قال تعالى: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (٤)﴾ (الفاتحة: ٤).
١ - قال السعدي - ﵀ -: (وأضاف الملك ليوم الدين (^١)، وهو يوم القيامة، يوم يدان الناس فيه بأعمالهم، خيرها وشرها، لأن في ذلك اليوم، يظهر للخلق تمام الظهور، كمال ملكه وعدله وحكمته، وانقطاع أملاك الخلائق، حتى إنه يستوي في ذلك اليوم، الملوك والرعايا والعبيد
_________________
(١) يوم الدين: هو يوم الجزاء والحساب، قال ابن عباس - ﵄ -: (يوم حساب الخلائق وهو يوم القيامة. . .) انظر: تفسير القرآن العظيم لابن أبي حاتم (١/ ٢٩)، وجامع البيان (١/ ٩٨). وتخصيص لفظ الدين من بين باقي ما يقع يوم القيامة لكونه أدخل في الترهيب والترغيب ولكونه أيضًا مشعرًا بالعدل فيُجازى بما يعادل أعماله المجزي عنها. وإضافته إلى الله وصف بالعدل الذي به تخلد الملوك وتُمدح قال ابن عاشور: (. . . فلذلك لم يقلْ ملك يوم الحساب فوَصفُه بأنه ملك يَوم العدل الصِّرف وصف له بأشرف معنى المُلك فإن الملوك تتخلد محَامدهم بمقدار تفاضلهم في إقامة العدل وقد عرف العرب المِدْحةَ بذلك) انظر: إرشاد العقل السليم (١/ ١٥)، والتحرير والتنوير (١/ ١٧٧).
[ ١٢٧ ]
والأحرار، كلهم مذعنون لعظمته، خاضعون لعزته، منتظرون لمجازاته، راجون ثوابه، خائفون من عقابه، فلذلك خصه بالذكر، وإلا فهو المالك ليوم الدين ولغيره من الأيام) ا. هـ (^١)
الدراسة:
استنبط السعدي من الآية المذكورة سبب تخصيص ذكر الله لملكه ليوم الدين مع أن ملكه أعظم وأشمل من ذلك إلا أن السبب في تخصيص ذلك بالذكر هو إظهار ملكه ﷾ وانقطاع أملاك الآخرين.
قال البغوي: (. . . وإنما خص يوم الدين بالذكر مع كونه مالكا للأيام كلها لأن الأملاك يومئذ زائلة فلا ملك ولا أمر إلا له. . .) (^٢).
وقال جلال الدين المحلي: (﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (٤)﴾ (الفاتحة: ٤) أي الجزاء وهو يوم القيامة وخص بالذكر لأنه لا ملك ظاهرًا فيه لأحد إلا لله تعالى بدليل ﴿لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ (١٦)﴾ (غافر: ١٦» (^٣)، وممن قال بذلك أيضًا: الزجاج، وابن جرير، والواحدي، وابن الجوزي، وابن كثير، والخازن (^٤).
وقد أشار بعض المفسرين إلى أن قراءة من قرأ "ملك " (^٥) تؤيد هذا
_________________
(١) انظر: تفسير السعدي (٣٩).
(٢) انظر: معالم التنزيل (١/ ١٤).
(٣) انظر: تفسير الجلالين (١٠).
(٤) انظر: معاني القرآن للزجاج (١/ ٤٧)، وجامع البيان (١/ ٩٤)، والوسيط (١/ ٦٧)، وزاد المسير (٣٤)، وتفسير القرآن العظيم لابن كثير (١/ ١٥٧)، ولباب التأويل (١/ ٢٠).
(٥) قرأ عاصم، والكسائي، ويعقوب "مالك "وقيل إنها أبلغ لأن كل ملك مالك ولاعكس، وقرأ بقية السبعة "ملك " وقيل إنها أبلغ لما فيها من زيادة البناء فتدل على كثرة الثواب. انظر: جامع البيان (١/ ٩٤)، ومعالم التنزيل (١/ ١٤)، والمحرر الوجيز (٤٢)، وحاشية الصاوي على الجلالين (٤/ ٦٧٠)، والحجة للقراء السبعة للفارسي (١/ ٧).
[ ١٢٨ ]
المعنى، قال أبو السعود: (﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (٤)﴾ (الفاتحة: ٤) صفةٌ رابعة له تعالى، وتأخيرُها عن الصفات الأُوَل مما لا حاجة إلى بيان وجهِه، وقرأ أهلُ الحرمَيْن المحترمَيْن (ملِك) من المُلْك الذي هو عبارةٌ عن السلطان القاهر، والاستيلاءِ الباهر، والغلبةِ التامة، والقُدرةِ على التصرف الكليّ في أمور العامة، بالأمر والنهي، وهو الأنسبُ بمقام الإضافة إلى يوم الدين، كما في قوله تعالى: ﴿لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ (١٦)﴾ (غافر: ١٦» (^١)، كما أشار إلى هذا المعنى ابن جرير الطبري (^٢)، وقال بعض المفسرين أن تخصيص الملك بالذكر هنا لتعظيم شأن ذلك اليوم فهو عظيم في جمعه وحوادثه، قال ابن عطية: (ولكن خصّصه بالذكر لعظمه في جمعه وحوادثه) (^٣)، وممن قال بذلك من المفسرين أيضًا:
الجرجاني (^٤)، وأبوالسعود، والقاسمي. (^٥)
وعند التأمل فيما ذكره المفسرون هنا نجد أنه يمكن الجمع بين الاستنباطين فيكون تخصيص ملك الله ليوم الدين بالذكر - مع أنه مالك له ولغيره - من باب إظهار ملكه في ذلك اليوم وانقطاع أملاك الآخرين كما قال تعالى: ﴿يَوْمَ هُمْ بَارِزُونَ لَا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْهُمْ شَيْءٌ لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ (١٦)﴾ (غافر: ١٦)، وكذلك لعظم هذا اليوم وما يقع
_________________
(١) انظر: إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم (١/ ١٤).
(٢) انظر: جامع البيان (١/ ٩٥).
(٣) انظر: المحرر الوجيز (٤٢).
(٤) هو: عبدالقاهر بن عبدالرحمن بن محمد الجرجاني الأشعري الشافعي نحوي فقيه مفسر له مؤلفات منها: إعجاز القرآن والعوامل المائة وتفسير الفاتحة وغيرها، توفي عام ٤٧١ هـ. انظر: طبقات الشافعية (١/ ٤١)، ومعجم المؤلفين (٥/ ٣١٠).
(٥) انظر: درج الدرر في تفسير الآي والسور (١/ ٨٧)، وإرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم (١/ ١٥)، ومحاسن التأويل (١/ ٢٤٨)،.
[ ١٢٩ ]
فيه من حوادث عظام، وعلى هذا فلا منافاة بين الاستنباطين. والله أعلم.