أ- من أساليب العرب في الكلام: الالتفات من الغيبة إلى الخطاب، والعرب يستكثرون منه، ويرون أن الكلام إذا انتقل من أسلوب إلى أسلوب أدخل في القبول عند السامع، وأحسن تطرية لنشاطه، وأملأ لاستلذاذ إصغائه، وتختص مواقعه بفوائد ولطائف يراعيها القائل وتتضح للحذاق المهرة. والقرآن جاء على أساليب العرب في الخطاب ومن ثم تجد فيه هذا النوع من طرق البيان على أدقها وأرقاها وأعظمها فوائد ولطائف وقد رأينا ذلك في سورة الفاتحة. إذ عدل عن لفظ الغيبة إلى الخطاب في قوله تعالى إِيَّاكَ نَعْبُدُ بعد قوله تعالى الْحَمْدُ لِلَّهِ .. قال صاحب الكشاف: هذا يسمى الالتفات في علم البيان، قد يكون من الغيبة إلى الخطاب ومن الخطاب إلى الغيبة ومن الغيبة إلى التكلم كقوله تعالى: حَتَّى إِذا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وقوله تعالى وَاللَّهُ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّياحَ فَتُثِيرُ سَحابًا فَسُقْناهُ. وقد التفت امرؤ القيس ثلاثة التفاتات في ثلاثة أبيات:
[ ١ / ٤٨ ]
تطاول ليلك بالأثمد ونام الخلي ولم ترقد
وبات وباتت له ليلة كليلة ذي العائر الأرمد
وذلك من نبإ جاءني وخبرته عن أبي الأسود
وذلك على عادة افتنانهم في الكلام وتصرفهم فيه .. وقد رأينا عند عرض المعاني العامة حكمة الالتفات في سورة الفاتحة.
ب- مما يدل على أن كلمة الدين تأتي بمعنى الحساب والجزاء الحديث الذي رواه أحمد والترمذي: «الكيس من دان نفسه- أي حاسب نفسه- وعمل لما بعد الموت» واستطرادا ننقل كلمة عمر (﵁): «حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا، وزنوا أنفسكم قبل أن توزنوا وتأهبوا للعرض الأكبر على من لا تخفى عليه أعمالكم» يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لا تَخْفى مِنْكُمْ خافِيَةٌ.
ج- أكمل أحوال الداعي أن يبدأ بالحمد ثم يسأل حاجته وحاجة إخوانه المؤمنين ومن ثم جاء قوله تعالى اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ بعد الثناء، فالسؤال بعد الثناء أنجح للحاجة وأنجع للإجابة، ولهذا أرشد الله إليه لأنه الأكمل، وقد يكون السؤال بالإخبار عن حال السائل واحتياجه كما قال موسى ﵇: رَبِّ إِنِّي لِما أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ. وقد يتقدم مع ذلك وصف المسئول كقول ذي النون لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ.
د- يتشدد كثير من الناس في أمر تحرير مخارج الحروف أثناء تلاوة القرآن وذلك شئ جيد، ولكن بعضهم يعتبر الإخلال بالتحرير مبطلا للصلاة، وذلك خطأ ولتصحيح مثل هذا ننقل كلام ابن كثير. يقول ابن كثير: «الصحيح من مذاهب العلماء أنه يغتفر الإخلال بتحرير ما بين الضاد والظاء لقرب مخرجيهما»، وكلامنا كله عند ما لا يخرج الحرف صافيا، أما إذا استبدل حرف بحرف فلذلك أحكامه التي سنراها.
هـ- رأينا من خلال سورة الفاتحة: أن الأصل في المسلم أن يكون جزءا من كل هو الجماعة، وأن الأصل في التربية الإسلامية أنها تقوم على التربية الجماعية، وهذا يجعلنا نفكر كثيرا في الأسباب والأمراض التي تحول دون وجود هذه الروح عند الأكثرين من المسلمين ويجعلنا نتفطن لأهمية معالجة هذه الأسباب والأمراض التي تحول بين المسلم وبين مشاركته جماعة المسلمين فيما تفترض المشاركة فيه، ولا شك أن هذه
[ ١ / ٤٩ ]
الأسباب إما مرجعها لمرض عام مثل انعدام الثقة أو لمرض فردي مثل حب الدنيا وإيثار العافية والشح والإعجاب بالرأي واتباع الهوى والحسد وغير ذلك من
أمراض.
و- يردد المسلم سورة الفاتحة سبع عشرة مرة في كل يوم وليلة على الحد الأدنى.
وأكثر من ضعف ذلك إذا هو صلى السنة، وإلى غير حد إذا هو رغب في أن يقف بين يدي ربه متنفلا غير الفرائض والسنة لما ورد في الصحيحين عن رسول الله ﷺ من حديث عبادة بن الصامت: «لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب»، «إن في هذه السورة من كليات العقيدة الإسلامية، وكليات التصور الإسلامي، وكليات المشاعر والتوجيهات ما يشير إلى طرف من حكمة اختيارها للتكرار في كل ركعة» عن الظلال بتصرف. وقد رأينا الخلاف في قراءتها وراء الإمام.