قال تعالى: ﴿قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ (١٢٤)﴾ (البقرة: ١٢٤).
٢١ - قال السعدي - ﵀ -: (قال تعالى: ﴿لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ (١٢٤)﴾ أي: لا ينال الإمامة في الدين (^١)، من ظلم نفسه وضرها، وحط قدرها، لمنافاة الظلم لهذا المقام، فإنه مقام آلته الصبر واليقين، ونتيجته أن يكون صاحبه على جانب عظيم من الإيمان والأعمال الصالحة، والأخلاق الجميلة، والشمائل السديدة، والمحبة التامة، والخشية والإنابة، فأين الظلم وهذا المقام؟ ودل مفهوم الآية، أن غير الظالم، سينال الإمامة، ولكن مع إتيانه بأسبابها). ا. هـ (^٢)
الدراسة:
استنبط السعدي من هذه الآية أن غير الظالم ينال الإمامة إذا بذل أسبابها، ووجه ذلك أن الله بين أن الظالم لا ينال الإمامة فدل بمفهوم المخالفة - مفهوم الصفة - أن غير الظالم ينال الإمامة، قال مجاهد في قوله: ﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِي﴾ قال: أما من كان منهم صالحًا فسأجعله إمامًا يقتدى
_________________
(١) وفي العهد هاهنا سبعة أقوال، أحدها: أنه الإمامة، رواه أبو صالح عن ابن عباس، وبه قال مجاهد، وسعيد بن جبير، والثاني: أنه الطاعة، رواه الضحاك عن ابن عباس، والثالث: الرحمة، قاله عطاء وعكرمة، والرابع: الدين، قاله أبو العالية، والخامس: النبوة، قاله السدي عن أشياخه، والسادس: الأمان، قاله أبو عبيدة، والسابع: الميثاق، قاله ابن قتيبة. رجح السعدي أن المراد بالعهد هنا الإمامة وعليه بنى هذه الاستنباط واختار ذلك جمع من المفسرين منهم: أبي حيان، والشوكاني، وابن الجوزي، وابن جزي الكلبي، وغيرهم. انظر: زاد المسير (٨٦)، والنكت والعيون (١/ ١٨٥).
(٢) انظر: تفسير السعدي (٦٥).
[ ١٦٥ ]
به، وأما من كان ظالمًا فلا ولا نُعْمَةَ (^١) عَيْنٍ (^٢).
قال أبو حيان موافقًا السعدي في هذا الاستنباط: (ودل بمفهومه الصحيح على أنه ينال عهده من ليس بظالم) (^٣)، وقال بذلك أيضًا من المفسرين: البيضاوي، وجلال الدين المحلي، والألوسي، وابن عاشور،، والهرري (^٤).
المخالفون:
خالف في ذلك أبوالسعود ورأى أنه ليس بالضرورة أن من ليس ظالمًا ينال الإمامة لاستحالة ذلك، فقال: (﴿لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ (١٢٤)﴾ ليس هذا ردًا لدعوتِه ﵇ بلْ إجابةً خفيةً لها وعِدَةً إجماليةً منه تعالى بتشريف بعضِ ذريتِه ﵇ بنيل عهدِ الإمامةِ حسبما وقع في استدعائه ﵊ من غير تعيين لهم بوصفٍ مميزٍ لهم عن جميع مَنْ عداهم فإن التنصيصَ على حرمانِ الظالمين منه بمعزلٍ من ذلك التمييزِ إذ ليس معناه أنه ينالُ كلَّ من ليس بظالم منهم ضرورةَ استحالةِ ذلك كما أشير إليه ولعل إيثارَ هذه الطريقةِ على تعيين الجامعين لمبادئ الإمامة من ذريته إجمالًا أو تفصيلًا وإرسالَ الباقين لئلا ينتظمَ المقتدون بالأئمةِ من الأمةِ في سلك المحرومين، وفي تفصيل كل فِرقةٍ من الإطناب ما لا يخفى مع ما في هذه الطريقة من تخييبِ الكفرةِ الذين كانوا يتمنَّوْن النبوة، وقطعِ أطماعهمَ الفارغةِ من نيلها) (^٥).
_________________
(١) انظر: تفسير القرآن العظيم لابن أبي حاتم (١/ ٢٢٣).
(٢) أي: ولا مسرة عين، قال الخليل: (وجارية ناعمةٌ مُنَعَّمةٌ، وأَنْعَمَ الله بك عينًا، ونَعِمَ بك عينًا، أي: أقرّ بك عَيْنَ من تحبّ وتقول: نُعْمَةُ عينٍ، ونعماء عين، ونُعام عَين. والنّعمة: المسرّة. انظر: العين للخليل باب العين والنون والميم معهما (٢/ ١٦٢).
(٣) انظر: البحر المحيط (١/ ٥٤٨).
(٤) انظر: أنوارالتنزيل وأسرار التأويل (١/ ٨٦)، تفسيرالجلالين (٢٨)، وروح المعاني (١/ ٣٧٧)، والتحريروالتنوير (١/ ٧٠٦)، وحدائق الروح والريحان (٢/ ٢٥٥).
(٥) انظر: إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم (١/ ١٥٦).
[ ١٦٦ ]
النتيجة:
ما ذهب إليه السعدي ومن وافقه هو الصحيح ومما يؤيده أن حكم أحد الضدين يثبت به الآخر، قال ابن عاشور: (وقوله تعالى: ﴿لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ (١٢٤) استجابة مطوية بإيجاز وبيان للفريق الذي تتحقق فيه دعوة إبراهيم والذي لا تتحقق فيه بالاقتصار على أحدهما لأن حكم أحد الضدين يثبت نقيضه للآخر على طريقة الإيجاز، وإنما لم يُذكر الصنف الذي تحقق فيه الدعوة لأن المقصد ذكر الصنف الآخر. . . ولأن المربي يقصد التحذير من المفاسد قبل الحث على المصالح، فبيان الذين لا تتحقق فيهم الدعوة أولى من بيان الآخرين) (^١). والله أعلم.