قال تعالى: ﴿فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ وَقُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ (٣٦)﴾ (البقرة: ٣٦)
قال تعالى: ﴿قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدَى فَمَنْ تَبِعَ
_________________
(١) انظر: تفسير حقي (١/ ٩٤).
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الديات، باب قول الله تعالى ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ﴾، ح (٦٨٦٢).
[ ١٤٩ ]
هُدَايَ فَلَا خَيْرٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٣٨)﴾ (البقرة: ٣٨).
١٣ - قال السعدي - ﵀ - (. . . كرر الإهباط، ليرتب عليه ما ذكر وهو قوله: ﴿فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدَى﴾) ا. هـ (^١)
الدراسة:
استنبط السعدي من هاتين الآيتين سر تكرار الأمر بالإهباط ورأى أن السبب في هذا التكرار هو اختلاف المتعلق بهما فالهبوط الأوّل علّق به العداوة، والثاني علّق به إتيان الهدى كما هو ظاهر عبارة السعدي وإن كانت مختصرة وهذا أحد التوجيهات التي نص عليها كثير من المفسرين في بيان سبب هذا التكرار (^٢).
وقد وافقه على هذا ابن كثير فقال: (وذكر هذا الإهباط الثاني لما تعلق به ما بعده من المعنى المغاير للأول، وزعم بعضهم أنه تأكيد وتكرير، كما تقول: قم قم، وقال آخرون: بل
الإهباط الأول من الجنة إلى السماء الدنيا، والثاني من سماء الدنيا إلى الأرض، والصحيح الأول) (^٣).
الثاني من توجيهات سبب التكرار ما قاله الكرماني (^٤) أن سبب التكرار هو أن الأول من الجنة والثاني من السماء فقال في ذلك: (. . .
_________________
(١) انظر: تفسير السعدي (٥٠).
(٢) انظر: الجامع لأحكام القرآن (١/ ٣٦٨)، واللباب في علوم الكتاب (١/ ٥٧٨)، وأنوار التنزيل وأسرار التأويل (١/ ٥٥)، والمحرر الوجيز (٧٩)، والبحر المحيط (١/ ٣٢٠)، ومدارك التنزيل وحقائق التأويل للنسفي (٤٨)، وزاد المسير (٥٦).
(٣) انظر: تفسير القرآن العظيم لابن كثير (١/ ٢٤٧).
(٤) هو: أبو القاسم محمود بن حمزة بن نصر الكرماني المعروف بتاج القراء، أحد العلماء الفقهاء النبلاء، صاحب التصانيف والفضل، كان عجبًا في دقة الفهم وحسن الاستنباط، لم يفارق وطنه ولا رحل، وكان في حدود الخمسمائة وتوفي بعدها. صنف لباب التفاسير، والبرهان في معاني متشابه القرآن، والإنجاز في النحو. انظر: معجم الأدباء لياقوت الحموي (١٩/ ١٢٥)، وغاية النهاية لابن الجزري (٢/ ٢٩١).
[ ١٥٠ ]
كرر الأمر بالهبوط لأن الأول من الجنة والثاني من السماء) (^١).
وما ذكره الكرماني ضعيف من وجهين: أحدهما: أنه قال في الهبوط الأول: ﴿وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ﴾ [البقرة: ٣٦] فلو كان الاستقرار في الأرض إنما حصل بالهبوط الثاني لكان ذكر قوله: ﴿وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ﴾ [البقرة: ٣٦] عقيب الهبوط الثاني أولى. وثانيهما: أنه قال في الهبوط الثاني: ﴿اهْبِطُوا مِنْهَا﴾ والضمير في (منها) عائد إلى الجنة. وذلك يقتضي كون الهبوط الثاني من الجنة. (^٢)
الثالث من التوجيهات أن سبب التكرار هو أنه للتأكيد وممن قال به البقاعي، والخازن قال الخازن: (والأصح أنه للتأكيد) (^٣).
والقول بأن التكرار هنا لأجل اختلاف المتعلق وللتأكيد هو الأصح؛ لأن لفظ الآيتين يدل على اختلاف المتعلق، وإعادة اللفظ كاف في قصد التأكيد، قال ابن عاشور: (. . . . كررت جملة ﴿قُلْنَا اهْبِطُوا﴾ فاحتمل تكريرها أن يكون لأجل ربط النظم في الآية القرآنية من غير أن تكون دالة على تكرير معناها في الكلام الذي خوطب به آدم فيكون هذا التكرير لمجرد اتصال ما تعلق بمدلول ﴿وَقُلْنَا اهْبِطُوا﴾ [البقرة: ٣٦] وذلك قوله: ﴿بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ﴾ [البقرة: ٣٦] وقوله: ﴿فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدَى﴾.
إذ قد فَصَل بين هذين المتعلقين ما اعترض بينهما من قوله: ﴿فَتَلَقَّى آَدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (٣٧)﴾ [البقرة: ٣٧] فإنه لو عقب ذلك بقوله: ﴿فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدَى﴾ لم يرتبط كمال الارتباط ولتوهم السامع أنه خطاب للمؤمنين على عادة القرآن في التفنن فلدفع ذلك أعيد قوله: ﴿قُلْنَا اهْبِطُوا﴾ فهو قول واحد كرر مرتين لربط الكلام ولذلك لم يعطف ﴿قُلْنَا﴾ لأن بينهما شبه كمال الاتصال لتنزل قوله: ﴿قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا﴾ من قوله: ﴿وَقُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ﴾ منزلة التوكيد اللفظي ثم بنى
_________________
(١) انظر: أسرار التكرار (٢٦).
(٢) انظر: التقسير الكبير (٢/ ٢٥).
(٣) انظر: نطم الدرر (١/ ٢٩٦)، ولباب التأويل في معاني التنزيل (١/ ٣٩).
[ ١٥١ ]
عليه قوله: ﴿فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدَى﴾ الآية وهو مغاير لما بنى على قوله: ﴿وَقُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ﴾ ليحصل شيء من تجدد فائدة في الكلام لكي لا يكون إعادة ﴿اهْبِطُوا﴾ مجرد توكيد ويسمى هذا الأسلوب في علم البديع بالترديد نحو قوله تعالى: ﴿لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا فَلَا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفَازَةٍ مِنَ الْعَذَابِ﴾ [آل عمران: ١٨٨] وإفادته التأكيد حاصلة بمجرد إعادة اللفظ) (^١).