انتقل ذهنه من الجمرات إلى الأيام!
ودونك الآن الجواب:
أما الوجه الأول: فهو مبني على أن الرواية تقول: إن تعرض الشيطان لإبراهيم ﵇ إنما كان ليصده عن ذبح ابنه. والروايات الجيدة لا تقول ذلك، بل المفهوم منها أن تعرضه له كان ليدخل عليه الخلل في تعلم المناسك، كما تقدم. فرواية سالم بن أبي الجعد عن ابن عباس لا ذكر فيها لقصة الذبح، وكذلك رواية أبي داود الطيالسي عن حماد عن أبي عاصم عن أبي الطفيل عن ابن عباس، ورواية أبي حمزة عن عطاء بن السائب [ص ٨٠] عن سعيد بن جبير عن ابن عباس.
وذكرت في الرواية الأخرى عن حماد عن أبي عاصم عن أبي الطفيل، ولكن ليس فيها أن تعرض الشيطان كان ليصد عن الذبح، فإنه ذكر فيها قصة الذبح بعد ذكر الجمرة الوسطى، ثم ذكر تعرض الشيطان بعد ذلك عند الجمرة القصوى، ولفظه في قصة الذبح يصلح أن تكون جملة معترضة، كما قدمته عند ذكر الروايات، ويؤيده عدم ذكر القصة في الروايات الأخرى.
وذكرت أيضًا في رواية حماد عن عطاء بن السائب، وإنما ذكرت فيها بعد ذكر الجمرات الثلاث، ومع ذلك فلفظهما صالح لأن تكون قصة أخرى غير مرتبطة برمي الجمرات، وهو الواقع كما تقدم. هذا، مع ما في رواية عطاء من الضعف لاختلاطه. فقد اتضح أن الروايات المصححة تفيد أن تعرض الشيطان لإبراهيم ﵇ عند الجمرات إنما كان ليدخل عليه خللًا في تعلم المناسك.
[ ٨ / ٩٩ ]
هذا، والروايات المصححة تفيد أن تعرض الشيطان ورمي إبراهيم ﵇ له كان وإبراهيم خارج من مكة ذاهب إلى عرفة، وليس ذلك وقت رمي الجمرات المشروع. فالظاهر أن رمي إبراهيم ﵇ للشيطان لم يكن لأن الرمي من المناسك، ولكنه بعد أن أفاض من عرفة أمره الله ﷿ أن يرمي تلك المواضع التي تراءى له الشيطان فيها أولًا تذكارًا لنعمة الله ﷿ عليه بتسليطه على الشيطان، وإعاذته منه. وصار ذلك من المناسك شكرًا لذلك، وتعليمًا للناس أنه إذا وسوس لهم الشيطان في طريقهم إلى ربهم ﷿ زجروه، وأخسؤوه، وطردوه، واستعانوا الله تعالى عليه؛ ووعدًا لهم بأنهم إذا فعلوا [ص ٨١] ذلك أعاذهم الله تعالى.
فإن قلت: فعلى ما ذكرته يكون المشروع من رمي الجمار غير موافق رمي إبراهيم ﵇ للشيطان، وهو مخالف له من جهات:
الأولى: أنه على قولك، يكون رميه للشيطان يوم التروية.
الثانية: أنه رماه أولًا عند جمرة العقبة ثم الوسطى ثم القصوى.
الثالثة: أنه كان ذلك مرة واحدة، لم يتكرر الرمي عند كل جمرة في يومين، أو ثلاثة.
الرابعة: أنه لم يتكرر عند جمرة العقبة مع أنها في المشروع فضلت برمي يوم، فلا أعجب منك، فررت من وجهين، فوقعت في وجوه!
قلت: إنك إذا تدبرت علمت أن المقصود في شرع رمي الجمار في الادكار والاعتبار، على ما تقدم، لا يتوقف على مشابهة رمي إبراهيم ﵇ للشيطان من كل وجه.
[ ٨ / ١٠٠ ]
وإذا لم يكن كذلك، فأي غرابة في أن تتصرف الحكمة فيما اقترن بالرمي من وقت وكيفية وغير ذلك؟ فشَرَطَ الشارعُ ما تقتضي المصلحة اشتراطه، وغَيَّر ما اقتضت الحكمة تغييره، واستحبَّ ما تقتضي الحكمة استحبابه، ووكل ما عدا ذلك إلى اختيار المكلف.
وهذا الرمل، سببُ شرعه أن النبي ﵌ لما اعتمر هو وأصحابه عمرة القضية أحب أن يري المشركين قوة في أصحابه، فأمرهم بالرمل. ثم كان ذلك مبدأ لشرع الرمل في الحج والعمرة في أي وقت كانت، ولم يقتصر على مثل تلك الأيام التي كانت فيها عمرة القضية.
وهكذا مبدأ السعي بين الصفا والمروة، وهو تردد أم إسماعيل بينهما، فإن الله تعالى شرع لنا السعي في الحج والعمرة، ولم يقيده بمثل ذلك اليوم الذي سعت فيه أم إسماعيل.
