وقال أبو الحسن: هو فعل من رَددتُ، أي: يَرُدَّ عني (١).
قوله: ﴿يُصَدِّقُنِي﴾ قرئ بالرفع، والجزم (٢). فمن رفع فهو صفة للنكرة، وتقديره: ردءًا مصدقًا، وسأل ربه إرساله بهذا الوصف. ومن جزم كان على معنى الجزاء، أي: إن أرسلته صدقني، وهو جيد في المعنى؛ لأنه إذا أرسله معه صدقه (٣). والتصديق لهارون في قول الجميع، وقال مقاتل: لكي يصدقني فرعون (٤)؛ والقول هو الأول.
٣٥ - وقوله: ﴿قَالَ﴾ أي: قال الله لموسى ﴿سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ﴾ أي: سنعينك ونقويك به (٥).
_________________
(١) = وذكر الكلمة الأولى: سبسبَّا سيبويه، "الكتاب" ٤/ ١٦٩، وفي الحاشية: إشارة إلى قول العجاج: تترك ما أبقى الدُّبى سَبْسَبًّا وفي حاشية "الحجة" ١/ ٦٥: ذكر البيت كاملًا، وصدره: وهبت الريح بمور هبَّا ثم قال: المور بضم الميم: الغبار، والسبسب: القفر، والدَّبا بتشديد الدال المفتوحة: الجراد. والشاهد في هذا كله: تفعيف الباء للضرورة؛ قال أبو علي: ويضطر الشاعر فيجري الوصل بهذه الإطلاقات في القوافي مجرى الوقف، وقد جاء ذلك في النصب أيضًا، ثم ذكر بيت رؤبة، ثم قال: وهذا لا ينبغي أن يكون في السعة. "المسائل العسكرية" ٢٢٤.
(٢) "الحجة للقراء السبعة" ٥/ ٤٢٠.
(٣) قرأ عاصم وحمزة: ﴿يُصَدِّقُنِي﴾ بضم القاف، وقرأ الباقون: ﴿يصْدقني﴾ بجزم القاف. "السبعة في القراءات" ٤٩٤، و"الحجة للقراء السبعة" ٥/ ٤٢١، وإعراب القراءات السبع وعللها ٢/ ١٧٥، و"النشر في القراءات العشر" ٢/ ٣٤١.
(٤) "الحجة للقراء السبعة" ٥/ ٤٢١، وهو قول الأخفش، "معاني القرآن" ٢/ ٦٥٣.
(٥) "تفسير مقاتل" ٦٥ ب.
(٦) "مجاز القرآن" لأبي عبيدة ٢/ ١٠٤. و"معاني القرآن" للزجاج ٤/ ١٤٤. و"تفسير الثعلبي" ٨/ ١٤٧ ب.
[ ١٧ / ٣٩٥ ]
وشَدُّ العضد مَثَلٌ في التقوية والإعانة. وذلك أن من قَوّيت عضدَه فقد أعنته.
قوله تعالى: ﴿وَنَجْعَلُ لَكُمَا سُلْطَانًا﴾ قال ابن عباس ومجاهد ومقاتل: أي: حجة تدل على النبوة (١).
قال أبو إسحاق: أي حجة نَيَّرة، والسلطان أبين الحجج، ولذلك قيل للزيت: السَّليط؛ لأنه يستضاء به (٢).
وقوله: ﴿فَلَا يَصِلُونَ إِلَيْكُمَا﴾ أي: بقتل ولا بسوء ولا أذى؛ وذلك أنهما خافا من فرعون أن يقتلهما، وهو قوله: ﴿إِنَّنَا نَخَافُ أَنْ يَفْرُطَ عَلَيْنَا أَوْ أَنْ يَطْغَى﴾ [طه: ٤٥] (٣).
وقوله: ﴿بِآيَاتِنَا﴾ قال المبرد: فيه تقديم وتأخير، المعنى: سلطانًا بآياتنا ﴿فَلَا يَصِلُونَ إِلَيْكُمَا﴾ (٤).
وذكر أبو إسحاق وجهين آخرين؛ أحدهما: أن يكون ﴿بِآيَاتِنَا﴾ من صلة: ﴿يَصِلُونَ﴾ كأنه قال: ﴿فَلَا يَصِلُونَ إِلَيْكُمَا﴾ تمتنعان منهم بآياتنا. والثاني: أن يكون ﴿بِآيَاتِنَا﴾ مُبِينًا عن قوله: ﴿أَنْتُمَا وَمَنِ اتَّبَعَكُمَا الْغَالِبُونَ﴾ أي: تغلبون بآياتنا (٥). وهذا معنى قول ابن عباس؛ يريد: قد أعطيتك آياتٍ تقوى بها على جميع الخلق، فلا يَصِل إلى أذاك أحدٌ.
_________________
(١) أخرجه ابن جرير ٢٠/ ٧٦، عن مجاهد، والسدي، و"تفسير مقاتل" ٦٥ ب، و"غريب القرآن" لابن قتيبة ٣٣٣، ولم ينسبه.
(٢) "معاني القرآن" للزجاج ٤/ ١٤٤.
(٣) استدل بهذه الآية على هذا المعنى مقاتل ٦٥ ب.
(٤) ذكره ابن الجوزي، "زاد المسير" ٦/ ٢٢، ولم ينسبه.
(٥) "معاني القرآن" للزجاج ٤/ ١٤٤، ولم ينسبه.
[ ١٧ / ٣٩٦ ]