قال تعالى: ﴿إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٧٣)﴾ (البقرة: ١٧٣).
٢٨ - قال السعدي﵀-: (وهذه الإباحة والتوسعة، من رحمته تعالى بعباده، فلهذا ختمها بهذين الاسمين الكريمين المناسبين
_________________
(١) انظر: البحر المحيط (١/ ٦٦٠).
(٢) انظر: المحرر الوجيز (١٥٣)، ولباب التأويل (١/ ١٠٢)، وروح البيان لحقي (١/ ٢٧٦).
[ ١٧٧ ]
غاية المناسبة فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٧٣)﴾). ا. هـ (^١)
الدراسة:
استنبط السعدي من هذه الآية مناسبة ختمها بالاسمين العظيمين لله ﵎ وهما الغفور والرحيم؛ وأن مناسبة ذلك أن الله لما أباح لهم في حال الاضطرار أشياء محرمة وكان في ذلك رحمة بهم ناسب ختمها بهذين الاسمين الدالين على ذلك.
الموافقون:
قال ابن عاشور) وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٧٣)﴾ تذييل قصد به الامتنان، أي إن الله موصوف بهذين الوصفين فلا جرم أن يغفر للمضطر أكل الميتة لأنه رحيم بالناس، فالمغفرة هنا بمعنى التجاوز عما تمكن المؤاخذة عليه لا بمعنى تجاوز الذنب (^٢). . .) (^٣)، وممن قال بذلك من المفسرين أيضًا: البغوي، والشوكاني (^٤).
المخالفون:
بينما ذهب بعض المفسرين إلى أن مناسبة ختم الآية بهذين الاسمين أنه لما ذكر أشياء محرمة اقتضى المنع منها، ثم ذكر إباحتها للمضطر في تلك الحال المقيدة له، أتبع ذلك بالإخبار عن نفسه بأنه تعالى غفور رحيم، لأن المخاطب بصدد أن يخالف، فيقع في شيء من أكل هذه المحرمات، فأخبر بأنه غفور للعصاة إذا تابوا، رحيم بهم، أو لأن
_________________
(١) انظر: تفسير السعدي (٨٢).
(٢) وبهذا يزول الإشكال الذي ذكره بعض المفسرين وهو أنه لما قال: ﴿فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ فكيف يليق أن يقول بعده: ﴿إِنَّ الله غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ فإن الغفران إنما يكون عند حصول الإثم. انظر: التفسير الكبير (٥/ ١٢).
(٣) انظر: التحرير والتنوير (٢/ ١٢١).
(٤) انظر: معالم التنزيل (١/ ٩٨)، وفتح القدير (١/ ١٩٧).
[ ١٧٨ ]
المخاطب، إذا اضطر فأكل ما يزيد على قدر الحاجة، فهو تعالى غفور له ذلك، رحيم بأن أباح له قدر الحاجة (^١).
وقال بعضهم: أن المقتضى للحرمة قائم في الميتة والدم، إلا أنه زالت الحرمة لقيام المعارض، فلما كان تناوله تناولا لما حصل فيه المقتضى للحرمة عبر عنه بالمغفرة، ثم ذكر بعده أنه رحيم، يعني لأجل الرحمة عليكم أبحت لكم ذلك (^٢).
وذكر بعض المفسرين أنه لا يصل إلى درجة أكل المحرم اضطرارا إلا بذنب فناسب ذكر المغفرة هنا لأنه لولا المغفرة لتممت عليه عقوبته وفي قوله: ﴿رَحِيمٌ﴾ إنباء بأن من اضطر فأصاب مما اضطر إليه شيئًا لم يبغ فيه ولم يعد تناله من الله رحمة توسعه من أن يضطر بعدها إلى مثله فيغفر له الذنب السابق الذي أوجب الضرورة ويناله بالرحمة الموسعة التي ينال بها من لم يقع منه ما وقع ممن اضطر إلى مثله (^٣). وهذا الوجه فيه بعد وتكلف حيث أن المؤمن الصالح قد يقع في حال اضطرار إلى فعل ما يحرم عليه ابتلاء له، لا عقوبة بسبب ذنب.
النتيجة:
والأصح في ذلك أن ذكر هاذين الاسمين مناسبته بأن الله رحيم بهم من الهلكة فأباح لهم المحرم بقدر ما يحفظ حياتهم لأن الضرورة تقدر بقدرها، والله غفور لذنبهم متجاوز عنهم فيه
لأنهم لم يرتكبوه عمدًا وإنما عن اضطرا، فربْط هذه المناسبة بالحكم الفقهي الذي ذكر قبلها هو الصحيح؛ لظهور المناسبة.
_________________
(١) انظر: البحر المحيط (١/ ٦٦٥).
(٢) انظر: التفسير الكبير (٥/ ١٢).
(٣) انظر: نظم الدرر (٢/ ٣٤٨)، وجواهر الأفكار (٤٦٢).
[ ١٧٩ ]