)، وقال ابن القيم: (. . . الوجه الرابع: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انْظُرْنَا﴾ نهاهم سبحانه أن يقولوا هذه الكلمة - مع قصدهم بها الخير - لئلا يكون قولهم ذريعة إلى التشبه باليهود في أقوالهم وخطابهم؛ فإنهم كانوا يخاطبون بها النبي ﷺ ويقصدون بها السب، ويقصدون فاعلا من الرعونة، فنهى المسلمون عن قولها؛ سدًا لذريعة المشابهة، ولئلا يكون ذلك ذريعة إلى أن يقولها اليهود للنبي ﷺ تشبها بالمسلمين يقصدون بها غير ما يقصده المسلمون) (^٢)، وممن أشار إلى هذا الاستنباط من المفسرين أيضًا: ابن عطية، والقرطبي، وحقي (^٣)، كما قرر ذلك الشاطبي. (^٤)
المخالفون:
خالف في استنباط هذه القاعدة من الآية ابن حزم، فقال: (وقد
_________________
(١) انظر: التحرير والتنوير (١/ ٦٥٢).
(٢) انظر: أعلام الموقعين (٣/ ١١٠).
(٣) انظر: المحرر الوجيز (١١٩)، والجامع لأحكام القرآن (٢/ ٥٦)، وروح البيان (١/ ١٩٧).
(٤) انظر: الموافقات (٣/ ٧٦).
[ ١٥٩ ]
احتج بعضهم في هذا بقول الله تعالى: ﴿لَا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انْظُرْنَا﴾ قالوا: فنهوا عن لفظة (راعنا) لتذرعهم بها إلى سب النبي ﷺ، وهذا لا حجة لهم فيه، لأن الحديث الصحيح قد جاء بأنهم كانوا يقولون: راعنا من الرعونة، وليس هذا مسندًا، وإنما هو قول لصاحب ولم يقل الله تعالى ولا رسوله ﷺ: إنكم إنما نهيتم عن قول راعنا لتذرعكم بذلك إلى قول راعنا، وإذا لم يأت بذلك نص عن الله تعالى، ولا عن رسوله ﷺ في قول أحد دونه) (^١).
النتيجة:
ما ذهب إليه السعدي ومن وافقه هو الصحيح، فلا حجة في كلام ابن حزم يعتمد عليها،
وما قاله إنما هو بناء على إنكاره قاعدة سد الذرائع، وهي قاعدة لها أدلة وشواهد كثيرة في النصوص، وأما قوله إن ما ورد إنما هو قول صاحب، فهذا القول جاء عن ابن عباس ﵄ (^٢)، وهو من أعلم الناس بالتأويل، ولم يعلم أن أحدًا أنكر عليه هذا القول من الصحابة، فيكون قوله حجة. والله أعلم.