ورأي المعلِّم لا يتخلص من مثل هذه المخالفات، وإن جهد [ص ٨٢] نفسه. فإنه ليس من المعقول، إن كان وقع رمي من العرب لأصحاب الفيل، أن يكون أول يوم وقع في موضع جمرة العقبة، لم يتعدها من جهة من الجهات الأربع، ثم وقع كذلك في أول أيام منى بعد الزوال، ولم يتعدها الرمي أيضًا، ثم وقع عقب ذلك عند الجمرة الوسطى ولم يتعدها، ثم عند الجمرة القصوى ولم يتعدها، ثم تلا ذلك اليوم الثاني من أيام منى، فاتفق أن كان الرمي على ما كان في اليوم الأول لم يتغير، ثم كذلك في اليوم الثالث، ثم اتفق أن كان كل يوم عند كل جمرة بسبع حصيات من كل شخص، إلى غير ذلك مما أرى التشاغل بذكره ضربًا من العبث لوضوح الأمر.
[ ٨ / ١٠١ ]
فمن الحكمة في تأخير الرمي عن يوم التروية أن لا يحتاج من يأتي من جهة عرفة أن يتعب أولًا إلى منى للرمي، ثم يرجع إلى عرفة، ثم إلى منى.
ومنها: أن يكون الحاج قد أقام البرهان من نفسه على صحة عزمه، وحسن استعداده لطرد الشيطان فيما يعرض له فيه. وإقامته البرهان إنما هي بتحمله مشاق السفر، وحفظ حرمة الإحرام مدة تستدعي مثلها المشقة غالبًا، وغير ذلك.
ولهذا شرع للحاج إذا رمى جمرة العقبة يوم النحر أن يدع التلبية، ويأخذ في التكبير، وأن يشرع في التحلل، ولم يبق عليه إلا الحلق وهو نفسه من الاستمتاع. فكأن الله ﵎ يقول: إن العبد إذا فعل ما أمر به إلى يوم النحر، ثم عاهد الله ﷿ عند الجمرة برميها، إذ الرمي
_________________
(١) كما تقدم طرد للشيطان، وإبعاد له، وتأكيد للعزم على زجره وطرده وإبعاده في كل ما يعرض فيه للرامي حتى يلقى الله = إذا فعل ذلك فقد صدق في إجابة داعي الله ﷿، ولم تبق حاجة للتلبية، فليشرع في التكبير، [ص ٨٣] إذ هو شعار تعظيم الله ﷿ عند استحضار الحضور بين يديه، كما في الصلاة. ولذلك لم تبق حاجة لاختباره وترويضه بمحرمات الإحرام، فقد آن أن يؤذن له في التحلل. وأكد ذلك أنه الآن معدود ضيفًا لربه ﷿، وحق الضيف أن لا يضيَّق عليه. وأما عكس الترتيب، فمن المناسبة له أن رمي إبراهيم ﵇ للشيطان كان وهو مصعد إلى عرفة، فلما اقتضت الحكمة تأخير رمي الجمار إلى العود من عرفة ناسب عكس الترتيب. وأشير إلى أصل ترتيب رمي الشيطان بالاقتصار يوم النحر على جمرة العقبة، كما يأتي.
[ ٨ / ١٠٢ ]
وأما التكرير، فمن الحكمة فيه أن رمي إبراهيم ﵇ كان للشيطان وهو يشاهده، فكان المعنى المقصود
_________________
(١) وهو مجانبته وطرده وإبعاده واضحًا. ورمي الجمار ليس كذلك، فإن كثيرًا من الناس يرمي، ولا يدري لماذا يرمي، فكان ذلك داعيًا إلى تكرير رمي الجمار، ليظهر بذلك نحو ما ظهر من إبراهيم ﵇ من صدق العزم على طرد الشيطان ومجانبته. أما من عرف المعنى فإنه يستحضره كلما رمى، فيتقوى استحضاره في نفسه، ويرجى أن يثبت فيها، فينتفع به إلى قابل على الأقل. وأما من لم يعرف المعنى فيكفيه خضوعه لأمرٍ ظاهره العبث، إيمانًا منه بربِّه، وتصديقًا لنبيِّه، وإذا تكرر الرمي قوي هذا المعنى. وأنت خبير أن الإنسان لو حجَّ ألف حَجَّة لكان عليه في كل منها أن يرمي، مع أن الرمي الذي كان المبدأ وهو رمي الشيطان لم يكن إلا في سنة واحدة. وكذلك رمي أصحاب الفيل على رأي المعلم، لو صح. فإذا لم يبعد التكرار بتكرار السنين، فنحوه التكرار في عدة أيام. [ص ٨٤] وكما أن إبراهيم ﵇ لو حج سنة أخرى بعد حجته التي رمى فيها الجمرات لكان عليه أن يرمي الجمرات، وإن لم ير الشيطان. فكذلك لا مانع أن يكون الأمر على ما قدمته: أنه رمى الشيطان مصعدًا إلى عرفة، ثم شرع له الرمي عند عوده منها. وأما الاقتصار يوم النحر على رمي جمرة العقبة، وتقديم وقته، فمن الحكمة فيه والله أعلم التخفيف عن الحاج، فإنه متأذٍّ بطول الإحرام، وعليه في هذا اليوم أعمال كثيرة، سوى الرمي، كالنحر والحلق والتنظف وصلاة العيد وطواف الإفاضة، وغير ذلك. فلو كُلِّف بأن ينتظر حتى تزول
[ ٨ / ١٠٣ ]